الدرس : 14 - سورة القصص - تفسير الآية 57 ، ما ترك عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضه الله في دينه ودُنياه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 14 - سورة القصص - تفسير الآية 57 ، ما ترك عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضه الله في دينه ودُنياه.


1995-09-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، في هذه السورة آيةٌ دقيقة جدًا، والمُسلمون في أشَدِّ الحاجة إلى فَهْم معناها، وهي قوله تعالى:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)﴾

[سورة القصص]

 فحينما كُنتم تعْبدون الأصنام، وحينما كنتم في تيهٍ وضلال، وحينما أكَلْتُم المال الحرام، مكنَّا لكم حرمًا آمِنًا، فلمَّا أسْلَمْتُم وتُبْتُم تُتَخَطَّفون مِن أرْضِكم ! أَيُعْقَلُ هذا ؟!
 سيِّدُنا موسى فيما ترْوي الكُتب، دعا ربَّهُ بالسُّقْيا، فقال له الله عز وجل وكان كليم الله: إنَّ فيكم عاصِيًا ! فقال موسى عليه السلام: مَن كان فينا عاصِيًا لله فلْيُغادِرْنا ! لم يُغادِر أحد، والسَّماء نزَلَت بِأمْطار غزيرة، فقال: يا رب، مَن هذا العاصي الذي عصاك ؟ فقال الله عز وجل فيما تَرْوي الكُتب: عَجِبْتُ لك يا موسى أسْتُرُهُ وهو عاصٍ وأفْضَحُهُ وهو تائِب ! قال تعالى:

 

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 

[سورة القصص]

 أخي أنا إذا اتَّبَعْتُ هذا المَنْهَج القرآني في البيْع والشِّراء أموت مِن الجوع أنا وأولادي ! وإن لم أكْذِب لا أُمَشِّي أموري ! وإذا لم أغُشّ فلا أرْبَح ! فهل يُعْقَلُ هذا ؟! فأنت بالمَعْصِيَة والله تعالى يرْزُقُك ويَحْفظك فإذا رَفَعْتَ مُسْتوى طاعتِك إلى الله، وتُبْتَ إليه يَتَخَطَّفُكَ من أرضِك فهل يُعْقَل من هذا الإله الجليل أن يُدَمِّرَك حين تعْبُدُهُ ؟؟! وإذا الواحِد خاف من الله، ولم يودِع مالَهُ بالمَصْرف، وخاف، فلا بدّ أن يَقْتُلوه ! والذي لم يَخَف من الله مُطْمَئِنّ ! هل هذا مَعْقول ؟! حينما تعصي هذا الإله يُأمِّنُك، وحينما تُطيعُهُ يُدَمِّرُك !! هذه هي مُشْكِلَة العالم الإسلامي الآن !! قال تعالى:

 

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 

[سورة القصص]

 هناك وَهْم من الشَّيْطان أنَّك إن أطَعْتَ الله تعالى يُدَمِّرُك، يقول لك: لا بدّ أن يكون مَظْهري ليس دينِيًّا ! ولا أُطَبِّق الدِّين كي أرْتاح ! قال تعالى:

 

﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)﴾

 

[سورة القصص]

 من هم ؟ الكُفَّار ؛ عَبَدةُ أوْثان وشارِبي خَمْر، وفوْضى جِنْسِيَّة لا حُدود لها، والمرأة تتزوَّج عشْرة رِجال في وقْتٍ واحِد، يطوفون بالبيت وهم عُراة، وفي هذه المعاصي كُلِّها، وحفظكم الله وآمنَكُم، ووفَّرَ لكم حرمًا آمِنًا ! فلمَّا جاءَكم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بالهُدى ودين الحق ؛ فإذا آمَنْتُم تُتَخَطَّفون مِن أرْضِكم ! هل يَقْبَلُ عَقْلُكَ هذا الكلام ؟! مُعْظم المُسْلمين يرى المَعْصِيَة فيها طمأنينة والطاعة فيها مُشْكِلَة، ويرى أنَّهُ إن قيَّدَ نفْسَهُ بالشَّرْع يُصْبِحُ مَعْزولاً، وإن تعامل مع هؤلاء الذي انْتهكوا حرْمَة الله أصْبَحَ مَقْبولاً عند الناس، أين التَّوحيد ؟ ما مِن آيةٍ المسلمون في أشَدِّ الحاجة إلى فَهْمِها كَهذه الآية، قال تعالى:

 

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾

 

[سورة القصص]

 أنتم إذا طَلَبْتُم المال بالمَعْصِيَة، وأصْبَحتم من أثْرِياء البِلاد، فَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها، وقد بطَرَتْ معيشَتَها، قال تعالى:

 

﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) ﴾

 

[سورة القصص]

 الأنباط والتَّدْمريُّون، وعاد وثمود، والفراعِنَة ؛ أين هُم ؟! هؤلاء الذين عصَوا لِكَي لا يُتَخَطَّفوا، أين مصيرُهم ؟ قال تعالى:

 

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

 

[سورة الغاشية]

 وقال تعالى:

 

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)﴾

 

[سورة القصص]

 الله عز وجل لا يأخذ غِرَّة، فهو تعالى لا يأخُذ إلا حين يُبَيِّن مِن خِلال الأنبياء والرُّسل، والعلماء والدُّعاة والكتاب الذي يُتْلى صباح مساء قال تعالى:

 

﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)﴾

 

[سورة القصص]

 أيُّها الإخوة، في الحقيقة هي بِشارة، فما مِن إنْسانٍ أُتيحَ له أن يسْمَعَ الحق صافِيًا إلا وعَلِمَ فيه الله الخيْر، والآية الكريمة:

 

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23)﴾

 

[سورة الأنفال]

 فإذا أسْمَعَك الله الحق فهذه بِشارة وما عليك إلا أن تسْتجيب، قال تعالى:

 

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

 

[سورة الأنفال]

 ذَكَرْتُ كثيرًا أنَّ الله تعالى مِن سُنَنِهِ أنَّهُ يبْدأُ مع عَبْدِهِ بالدَّعْوَة البيانِيَّة تسْمع خُطْبَة أو درْسًا، أو تقْرأ كتابًا تسْمَعُ شريطًا، هذه دَعْوَة من الله وجعل لك حاجة بِهذا المكان، أذَّن الظُّهْر وسَمِعْتَ كلامًا فتأثَّرْت ! ليس هذا صُدْفةً، قال تعالى:

 

﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى(40)﴾

 

[سورة طه]

 فلمَّا ربُّنا عز وجل يُسْمِعُ عبْدَهُ الحق، فَمَعنى ذلك باليَقين، والاسْتِدلال القَطْعي أنَّ الله تعالى عَلِمَ فيه خيْرًا، ولأنَّهُ عَلِمَ فيه خيْرًا أسْمَعَهُ الحق وتسْمَعُ قِصَصًا عجيبة، تجِد إنسانًا ما كان له أن يجْلس في هذا المَجْلس أو في أيِّ مجلس عِلْم آخر، ولِسَبَبٍ غريب ونادِرٍ ساقَهُ الله لِمَجْلسِ علْمٍ فانْعَقَدَتْ مع الله تعالى تَوْبَةٌ وصِلَة، فكان مَبْدأ الصُّلْح مع الله، وإذا رَجَعَ العَبْدُ إلى الله نادى مُنادي في السماوات والأرض أن هنئوا فلانًا فقد اصْطَلَحَ مع الله، فإذا سَمِع الواحد الخير، وجعلك الله بِبَلَدِ إسلامي فلو كنت في أمريكا والعياذ بالله، فهذه القضايا ليْسَت صُدْفة، فالله تعالى عَلِمَ فيكَ خيْرًا، والله خلَقَكَ لِيُسْعِدَكَ في الآخرة فأنت أوَّلاً في بلَدٍ إسلامي تسْمعُ الأذان، وهناك مساجِد، ودُروس عِلم وهناك بَقِيَّة حياء وخجَل، وبَقِيَّة وفاء، واسْتِقامة، فأنت بِنِعْمة، تجد مَن هم في بلاد الغرْب يقولون: نحن الأذان مَحْرومون منه !! نوادي وخمور ومصائف، أما أنت ففي بلَدٍ إسلامي تُقامُ فيه شعائِرُ الله ومساجِد مُكْتظَّة بالمُصَلِّين، هذه نِعمة كبيرة، والله تعالى قال:

 

﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)﴾

 

[سورة القصص]

 قال تعالى:

 

﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54)﴾

 

[سورة القصص]

 لمَّا قال النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ))

 

[ رواه الترمذي ]

 ماذا ينْبغي أن تعمل ؟ كُلَّما أخْطأْتَ تدفعُ صَدَقة، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَال لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ))

[رواه الترمذي]

 فإن لم يكن معك فَصُمْ أسأْتَ اِعْتَذِر، وغفَلْتَ عليك أن تتذَكَّر فالمؤمن يحْرصُ على نفْسِهِ وقال بعضُهم: المنافق يعيش في حالٍ واحِدٍ أربعون عامًا، أما المؤمن فيتقلَّب في اليوم الواحِد أربعين مرَّة مِن شِدَّة حِرْصِهِ، ومِن شِدَّة خَوْفِهِ، فسَيِّدُنا عمر بن الخطَّاب ألَمْ يُبَشَّر بالجنَّة ؟ نعم، والبِشارة ثابِتَة فلِمَ قال: ليْتَ أُمَّ عمر لم تَلِد عمر ! غفل ونسيَ البِشارة، ولكنَّه اسْتَحْضَر عظمة الله عز وجل والمَسْؤولِيَّة وقال له: قَرْقِر أيُّها البَطْن أو لا تُقَرْقِر، فَو َالله لن تذوق اللَّحْم حتَّى يشْبَعَ منه صِبْيَةُ المسلمين ! وجاءَهُ رسول مِن أذْربيجان، وكانت تابِعَةً إلى عمر بن الخطاب في عهْده ووصل إلى المدينة ليلاً، فَكَرِهَ أن يطْرُقَ باب الخليفة في الليل فدَخَل إلى المَسْجِد، فسَمِعَ رجُلاً يقول في الظَّلام: يا رب، هل قَبِلْتَ تَوْبتي فَأُهَنِّأ نفْسي، أو رَدَدْتَها فأُعَزِّيَها فقال الرسول: مَن أنت يرْحَمُكَ الله ؟ فقال: أنا عمر، فقال له: يا أمير المؤمنين ألا تنامُ اللَّيل ؟ فقال: إن نمْتُ ليلي كُلَّه أضَعْتُ نفْسي أمام ربِّي، وإن نمتُ نهاري أضَعْتُ نهاري ! إنَّ لله عملاً بالليل لا يَقْبَلُه بالنَّهار، وإنَّ لله عملاً في النَّهار لا يقْبلُهُ في الليل ! كان أصْحابُ النَّبي عليه الصلاة و السلام رُهْبانًا بالليل، وفُرْسانًا بالنَّهار، وأمرٌ رائِعٌ جِدًّا أن تَجِدَ إنسانًا مُتَفَوِّقًا في عَمَلِهِ، ونِظام ودِقَّة ونظافَة ومواعيد، وإنْجاز وتَجِدُهُ بالليل يُصَلِّي فالإهمال لابدَّ أن لا يكون من المؤمنين، أكل تُفَّاحة وما غسَلَها، يقول لك: كُلْها وسَمِّ بالله !! يَمْرض ابْنَهُ ويقول: الله الشافي ! ما هذا الجَهْل ؟ وما هذا الانْحِطاط ؟ أهكذا أمرَكَ الله ؟ الله تعالى أمَرَكَ أن تأخُذ بالأسباب ثمَّ تتوكَّل عليه، تجد أحدهم صالِحًا ولكن ليس مُنْضَبِطًا، والآخر مُنْضَبِط ولا يوجد فيه الصَّلاح، أما الأصل أن ترى مؤمِنًا أعلى درجَة في الذَّكاء والفَهْم والتَّصَرُّف، وفي الوَقْت نفْسِهِ في الوَرَع والزُّهْد والصِّلة بالله عز وجل،: يا أمير المؤمنين ألا تنامُ اللَّيل ؟ فقال: إن نمْتُ ليلي كُلَّه أضَعْتُ نفْسي أمام ربِّي، وإن نمتُ نهاري أضَعْتُ نهاري! إنَّ لله عملاً بالليل لا يَقْبَلُه بالنَّهار، وإنَّ لله عملاً في النَّهار لا يقْبلُهُ في الليل ! وبقِيَ معه إلى الفجْر فصلى الفجْر وأخَذَهُ إلى بيْتِهِ، فقال لها: يا أُمَّ كلثوم ماذا عندك مِن طعامٍ لِضَيْفِنا ؟ فقالتْ له: عندنا مِلْحٌ وخُبْز، فقال لها: هاتيهِ لنا ! فأكل وشَرِبَ وقال: الحمد لله الذي أطْعَمَنا وسقانا، وبعد أن أكَلَ مع ضَيْفِهِ قال له: ما الذي جاءَ بِكَ إلينا ؟ فقال له: هذه هَدِيَّةٌ أرْسَلها عاملُكَ على أذْربيجان ففتَحها فإذابها: حَلْوَة !! أكَلَ واحِدَةً فرآها ذات طَعْمٍ طيِّب، ثمّ توقَّف فقال له: يا هذا هل يأكُل عندكم عامَّة المسلمين هذا الطَّعام ؟ فقال الرسول: لا، هذا طعامُ الخاصَّة، فلفظَ عمر ما أكل، وقال: حرامٌ على بَطْنِ عُمَر أن يذوق طَعْمًا لا يأكُلُهُ فقراء المسلمين، ثمّ بعَثَ بهذه العُلْبَة لأهْل الصُّفَّة لِيَأكلوها، وأرْسَلَ كتابًا إلى عامِلِه على أذْربيجان، وقال له: كُلْ مِمَّا يأكل منه عامَّة المسلمين، فَكَيْفَ يَعْنيكَ أمْرُهم إن لم تأكل من طعامهم ؟!! وبِذِكْر الصالحين تتنزَّل الرَّحمات، وأنا أنْصَحُكم جميعًا، لا تذْكر إلا الصالحين في مجالسِك، فإن أرَدْت أن يتعكَّر المجْلس، ويضيق قلبُك اُذْكر أهل الدنيا وغير الصالحين ؛ البخلاء والمتعنِّتين، وقد مرَّتْ معي أحاديث تنْهى عن ذِكْر غير الصالحين اُذْكر الصالحين كي ترى نفْسَك تتوق لهم، وإلى ورَعِهِم وإلى زهدهم.
 أيها الإخوة، المُلخَّص قوله تعالى:

 

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) ﴾

 

[سورة القصص]

 وما ترك عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضه الله في دينه ودُنياه.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018