الإيمان هو الخلق - الندوة : 75 - اليوم العالمي لمكافحة التدخين والمخدرات4 ـ من أضرار المخدرات الفقر والبطالة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - الندوة : 75 - اليوم العالمي لمكافحة التدخين والمخدرات4 ـ من أضرار المخدرات الفقر والبطالة


2007-08-13

مقدمة :

الأستاذ علاء :
 أيها السادة المشاهدون سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، يسعدنا أن بمعية الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق .
 أهلاً وسهلاً بسيدي الأستاذ .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ علاء جزاك الله خيراً .

 

مقدمة عن المخدرات هذه الآفة التي داهمت المجتمع :

الأستاذ علاء :
 وإياكم ، سيدي الكريم ، في حلقات سابقة تحدثنا عن موضوع هام ، موضوع يجب أن نتنبه إليه ، ولو أن مجتمعنا لا يعاني المعاناة التي يعاني منها الكثير من المجتمعات وخاصة الغربية ، هذا الموضوع يتعلق بالمخدرات ، هذه الآفة التي داهمت البشرية ، والتي أودت بحياة الملايين ، ثم عطلت الملايين عن العمل ، وعن الفعل ، والتنمية ، والخير ، وبدؤوا يغردون خارج السرب ، سرب الأسرة وبالتالي المجتمع ، وانقلب الكثير منهم أعداء لمجتمعاتهم ، هذه الآفة التي يروجها تجار السموم ، مصاصو الدماء ، الذين لا يبغون إلا ربحاً ، أو هنالك من يخطط استعمارياً ، لاستعباد الشعوب ، وللسيطرة عليهم .
 ثم بدأنا نتحدث عن أسباب المخدرات ، وعلينا أن نتنبه في مجتمعنا إلى هذه المسألة مع أن مجتمعنا حصانٌ والحمد لله عن أن ينتشر هذا الأمر بين ظهرانيه ، كما ينتشر في مجتمعات لا تحمل من الحصانة ، ومن القيم الأخلاقية .
بدأت سيدي الكريم بأسباب المخدرات ، الأسباب ، أو البيئة الحاضنة التي تكون مقدمة للمخدرات ، بدأت بتفكك الأسرة ، وتحدثت عنها ، والآن نتحدث إن شاء الله تعالى عن بقية هذه الأسباب .

على كل إنسان أن يعالج أصل المرض ليقضي عليه لا أعراض هذا المرض :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ علاء ، في مقدمة صغيرة : الطبيب حينما يأتيه طفل مريض ، حرارته مرتفعة ، من الخطأ الفاحش أن يصف له خافض حرارة ، بل إن الطبيب الحقيقي هو الذي يبحث عن أسباب ارتفاع الحرارة ، إنه الالتهاب ، وما لم يعالج أصل المرض فلا جدوى من معالجة أعراض المرض .
 فنحن في كل حياتنا نخطئ أحياناً نعالج الأخطاء من نتائجها الأخيرة ، بل إن هذا منهج في الإسلام .
 لما أنصاري ساق رجلاً دخل إلى بستانه ، وأكل من دون إذنه ، ساقه إلى النبي على أنه سارق ، قال له عليه الصلاة والسلام : هلا علمته إن كان جاهلاً ؟ وهلا أطعمته إن كان جائعاً ؟ .
 هناك جهل ، وهناك جوع ، فأنت إذا عالجت هذه الظاهرة من أسبابها نجحت في المعالجة .

المخدرات تفكك الأسرة و تضعف علاقة الأولاد بآبائهم :

 نحن في كل مشكلاتنا أحياناً أقول لك : هناك مئة مشكلة في المجتمع ، أنا لا أسميها مشكلة هي أعراض لمشكلة واحدة ، فنحن حينما نعالج أعرض المرض لا ننجح يجب أن نعالج أصل المرض .
 فالمخدرات كما كان في لقاء سابق ، والحديث عن تفكك الأسرة ، وكل مناهج السماء ، تدعو إلى تماسك الأسرة ، وكل مناهج الأرض تدعو إلى تفكك الأسرة .
 فلذلك كل شيء يدعم الأسرة شيء يجب أن نأخذ به ، وأي شيء يضعفها يضعف علاقة الأولاد بآبائهم وأمهاتهم ، يجب أن نبتعد عنها .
 فاللقاء السابق كان حول تفكك الأسرة .

الإنسان مكرم عند الله عز وجل لأنه قَبِل حمل الأمانة :

 الآن إلى موضوع فشل التعليم ، أستاذ علاء في الإنسان قوة إدراكية ، بها كان سيد المخلوقات .

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 لماذا الإنسان كان مكرماً عند الله ؟

 

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

 الإنسان مكرم لأنه قبل حمل الأمانة ، عندئذٍ أودع الله فيه قوة إدراكية ، أنا أسميها الحاجة العليا في الإنسان ، هناك حاجات دنيا هي ضرورية ؛ الطعام ، الشراب ، الزواج ، أما في حاجة عليا ، طلب الحقيقة .
 فالإنسان حينما يغفل عن سرّ وجوده ، وعن غاية وجوده ، وحينما لا يبحث عن الحقيقة ، ولا عن خالقه الذي خلقه و :

 

﴿ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

( سورة الإنسان )

 ولا عن منهج خالقه .

 

الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في المخدرات هذه الآفة الخطيرة :

فشل التعليم :

 أنا أرى أكبر سبب هو الفراغ ، الإنسان حينما يتعرف إلى الله ، تمتلئ أوقاته بأعمال نبيلة ، تمتلئ نفسه سعادة وطمأنينة ، يمتلئ قلبه رقة وحناناً ، تمتلئ جوارحه انضباطاً.
 فالمشكلة الكبرى هناك فراغ ، أحد أسباب الفراغ فشل التعليم ، الجاهل كتلة أغلاط ، كتلة انحرافات ، كتلة شهوات غير منضبطة ، هناك شهوات منضبطة .

 

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

 المعنى المخالف الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا ولها قناة نظيفة تسري خلالها ، ليس في الإسلام حرمان في الإسلام تنظيم ، فالإنسان حينما لا يطلب العلم يبقى جاهلاً .
 أستاذ علاء ، هناك فرية يفتريها علينا أعداؤنا ، أن التجمع السكاني الكثيف عبء هو ليس عبئاً ، التجمع السكاني الكثيف أكبر ورقة رابحة في حياة الأمم ، لكن حينما تبقي الإنسان جاهلاً يصبح عبئاً ، إذا علمته وأطلقت يديه صار مبدعاً ، خلاقاً ، أما إذا أبقيته جاهلاً وكبلته بروتين يعيق كلّ تقدم ، أصبح عبئاً على الأمة ، صار يحتاج إلى مخدرات ، إلى خمور ، إلى أعمال نصب واحتيال ، هو دائماً التجمع السكاني الجاهل ، والمقيد ، عبء كبير على الأمة .

 

الإنسان طاقة كبيرة جداً علينا أن نستغلها في العلم :

 لذلك أكبر تقدم أحياناً صناعي في دول العلم منتشر فيها ، اليابان فيها أكبر كثافة سكانية في العالم ، اليابان ، تايوان ، الهند ، الهند من برمجيات الكمبيوتر يجمعوا كل سنة مئة مليار دولار ، لا يوجد عندهم نفط ، ولا يوجد شيء آخر .
 الإنسان طاقة كبيرة جداً ، فنحن حينما نبقي هذا الإنسان جاهلاً ، أو حينما لا يُتابع في تحصيله ، نحن عندنا مشكلة كبيرة جداً ، أتمنى أن يكون المشاهدون على علم بها يعني إذا الابن ما نجح سنة سنتين يفصل من المدرسة ، هذا خطأ كبير .
 أنا لي قريب أخفق ابنه في الشهادة الثانوية أربع سنوات ، وكان أبوه مصراً على أن يأخذها ، وأخذها والآن طبيب أسنان ، أربع سنوات وبالخامسة أخذها ، لكن في ورائه متابعة ، أولياء الأمور إذا ابنه ما نجح سنة واحدة يخرجه من المدرسة ، هذا خطأ كبير يكون في أخطاء بالمدرسة ، أخطاء بالمنهج ، أخطاء المعلم ، أخطاء في البيئة التي يعيش فيها أخطاء في رفقاء السوء .
 أذكر أحد شيوخ الأزهر الكبار ، دخل أول سنة وما نجح ، فترك الدراسة جالس ببيته رأى نملة تصعد على الحائط ، عدّ محاولات صعودها ووقوعها 43 محاولة فاستحى من النملة ، وتابع الدراسة ، وصار شيخ الأزهر .
 الخطأ الكبير أن أول إخفاق من طرف الابن في التعليم يخرج من المدرسة إلى عمل ، والعمل بيئته سيئة جداً ، في أعيان موظفون بالكتب ، في بالمعمل موظفون ، في الأسواق انحطاط ، شرود ، تفلت ، إغراءات ، مخدرات ، أفلام ، أشياء تجد الطفل صار كتلة سوء ، كتلة إباحية ، على إجرامية ، على سرقة ، على ، على لأنه ما نجح بالمدرسة ، هذا خطأ كبير ، عالم النجاح له أسباب ، يكون في تعليم ، في تقصير بالتعليم ، في قسوة من المعلم أحياناً ، في إهمال من إدارة المدرسة ، عدم تواصل الآباء مع إدراة المدرسة .
 الجاهل عبء على نفسه ، عبء على أسرته ، عبء على أهل بلدته ، عبء على أمته ، الجاهل عبء .

العلم أحد المقاييس الهامة في تقدم الأمم :

 لذلك أنا أقول : أحد مقاييس تقدم الأمم العلم ، وحينما ترى الأمية منتشرة هذه وصمة عار كبيرة جداً في حق الأمة ، فكلما قلّت نسب الأميين ارتفعت الأمة في مقدار أو في مقاييس التقدم .
الأستاذ علاء :
 تقول لنا دائماً سيدي : بأن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به .
الدكتور راتب :
 الجاهل عدو نفسه ، أنا أقول كلمة صريحة وقاسية : أعداؤنا الحقيقيون ليس الاستعمار ، الجهل ، لأن الاستعمار هذا شأنه ، شأن العدو أن يغدر ، شأن العدو أن ينهب الثروات ، شأن العدو أن يتحكم بالآخرين ، هذا شأنه ، لكن شأننا أن نتعلم ، شأننا أن نقاوم ، شأننا أن نتماسك ، شأننا أن ننتمي للمجموع ، انتماء فردي كله ، كل إنسان يحل مشاكله الشخصية وانتهى ، انتهى من علاقته بالمجتمع ، في مشكلة .
 مثلاً متى يفكر أغنياؤنا ؟ متى يفكرون بهؤلاء الشباب ؟ يحتاجون إلى مساكن يحتاجون إلى أعمال ، إلى زواج ، متى يحمل أحدنا همّ أمته ؟ متى يسهم في تخفيف أعبائها ؟ الانتماء الفردي خطر كبير .

التكاتف و التعاون بين الجميع أساس نهضة الأمة :

 أستاذ علاء ، أنا والله لا أحب أن أشيد بالآخرين ، لكن شيء مؤلم جداً ألعاب الأطفال في العالم الغربي قائمة على التعاون ، لا يوجد لعبة بإمكان الطفل أن يقوم بها لوحده ، يدخلون بدمه التعاون ، يعني بدمه في كرية بيضاء ، وكرية حمراء ، وكرية تعاون ، بدم بعض الدول بعض المجتمعات المتخلفة ، كرية بيضاء ، كرية حمراء ، وكرية تنافس ، يحطم بعضهم بعضاً ، يوجد عندنا تعاون ، والتعاون في ديننا ، قال تعالى :

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

( سورة المائدة الآية : 2 )

 فأنا أتمنى أن قضية العلم شيء مهم جداً .
الأستاذ علاء :
 كما تفضلت في بعض الألعاب التي لا يستطيع الطفل أن ينجزها إلا مع مجموعة ، أو أن يستخدم كل القطع ، يعلموه بأنه لو أنقصت قطعة واحدة في التشكيل لا يتم التشكيل ، إذاً هذا مؤدى للمستقبل بأنه لا تقوم أي عملية تنمية ، أو نجاح الأمة إلا بالتكاتف والتعاون من قبل الجميع .

 

أولادنا الورقة الرابحة الوحيدة في أيدينا علينا الاعتناء بهم :

الدكتور راتب :
 وأنا أقول أستاذ علاء : الورقة الرابحة الوحيدة التي بقيت في أيدي المسلمين أولادهم ، هؤلاء يمكن أن يواجهوا القنبلة الذرية ، نحن نواجه القنبلة الذرية بقنبلة الذُرية .
 أساساً صلاح الدين الأيوبي رحمه الله ، أحد أكبر أسباب نجاحه في ردّ الغرب بأكمله عن الشرق الأوسط هو أنه بدأ بالتعليم ، ولا في أمة قوية إلا وتبدأ بالتعليم .
 فأنا أعدّ خطراً كبيراً أن يُسمح للابن أن يترك الدراسة ، خطر كبير جداً وخطر كبير أيضاً أن تكون المدرسة منفرة ، فيها ازدحام ، معلم غير خبير ، مقهور أحياناً ، عنده مشكلات عميقة جداً ، وعيه ضعيف ، يدخن أمام الطلاب ، له كلام لا يحتمل مع الطلاب يضعف شخصيتهم .

فشل التعليم إما بالتسرب أو بأسباب التسرب أو بإهمال الأولياء لواقع ابنهم :

 أستاذ علاء ، أنت حينما تحترم شخصية الصغير تنمي فيه الرجولة ، تنمي فيه الإباء ، تنمي فيه الشرف ، تنمي فيه الغيرة ، أما كلمات قاسية ، ضرب مبرح ، يسب أباه أحياناً ، معلم مقهور هذا لا يبقى ، أنا لست ضد التربية ، لكن النبي قال :

(( علموا ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف ))

[أخرجه الحارث عن أوب هريرة ]

 أنا الآن دخلت إلى أسباب ترك المدرسة ، المعلم قاس جداً ، وظائف لا تحتمل قسوة بالغة في العقاب أحياناً ، تمييز بين الطلاب مثلاً ، في تعبير دمشقي مألوف : ما في قط يهرب من عرس .
 والله أعرف مدارس لما يكون في يوم عطلة الطفل يبكي ، يريد أن يذهب إلى المدرسة ، يا بني اليوم عطلة ما في مدرسة ، في تعلق .
 أنا والله زرت بلاداً كثيرة ، المدرسة جنة يا أخي جنة ، فيها علم ، فيها أدب ، فيها ترفيه ، فيها أجهزة ، فنحن بقدر ما نعتني بمدارسنا ، وبمناهجنا نكون قد ابتعدنا عن المخدرات ، المخدرات بديل .
 هذا مثل إذا كان وعاء مفرغ من الهواء ، عنده قوة شفط مذهلة ، هكذا النفس البشرية ، عندها قوة شفط كبيرة ، أما عندما يملأ بالعلم ، فأنا أقول : إن فشل التعليم ، إما بالتسرب ، أو بأسباب التسرب ، أو بإهمال الأولياء لواقع ابنهم .

 

التواصل بين الإدارة و أولياء الأمور من أهم الأمور في التعليم :

 أستاذ علاء ، ما في صلة حقيقية بين الآباء وإدارة المدرسة ، أو المعلم ، قبل يومين أسرة أعرفها دعت معلمة أولادها ، صار ود بالغ جداً بهذه الدعوة ، صار المعلم يهتم بهذا الابن ، يجب أن تقوم علاقة طيبة جداً بين الآباء وبين المعلمين ، صار الابن أمانة عند المعلم ، والمعلم يفكر له آباء يهتمون به ، لابدّ من التواصل بين الإدارة وبين أولياء الأمور .
الأستاذ علاء :
 أنا أذكر سيدي الكريم بأنه إذا كان الأهل مثلاً انزعجوا من تصرف ابنهم ، يهدد بالاشتكاء إلى المعلم لأنه يحب معمله ويحترم هذا المعلم ، ولا يحب أن يأخذ هذا المعلم فكرة عنه بأنه هو لا يسمع الكلمة في البيت ، أو إنه لا يبر والديه .
الدكتور راتب :
 موضوع فشل التعليم ، أو الإخفاق في التعليم أنا أعدّه أحد أكبر أسباب الانحراف جاهل ، الجاهل عدو نفسه ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .

اعتماد القرآن الكريم على قيمتي العلم و العمل للترجيح بين البشر :

 مزارع عنده عشرة بيوت بلاستيكية ، كل بيت مئتي ألف يعني عنده مليونين اشترى سماداً ضاعف الكمية ، جهلاً منه ، حرق البيوت كلها ، لا يوجد شيء أبشع من الجهل لأن الجهل يتناقض مع رسالة الإنسان ، الله عز وجل اعتمد قيم العلم والعمل في القرآن ، في قيم أخرى ، قيم الغنى ما اعتمدها ، قيم الوسامة ، قيم الذكاء ، قيم الاحتيال ، هذه كلها قيم لأن المجتمع يعتد بها ، القرآن ألغاها ، قال :

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الزمر الآية : 9 )

 قال :

 

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة الآية : 11 )

 فأنا مصر على أن مشكلاتنا أعراض لأمراض أساسها الجهل .
الأستاذ علاء :
 قال عليه الصلاة والسلام :

(( ليس مني إلا عالم ، أو متعلم ))

 يعني إما أن يكون عالماً يعلم غيره ، أو متعلماً يأخذ العلم .

 

كل مشكلة اجتماعية كبيرة فيها خروج عن منهج الله :

الدكتور راتب :
 بالأمن الجنائي أستاذ علاء عندهم قاعدة لهم طبعاًَ ، أنه كل جريمة وراءها امرأة أنا أقول : كل مشكلة اجتماعية كبيرة فيها خروج عن منهج الله ، وكل خروج عن منهج الله وراءه جهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به .
 أستاذ علاء ، الإنسان مفطور على حبّ وجوده ، وعلى حبّ سلامة وجوده وعلى كمال وجوده ، وعلى حبّ استمرار وجوده ، من أين يأتي الشقاء ؟ من الجهل ، وأن الجهل هو مشكلة أهل النار الأولى ، الدليل :

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

( سورة الملك )

الأستاذ علاء :
 سيدي اسمح لي ، في بلدنا والحمد لله هناك التعليم الأساسي مُدد إلى الصف التاسع ، وعلى الطالب ألا يتسرب ، وعلى الأسرة كما تفضلت أن تكون على تواصل مع إدارة المدرسة ، والكادر التعليمي لكي يتبينوا حال هذا الطالب ، حال هذا التلميذ ، أحياناً يتسرب ولا يعلم الأهل أو إذا أخبرت المدرسة الأهل ، الأهل لا يهتمون بهذه القضية ، وتأتيهم كتب أحياناً ، وتأتيهم لمراجعة المدرسة ، وتجد في إهمال شديد ، عدم المتابعة ، وعدم الصلة توصل إلى فشل التعليم كما تفضلت ، وبالتالي تفشل العملية التعليمية ، وهنالك يصبح التسرب ويلتقط الأبناء من ينتظر هذه اللحظة ، ليأخذهم إلى حيز الرذائل ، والمخدرات في رأسها .

 

العناية بكيفية التعليم أساس النجاح في العلم :

الدكتور راتب :
 أستاذ علاء ، الدول النامية مشكورة من أعماق قلوبنا ، على أنها وسعت التعليم فشمل كل المجتمع ، لكن هي بعد أن وسعت التعليم كماً ، نتمنى عليها أن تعلي مقامه كيفاً الآن نحن نريد مستوى التعليم ، مستوى المدرس ، مدرس مربي ، أي إنسان معه كفاءة نضعه معلم وكيل ؟ لا يصح ، التعليم اختصاص .
 أنت تسلم نفسك لإنسان غير طبيب ؟ لا تستطيع ، الطب اختصاص ، المحاماة اختصاص .
الأستاذ علاء :
 حتى سيدي أحياناً يحمل الشهادة لكن هو لا يحب هذه المهنة ، يدخل أهلية التعليم ويمضي السنوات لكن لا يحب هذه المهنة ، يجب أن نفرزه من البداية .
الدكتور راتب :
 أنا سمعت عن مديرة مدرسة ، تقول قبل أن تعين معلمة هل تحبين الصغار ؟ لأن الإنسان إذا لم يحب من يعلمه لا يعلمه ، هذه القضية تكلم بها سقراط قبل ألوف السنين قال : خذ ابنك عني إنه لا يحبني ، الذي يحب الصغار يعلمهم ، الذي يحب التعليم ما في حل وسط ، إما أنها أصعب حرفة على الإطلاق ، إذا ما حمل المعلم رسالة ، إذا حمل رسالة يموت في هذه الحرفة ، يحقق ذاته فيها ، لأن الطبيب يتعامل مع المرضى ، والمحامي مع المجرمين ، والمهندس مع الباطون ، والنجار مع الخشب ، والحداد مع الحديد ، أما المعلم مع أطهر فئة في المجتمع ، مع إنسان بريء طاهر .
فأنا أرى أن التعليم هو قوام حياة الأمم .

علينا ألا نجعل من التعليم قضية ربحية في المقام الأول :

الأستاذ علاء :
 هنالك مظاهر هي حميدة في جوانبها ، ترى تراكض الأهل على مدارس معينة ولو كانت بعيدة ، مستعدين أن يضعوا أجرة لتنقل أطفالهم ، ويجترحون الوسائط ، كي يسجلون أبناءهم وهي مدارس عامة ، وليست مدارس خاصة متميزة ، نتيجة تميز الإدارة تميز المعلمين ، نحن نتمنى أن ينجر هذا المثال على كل مدارسنا .
الدكتور راتب :
 والله أستاذ علاء ، مرة في لقاء مباشر على الهواء بإذاعة ، سألتني أخت أنه القسط غال جداً ، قلت لها من دون مجاملة : إذا كان دخلكم بالسنة مئتي ألف ، ودفعتم مئة ألف لهذا الابن وأصبح شخصية فذة ، مثقفة ثقافة حقيقية ، تتقن اللغات ، عقيدتها سليمة أنتم الرابحون ، لا أشجع على رفع الأقساط ، مستحيل ، لما الإنسان يكسب ابنه ، كسب كل شيء .
 أنا كنت مرة بأمريكا ، لو بلغت منصباً ككلينتون ، وقتها كان كلينتون ، وثروة كأوناسيس ، وعلماً كأنشتاين ، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس .
 فأنت حينما تعتني بابنك ، تعتني بنفسك ، حينما تعتني بابنك تبذل لنفسك راحة لا توصف ، لذلك :

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

( سورة الفرقان )

الأستاذ علاء :
 هذه دعوة من خلال هذا البرنامج ، لو سمحت لي سيدي أن يؤازر التعليم الخاص كالتعليم العام ، يعني الإمكانيات الوسع الدولة تضعها في خدمة التعليم ، لكن هنالك الآن تآزر في كل القضايا ، الاقتصادية ، والصناعية ، وكذلك التعليمية ، أن لا يجعل من التعليم قضية ربحية في المقام الأول ، وأن يكون الربح في المستوى المعقول ، وأن نفسح المجال أمام كل أبنائنا وزهراتنا ، الذين هم الثروة الحقيقية كما تفضلت .

 

على كل إنسان أن يؤدي الأمانة كما كلفه الله بها :

الدكتور راتب :
 سيدي ، إلى جانب سكني ، مدرسة ابتدائية للبنات ، عامة ، عادية جداً ، لكن فيها معلمات يحملن رسالة ، والله التهافت على هذه المدرسة لا يوصف .
 شيء آخر : أنا بناتي وضعتهن في هذه المدرسة ، علم ، وأخلاق ، المعول عليه المعلم .
 سيدي ، كلمة دقيقة : الجامعة بأساتذتها ، والمدرسة بمعلميها ، والمستشفى بأطبائها ، والجامع بخطيبه .
 حكى مرة دكتور مثلاً أن السوربون بناء متداع قديم جداً ، لكن من أعرق جامعات العالم بأساطير العلم ، الآن تنشئ جامعة على أحدث طراز ، ما فيها علماء .
 نحن حينما نعلم لو كان في مدرسة عامة عادية ، بلا أقساط يتهافت الناس عليها فلذلك نحن بحاجة ماسة لهذا .
 مثلاً الآن نقول : أخ درس بأمريكا طب ، هذا حينما يأتي إلى بلده أصبحت أمريكا في الشام ، لأن القضية ليست قضية بناء ، قضية خبرة ، قد يحمل أعلى شهادة باختصاص نادر جداً ، فإذا جاء إلى وطنه الذي لحم كتفه من خير وطنه ، وأقام في بلده وعايش هؤلاء الذين ربوه واعتنوا به يكون ردّ للوطن شيء من الجميل .
 فأي إنسان ولو كان في مكان عام ، أنا أندد تنديداً لا حدود له لمن يقول أنا أعمل على قدر الراتب ، أقول له : استقل ، استقل وابحث عن عمل آخر ، أما وقد أقامك الله معلماً يجب أن تؤدي الأمانة كما كلفك الله بها ، بصرف النظر عن قيمة الراتب كبير أو قليل ، أنت تعامل الله ، هؤلاء عباده ، هؤلاء أطفال نفوس بريئة ما لها ذنب ، إذا أنت الدخل ما أعجبك ما تعلم ؟ الدخل ما أعجبك تضرب بعنف ؟ الدخل ما أعجبك تنتقم ؟ هذا خطأ كبير جداً .

التعليم أرقى حرفة على الإطلاق لأنها صنعة الأنبياء :

 لذلك العبرة : المدرسة بمعلمها خاصة أم عامة مثل بعضها ، أنا قلت لك أولادي وضعتهم في مدرسة عامة ، لكن كان في معلمين متفوقين جداً ، والمعلم الجيد كالملائكة في السماء ، والحيتان في البحار تصلي على معلم الناس الخير ، التعليم رسالة ، التعليم أرقى حرفة على الإطلاق ، لأنها صنعة الأنبياء ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنما بُعثت معلماً ، إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق))

[أخرجه الإمام أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة]

الأستاذ علاء :
 سيدي اسمح لي لو دخلنا إلى الخصوصية ، ونحن نعلم بأنك أمضيت في التعليم ردحاً كبيراً من الزمن ، وكنت وما زلت نجماً في التعليم ، وفي نقل المعلومة ، علاقتك كانت مع الطلاب ، وكانت في التجهيز تدرس في الثانوية الأولى في دمشق ، العلاقة كيف كنت تنقل المعلومة إلى طلبتك ؟ .
الدكتور راتب :
 والله 30 عام ما أزعجني طالب ، لأنني كنت كأب لهم ، وكنت أعتني بالدرس كثيراً ، وكنت أترفق بهم ، أي التعليم متعة ، والله كنت أقول : لو أُقلت من التعليم لدفعت للدولة راتباً على أن أبقى فيه ، لأن التعليم رسالة ، أنا أمام نفوس عجينة طرية أشكلها كما أريد ، أنا أمام نفس بشرية بريئة ، أعطيها القيم ، المبادئ ، هذه صح ، هذه غير صح العلم ، الذكاء ، أنا أقول : المعلم أسعد الناس ، لأنه يؤدي رسالة ، وكله الله بها .

 

أعظم الأعمال ما كانت مجزئة لذاتها :

 أقول : من أعظم الأعمال ما كانت مجزئة لذاتها ، كيف ؟ ممكن تعمل بحرفة صعبة جداً ، مثلاً صب باطون بأيام الشتاء ، على أطراف البناء ، وبرد شديد ، لكن الأجر الكبير جداً ينسك كل المتاعب ، أما أرقى حرفة أن تقطف ثمارها وأنت تؤديها ، تسمى هذه الحرفة حرفة مجزية لذاتها ، فالتعليم رسالة ، ما لم تحمل رسالة لن تكون معلماً ، أما المعلم كارتزاق من أسوأ المهن ، دخلها قليل ، ومتعبة كثيراً .

باب التوبة مفتوح لكل إنسان على مصراعيه :

 سيدي الإنسان أحياناً يقع في مشكلة كبيرة ، لو عرف باب الله مفتوح على مصراعيه ماذا يفعل ؟ الله ينتظرنا .

(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم لتقطعت أوصالهم من حبي ))

[ ورد في الأثر ]

 أنا أسمع الأخوة الكرام هذا الحديث القدسي ، ورد أن الله تعالى ينادي عباده .

ألا من طال شوق الأبرار إلى لقائي  وإني أشد شوقاً لهـــــــم
ألا من طــــــلبني وجدني  ومن طلب غيري لــــم يجدنِ
من ذا الــذي أقبل إلي وما قبلته  من ذا الذي طرق بابي وما فتحته
من ذا الذي توكل علـي وما كفيته  من ذا الــذي دعاني وما أجبته

 من ذا الذي سألني وما أعطيته

(( أهل ذكري أهل مجالستي ، أهل طاعتي أهل كرامتي ـ الآن موطن الشاهد ـ وأهل معصيتي لا أقنطهم أبداً من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، من أقبل عليّ تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني ناديته من قريب ، ومن ترك لأجلي أعطيته المزيد ، ومن أراد إرضائي أردت ما يريد ، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد ، ومن صفا معي صافيته ، ومن آوى إلي آويته ، ومن فوض أمره إليّ قبلته ، ومن باع نفسه مني اشتريته ، وجعلت الثمن جنتي ورضائي ، وعد صادق ))

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة التوبة الآية : 111 )

 يعني أنا أقول : لو أن إنسان ابتلي بهذا المرض ، بهذا الوباء ، الباب مفتوح ، الله ينتظرك .

(( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ))

[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]

 باب التوبة مهم جداً أستاذ علاء ، باب التوبة مفتوح .

 

خاتمة وتوديع :

الأستاذ علاء :
 لا يسعنا في نهاية هذه الحلقة إلا أن نشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، إن شاء الله نكمل في الحلقة القادمة الأسباب المؤدية إلى آفة المخدرات نكمل في الحلقة القادمة إن شاء الله .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018