الدرس : 10 - سورة الفرقان - تفسير الآيات 74 - 75 المفاهيم الخاطئة لدى الناس. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة الفرقان - تفسير الآيات 74 - 75 المفاهيم الخاطئة لدى الناس.


1995-07-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، تَعْليقًا على درْس البارحَة، مِئات الآيات والأحاديث تُؤَكِّد أنَّ الإنسان إذا تاب مِن ذَنْبِهِ غَفَرَ الله هذه الذُّنوب، فقد ورَدَ في الحديث الشَّريف أنّ العبد إذا تابَ توْبَةً نصوحًا أنْسى الله حافِظَيْه والملائِكَة وبِقاع الأرض كلَّها خطاياهُ وذُنوبَهُ، عَبدي لو جِئْتني بِمِلىء السماوات والأرض خطايا غَفَرْتُها لك ولا أُبالي، قال تعالى:

﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

 

(سورة الزمر)

 بضْعُ الآيات، أو بضْعُ عشرات الحديث الشريف الصحيح تُؤَكِّد أنَّ الإنسان إذا تاب مِن ذَنْبِهِ رَجَع كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ:

(( لَمَّا أَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُبَايِعَنِي فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ فَقُلْتُ لَا أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي قَالَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ ))

[ رواه أحمد ]

 الإسلام يجُبّ ما قبلهُ، هذه أشياء مِن البديهِيَّات التي لا تَحْتاج إلى ذِكْر، ولَكِنَّني البارِحَة وجَّهْتُ الآية التي يَفْهَمُها بعض الناس خطأً، أنَّ الأعمال السيِّئة تنْقلبُ إلى أعمال صالِحَة، فكُلَّما كَبُرَت السيِّئات انْقَلَبَتْ إلى حَسَناتٍ كبيرة، وهذا المعنى فيه دَعْوى إلى ارْتِكاب السيِّئات، كي تغدوَ في المستقبل حسناتٍ، هذا المعنى وحده الذي ما قبله العلماءُ و لكن ورد في بعض الكتب، إلا أن الأصحَّ أن الإنسانَ حينما يتوب إلى الله توبةً نصوحاً و حينما يصطلحُ مع الله و حينما يسلك الطريق إلى الله و يتصِل به يحصل له أن النور الإلهي يطهِّر قلبه من الأدرانِ ثم هذه النفس تُحلَّى بالكمال، تطهير من الأدران و تحليةٌ بالكمال، يصبح شحُّه كرما و جحوده إنصافا و ضجرُه حِلما، و طيشُه وقارا، و حقدُه تسامحا، و قسوته رحمةً، ذكرتُ هذا المعنى، فالإنسانُ إذا اصطلح مع الله و اتصل به ينبغي أن يغيِّر تغييرا جذرياً، و لا بدَّ أن تقول زوجتُك: ما كنتَ هكذا ؟ أنت الآن حليم رحيم أنت الآن تنكر ذاتَك تحبُّ الآخرين، هذا هوة معنى قوله تعالى:

 

﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 أي صفاتهم السيِّئةَ بالإقبال على الله تُمحَى السيّئاتُ و يحِلُّ محلَّها السيِّئاتُ، أحيانًا كأسٌ مملوءٌ قذرا، و أنت غسلتَه، والغسيل هو التطهيرُ، ثم ملأتَه شرابا طيِّب المذاق حلوَ الطعمِ، فأنت فعلتَ شيئين طهَّرتَ وزكَّيتَ، لذلك العلماءُ يقولون: هناك تخليةٌ وهناك تحليةٌ هناك تطهير و هناك تطهير، هناك شفاءٌ من الأمراض و هناك تحليةٌ بالكمال هذه أولُ ثمرة و أقوى ثمرة من اتصالك بالله عز وجل، الإنسان المتصِّل بالله هل عنده ظلمٌ؟ هل عنده حقد؟ هل عنده شُحٌّ ؟ هل عنده جحود؟ أعوذ بالله من ذلك، المؤمن كلُّه وفاءٌ و تواضعٌ و إحسان و إنصاف و استقامة، فإذا كان الإيمانُ بجانبه الاعتقادي و جانبه العبادي ما طهَّر نفسَك فالإيمان غير صحيح، لذلك لن تجد في صفوف المؤمنين الصادقين حقدا و لا حسدا و لا غيرةً و لا قسوةً و لا جحودا و لا جبنا و لا بخلاً و لا تعنُّت و لا احتيالا و لبا بذاءةً، نحن لا نغترُّ برجل صلى في المسجد ثم يخرج لا يصلي السنةَ، أربع دقائق لا تصبر لها و تتابع مسلسلاً لخمس ساعات و لا تتضايق، أنا أعرف رجلاً إذا قرأ الإمام في المغرب أو العشاء يقيم عليه الدنيا، فإذا خرج من المسجد يقف الساعات الطوالَ في حديث فارغ، و مرَّةً رأى الحجَّاجُ رجلا يصلي قاعدا في دكَّانه فبعد أن انتهى من صلاته قال له: أريد هذا القِدْرَ ـ أعلى واحد ـ صعد البائعُ فأنزله له، ثم قال له: ليس هذا بل ذاك، و راح البائع يصعد و ينزل المرات الكثيرة، عندئذٍ ضربه الحجَّاجُ، تصلِّي قاعدا و أنت بهذا النشاط ؟! إنما أستغرب أنه ممكنٌ ركعتا السُّنة أربع دقائق فقط لا تتحمَّلها، و تقفلا في وجه المصلين غضبان لم يفتحوا لك الطريق، ما هذا الفقه الضعيف ؟ أنت في بيت من بيوت الله و في ضيافة الله، و السُّنة البعديةُ راتبة، و المشكلة أننا قلنا هذا لمن ذهب بعد الصلاة، نحاول في يوم من الأيام أن نعطي هذه الملاحظةَ بعد الصلاة حتى يسمعوا، كان عليه الصلاة و السلام كما تقول السيِّدة عائشةُ: كان يحدِّثنا و نحدثه فإذا حضرت الصلاةُ فكأنما لا نعرفُه و لا يعرفُنا فلاحِظْ أيَّ موظًّفٍ طلبَه الوزيرُ، ينظِّف حذاءه و يلبس أحسنَ اللباس، و انت في الصلاة بين يدي ملك الملوك قال تعالى:

 

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾

 

[ سورة الحج ]

 وهذا بيته، لذلك الإنسانُ إذا نزع من أرض المسجد وسخًا قال هذه مهرُ حورِ العينِ، قال تعالى:

 

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(36)رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ(37)﴾

 

[سورة النور]

 و هناك آية أخرى، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ(18)﴾

 

[ سورة التوبة ]

 القرآن الكريم فيه إعجاز كبير ؛ " يعمر" الذي يعمرها بالصلاة و بحضور مجالس العلم و الذي يعمرها بالخطابة و بالإمامة و الذي يشيدها و الذي يهيئ مرافقها، مطلق الأعمار، وأيُّ مساهمة في بناء مسجد و كسوته و تزيينه و تأمين المرافق العامة للمسجد، و يقول النبيُّ الكريم: أَحَبُّ بلاد الله مساجدُه و أبغضُها أسواقُها، و الأسواقُ تنشأ فيها الخصوماتُ أ أما في المساجد فتنشأ فيها المودَّاتُ.
 أرجو اللهَ تعالى أن يوفِّقنا أن نكون من عباده الصالحين في بيوته، و لابدَّ للإنسان أن يتفقَّهَ، ومرةً مرَّ شخصٌ بين يدي مصلَّي فمدَ المصلي يدَه فقال له الآخرُ: أهلا و سهلا، لم يفهم لماذا مدَّ يده فصافحه.
 أيها الإخوة الأكارم الآيةُ الكريمةُ، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 وألصقُ شيء في حياة الإنسان عملُه و زوجتُه و أهلُه، فإذا وجد الإنسانُ توافقًا بينه و بين أهله و بينه و بين أولاده في اتجاهِ الدين فهذا أكبرُ سعادة الإنسانِ، و الحياة إن لم تبذلْ لها كلَّ شيء لا تأخذُ منها شيئا، و بقدرةِ قادرٍ أو بفعل سحريٍّ تجد الزوجةَ تعرف اللهَ و تنسب إليه و هي تمحضُك الوُدَّ ؛ هذا مستحيل إلا أن تعلِّمها و تأخذ بيدها و تسهم في توجيهها، فالإنسانُ حتى يقطِف ثمارَ الزوجة الصالحةِ و الأولادِ الأبرارِ يحتاج إلى بذل الجهد، و الله سبحانه و تعالى نظرًا لأن هذا العمل عظيمٌ جدًّا جعل مكافأتَه في الدنيا قبل الآخرة، فقط تربية الأهل و الأولاد هناك جزاءٌ له مُعجَّلٌ و جزيل وهو قرةُ العين، و لمَّا خطبَ القاضي شُرَيْحٌ امرأةً قال: وجدْتُ صلاحً و كمالاً- يعني كمالا في هيئتها و خلْقها و صلاحًا في دينها - قال: فصلَّيْتُ ركعتين شكرًا لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلَّمْتُ من صلاتي وجدْتُ زوجتي تصلِّي بصلاتي و تسلِّم بسلامي و تشكر شكري، فإذا صلى الإنسانُ مع زوجته أو جلس في سهرةٍ حدَّثها عن كتاب اللهِ أو عن حديث، هذا من متاع الحياة، فلذلك التعالى يكافئُ الزوج الذي أخذ بيد زوجته إلى الله يكافئه بجزاءٍ عاجل في الدنيا قبل الآخرة، وهو أن يجعلها له قرَّةَ عين و أن يجعل أولادَه الذين ربَّاهم تربيةً صالحةً قرةَ عين، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 قال تعالى:

 

﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً (75)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 أنا أكاد أقول لكم: إن خيرَ كسب الرجُل ولدُه، البذي عنده ابنٌ فله بابٌ للجنة، والذي له بنت له باب للجنة، والذي له زوْجَة له باب إلى الجنَّة ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَالَ أَيَّةُ آيَةٍ قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ))

 

[ رواه الترمذي ]

 فَزَوْجَتُكَ وأولادك وحْدَهم يُدْخِلانِكَ الجنَّة وعليك بِخاصَّة نفْسِكَ ودَع عنك أمْر العامَّة، قال تعالى:

 

﴿ وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا(16)﴾

 

[ سورة الكهف ]

 فأنت لك كَهْفين ؛ بيْتُكَ ومسْجِدُكَ ففي هذين المكانين لا يوجد الكذب والنِّفاق.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018