الخطبة : 0285 - العلم3- علاقة العلم بالعمل . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0285 - العلم3- علاقة العلم بالعمل .


1990-01-05

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ، ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

علاقة العلم بالعمل :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ عَودةٌ إلى موضوع العلم ، في الخطبة التي قبل السابقة كان الموضوع العلمُ والإيمان ، وكيف أنّ العلم طريقٌ إلى الإيمان ، وكيف أنّ العلم الحقّ يهدي إلى الإيمان ، وكيف أن الإيمان الصحيح يفسحُ مجالاً للعلم ، وكيف أنّ صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول ، وإذا كان هناك تناقض فبين فرضيّة علميّة ، أو نظريّة علميّة ، وبين نصّ صحيح ، أو بين حقيقةٍ علميّة ، ونصّ دينيّ غير صحيح .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الكون خلق الله ، وهذا القرآن الذي هو أصل التشريع كلامه ، وهل يعقل أن يتناقض كلامه مع خلقه ؟ لذلك من الثابت قطعًا أنّ العلم طريق الإيمان، هذا موضوع الخطبة السابقة ، أما موضوع الخطبة اليوم فعلاقة العلم بالعمل .
 من الثابت أيّها الأخوة أنّ العلم دليل العمل ، بل إنّ العلم شرطٌ في صحّة القول والعمل ، لا يصحّ القول ، ولا يصحّ العمل إلا إذا كان العلم قبلهما ، فالعلم والعمل علاقتهما علاقة ترابطيّة ، علاقة سبب بِنتيجة ، علاقة النور للعين ، علاقة الدليل في الأرض الحَيرة ، لذلك لا يُعتبر القول والعمل إلا بالعلم ، فهو متقدّم عليهما ، والعلم من جهةٍ ثانية يُصحّح النيّة ، أساس العمل النيّة ، وأساس صحّة النيّة العلم ، فالعلم متقدّم على النيّة ، والنيّة متقدمة على العمل ، ولا تصحّ النيّة ، ولا يصح العمل إلا بالعلم ، من هنا يقوم الإمام الشافعي ، والذي أُعيد قوله مرات عديدة : إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معًا فعليك بالعلم .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ نسمع هذه المقولة كثيرًا ؛ العلم لا يصلح إلا بالعمل ، الإيمان بلا عمل كالشجر بلا ثمر ، هذا صحيح ، ولكنّ الأصحّ منه أنّ العمل لا يصلح إلا بالعلم ، إذا صحّ أنّ العلم لا يصلح إلا بالعمل فإنّه يصحّ أيضًا أنّ العمل لا يصحّ إلا بالعلم ، ماذا قال الله عز وجل ؟ قال تعالى :

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾

[سورة محمد : 19]

 متى جاء الأمر بالاستغفار ؟ بعد الأمر بالعلم ، إذًا لا يصح العمل إلا بالعلم .

 

أصل الدين معرفة الله عز وجل :

 ما رأسُ العلم ؟ هناك علمٌ لا ينفع ، قال : من هذا ؟ قالوا : نسّابة ، وقد رأى رجلاً يتحلّق الناس حوله في المسجد ، قال : وما نسّابة ؟ قالوا : يعلمُ أنساب العرب ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((ذاك علمٌ لا ينفع من علِمَه ، ولا يضرّ من جهل به))

[ورد في الأثر]

 العلوم لا تعدّ ولا تحصى ، فروعُ فروع العلوم ، لكلّ فرع من فروع العلوم آلاف المجلّدات ، بِعَشرات اللّغات ، فأن تحصّل العلم كلّه هذا شيء مستحيل ، لا بدّ من أن تعرف رأس العلم ، وأصل العلم ، لابدّ من أن تعرف العلم النافع ، لابدّ من أن تعرف العلم المسعد ، لابدّ من أن تعرف العلم الذي ينفعك عند مغادرة الدنيا ، لابدّ من أن تعرف العلم الذي ينفعك في قبرك ، لا بدّ من أن تعرف العلم الذي ينفعك يوم العرْض على الله تعالى ، لابدّ من أن تعرف العلم الذي يمتدّ أثرهُ إلى الأبد ؛ في الجنة ، هناك علمٌ ينتهي عند الموت ، وهناك علمٌ يمتعك ، وهناك علمٌ ينفعك في الدنيا ، وهناك علمٌ يسعدك إلى أبد الآبدين ، فابْحَث عن أصل العلم ، فابحث عن رأس العلم ، فابحث عن العلم النافع ، والعلم المجدي ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : " أصل الدّين معرفته " فأصلُ العلم أن تعرف الله عز وجل ، لذلك هذه المقولة حملَت الإمام الغزالي رحمه الله تعالى على أن يقول : " حيثما وردَت كلمة العلم في الكتاب والسنة فإنّما المقصود بها العلم بالله " ؛ لأنّك إذا عرفت الله عرفت كلّ شيء ، وإذا جهلْت هذه الحقيقة الكبرى جهلتَ كلّ شيء ، إن وجدْت الله وجدت كلّ شيء ، وإن لم تجد الله لم تجد شيئًا ، إذا رضي الله عنك فهذا كلّ شيء ، وإذا رضي الناس عنك أجمعون رضاهم لا شيء ، قال تعالى :

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾

[سورة فاطر : 2]

 واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعت الأمّة على أن تضرّك بشيء ، لم تضرّك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك ، علاقتك إذًا بالله عز وجل ، فإذا عرفته عرفت كلّ شيء .

 

رأس العلم معرفة الله وتوحيده :

 يا أيها الأخوة الأكارم ، يقول بعض العلماء : رأس العلم معرفة الله ، وتوحيدهُ ؛ أي أن تعلم أنَّه لا إله إلا الله ، لأنّ كلّ المعاصي تتأتّى من الشّرك ، لأنّ كل انحراف عن الخطّ الصحيح أساسه الشّرك ، متى يعصي الإنسان ربّه ؟ إرضاءً لِزَيدٍ أو عُبيد ، لماذا يرضي زيدًا أو عُبيدًا ؟ لأنّه يتوهّم أنّ بيَدِ زيدٍ أو عبيد نفعهُ وضرّه ، لذلك يُطيعهما ويعصي ربّه ، إذًا المعصية أساسها الشّرك ، فإذا علم الرّجل أنّه لا إله إلا الله ، لا رافع ولا خافض ، ولا معطي ولا مانع ، ولا معزّ ولا مذلّ ، ولا قابض ولا باسط إلا الله ، قطعْت العلائق مع الخلق ، وربطْتها مع الحقّ ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها ))

[ أخرجه ابن عدي والديلمي عن أنس ]

(( من جَعَلَ الْهُمُومَ هَمّاً وَاحِداً هَمَّ الْمَعَادِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ))

[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]

 العلم ثمين ، ولكن أيّ علمٍ هذا ؟ أن تعرف الله وأن توحّده ، لذلك جميع رسالات الأنبياء فحْواها كما قال تعالى :

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾

[سورة الأنبياء: 25]

 العقيدة أن تؤمن أنّه لا إله إلا الله ، والعمل أن تعبده ، هذا هو الدِّين كلّه ، إذا أردت أن تضغط الدّين كلّه في كلمتين ؛ التوحيد والعبادة ، أن تعرف أنّه لا إله إلا الله ، وأن تعبدهُ حقّ العبادة ، وهذا هو الدِّين ، لذلك التوحيد نهاية العلم والعبادة نهاية العمل ، فإذا أردت أن تكون في أعلى درجة من درجات العلم فاعلم أنّه لا إله إلا الله ، وإذا أردت أن تكون في أعلى درجة من درجات العمل فاعبد الله عز وجل .

 

خطاب الله للنبي هو خطاب موجه إلينا بالضرورة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا خاطب الله النبي عليه الصلاة والسلام فهذا الخطاب موجَّهٌ إلى أُمّته بالضرورة ، فاعلم أنّه لا إله إلا الله ، إذًا هذا الخِطاب موجَّهٌ إلينا بالضرورة ، فيجبُ أن نعلم أنّه لا إله إلا الله ، ألا ينبغي أن تخصّص وقتًا لمعرفة أنّه لا إله إلا الله ، إذا كان عملك ، وأسرتك ، وسهراتك ، واستجمامك ، وحفلاتك ، ومتاعبك ، ومشاغلك ، إذا كانت تستغرق الوقت كلّه ، فأيُّ وقتٍ تركتهُ لمعرفة الله تعالى ؟ إذا كان الله عز وجل يأمرك أن تعلم أنّه لا إله إلا الله فماذا فعلت بهذا الأمر ؟ من قال لك : إنّ الأوامر في الدّين هي الصّوم ، والصلاة ، والحجّ ، والزكاة ليس غير ؟ إنّ كلّ أمْرٍ في كتاب الله يقتضي الوُجوب ، وها هو ربّنا سبحانه وتعالى يقول مخاطبًا نبيّه عليه الصلاة والسلام ، والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام خِطابٌ لأمته بالضرورة ، إلا إذا كان هناك دليل قطعيّ على أنّ هذا الخطاب خاصّ للنبي صلى الله عليه وسلّم .
 للنبي عليــه الصلاة والسلام خصوصيّات عدَّها الفقهاء إن لم يكن هناك قرينة أو دليل على أنّ هذا الخطاب للنبي وحده فأيُّ خِطابٍ يخاطب به النبي في القرآن هو خِطابٌ لأمته.

العلم أساس العمل وأساس الخشية من الله :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ألم أقل لكم قبل قليل : إنّ العلم دليل العمل ؟ إنّ العلم أساس العمل ، إنّ صحّة العمل أساسها صحّة العلم ، اسْتمعوا معي أيّها الأخوة إلى قوله تعالى:

﴿يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[سورة فاطر : 28]

 العلماء هم الذين يخشَوْن ربّهم ، العلم قبل الخشية ، تعلمُ فتخشى ، أيّهما أسبق ؟ العلم ، العلم أساس العمل ، وأساس الخشية ، إذا تأمّلت في ملكوت السموات والأرض ، إذا تأمّلت في كتاب الله ، وتفكّرت في آيات الكون ، أو تدبّرت آيات القرآن ، عرفت طرفًا من عظمة الله عز وجل ، فإذا عرفت طرفًا من عظمة الله عز وجل خشيتَهُ ، واسْتقمْت على أمره ، وتقرّبت إليه ، وجعلت الله عز وجل كلّ همّك ، جعلْت الله عز وجل هو مقصودك ، هو مبتغى مناك ، هو الذي تبحث عنه .

 

ضرورة التفقه في الدين :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ألا يكفينا قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدِّين))

[البخاري عن حميد بن عبد الرحمن]

 أي إذا تفقّهت في الدِّين ، وهذا الحديث لا يعني أن تعرف الأحكام الشرعيّة ، هذا مفهومٌ أخير ، مفهوم مستحدث ، أنّ كلمة الفقه تعني معرفة الأحكام الشرعيّة ، الفقه في هذا الحديث يعني أن تعرف الله تعالى ، أن تعرف أصل الدِّين ، أن تعرف لبّ الدّين ، وجوهر الدِّين، أن تعرف التوحيد ، من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدِّين ، وإذا فقِهَ الإنسان صحّ عمله ، وحسنَ عمله ، وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : " أدنى درجات الفقيه - أي أدنى درجة من درجات معرفة جوهر الدِّين ، من درجات معرفة سرّ الدِّين ، من درجات معرفة أساس الدّين - أن يعلمَ أنّ الآخرة خيرٌ من الأولى " فالذي يضعُ كلّ ثقله في الدّنيا ، ويضعُ كلّ اهتمامه ، ويصرفُ كلّ وقته ، ويحصر كلّ طموحه ، ويعقد كلّ رجائه ، ويضعُ كلّ أمانيه في الدّنيا ، فهذا ما عرف من الدّين شيئًا ، وما فقه في الدّين، وما عرف جوْهر الدّين ، وما فقه سرّ وُجوده في الأرض ، أدنى درجة من درجات الفقيه أن يعلمَ أنّ الآخرة خيرٌ من الأولى ، وما الدليل ؟ أن يسعى لها ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾

[سورة الإسراء: 19]

التمنّي في القرآن مرفوض والرّجاء مقبول :

 أما من أراد الآخرة من دون سعيٍ فهو متمنٍّ ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾

[سورة النساء : 123]

 التمنِّي سهل ، فأيُّ إنسان يتمنَّى أن يكون أغنى إنسانٍ في الأرض ، أُمنية ، أيُّ طالبٍ في أيّ مدرسة يتمنّى أن يكون الأوّل على القطر ، أيّ موظّف يتمنّى أن يكون بأعلى درجة من الوظيفة فالتمنِّي سهل ، ولكنّ التمنّي في القرآن مرفوض ، والرّجاء مقبول ، والرّجاء من لوازمه العمل ، استمعوا إلى قوله تعالى :

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

[سورة الكهف: 110]

 هذا ثمن اللّقاء ، هذا ثمن القُرب ، هذا ثمن الرّضا .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، هذه روايةٌ جديدة للحديث المعروف ، قال : يا رسول الله عِظْني وأوْجز ؟ فتلا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى :

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾

[ سورة الزلزلة : 7]

 فقال هذا الأعرابي : يا رسول الله أمِثقال ذرّة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : نعم، قال : واسوْأتاه!! ثمّ قام وهو يقولها : أَمِثقال ذرّة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لقد دخل قلب هذا الأعرابي الإيمان ، هذه بادرةٌ ، وهذه علامةٌ من علامات الإيمان ، أَمِثقال ذرّة ؟ نعم وربّ الكعبة، لو أنقذت نملةً ، لو نزعتَ قشّة من المسجد من أجل المحافظة على نظافته ، فالله تعالى يحاسبك على هذا العمل ، فما قولك بما فوق هذا العمل ؟ ما قولك إذا هديت إنسانًا إلى الله عز وجل ؟ ما قولك إذا رعيت اليتيـم ، ورعيْت الأرملــة ؟ ما قولك إذا أمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ؟ ما قولك إذا أصلحت بين اثنين ؟ ما قولك إذا شفعت في نكاح ؟ ما قولك إذا كنت مصدر سعادةً للناس ؟ ما قولك إذا كنت مصدر هدايةٍ لهم ؟ قال تعالى :

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾

[ سورة الزلزلة : 7]

ضرورة العلم للعبادة و المعاملة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ العلماء يقولون : العلم ضروريّ للعبادة وللمعاملة ، العبادة علاقتك بالله ، والمعاملة علاقتك بالخلق ، وأنت مضطرّ إلى التعلّم من أجل أن تصحّ عبادتك ، ومن أجل أن تصحّ معاملتك ، سيّدنا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول : من عمل من غير علمٍ كان يفسد أكثر مما يصلح ، أغلبُ الظنّ أنّ الفساد الذي ينتجُ منه أضعاف النفع الذي ينفعهُ . سيّدنا معاذ بن جبل يقول : العلم إمام العمل ، والعمل تابعه ، والنبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يصلّي ، فقال : قمْ فإنّك لم تصلّ ، هو يصلّي فكيف قال له : إنّك لم تصلّي ! استنبط العلماء أنّ هذه الصلاة لا فقه فيها ، ما عرف أحكامها ، ما عرف أحكام الوقوف ، والسجود ، والركوع ، والقراءة ، ما عرف أحكام الخشوع ، لذلك حتى العبادات أساسها العلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : " قمْ فصلّ فإنّك لم تصلّ " أنت بالعلم تعرف الحلال من الحرام ، تعرف الصحيح من الفاسد ، تعرف المحكم من المتشابه ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( الحلال بيِّن والحرام بيِّن ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس...))

[البخاري عن النعمان بن بشير]

 هذه الكبائر ولَّى وقتها ، إنّ الشيطان يئِسَ أن يُعبد في أرضكم ، لن تقوم في العالم الإسلامي وثنيّة - هذه الكبائر - ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم ، الشيطان لا يستطيع أن يدخل على المؤمن بالكبائر يدخل عليه بالصغائر ، يدخل عليه بالشبهات ، يدخل عليه بما يُسمى اللّمم ، هذه الصغيرة إذا أصْررْت عليها انقلبَت كبيرة ، وهذه الصغيرة تُبعدك عن الله عز وجل ، وتحجب عنك أنواره ، لذلك الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفها كثير من الناس ، إذًا أنت يجب أن تعلم الشبهات ، يجب أن تعلم وجه الحرام فيها من أجل أن تتّقيَها ، فالعلم ضرورة في بيعك وشرائك ، في زواجك ، في علاقاتك ، في صلاتك ، في رضاك ، في غضبك ، في عطائك ، في منعك .

 

ضرورة معرفة الأحكام الفقهية المتعلقة بالمهنة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ مرّةً ثانية : هناك مجموعةٌ من الحقائق في الدِّين يجبُ أن تُعلم من الدّين بالضرورة ، مهما تكن أنت ، مهما تكن ثقافتك ، مهما تكن حرفتك ، مهما يكن منبتك ، مهما تكن بيئتك ، هذا فرض عَين على كلّ مسلم ، أركان الإيمان ، أركان الإسلام، الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بِمِهنتك ، إذا كنت تاجرًا فمِنَ الضروري ومن الفرْض عليك أن تعرف أحكام البيوع في الإسلام ، أيّة مهنةٍ لها أحكامٌ خاصّة بها ، إذا كنت طبيبًا فأحكام الجعالة ، لأنّ الأجْر الذي تتقاضاه من المريض صنّفه العلماء مع الجُعالة ، تستحقّ هذا الأجْر إذا بذلْت العناية المشدّدة ، ليس كعُقود المعاوضة ، تستحقّه ولو لم يُشف المريض ، ولكن بِشَرط أن تبذل العناية الفائقة ، فإذا كان هناك تقصير في العناية الفائقة فإنّ هذا الأجْر يغدو حرامًا ، كلّ من له عمل يجبُ أن يعرف أحكام الفقه المتعلّقة بهذا العمل ، لابدّ من أن تعرف أركان الإيمان ، ولابدّ من أن تعرف أركان الإسلام ، ولا بدّ من أن تعرف الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بِعَملك . سيّدنا يوسف عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام قال :

﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾

[سورة يوسف: 55]

 لذلك اشترط الفقهاء في بعض الأعمال المتعلّقة بعامة المسلمين أن يكون من يتولاّها عالمًا ، لأنّه إن كان جاهلاً ربّما حكَم وجارَ في حُكمه ، عن حميد الطويل :

(( أن إياس بن معاوية لما استقضى ، أتاه الحسن فبكى ، قال : ما يبكيك ؟! فقال : يا أبا سعيد ، بلغني أن القضاة رجـل اجتهد فأخطأ فهو في النار ، ورجل مال به الهوى فهو في النار ، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة ))

[ رواه ابن عساكر عن حميد الطويل ]

 هناك أعمال لابدّ إذا تولَّيتها أن تكون عالمًا ، وإلا كان هذا العمل جِسرًا إلى النار .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ بالعلم تعرف راجح الأعمال من مرجوحها ، بالعلم تعرف فاضلها من مفضولها ، بالعلم تعرف صحيحها من فاسدها ، بالعلم تعرف مقبولها من مردودها ، بالعلم تعرف مسنونها من مبتدعها ، بالعلم تعرف لكلّ عملٍ قيمته .

 

تعلّم العلوم الدنيويّة فرض كفايةٍ على المسلمين :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هؤلاء الذين حرموا نور العلم يذيبون الحدود بين الأعمال ، فالأعمال عندهم ليسَت متمايزة ، يحكمون عليها بغير ما حكم الشرع فيفرّطون أو يفرطون ، وهنا يضيع الدِّين بين الغلاة وبين الجفاة ، لابدّ من نور العلم ، إنّ الله عز وجل يرفع بهذا العلم أقوامًا ، ويذلّ به آخرين .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى أنكر على أهل بلدٍ أنّ هذه البلدة ليس فيها طبيب مثلاً ، فأرواح هؤلاء المسلمين وعوراتهم بين يدي طبيب غير مسلم ، إذًا تعلّم العلوم الدنيويّة فرض كفايةٍ على المسلمين ، ففي عهد الغزالي أنكر على أهل بلدة اتَّجَهَ شبابها إلى طلب العلم الشرعي وأهملوا ما به قوام الحياة ، فأصبحت أرواح هذه البلدة ، وعوراتهم بين يدي طبيب غير مسلم .

 

ثمار الجهل بالدين :

 لذلك من العلوم ما هو فرض عين ، ومن العلوم ما هو فرض كفاية . أحيانًا من دون علم تقع في القشور ، هذه القشور تُذيبُ وقتك ، تستهلك حياتك ، تستهلك جهدك ، هؤلاء الذين يخوضون في مناقشات سقيمة ، ما حكم من يضعُ ساعته في يده الشّمال ؟! أعداء المسلمين يكيدون للمسلمين ، وهم غارقون في مناقشات حول حكم وضع الساعة في الشّمال ! ما حكم أن يكون المنبر فوق ثلاث درجات ؟ خصومات ، ومناقشات ، وترّهات ، حينما نفقد نور العلم نقعُ في التفاهات ، ونقع في القشور ، ونقع في موضوعات جانبية جدًّا جدًّا ، يغيبُ عنّا جوهر الدِّين فنقع في أشياء لا تقدّم ولا تؤخّر .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هناك مسائل في الدِّين تأكل الأوقات ، وتمزّق الجماعات ، وتخلق الحزازات ، وتضيّع الجهود والجهاد ، جهود في غير موضعها ، وجهاد مع غير عدوّ ؛ هذا من ثمار الجهل بالدّين ، هذا الذي يحجّ الحِجَج الواحدة تلو الأخرى ، الأولى فرض ، ولا بدّ من أداء الفرض ، ولكنّ الحج الثاني والثالث والرابع والخامس ، وهناك شباب متحرّقون على الزواج ، لو أنَّك زوَّجْت شابًّا بهذه النفقة لوصَلْت إلى السماء عند الله عز وجل ، يدعون العمل الراجح للعمل المرجوح .
 يا أيها الأخوة الأكارم ، بالعلم تعرف الجوهر ، بالعلم تعرف الراجح من العمل، بالعلم تعرف العبادة الصحيحة ، بالعلم تختار الأصحّ ، والأجدى ، والأقوى ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام :

(( فَقِيه واحِد أشدُّ على الشَّيْطانِ من ألْف عَابِد))

[الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018