الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 77 - الوقت ـ إدارة الوقت في الإسلام ولماذا هذا التباين بيننا وبين الغرب في تثمين الوقت - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 77 - الوقت ـ إدارة الوقت في الإسلام ولماذا هذا التباين بيننا وبين الغرب في تثمين الوقت


2007-09-03

ترحيب :

الأستاذ علاء :

 

 أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، ويسعدنا أن نكون بمعية فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، أهلاً وسهلاً سيدي الأستاذ .
الدكتور راتب :

 أهلاً بكم أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ علاء :

تذكير :

 سيدي ، بدأنا في الحلقة الماضية موضوعاً تخصصياً من عنوان كبير ، هذا العنوان كان عن الوقت ، وقد أمضينا فيه حلقات عدة ، لكن الحلقة الماضية بدأنا في موضوع خاص هام ، بموضوع له مكانة في فهمنا للوقت مختلفة عن كل المواضيع الأخرى ، الموضوع يتعلق بإدارة الوقت ، وكيف ندير الوقت ، ونستغله ، استغلال ، ونستثمره استثماراً إيمانياً دينياً ودنيوياً ؟ وكيف نحقق الكفاية بالمفهوم الاقتصادي من خلال هذا الوقت المستثمر ، ونقلل من الهدر منه ما أمكن ، ونكون فاعلين ؟ في الوقت الذي لا نستطيع لا أن نختصره ، ولا أن نطيل منه ، هو وقت لا يعبأ بأحد يمشي ضمن نظام إلهي واضح ، لا يعبأ بمن لا يلتفتون إليه ، هو حيادي ، وعلينا أن نستغله الاستغلال الرشيد إن صح التعبير .
 توقفنا في الحلقة الماضية عند مثال سيدي لو سمحت ، وقلت لك : أحد أهم القضايا التي تواجه الشاب أو الإنسان في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، عندما ينتقل إلى المجتمع الغربي يصطدم بمسألة ، هذه المسألة تتعلق كلها بالوقت ، وبمفهومه ، وتثمينه للوقت .
الدكتور راتب :

 إنه ثمين جداً ، لأنه عندهم يعني المال .
الأستاذ علاء :

 سيدي ، الآن يخرج الإنسان ليذهب إلى جامعته في وقت متأخر ، الحافلة تركته ، ومشت في وقتها المحدد ، هو أتى بعد ثلاثة دقائق لا يعبأ بشيء .
الدكتور راتب :

 حتى لو حددت موعداً مع إنسان مهم ، وجئت بعد دقيقة لا يستقبلك .
الأستاذ علاء :

 سيدي ، كثير من الأعمال إن أنجزت في وقتها تثمن من قبلهم ، وإن أنجزت بعد الوقت فكأننا لم نقم بهذه الأعمال ، هذا الفارق ، هذا الصدم إن صح التعبير ، أو الصعق بين المفهومين ، حتى يعتدل أحدنا في تلك المجتمعات ، ويعود إلى التوازن التي تقتضيه عيش هذه المجتمعات يأخذ مدة لا بأس بها ، لماذا هذا التباين ؟
الدكتور راتب :

 الحقيقة الفرق حضاري ، وقلت قبل قليل : إن الوقت عندهم يعني المال ، والمال إله عندهم يعبد من دون الله ، لكن عند المؤمنين الوقت عبادة ممتدة إلى الآخرة ، لو أحسن المسلم إدارته يسعد في الدنيا والآخرة ، وأصول إدارة الوقت في ديننا واضحة بشكل صارخ .
 أستاذ علاء ، كنت في بلد أُنشئ للتجار فيه بناء موحد فيه سبعة آلاف مكتب ، المكتب فيه محل تجاري ، ومكتب استيراد ، ومستودع ، وأمامه موقفان للسيارات ، كل ما يحتاجه التاجر في هذا البلد يحده في هذا البناء ، البنوك ، الجمارك ، المالية ، المؤسسات ، لا يحتاج إلى أن يخرج قيد أنملة ، وفيه موقفان للسيارات ، موقف له ، وموقف للزبائن ، كل شيء منظم ، نحن الحمد لله بدأنا بموضوع الكوة الواحدة ، هذا توفير للوقت ، لكن أنا لا أصدق أن أمة يعمل أفرادها ثماني ساعات تستطيع أمة أخرى يعمل أفرادها ثلاثين دقيقة في اليوم أن ينتصروا عليهم ، هذا إيماني ، وهذه الحقيقة مُرّة .
الأستاذ علاء :

 هذا قانون الله عز وجل .
الدكتور راتب :

من يحسن إدارة الدنيا يفرض منطقه فيها :

 الدنيا لها نظام ، هذه الساعة ساعة رقمية ، وهناك ساعة بيانية بعقارب ، لا يمكن أن نوازن بينهما ، كل نمط له نظام خاص ، الآخرة لها نظام أساسه الإيمان والاستقامة والعمل الصالح ، أما الدنيا فأساسها أن تحسن إدارتها ، فالذي يحسن إدارتها يملكها ، ثم يفرض ثقافة على كل الشعوب .

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)﴾

( سورة الأنبياء)

 المقصود بالصالحين لا دينياً ، بل الصالحون لإدارتها ، فمن أحسن إدارتها ملَكها ، فإذا ملكها تفوق .
 الدنيا نظامها غير نظام الآخرة ، الدنيا تصلح بالكفر والعدل ، ولا تصلح بالظلم والإيمان ، وهذا كلام دقيق جداً ، فالعدل أساس المُلك ، أساس النمو ، أساس التقدم ، أساس العطاء .
 هناك ملاحظة دقيقة جداً : الوقت مورد نادر لا يمكن تجميعه ، ولأنه سريع الانقضاء ، وما مضى منه لا يرجع ، ولا يعوَّض بأيِّ شيء كان ، الوقت أنفس ، وأثمن ما يملك الإنسان ، وترجع نفاسته إلى أنه وعاء لكل علم ، ولكل عمل ، ولكل عبادة ، فهو في الواقع رأس المال الحقيقي للإنسان فرداً ومجتمعاً ، رأس مالي الوقت ، بالوقت هناك فكر ، وخبرات ، وبغير وقت كل شيء معطَّل .
 عندما نعالج هذا الموضوع في هذه الحلقة إن شاء الله من ندرك أن الوقت من أخطر موضوعات الحياة ، ويحتاجه كل إنسان ، وتحتاجه الدول والأمم ، لذلك أنا أقول ، وأنا أتمنى أن ينقل هذا إلى بلادنا جميعاً : الدول القوية جداً توفر على المواطنين أوقاتهم ، لأن الروتين شبح أخطبوط يعيق التقدم .
 حدثني أخ ذهب إلى بلد غربي لينشئ معملاُ ، صعق حينما علم أنْ ليس هناك أي شرط ، إلاّ أن يوقِّع تعهُّدين : الأول أن يوفر فرص عمل للمواطنين ، والثاني : ألاّ يلوث البيئة ، ومنحوه كل دنم بأجرة سنوية قدرُها مارك واحد ، أعطوه الأرض مجاناً على شكل أجرة حتى لا يتملكها ، وكلفوه بتصريحين : أن يوفر فرص عمل للمواطنين ، وألاّ يلوث البيئة ، فكلما عقدنا الأمور ، وطالبنا بوثائق ووضعنا شروطًا تعجيزية تأخَّرنا .

 

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

 إنّ أبلغ من ذلك أنّ الإنسان خياره مع الإيمان خيار وقت ، أنت معك مليون خيار قبول أو رفض ، إلا مع الإيمان فخيارُ وقت ، فإما أن نؤمن في الوقت المناسب ، وننتفع بإيماننا ، أو نؤمن بعد فوات الأوان ، وهذا الإيمان لا قيمة له إطلاقاً ، لأن أكفر كفار الأرض الذي قال :

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾

( سورة النازعات)

 ولأنه قال :

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38)﴾

( سورة القصص)

 حينما أدركه الغرق آمن ، وقال :

 

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

( سورة يونس الآية : 90 )

 الله عز وجل قال له :

 

﴿ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

( سورة يونس الآية : 91 )

 معنى ذلك أن الإيمان له وقت ، لذلك خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت .
 الوقت أنا أعده أحد أكبر الموارد البشرية ، وأحد أكبر الأشياء التي نهدره بلا طائل ، أحيانا سهرة لا جدوى منها إطلاقاً ، كلام فارغ ، لعبة طاولة ، لعبة النرد ، الحديث الفارغ ، متابعة مسلسلات سخيفة ، هذا كله استهلاك للوقت .
الأستاذ علاء :

 

 من هنا :

﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾

( سورة النساء )

 أي استغل وقته بهؤلاء الثلاثة .
الدكتور راتب :

 

 الحقيقة أنا لا أرى إنسانا عظيما إلا مَن يحسن إدارة وقته ، لا أرى إنسانًا ناجحًا إلا يحسن إدارة وقته .
 سألوا طالبًا نال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية : " بمَ نلت هذا التفوق ؟ قال : لأن لحظة الامتحان لم تغادر مخيلتي طوال العام " ، والتذكر يعينه على إدارة وقته .
الأستاذ علاء :

 سيدي ، تسمح لي أن أنطق بلسان كثير من أبناء مجتمعنا ، هو يحب أن يدير الوقت ، وأن يلتزم بالوقت ، وأن يكون في الوضع الذي يتسق مع الشريعة ، ومع العقل البشري في استغلال الوقت ، لكن البيئة التي يعيش فيها المجتمع الكبير لا تعينه على هذه المسألة كما تفضلت ، فهو يهدر وقتاً في معاملات من مكان إلى مكان ، ومن دائرة إلى دائرة ، وفي وسائط النقل ، بالإضافة إلى ذلك حتى يكسب عيشه هو مرتبط بأكثر من عمل أو عملين أحياناً ، وهذا الأمر يجعل في حياته كل التداخل ، ولأنه لا يستطيع أن يلتزم بحدية الوقت ، كيف يعيش توازناً بين ما نطرحه من مفهوم والواقع المعاصر ؟
الدكتور راتب :

كيف يتوازن الإنسان بين ما نطرحه من مفهوم الوقت والواقعِ المعاصر ؟

1 – اختيار المجموعة التي تقدِّس الوقت :

 قالوا : الذكاء هو التكيف ، هو أولاً لو كان في مجتمع يحترم الوقت يقول الله عز وجل له : اصْبِرْ نَفْسَكَ مع هؤلاء :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

( سورة التوبة )

 باختيارك تختار مجموعتك ، تختار مجموعة تحترم الوقت ، أحياناً المواعيد ، الموعد مقدس في الوقت نفسه ، فقد يأتي الإنسان بعد ساعتين مرتاحا ، والطعام معطل ، تجد المنتظرين في ألم شديد من هدر الوقت ، فباختيارك تختار مجموعة تعيش معها ، فاختر مجموعة تقدس الوقت ، هذه واحدة .

 

2 – التخفيف من أعباء تُهدَر بها الأوقات :

 وإذا كنت في موقع مسؤولية فحاول أن تخفف عن المواطنين هدر وقتهم ، بتجميع الأمور بكوة واحدة وبناء واحد ، بالحد الأدنى من الوثائق ، لكن للأسف الموظف لا ينتبه أن هذا المواطن الذي أمامه وقته ثمين جداً يقول له : تعال غداً ، هو أتى من مدينة حلب إلى الشام ، وسوف يذهب إلى فندق بسبب كلمة : " تعال غداً " ، وقد يدير الموظف حديثاً سخيفاً مع زميله ، ويترك مصالح الناس .
 الوقت يحتاج إلى مجموع الأطراف ، فالمواطن يجب أن يعرف قيمة الوقت ، والمسؤولون يجب أن يعلموا قيمة الوقت ، والوقت هو حضارة ، الوقت أساس الحياة ، وعليه تقوم الحضارة ، إذاً : الوقت شيء ثمين جداً ، وإدارته أثمن ، والمؤمن يديره لدنياه وآخرته .
الأستاذ علاء :

 سيدي ، العودة إلى نظام المؤسسة ، النظام الإداري أليس تثميناً للوقت ؟
الدكتور راتب :

إدارة الأعمال تثمينٌ للوقت :

 إن إدارة الأعمال هي تثمين للوقت ، عفواً أستاذ علاء ، هناك برامج كمبيوترية للبنَّاء لا يمكن أن يهدر ثانية ، الإسمنت يحتاج إلى أن يجف كذا من الأيام ، ماذا تفعل في أثناء انتظار الإسمنت ؟ هناك برنامج كومبيوتري غالٍ جداً يعطيك مراحل العمل ، حيث ينتهي البنّاء في أربعة أشهر من بناء عشرة طوابق ، لا تذهب ثانية هدراً للوقت ، بينما كلفنا إنسان يكسو بيتًا أن ينشأ بيتًا يأخذ أضعاف الوقت الذي يحتاج للإنجاز ، ويذهب هدراً ، هذه أمة .
 مثلاً : لو ما أتقنا صناعة الحديد الذي فيه شوائب فحمية ماذا يفعل المهندس ؟ يضع كمية مضاعفة كلفت مبالغ فلكية حتى ينام المهندس مرتاحًا ، لأننا ما أتقنا صناعة الحديد ، وما كان نقيًّا من الشوائب الفحمية ، حتى يرتاح ضاعف الكمية فكلَّف المواطن ضعف ثمن الحديد ، والأمور متشابكة ، فأيّ خلل بمكان ينسحب على أمكنة عديدة .
 لو أننا نحضر دواء ، وأخرنا تخليصه لانتهى وقته ، وقد تأتي دواجن ونباتات معينة طبية ، لو أخرنا إنجازها لانتهى مفعولها ، وتُلقى في المهملات .
الأستاذ علاء :

 كمن يأتي بالدواء للمريض بعد أن يفارق الحياة ، في وقت معين هذا الدواء يصلح له ، ويحسِّن حاله ، فإذا جاء هذا الدواء في وقت متأخر لم يطن صالحًا .
الدكتور راتب :

 لذلك قالوا : الوقت لا يمكن شراءه ، ولا بيعه ، ولا تأجيره ، ولا استعارته ، ولا مضاعفته ، ولا توفيره ، ولا تصنيعه ، يمكن استثماره فقط .
الأستاذ علاء :
 مثل الأرض الوقفية ، لا يمكن أن تنتقل ملكيتها إلا من خلال الاستثمار ، وأن يكون ناتجها لخير المجتمع .
 الآن سيدي كما تفضلت ، ومن خلال ما قدمت ، الوقت نعمة عظيمة جداً ، كيف نتعرف على هذه النعمة ، وقد قالوا : الصحة تاج على رؤوس الأصحاء ، لا يرى هذا التاج إلا المرضى ، هل بالمقتضى أن نصبح مرضى حتى نثمن الصحة ؟ وهل بالمقتضى أن نهدر الوقت ، وتذهب حضارتنا وحياتنا حتى ندرك أهمية الوقت ؟
الدكتور راتب :

الناس كلهم يتساوون في الوقت :

 أستاذ علاء قالوا : العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه ، أن تصل إليه بعقلك لا بالواقع ، وهناك كلمة رائعة جداً يؤكد بعض العلماء منذ زمن قديم أن الوقت يمر بسرعة محددة وثابتة ، فكل ثانية أو كل دقيقة أو كل ساعة تشبه الأخرى ، نحن الوقت المريح نراه قصيراً ، والوقت المؤلم نراه طويلاً ، الحقيقة أن الوقت واحد ، وأن الوقت يسير إلى الأمام بشكل متتابع ، وأنه يتحرك وفق نظام معين محكم ، لا يمكن إيقافه ، أو تغييره ، أو زيادته ، أو إعادة تنظيمه ، بهذا يمضي الوقت بانتظام نحو الأمام ، دون أي تأخير أو تقديم ولا يمكن بأي حال من الأحوال إيقافه أو تراكمه ، أو إلغاءه أو تبديله ، أو إحلاله ، إنه مورد محدد .
 الآن سوف ندقق : الوقت يملكه الجميع بالتساوي ، فعلى الرغم من أن الناس لم يولدوا بقدرات أو فرص متساوية ، فإنهم جميعاً يملكون الأربع وعشرين ساعة نفسها كل يوم ، ويملكون الاثنين والخمسين أسبوعا كل عام ، وهكذا ، فإن جميع الناس متساوون في ناحية المدة الزمنية ، سواء كانوا من كبار الموظفين أو صغارهم ، أو من أغنياء القوم أو فقراءهم ، الوقت قاسم مشترك .
الأستاذ علاء :

 في امتلاك الجميع وموزع بين الجميع بالتساوي .
الدكتور راتب :

 لذلك هناك علماء جمعوا صفحات كتبهم ، وقسموها على أيام حياتهم ، فكان تأليفهم في اليوم تسعين صفحة ، الإنسان الآن لا يقرؤها ، لذلك أنا أقول : من أطاع الله طرح الله له بركة في وقته ، وفي بعض الأقوال : " من صلى الصلاة على وقتها بارك الله له في وقته " .
 أحيانا في الوقت القليل تنجز إنجازاً كبيراً ، وهذا من تكريم الله للإنسان المؤمن ، يبارك الله له في وقته ، والآلات الحاسبة ما فيها زر البركة ، كلها أرقام لا معنى لها ، لكن أحياناً تصيب أهدافا عديدة بذهاب واحد إلى السوق ، وبلقاء واحد تحل مئات المشكلات ، فكلما اقترب الإنسان من ربه ، أو كلما بذل وقتاً ثميناً لمعرفة ربه ولعبادته أكرمه الله عز وجل بالبركة في وقته ، فوقته مبارك ، وقد تشعر أن إنسانا له إنجازات مذهلة ، ووقته مثل وقت أي إنسان آخر ، نقول نحن في المفهوم الإيماني : لقد طرح الله البركة في وقته .
الأستاذ علاء :

 سوف نأتي على الوقت ، وإلى أنه وعاء العمل ، لكن قبل كل شيء عندما تعرفنا على أن الوقت نعمة عظيمة هذا يقتضي أن نحافظ عليها ، وأن هدرها معصية ومسؤولية كبيرة .
الدكتور راتب :

من تمام إدارة الوقت وضوحُ الهدف :

 نعم ، سيدي ، التقيت مع إنسان يحمل دكتوراه في إدارة الأعمال ، ذكرت له آية كريمة ، صدَِّق أنه اختل صوابه ، قال : هذه الآية تلخص ثماني سنوات درستُها في أمريكا عن إدارة الوقت ، والآية هي :

﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة الملك )

 هدفه ، واضح والطريق إلى هدفه واضح ، هذه إدارة الوقت ، الهدف واضح ، والطريق إلى هذا الهدف أوضح ، فلذلك المؤمن ما عنده مشكلة لأن هدفه واضح ، الناس يقولون كلامًا على سجيتهم في طريقة تضييع الوقت ، ما عنده خطة .
 أُجرِيَ استبيان لألف شاب ، فكانت المفاجأة الصاعقة أن ثلاثة بالمئة يعرفون أهدافهم ، والباقي يعيش بحكم الحياة ، والاستمرار بلا هدف ، والإنسان بلا هدف إنسان تافه كما يقال ، الحياة لا تعاش بلا قيم ، لا تعاش بلا مبادئ ، لا تعاش بلا رسالة ، ولكن هناك إنسان تعليقاته لاذعة : لا تعاش بلا مكيف فقط ، أما هي في الأساس لا تعاش بلا قيم ، لا تعاش بلا مبادئ ، لا تعاش بلا هدف نبيل واضح .
 أستاذ علاء ، الإنسان لما يكون له هدف نبيل يسمو به ، ويشعر بإنسانيته و بقدسيته ، عنده منظومة قيم تحكمه فيشعر بسموه ، وأنه إنسان ، أما إذا كان كائنًا متحركًا لمصالحه ولشهواته سقط من عين الناس ومن عين الله عز وجل ، وعظماء العالم عاشوا للناس ، الأقوياء عاش الناس لهم ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الأقوياء ملكوا الرقاب ، الأنبياء ملكوا القلوب ، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي .
الأستاذ علاء :

 

 سيدي ، نقول ، وقد مررت على بعض ملامح هذا المعنى : إن الوقت هو وعاء العبادة ، وأن العبادة خارج الوقت لا معنى لها ، كيف نشرح هذه المسألة ؟
الدكتور راتب :

الوقت وعاء العبادات :

 الصلاة :

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)﴾

( سورة النساء)

 الصيام برمضان ، الحج بأشهر الحج ، الفجر قبل طلوع الشمس .
الأستاذ علاء :
 وإذا ذهب الحاجُّ إلى عرفة في عشرة ذي القعدة ؟
الدكتور راتب :
 لا يعد حاجاً ، فلذلك نحن عباداتنا فيها وقت ، حتى إن الله عز وجل حينما خلق القمر فهو تقويم لنا ، الأصح من ذلك خلق الليل والنهار ، تصور عدمَ وجودِ ليل ونهار ؟ لكن من دورة الأرض حول نفسها أمام منبع ضوئي هو الشمس ، ومن ميل المحور ينشأ الليل والنهار والفصول الأربعة ، فأنت عندك إحساس أننا في الصيف أو في الخريف ، أو في الشتاء ، أو في الربيع ، في النهار أو في الليل ، فكون النظام الشمس ، ونظام الدوران ، ونظام دوران الأرض على مستوى متعامد مع مستوى دورانها ، لو دارت هكذا لألغي الزمن ، ولو كان مستوى الدوران هكذا ، وهي تدور هكذا لألغي الزمن ، لكن هي تدور في محور آخر ، هذا هو أساس الوقت .

 

الفراغ نعمة لِمن يحسن استغلاله :

 الوقت نعمة كما تفضلتم قبل قليل ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ : الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ))

[ رواه البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس ]

 الفراغ نعمة كبيرة ، في بعض البلاد الغربية الدوام من الساعة الثامنة وحتى السادسة ، نكون قد استهلكنا المواصلات مرتين ذهابا وإيابا ، وفي بلاد أخرى عندها الدوام بعد الظهر ، استخدمنا المواصلات والطرق والازدحام أربع مرات ، والإنسان أهله لهم حق عليه ، فقد يأتي الساعة العاشرة إلى البيت في الدوام الثاني ، العالم الغربي ينتهي عمله الساعة السادسة ، معك من الساعة السادسة حتى الساعة العاشرة ليلاً ، تجلس مع أولادك ، مع أهلك ، تزور أصدقاءك .
 في الحقيقة الذي عنده وقت فراغ يملأه وفق اتجاهه ، وفق أهدافه لا يعد من بني البشر ، لما تلغي وقت الفراغ تلغي وجودك ، وإلغاء وقت الفراغ هو عدم إدارة الوقت إدارة صحيحة ، عمل مستمر ، تعب مستمر ، شكوى مستمرة ، بيت ضائع ، أولاد في الطرقات ، زوجة شاردة ، أما إذا كانت إدارة الوقت كان الانضباط ، فتقعد في وجبة طعام مع الأهل مع سؤال وجواب ، وحديث ومتابعة الابن ، فقضية الوقت شيء دقيق جداً .

 

الوقت مسؤولية كبيرة :

 الوقت أستاذ علاء ، فضلاً عن أنه نعمة عظمى هو مسؤولية ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ؟ ))

[ الدارمي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ]

 الوقت مسؤولية ، ويهمني من الحديث :

(( عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ ))

 أين ضيعه ؟ في كلام فارغ ، في نشاط سخيف ، في الإيقاع بين الناس ، في القيل والقال ، وإضاعة المال ، في حضور جلسات لا تقدم ولا تؤخر ، أم في طلب العلم ، في خدمة الأمة ؟
الأستاذ علاء :

 

 سيدي تسمح لي هنا أن أخرج إلى مسألة فرعية ، الله عز وجل جعل الحمل مرتبطًا بزمن عند المرأة ، وجعل الفصال بعد الرضاع مرتبط بزمن ، ثم جعل التربية وسنين التمييز ، ثم الرشد ، ثم سن البلوغ ، هذا التدرج الشرعي ، حتى في حال الفصال بين الأبوين ، وعندما تحصل ـ لا سمح الله ـ حالة طلاق يبقى الولد أو البنت في عهدة الأم ، أو في عهدة أهلها حتى سن معينة ، إذاً : هذا الوقت مرتبط بأداء مهمة معينة ، هلا نذكر بعض الأشياء ؟
الدكتور راتب :

علاقة الوقت بنمو الإنسان جسديًّا ومعنويا :

 كلما ارتقى الإنسان طالت مدة طفولته ، ليقتبس الخبرات من أهله ، وهناك حيوانات تخرج من بطن أمها مهيأة بقدرات ، وإمكانات كأمه تماماً .
الأستاذ علاء :

 إلى العشب مباشرة وإلى الماء .
الدكتور راتب :

 الإنسان الله عز وجل لحكمة بالغة ، ولكرامته عنده جعل وقت طفولته مديداً حتى يكتسب الابن من أبيه العادات والتقاليد والمبادئ والقيم ، وهذه حرام ، وهذه عيب ، وهذه لا تجوز ، وهذه تشوه سمعتك ، وأنت كذا ، فلكرامة الإنسان عند الله جعل وقت التربية ممتداً يفوق به كل مخلوق آخر .
الأستاذ علاء :
 ولذلك كان الزمن له علاقة بنمو جسده المادي وبإذكاء تربيته وغرس الأخلاق .
الدكتور راتب :
 تأكيداً لهذه المقولة النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ ]

 حينما تصلي في الوقت المناسب تقطف ثمار الصلاة .
الأستاذ علاء :

 

 هلا بسطت لنا من حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأمثلة في منزله كيف كان يدير الوقت .
الدكتور راتب :

إدارة الوقت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام :

 كان إذا آوى إلى منزله صلى الله عليه وسلم جزَّأ وقته ثلاثة أجزاء : جزء لله ، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، وجزء لأهله ، وجزء لنفسه ، ثم جزء جزئه لنفسه بينه وبين الناس .
 جزء لله لا يعتدي عليه أبداً ، جزء لزوجته يجلس معها يستمع منها ، يثني عليها ، يأخذ منها ، ويعطي لها ، مهما تكن مشغولاً ، مهما تكن إنساناً مهمًّا فلا بد من جلسة مع الزوجة ، تستمع إليها ، وتسمع شكواها أحياناً ، هي جالسة طوال النهار وحدها تحب أن تحادثك ، فيأتي الإنسان إلى الصحف ومتابعة الأخبار ، ولا يسمح لها بكلمة ، فتتحطم المرأة بهذه الطريقة ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدير وقته جزءًا لله ، وجزءا لأهله ، وجزءا لنفسه ، ينظف نفسه ، يأكل ، ينام ، يرتاح ، هذا الجزء ضحى بنصفه للناس ، وهو في بيته يستقبل الناس ، هذا نموذج من إدارة الوقت عند النبي صلى الله عليه وسلم .
الأستاذ علاء :

 وكان يدير كل هذه الأجزاء بكل كفاءة عالية ، دون أن يطغى جزء على جزء .
الدكتور راتب :

اغتنم خمسا قبل خمس ...

 ونختم هذا اللقاء الطيب حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث الجامع المانع :

(( اغتنم خمسا قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك ))

[ أخرجه الحاكم ، والبيهقي ، عن ابن عباس أحمد ، عن عمرو بن ميمون ]

الأستاذ علاء :

 سيدي الكريم ، من آدابه عليه الصلاة والسلام ، وأدب التعامل عندما كان يذهب للجزء المخصص لله عز وجل ، كان يستأذن أم المؤمنين السيدة عائشة ، ويقول لها : أتأذنين لي يا عائشة .
الدكتور راتب :

 هذا منتهى اللباقة واللطف مع زوجاته ، كان زوجاً مثالياً ، إن السيدة عائشة سألته : كيف حبك لي ؟ فأجابها : كعقدة الحبل ، فأصبح هذا رمزاً بينهما ، كانت تسأله من حين لأخر : كيف العقدة ؟ فيقول : على حالها ، لا تزال عقدةً محكمة .
 وقال مرة :

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

[ ورد في الأثر ]

 بل إن من سعادة المؤمن أن يحب زوجته .

 

إذا قامت الساعة وبقي لك وقت فاغتنمه :

 آخر شيء لا بد من ذكره :

(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))

[ رواه أحمد في المسند ]

 شيء لا يصدق رغم انتهت الدنيا ، قيام الساعة النهائية ،

(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))

الأستاذ علاء :
 العمل مثمن ومقدس حتى قبل قيام الساعة .
الدكتور راتب :
 ولو بدا لك أنه لا جدوى منها .
الأستاذ علاء :

 

خاتمة وتوديع :

 لا يسعني في نهاية هذه الحلقة إلا أن أشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة على كل ما قدم ، وشرح ، وإلى اللقاء إن شاء الله في حلقة قادمة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018