الدرس : 12 - سورة القصص - تفسير الآيات38-39 ، الفقير من حرم العمل الصالح. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 12 - سورة القصص - تفسير الآيات38-39 ، الفقير من حرم العمل الصالح.


1995-09-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

[سورة القصص]

 العلماء قالوا: ليس في الأرض كُلِّها اسْتِكبارٌ بالحق فأصْل الاسْتِكبار في الإنسان باطِل، لأن الإنسان ضعيف، وخُلِق الإنسان ضَعيفًا، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)﴾

 

(سورة المعارج)

 وهذا الضَّعْف في أصْل خَلْقِهِ وضَعْف في صالِحِهِ.
 أوَّلاً في أصْل خَلْقِهِ فالله تعالى هكذا أرادَهُ ضَعيفًا، لِيَفْتَقِرَ إلى الله تعالى بِضَعْفِهِ فَيَسْعَدَ بافْتِقارِهِ إليه، ولو خَلَقَهُ قَوِيًّا لاسْتَغنى بِقُوَّتِهِ وشَقِيَ باسْتِغْنائِهِ، فلأنَّك ضعيف تفْتَقِرُ إلى الله وتُقْبِلُ فَتَغْتني وتَقْوى وتَسْعَد فلو أنَّ الله تعالى خلَقَ الإنسان قَوِيًّا لاسْتَغْنى عن الله فَشَقِيَ بِهذا الاسْتِغناء والبُعْد، ويُسْتَنْبَط أنَّ أيَّةَ مُصيبَةٍ يسُوقُها للإنسان يُقَرِّبُهُ إليه.قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

 

((عَبدي مرضْتُ فلم تَعُدْني ! يقول: وكيف أعودُكَ وأنت ربُّ العالمين ؟ قال: مَرِضَ عَبْدي فلان ولم تَعُدْهُ، أما عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عنده !!))

 فالله لما أخذَ صِحَّة الإنسان وسلبَهُ إيَّاها، عوَّضَهُ أضعافًا مُضاعَفَة من رحْمتِهِ وأنوارِهِ وقُرْبِهِ، أما عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عنده !!

 

((اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطْعِمني، فقال: وكيف أُطْعِمُكَ وأنت ربُّ العالمين ؟ قال اسْتَطْعَمَكَ عَبْدي فلان فلم تُطْعِمْهُ، أما علِمْتَ أنَّكَ لو أطْعَمْتَهُ لوَجَدْتَ ذلك عندي ))

 لذلك هناك آية قرآنِيَّة أيها الإخوة لو تأملها الإنسان تَهْتَزُّ مشاعِرُهُ، قال تعالى:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(245)﴾

 

(سورة البقرة)

 أيُّ عَمَلٍ صالِحٍ تُقَدِّمُهُ لإنسانٍ كائِنًا مَن كان هو في حقيقتِهِ قَرْضٌ إلى الله، قال تعالى:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾

 

[سورة البقرة]

 فيا أيها الإخوة الكرام الفقير مَنْ حُرِمَ العَمَلَ الصالِح، والفقير مَن جاءَ يَوْم القيامة، وقد خلَّفَ أموالاً طائِلَة وليس بين يَدَيْه عَمَلٌ صالح يَعْرِضُهُ على الله عز وجل، فالمؤمن الصادِق شُغْلُهُ الشاغِل هو ماذا قدَّمْتُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ للآخرة، وربنا عز وجل يقول:

 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(19) ﴾

 

[سورة الحشر]

 نِسْيانُهم لله تعالى أنْساهُم أنْفسَهم، وأنساهُم مُهِمَّتَهُم في الحياة ونسيانهم لله تعالى أنْساهم العَمَل الصالِح، ونِسْيانهم لله أنْساهم لماذا خُلِقُوا في الدنيا، قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(19) ﴾

 

[سورة الحشر]

 وقال تعالى:

 

﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ(20)﴾

 

[سورة الحشر]

 وقال تعالى:

 

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(21)﴾

 

[سورة الحشر]

 إذًا اسْتَكْبَرَ هو وَجُنودُهُ، والمُسْتَكْبِر لا يتعلَّم، والمُسْتَحي لا يتعلَّم والمُسْتَكْبر لا يعْبُدُ الله، قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا(172)﴾

 

[سورة النساء]

 لذلك الإنسان إن لم يَدْعو الله عز وجل، فَعَدَمُ دُعائِهِ لله تعالى اسْتِكْبارٌ في نفْسِهِ، ومَن كان مُسْتَكْبِرًا اسْتَوْجَبَ العذاب، واسْتَوْجَبَ غَضَبَ الله عز وجل.
 قال تعالى:

 

﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39)﴾

 

[سورة القصص]

 صَدِّقوني أيُّها الإخوة ؛ لو سألْتَ مائة شَخْص، كم مِن واحِدُ يُدْخِلُ المَوت بين عَيْنَيْه ؟ وفي حِساباتِهِ اليَوْمِيَّة ؟ قلَّة ! تجدهُ يعيش وكَسْبُهُ الحرام شُغْلُهُ الشاغِل، والاسْتِمْتاع بالمَلَذَّات بِأيِّ طريق، أما هناك ساعة سَيَلْقى فيها الله عز وجل ويوضَعُ في القبر، والله أيُّها الإخوة مِن أجَلِّ العِبادات أن تتْبَعَ جنازَةً، وأن تقفَ على القبْر، كيف يُحْمَلُ النَّعْش ؟ وكيف يحْملُ الميِّتُ ؟ وقد جُمِّلَ في كَفَنِهِ ؟ وكيف يُنَزَّل القبر ؟ والتراب في أيَّام الشِّتاء، ذكر لي شَخْص مدير معْمَل، قال لي: كان لنا صاحب معمل من أنْدَر أشْخاص البَلَد ! له بيْت كالقَصْر، وحاجاتُهُ ومُقْتَنَياتُهُ مِن أعلى مُسْتوى، وبيتُهُ ستِّون أو سبعون مليونًا ثمنُه ! قاعات وأقْواص، قال لي: تُوُفِّيَ في أيَّام الشِّتاء المطِرَة، ودُفِنَ بِباب الصَّغير، وكان له ابنٌ مُهَنْدِس، فُتِحَ القبر فإذا مِياهُ المجاري قد وصَلَتْ إليه، فسألوا ابنهُ ماذا نفْعَل ؟ قال لي هذا الأخ: والله سبْعَة أيَّام لم أذُق الطَّعام !!
 كنتُ مرَّةً بِحَلَب في زِيارة، فَمُضيفي أخَذَني إلى أحد أحْياء حلب الفَخْمة، حيُّ الشَّهْباء، كل فيلا تُحْفة، هذه على النَّمَط الروماني وهذه على النَّمَط الصيني، آيات من الجمال، وأرْقى أحْياء دِمَشْق أكْواخ أمام هذا الحيّ ! فلَفَتَ نَظَري بِناء أبْيَض صيني، قال لي: هذا البناء كان ثمَنهُ سنة الأربع والسِّبعين: خمسًا وثلاثين ملْيون، وصاحِبُ هذا البناء تُوُفِّي في الثانِيَة والأربعين، وكان مديد القامة وجاء القبر أقْصر من قامَتِهِ، فلمَّا وُضِعَ في القبر وُضِعَ مُنْحَنِيًّا من جهة رأسِهِ !! وانهَدَم عليه التُّراب.
 أيُّها الإخوة الكرام، يجب أن نُدْخِلَ الموت في حِساباتِنَا اليَوْمِيَّة، لي عشرين سنة بالتَّدريس في المساجِد، ومِن دون مُبالغَة ما مِن أسبوع إلا ويوجد أخٌ أو أخَويْن يُغادِران هذه الدنيا، فأحَدُ إخواننا كان يدْفَعُ الضَّريبَة، وقعَ فماتَ ! المُغادَرَة صغيرة، وفي بعض دُوَل النَّفْط هناك كلمة على الجواز إن كُتِبَت ينْقَطع قلْبُه ؛ مُغادَرة بلا عَوْدة ! وكُلُّنا سَوْف نُغادِر بلا عَوْدة ! فالإنسان إذا فكَّر بِساعة الموت كان عليه الصلاة والسلام يتذَكَّر الموت كُلَّ يوم بين سنَّة الفجْر وصلاة الفَجْر وأكْبَرُ عَقْلٍ وأرْجَحُهُ هو الذي يُعِدُّ للموت عُدَّتَهُ ؛ بالتَّوْبة وكَسْب المال وتَحْرير الدَّخْل من الحرام، وبِضَبْط الزَّوْجة والأولاد، فأنت أب لك حقوق على أولادك، أين ترْبِيتَك ؟ وأين شَخْصِيَّتَك ؟ وأين إدارتك ؟ وأين قناعتك ؟ وأين هي سُلْطَتَكَ ؟ وأنت مَسْؤول، فنحن يَهُمُّنا هل هناك مَن ينْفذُ من الموت ؟ الأنبياء ولم ينْفذوا، قال تعالى:

 

﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ(30)﴾

 

(سورة الزمر)

 مِحْورُ الدَّرْس أنَّك إن اسْتَطَعْتَ أن تُدْخلَ الموت في حِساباتِكَ اليَوْمِيَّة قبل أن تقول كلمة، فهل هي تُرْضي الله ؟ وقبل أن تعُطي وقبل أن تَمْنَع، وقبل أن ترْى، وقبل أن تغْضَب، وقبل أن تَصِل، وقبل أن تقْطَع، وقبل أن تجْلسَ هذه الجَلْسَة، وقبل أن تسْهَر هذه السَّهْرة وقبل أن تحضر حفلة لا ترْضي الله، وإلى مكانٍ يُشْرَبُ فيه الخمْر، وقبل أن تتحرَّك، سَلْ نَفْسَكَ هذا السُّؤال: ماذا سأُجيب الله عز وجل يوم القيامة ؟
أيها الإخوة الكرام، اسْمَحوا أن أقول لكم: أنّ جزْءً من عباداتِكم هو تذَكُّر الموت، والدليل قوله عليه الصلاة والسلام:
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ ))

 

[ رواه الترمذي ]

 مُفَرِّق الأحْباب، ومُشَتِّتْ الجماعات، عِشْ ما شئْتَ فإنَّك ميِّت وأحْبِبْ مَن شئْتَ فإنَّك مُفارِق، واعْمَل ما شئْتَ فإنَّك مَجْزِيٌّ به، وكُلُّ مَن غَفَل عن الموت سمَّاهُ الله غافِلاً، قال تعالى:

 

﴿ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ(205)﴾

 

[سورة الأعراف]

 والموت عُرْس المؤمن، قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ))

 

[ رواه البخاري ]

 سُئِلَ أحد العارفين بالله ؛ كيف القُدوم على الله ؟ فقال: أما المؤمن فكالغائِب رُدَّ إلى أهْلِهِ، فلو كان هناك ابن لك مُتَغَرِّب جاء من بعيد فإنَّك تطْبخهُ له كلَّ ما يشْتهي، وتتغيَّر الفُرْش، فهذا العارِف بالله تعالى سُئِل: كيف القُدوم على الله ؟ قال: أما المؤمن فكالغائِب عاد إلى أهْلِهِ، وأما الكافر فكالعبْدِ الآبِقِ رُدَّ إلى مَوْلاه، يُلْقى القَبْضُ عليه ويُساق إلى جهنَّم، لذلك قال تعالى:

 

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62)﴾

 

[سورة القصص]

 فالمؤمن الصادِق ينْقُل اهْتِماماتِهِ ونشاطِه، وطاقاتِهِ وذكائِهِ وخِبْراتِهِ وأموالِهِ للدار الآخرة وسَيُفاجىء أنَّهُ كسَبَ الدنيا معها، أنت حينما تُؤْثِرُ الآخرة ترْبَحُ الدنيا قال تعالى:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46)﴾

[سورة الرحمن]

 جنَّةٌ في الدنيا، وجنَّةٌ في الآخرة، ولأحَدِ العارِفين قَوْلٌ رائِع، يقول: في الدنيا جنَّة مَن لم يَدْخُلْها لم يدْخُل جنَّة الآخرة، ما هي جنَّة الدنيا ؟ القُرْب من الله، والقرْب بالطاعة، والطاعة بين يَدَيْك، فإيَّاك أن تقول: لا أسْتطيع أن أسْتقيم فأنت إن قلْتَ: لا أقْدِرُ أن أسْتقيم فأنت تُكَذِّب القرآن الكريم، قال تعالى:

 

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ لَبَتْ(286)﴾

 

[سورة البقرة]

 يقول لك: أنا لا أسْتطيع أن أغُضَّ بصري ! لو كنت لا تستطيع غضَّ البصَر لكانت الآية خاطئة !! وذاك يقول لك: أنا لا أستطيع أن آكل المال الحرام ؛ عندي أولاد !! أحد أصحاب الملاهي ؛ كُلُّ ماله من الملاهي، كانت عندهُ بنْت اِهْتَدَتْ إلى الله عز وجل وتعْمل مُعَلِّمة في جوبَر، تطْبخ في غرْفَتِها ولا تأكل من أبيها لُقْمَةً واحِدَة ! ولو طلبَتْ من أبيها مليونين لأعْطاها ! لا تأكل إلا مِن كَسْبِها مالاً حلالاً، وهناك مليون شاهِد، وفي كُلّ عصْر شاهِد إذا اسْتَقَمْت تتألَّق، أما إن تكلَّمت فقط بالدِّين فلن تتألَّق، الكلام لا يرْفَعُك عند الله، أما التَّطبيق فإنَّه يرْفَعُك.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018