الدرس : 09 - سورة الفرقان - تفسير الآيات 68 - 70 الشرك الخفي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 09 - سورة الفرقان - تفسير الآيات 68 - 70 الشرك الخفي.


1995-07-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية السابعة والستون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68)﴾

[ سورة الفرقان ]

 لا شِرْكًا جَلِيًّا، ولا شِرْكًا خَفِيًّا، فقد يكون الهَوَى إلهًا، وقد يكون الصَّديق إلهًا، وقد يكون القَوِيُّ إلهًا، وقد يكون الغَنِيُّ إلهًا، لذلك كما قلتُ في دَرْسٍ سابِق، الشِّرْك الجَلِيّ انتهى من العالم الإسلامي أخْوَفُ ما أخاف على أُمَّتي الشِّرك الخَفِيّ ! فليس في العالم الإسلامي صَنَمٌُ يُعْبَدُ من دون الله تعالى، وفلا يوجد اللات ولا العُزَّى، ولكنَّ هوى الإنسان أحيانًا إلهًا، قال تعالى:

 

﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 لكنَّ شَخْصًا قَوِيًّ تعْتَمِدُ عليه وتعْصي الله لِتُرْضِيَهُ جَعَلْتَهُ كالإله ولكنَّ إنسانًا غَنِيًّا تعْتَمِدُ عليه وتعصي الله مِن أجل أن تُرْضِيَهُ فهذا اِتَّخَذْتَهُ كالإله، قريبًا أم مُحِبّا.
 فالشِّرْكُ الجَلِيّ انتهى من العالم الإسلامي، ولكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يخْشى على أُمَّتِهِ من الشَّرْك الخَفِيّ، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 المؤمن وقَّافٌ عند كِتاب الله، قَتْلُ نَفْسٍ بِغَير ذَنْبٍ مَعْصِيَةٌ كبيرة جدًّا وهذه تبدأُ مِن قَتْلِ حَشَرَةٍ لا تؤْذيكَ، وقد حرَّم الله قَتْلَها بِغَير حقّ وتنتهي بِقَتل الإنسان، وقد وردَ في الحديث الشَّريف أنَّ الإنسان يظلُّ بِخَيرٍ ما لم يسْفِك دمًا، فالطريق إلى الله سهل المَسْلَك إن لم تكن هناك كبائِر، والدليل قوله تعالى:

 

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(31)﴾

 

[ سورة النساء ]

 الكبائِر مُهْلِكَة، والصَّغائِر يُسْتَصْغر منها، وبالمناسبة، ذَنْبٌ لا يُغْفر وذَنْبٌ لا يُتْرَك وذَنْبٌ يُغْفر، فالذي يُغْفر ما كان بينك وبين الله، والذي لا يُتْرَك ما كان بينك وبين العِباد لأنَّ حُقوق العِباد مَبْنِيَّة على المُشاحَحة، أما حُقوق الله مَبْنِيَّة على المُسامَحَة، أما الذَّنْبُ الذي لا يُغْفر أن تُشْرِكَ بالله تعالى.
 قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 هذه اللام ناهِيَة أم نافِيَة ؟ فرْقٌ كبير بين أن تكون نافِيَةً، وبين أن تكون ناهِيَةً، فالناهِيَة كأن تقول: لا تزْنوا، فالفِعْل المُضارِع مَجْزوم بِلا الناهِيَة، وعلامة جَزْمِهِ حَذْف النون من آخِرِه لأنَّه من الأفعال الخَمْسة، أما مادام الفِعل ؛ لا يَزْنونَ هذه اللام نافِيَة، فأيُّهما أبْلغ ؛ أن يُنهى المؤمن عن الزِّنا أم أن يُنْفى عنه الزِّنا ؟ لا يَجْتَمِعُ الإيمان مع الزِّنا، الإيمان عِفَّة عن المحارِم، وعِفَّة عن المطاهِر، فلا يَجْتَمِعان وقد قلتُ لكم مثلاً كثيرًا ؛ طريق سالِكَ مكتوب على الإشارة ممنوع المُرور، فهذا نَهي، أما إذا رأيت الطريق مَقطوع بالبلوك ؟ فهذا مَنْعٌ فالله عز وجل له أمرٌ تَكويني، وله أمر تَكليفي، فالأمر التَّكويني إذا قال: لا أيْ لا، أما الأمر التَّكويني إذا قال: لا ؛ أي لا تَفْعَل، لذلك أحد الأشخاص قال لِعَلِيّ رضي الله عنه: أَكان مَسيرُنا إلى الشام بِقَضاءٍِ وقَدَر ؟! فقال: وَيْحَكَ! لو كان قدرًا لازِمًا، وقدرًا حاكِمًا إذاً لبطَلَ الوَعْدُ الوعيد، قال تعالى:

 

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 وهذا لا يعني أنَّ الأعمال السيِّئة التي ارْتَكَبوها تَغْدو حَسنات، هذا معنًى فاسِد، ولكنَّ المعنى الحقيقيّ أنَّ الصِّفات السيِّئة بعد أن تتَّصِل بالله، فالصَّلاة لها هدفان: تُطَهِّر من الأدْران، وتُحَلِّي بالكَمَال ؛ تَطهير وتَحْليَة وتَعْطير، فلِذَلك، قال تعالى:

 

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 أيُّها الإخوة، إن لم تَجِد نفْسَكَ أنَّك تبدَّلْتَ تبدُّلاً جِذْرِيًّا، وقد تَرَكْتَ سفاسِفَ الأمور وتعلَّقْتَ بِمَعالي الأمور، وإن لم تَكُن على حالةٍ يرْضى الناس عنها، وإن لم يُحِبَّكَ الناس، فَمَعنى ذلك أنَّ في الإيمان خلل، يقول عليه الصلاة والسلام:

((بُنِيَ الإسلام على خمس..."))

 هل هذه الخمْس هي الإسلام ؟ بُنِيَ الإسلام عليها، فالإسلام بِناءٌ أخلاقي فقد روى اليخاري:

 

(( أنَّ عَبْد َاللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمِ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَيَّ وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ))

 

[ رواه البخاري ]

 فالإسلام بِناء أخلاقي، وإن لم تَكُن ذا خُلُقٍ عظيم فلسْتَ مؤمنًا.
 أيُّها الإخوة، مركز الثِّقَل في هذا اللِّقاء قوله تعالى:

 

﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 إن لم يتحدَّث الناس عن أخلاقِكَ العالِيَة فمعنى ذلك أنَّ إيمانَكَ مُزَوَّر فالمؤمن الجبان لا يوجَد، والمؤمن البخيل لا يوجَد، والمؤمن مُزْدَوِج أو سفيه أو حقيد أو مُنْحَرِف ؛ هذه لا يمكن أن تكون في المؤمن وربَّ تال للقرآن والقرآن يلْعَنُه، ومَن لم تنْهَهُ صلاتُهُ عن الفحْشاء والمنكر لم يزْدد من الله إلا بُعدًا، وربَّ صائِم ليس له من صِيامِهِ إلا الجوع والعَطَش، وقال تعالى:

 

﴿ قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ(53)﴾

 

[ سورة التوبة ]

 يقول ": لبَّيْك اللَّهمَّ لبَّيْك، فَيُقال له: لا لبَّيْكَ ولا سَعْدَيْك وحجُّكَ مرْدودٌ عليك ! فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمَن لم تنْهَهُ صلاته عن الفحْشاء والمنكر لم يزْدد من الله إلا بُعدًا، والزُّور يتنافى مع الصِّيام والزَّكاة قال تعالى:

 

﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ(53)﴾

 

[ سورة التوبة ]

 وكذا الحجّ، فهذه العبادات لا تنْفع إن لم تَكُن ذا خُلُقٍ عالٍ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان خطيبًا وذا خُلقٍ عظيم وعالمٍ ومُجْتَهِد، وكان قاضِيًا، وكلّ الصِّفات الراقِيَة كانت فيه، ولمَّا مدَحَهُ لم يمْدَحْهُ كَخَطيبٍ ولا كَمُجْتَهِد، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾

 

[ سورة القلم ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018