الدرس : 08 - سورة القصص - تفسير الآيات17-23 ، وظائف الخوف. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 08 - سورة القصص - تفسير الآيات17-23 ، وظائف الخوف.


1995-09-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في سورة القصص من هذه القصَّة إلى قوله تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾

[سورة القصص]

 نبِيٌّ كريم ألْقى الله في قلبهِ الخوْف، فالخَوف له وظائِفُ تَرْبَوِيَّة والإنسان بالخَوف يرْكض إلى باب الله، وينْدَفِعُ إلى طاعَتِهِ، وإلى الإقبال عليه وينْدَفِعُ إلى الاسْتِعانَة به، والتَّوَكُّل عليه، فالخَوف له مُهِمَّة كبيرة، قال عليه الصلاة والسلام:

((خِفْتُ وما خاف أحدٌ مثلي وأوذِيتُ وما أوذِيَ أحَدٌ مثلي، ومضى عليَّ ثلاثون يومًا لم يَدخل جَوْفي إلا ما يُواريه إبْط بِلال" ))

 وهو سيِّدُ الأنبياء، وسيِّد ولَدِ آدم ومِن أكرم الخَلْق على الله عز وجل، ومع ذلك:

 

(( خِفْتُ وما خاف أحَدٌ مِثلي، وأوذِيتُ وما أوذِيَ أحَدٌ مثلي، ومضى عليَّ ثلاثون يومًا لم يَدخل جَوْفي إلا ما يُواريه إبْط بِلال.))

 قال تعالى:

 

 

﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً﴾

 

[سورة القصص]

 سيِّدنا موسى أصْبَحَ خائِفًا وهو نَبِيٌّ كريم، وهو مِن أولي العَزْم، طبْعًا هذا قبل النُّبُوَّة ولكنَّ الله سبحانه وتعالى اصْطفاه.
 فالله تعالى قال:

 

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)﴾

 

[سورة المعارج]

 خَلَقَ هَلُوعًا كي تنْدَفِعَ إلى بابِه، وكي تَلوذَ بِحِماه، وكي تذوقَ طَعْم القُرْب منه، وحَلاوَة الإيمان به، وحلاوَةَ التَّوَكُّل عليه، كي تَذُوقَ حلاوَة أنَّهُ يَحْميك من كُل عدُوّ فهذا لا يكون بالأمْن ولكن يكون بالخَوف، فالإنسان إذا خاف لا ينبغي أن يشْعر أنَّهُ عند الله صغير فالإنسان أحيانًا يخاف، وقد يكون مُسْتَضْعَفا، فاسْتِضْعافُهُ يؤدِّيه إلى الخوف، والحزن كذلك خلاَّق، أما الطمأنينة والطَّعام والشَّراب والأمْن لا يخلق ولكنَّ الخوف أحيانًا يُفتِّق العَبْقَرِيَّات ودواعي الإيمان، ويدعو إلى الله، والله تعالى حكيم، يعني أمٌّ معها ابنها فتَرَكَ يدَها، وجاء كلب عقور، فَمِن شِدَّة الخَوف عاد إلى أُمِّه وأمْسَكَ بها فإذا الله خوَّف أحدًا من شبَح مُصيبَة ومن مرض أو بِقضِيَّة بأولاده وأهله ودَخْلِهِ أو تِجارتِهِ فهذا الخَوْف تَرْبِيَةٌ من الله عز وجل.
 قال تعالى:

 

﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)﴾

 

[سورة القصص]

 حينما تسلَّط عليك الناس معنى هذا أنَّ هناك مُشْكِلَة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((ما مِن عثَرَةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْقٍ، وخَدْش عودٍ إلا بِمَا قدَّمَت أيْديكم وما يَعْفو الله أكثر.))

 قال تعالى:

 

﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ﴾

 

[سورة القصص]

 مرَّةً ثانِيَة الإنسان حينما يُصاب بِمُشْكِلَة ينْبغي أن يُراجِعَ نفْسَهُ، والله تعالى غَنِيٌّ عن تَعْذيبِهِ، قال تعالى:

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

 

[سورة النساء]

 والأمر بِيَدِهِ، ما مِن عثَرَةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْقٍ، وخَدْش عودٍ إلا بِمَا قدَّمَت أيْديكم وما يَعْفو الله أكثر، فلماذا أصابَني ما أصابني ؟! قال تعالى:

 

﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)﴾

 

[سورة القصص]

 البارحة مُشْكلة واليوم مشكلة، قال تعالى:

 

﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)﴾

 

[سورة القصص]

 وسَّع الخبَر، وأعْلَنَ النَّبَأ وأنت قاتِل، وسيِّدنا موسى ما قتَل، قال تعالى:

 

﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ﴾

 

[سورة القصص]

 قد تكون هناك مُشْكلة أنت منها بريء، وقد تُلبَّسها ! وهذا من تَقْدير الله عز وجل، أحدهم سُرِقَتْ سيارتُه على الساعة الثانية عشرة ليلاً فقال: صباحًا نُخَبِّر المَخفَر ! ففي هذه الأوقات حصل مِن العجب ما حصل ! فالله تعالى قادِر على أن يُلبِّسَك مُشْكلةً أنت بريء منها لِحِكْمة يريدُها تعالى، وكما أنَّ هناك مُشْكِلة حقيقيَّة، ومُشْكلة خيالية، أو يوهِمُك أو يُخيفُك، كانت هناك طالبة تريد أن تتوضَّأ، وطولِبَت بِشَهادة طِبِيَّة فذَهَبَتْ لِفَحْص صَدْرِها في المستشفى فكانت النتيجة أنَّها مُصابَة بِمَرض خطير فابْتَعَدَ عنها أهْلُها وجَعَلوا طعامًا خاصًّا وفي غرفةٍ لِوحْدِها، وانْهارَتْ نَفْسِيًّا وانْعَزَلَتْ عن المُجْتَمَع ثمّ ذهَبَ أخوها إلى المستشفى ليَرى الخَبر فإذا التحاليل خطأ وفي هذا الوقْت تابَت هي وتَحَجَّبَت وصلَّتْ، فالخطأ يُوَظِّفه الله تعالى لِصالحِ الإنسان.
 قال تعالى:

 

﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) ﴾

 

[سورة القصص]

 الآن سيِّدنا موسى نَزيل قَصر فِرْعون، فما معنى قصْر فرْعون ؟ كُلّ شيءٍ مِن أعلى مُسْتوى، فإنسان يعيش في قَصْر فرْعون موْقفُهُ الأخلاقي وانْتِصارُهُ للحق ورَّطَهُ بِهذه الوَرْطات، قال تعالى:

 

﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) ﴾

 

[سورة القصص]

 كان نزيل قصْر فِرْعَون وأصْبَحَ بالطُّرُقات، إلى أين اتَّجَه ؟ فرْعون بِمِصْر، ومَدْيَن في شَمال الجزيرة، معنى هذا أنَّهُ مشى ألفين وخمسمائة كيلومتر ساحِلاً، فلا بدّ أنَّهُ مشَى مُساحِلاً، والمَشْي مُساحِلاً قدَّروها مائتان وخمسمائة كيلومتر، يمشي في الليالي وهو نَبِيٌّ كريم قال تعالى:

 

﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) ﴾

 

[سورة القصص]

 لكن ما الذي نَكْشِفُهُ في هذه القِصَّة ؟ أنَّه بعد أن خرَجَ مِن قَصْر فِرْعَون وهام على وَجْهه في الطُّرُقات، وفي البراري، ووصَلَ إلى مَدْيَن والْتَقى بِسَيِّدِنا شُعَيْب ؛ نَبِيٌّ كريم وتَزَوَّج ابْنَتَهُ، وفي طريق العَوْدَة جاءهُ الوَحيُ وأصْبَحَ نبِيًّا، وكلَّمَهُ ربُّه، فقال العلماء: كُنْ لِما لا ترْجو أرْجى منك لما ترجو.
هذا التَّشَرُّد انتهى به إلى النُّبُوَّة، وهذا الإخْراج انتهى به إلى العَطاء وهذا الخَوْف انتهى به إلى شُعَيْب، وشُعَيْب انتهى به إلى لا تَزْويج ابْنَتِهِ وبعد أن تزوَّجَ ابنتَهُ وسار بِأَهْلِهِ انتهى هذا به إلى النُّبُوَّة وإلى تكليم الله وهو كليمُ الله، فالإنسان إذا قاسَ على القِصَّة أشْياء كثيرة، فأنت بالغُرْبة تتْرُك أولادَكَ وتُسافِر، وتحسّ بِضَياع وتشَرُّد، فَكُل هذا بِقَدَر والله هو الربّ، وهو المُرَبِّي، قال تعالى:

 

﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) ﴾

 

[سورة القصص]

 هذا مِن دِفاع الله عنه، فلو لم يخْبِرْهُ لَقُتِلَ فالله عز وجل دافَعَ عنه بِأنْ أرْسَلَ له هذا الإنسان ونبَّهَهُ، وخرَجَ من مِصْر هائِمًا على وَجْهه وسار في طريقٍ ساحلي، وقَطَعَ المسافات الشاسِعَة إلى أنْ وصَلَ إلى مَدْيَن، وهناك وَجَد من دونهما امرأتين تذودان كم قال تعالى:

 

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)﴾

 

[سورة القصص]

 ومِن خِلال هذا التَّعارف تزوَّج ابْنَة شُعَيْب عليه السَّلام، وفي طريق العَوْدَة سار نَبِيًّا مُرْسَلاً مِن أولي العَزْم، فعلى الإنسان أن يسْتَقِم وفقط ولْيَتْرُكْ أمْرَهُ إلى الله، لِيَعْبُدِ الله ولن يُصيبَهُ إلا الخير، ولو بدى له أنَّ هناك مُشْكلات ومتاعِب وإحْراجات ومصائِب، لكنَّ الله سبحانه وتعالى بعد كُلِّ ذلك يُبَدِّل المَخاوِف إلى طُمأنينة والمتاعب إلى عطاءات والإنسان إذا لم تُشْرق نِهايَتُه فلن تُشْرِق نِهايَتُه، وما هذه القِصص إلا مِن أجل أن نقيس عليها أنْفسنا، فلا يتألَّم الواحد ويخاف، ولْيَكُنْ راضٍيا عن الله وقد كان يقول الإمام عليّ: والله لو كُشِفَ الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقينًا، فكان هذا الإمام الجليل قبل كَشْف الغِطاء يقيه برحمة الله وعدالتِهِ كي يقيهِ بعد كَشْف الغِطاء، وكان يقول: والله لو عَلِمْتُ أنَّ غدًا أجلي ما قَدَرْتُ أن أزيدَ في عملي، وكان يقول: قِوام الدِّين والدُّنيا أربعة رِجال عالم مُسْتَعْمِلٌ علْمَهُ، وجاهِل لا يسْتنكِفُ أن يتعلَّم، وغَنِيٌّ لا يبْخَل بِمالهِ، وفقير لا يبيعُ آخرَتَهُ بِدُنْياه، فإذا ضيَّعَ العالم عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ أن يتعلَّم، إذا بَخِلَ الغنيُّ بِمالهِ باع الفقير آخرته بِدُنيا غيره وكان هذا الإمام يقول: الناس ثلاثة ؛ عالِمٌ ربَّاني، ومُتَعَلِّم على سبيل نَجاة وهَمَجٌ رعاع أتْباع كُل ناعِق، لم يستضيئوا بِنُور العِلْم، ولم يلجئوا إلى رُكنٍ وثيق، فاحْذَر يا بُنَيَّ أن تكون منهم، يا بُنَيّ العِلْم خير من المال لأنَّ العِلْم يَحْرُسُكَ، وأنت تحْرسُ المال، والمال تنقِصُهُ النَّفقَة، والعلم يزْكو على الإنفاق، يا بُنَيَّ مات خُزَّانُ المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقيَ الدَّهْر، أعْيانهم مَفْقودهم، وأمثالهم في القلوب مَوْجودة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018