الدرس : 06 - سورة الفرقان - تفسير الآية 63 كلُّ المخلوقات مقهورة بالعبودية لله عز وجل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 06 - سورة الفرقان - تفسير الآية 63 كلُّ المخلوقات مقهورة بالعبودية لله عز وجل.


1995-07-08

 لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والستون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

(سورة الفرقان )

 أولا، هناك عبيدٌ و هناك عبادٌ، و فرق كبير بينهما، فكلُّ مخلوق بحكم اضطراره إلى إمداد الله مفتقِرٌ إلى الله في وجوده، مفتقر إلى الله في استمرار وجوده، و مفتقر إلى الله في سلامة وجوده، و مفتقر إلى الله في كمال وجوده، قال تعالى:

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ﴾

[ سورة البقرة ]

 مصدر حياة الكون، فأيُّ مخلوقٍ قيامُه بالله ووجوده بالله و استمراره بالله، فكلُّ المخلوقات مقهورةٌ بالعبودية لله عز وجل، حتى الملحِد فهو عبدٌ لله، فلو منَعَ الله عنه الهواء لمات، وحتَّى المُلْحِد عبْد لله تعالى فلو أغْلقَ الله له بعض صَمَّاماتِهِ لمات من وقْتِهِ، فما مِن مخلوقٍ إلا وهو في قبْضَة الله تعالى، ودوامُ وُجودِه مِن إمْداد الله عز وجل، هؤلاء هم العبيد ولكنَّ العِباد هم الذين عرفوا الله وأسماءه وقوَّتَهُ ورحْمته وعدْلَهُ وكمالَهُ، وأنَّهُ موجود وواحِد وكامِل فأطاعوه وأَحبُّوه وأخْلَصوا له، فَهُناك عُبودِيَّة القهْر، وهناك عُبودِيَّة المعرفة فَعُبودِيَّة القهْر عبْدٌ يُجْمَعُ على عبيد، أما عُبودِيَّة المعرفة فعَبْدٌ يُجْمَعُ على عِباد، والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وكرَّمَهُ حينما أضافَهُ إلى ذاتِه، قال تعالى

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 فأنت إذا قلتَ هذا شُرطي الملِك لكان المعنى أقوى من أن تقول هذا شرْطي، فهذا أُضيف إلى الملِك، فهذه إضافة تَشْريف، وعباد الرحمن، فرَبُّنا عز وجل شرَّفنا بالنّسْبة إليه، وقد قالت السيّدة عائشة عن عمر ابن الخطَّاب رضي الله عنهما: رحِم الله عمر ما رأيتُ أزْهَد منه، كان إذا سار أسْرع، وإذا قال أسْمَع، وإذا ضرَبَ أوْجَع وإذا أطْعَمَ أشْبَعَ، فكيف نُوَفِّق بين هذه الآية وقول عائشة رضي الله عنه ؟ ليس المعنى أنَّه يمْشي بطيئًا أما يمْشون على الأرض هوْنًا أيْ لا يسْمَحون للحياة أن تسْتَهْلِكَهم ‍! فَمُعْظَم الناس الآن مُسْتَهْلكون ؛ تَجِدُهم عِبادًا لأعمالهم وعبْد لِزَوْجَتِهِ والمشْكلة أنّ الإنسان الذي يُسْتَهْلَك يَصْحى مرَّةً عند الموت ؛ يَصْحى فَيُصْعَق، قال تعالى

﴿:فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾

[ سورة الزخرف ]

 يُصْعَقُ حينما يَجِدُ أنَّه خَسِر كلّ شيء، ولم يرْبَح شيئًا، وأنَّهُ مُقبِلٌ على حياةٍ لا يمْلِكُ منها شيئًا، قال تعالى:

 

﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)﴾

 

[ سورة الفجر ]

 وقال تعالى:

 

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 حينما يُصعق يقول اِرْجِعون، قال تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

[ سورة المؤمنون ]

 فمعنى يمْشون على الأرض هَوْنًا أي لا يسْمَح لِعَمَلِهِ أن يسْتَهْلِكهُ، ولا يسْمَحُ لِصِحَّتِهِ أن تشْغله عن كلّ شيء فبعضهم تَجِدُهُ رياضة وركض وأثقال وتدْريبات، قال تعالى:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 العاقل يمْشي هوْنًا، وله وقفات يتأمَّلها، لماذا أنا مَوْجود ؟ وسرَّ وجودي، وحقيقة وُجودي ولماذا أنا في الدنيا ؟ وماذا أراد الله مِنِّي ؟ ولماذا هناك موت ؟ فهو لا يسْمح لِمشاريعه وتِجارتِهِ أن تسْتهلكه، فَمِنهم من تَجِدُه يعدّ لِكُلّ شيءٍ عُدَّتَهُ إلا الموت، قال له: تحيَّرنا أنجعل الشوفاج في الداخل أم الخارج ‍‍!! سبحان الله قد تُنسَج أكفان الإنسان وهو لا يدْري، كنت مرَّةً في حفْل عقْد قِران عريس الحَفل مُتألِّق تألُّقًا لا مثيل له، وفصاحة ما بعدها فصاحة، وترحيب، وكان لولب الحفْل، وبعد يومين تُوفِّي في حادِث !! فأنا قلتُ: لو أنَّه كان يعلم أجله أنَّه بعد يومين لصُعق لذلك عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي وَأَوْجِزْ قَالَ:

 

(( إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ))

 

[رواه ابن ماجه]

 القصْد من الآية عميق جدًّا، لا تسْمَح لِعَمَلك أو بيْتَكَ أو زوْجَتَكَ أن يسْتَهْلِكوك، فالمؤمن له وقت للعمل، ووقْت للصلاة، ووقت يجلس مع أولاده وأهلهِ، فلا يسمَحُ لِعَمَلِهِ أن يسْتَهْلكه، فالذي على هذه الشاكلة ينتهي قبل الممات، مثله كمثل الميِّت ! ومَقبور بِعَمَلِهِ وأهله قال تعالى:

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 فكلمة هونًا لها معنى دقيق ؛ أي لا تسْمح لِشَيء أن يسْتَهْلكك، قال تعالى:

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 هناك وقت لله تعالى، ولا يسْمح أن يتجاوز هذا الوقت، فهذه الآية هناك من يفْهمها على فهْمٍ آخر، وهو أن يمشي على مهْلِهِ، لا ليس هذا هو المعنى، لا تسْمح لشَيءٍ يُنْهي لك حياتَك، ويُلغي لك دينَكَ أخْطر شيء عندك هو عملك، فأحيانًا الإنسان وهو في قِمَّة النَّجاح في العِناية المُشَدَّدة، لذلك خُذْ مِن الدنيا ما شئت وخُذ بِقَدَرها همًّا، ومن أخذ مِن الدنيا فوق ما يَكفيه أخَذ من حتْفِهِ وهو لا يشْعُر هناك أوقات لله عز وجل ؛ خُطبة الجمعة، والصلوات الخمس، وجلسة مع أهلك وأولادك وحُضور مَجْلس ؛ فهذا هو الأصل، وهذا هو معنى قول الله تعالى:

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 وكان سيِّدنا عمر وقَّافًا عند كتاب الله تعالى ؛ ما الأمر ؟ وما النَّهي ؟ وما الشَّرع ؟ هل هو واجب أو مُستَحب أو مندوب، أما مَن يقول: من هنا إلى ذلك اليوم يفرجُها الله تعالى ! فهذا كلام الشَّيطان، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[ سورة الحجْر ]

 اعْتَنِ بِقلْبِكَ ودينك، وابن عمر دِينَكَ دينَكَ إنَّه لحْمُكَ ودَمُكَ، وخُذ عن الذين اسْتقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، وإنَّ هذا العِلم دين فانْظُروا عمَّن تأخذوا دينَكم، هل يوجد إنسان يريد أن يبيع بيته يبيعُه لأَوَّل بائِع أم يسأل عن أسعار البيوت ! لماذا من أجل بيتٍ تبذل الجُهد في السُّؤال فهل البيت أغلى من دينك ؟! فَمِن أجل الدنيا تسْأل الخبراء وهذا الإله العظيم الذي قال لك فاسأل به خبيرًا، ألا تهتمّ لِفَهم دينِك ؟ تجدهُ يُرْسِلُ ابْنه من أجل تعلُّم الإنجليزيَّة في بريطانيا ! عندهم الزِّنا مثل شُرب الماء ! قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[ سورة الكهف ]

 فهذه الآية دقيقة جدًّا:

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

 

(سورة الفرقان )

 فالموت يأتي فجأةً والقبر صُندوق العمل، لذا لا تجعل الأعمال تسْتهلكَّ لكي لا تقول عند الموت ربِّ ارجعون، وقال تعالى:

 

﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾

 

[ سورة الزخرف ]

 فهذه الآية يجب أن تبقى في ذِهن كلّ واحِدٍ مِنَّا، وشرف المؤمن قيامُه بالليل وعِزُّه اسْتِغْناؤه عن الناس.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018