الإيمان هو الخلق - الندوة : 74 - اليوم العالمي لمكافحة التدخين والمخدرات3ـ من أضرار المخدرات فشل التعلم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - الندوة : 74 - اليوم العالمي لمكافحة التدخين والمخدرات3ـ من أضرار المخدرات فشل التعلم


2007-08-06

مقدمة :

الأستاذ علاء :
 أيها السادة المشاهدون أهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة ، من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، يسعدنا أن نتابع مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ما كنا قد بدأناه في الحلقة السابقة .
 أهلاً وسهلاً سيدي الأستاذ .
الدكتور راتب :
 بكم بارك الله بكم .
الأستاذ علاء :
 سيدي الكريم تحدثنا في حلقات سابقة عن آفة المخدرات ، وخطرها على المجتمعات ، وهذه الآفة التي تعطل حركة حيوية ونضارة المجتمع ، وخاصة للشريحة العمرية التي هي الشباب .
 تحدثنا عن أسباب هذه الآفة وانتشارها في المجتمعات ، قلت لنا : على رأس هذه المسألة التفكك الأسري ، ثم في الحلقة الماضية أمضيناها بالتفصيل ، التفصيل الرائع عن فشل التعليم ، هنالك أسباب أخرى تؤدي إلى الوقع في هذه الآفة الخطيرة ، وإلى الدخول في عالمها الذي لا يوجد فيه إلا التيه ، ماذا عن بقية الأسباب ؟.

 

المال قوام الحياة :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ علاء جزاك الله خيراً ، في مقولة رائعة جداً لسيدنا علي رضي الله عنه : كاد الفقر أن يكون كفراً .
 ومرة اقتبست هذه العبارة وعدّلتها ، وكاد الفقر أن يكون إرهاباً ، وكاد الفقر أن يكون اختلاساً ، وكاد الفقر أن يكون جريمة ، وكاد الفقر أن يفضي إلى المخدرات ، لأن الله عز وجل خالق السماوات والأرض وصف المال بأنه قوام الحياة ، وأنا أقول : إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون غنياً لماذا ؟ لقول النبي الكريم :

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

 بالمال تحل مشاكل الأمة ، بالمال تفتح ميتماً ، بالمال تعمل تعليماً ، بالمال تعمل مستشفى ، بالمال تعمل مستوصفاً ، بالمال تحل مشكلة البطالة ، تعمل صناعة ، تهيئ فرص عمل للناس ، المال قوام الحياة .
 ليس الزهد في المال أن تدع العمل ، ولكن أن تنفق المال في سبيل الله ، فرق كبير بين أن نفهم الزهد ترك العمل ، وبين أن نفهم الزهد إنفاق المال لحلّ مشكلات الأمة .
 فلذلك هذا الذي رآه النبي يتعبد ربه في أوقات العمل ، قال له : من يطعمك ؟ قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك .

 

الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في المخدرات هذه الآفة الخطيرة :

1 ـ الفقر :

 أردت من هذه المقدمة أن الإنسان حينما يعمل ويتقن عمله يحقق دخلاً ، هذا الدخل يعطيه طموح أولاده ، الابن يريد كمبيوتر مثلاً ، الابن يحتاج إلى دراجة بالصيف ، الابن يحتاج إلى ثياب معقولة ، يحتاج إلى طعام يشتهيه في السوق ، فأنت حينما تملأ حاجات ابنك بعمل مشروع تجهد فيه ، أنت الآن في عبادة ، الفقر أحد أسباب الالتفات إلى المخدرات لأنه بابا أريد كمبيوتر ، ما معي ، أريد قسطاً لدورة ، ما معي ، ما معي ، ما معي ، هذا شيء ذكرته في لقاء سابق ، قلت : هذا فقر الكسل ، أنا أحترم فقير القدر ، ليس بيده الأمر وأُعظم فقير الإنفاق .

((...قال : يا أبا بكر ، ما أبقيتَ لأهلك ؟ قال : أَبقيتُ لهم الله ورسولَه ))

[ أخرجه أبو داود ، والترمذي عن عمر بن الخطاب]

 لكنني أحتقر فقير الكسل ، مهمل ، لا يحب عمله ، لا يؤدي واجبه ، لا يتقنه ، لا يطوره ، لا يتابع هذا العمل ، لا يلبي ما وعد ، مثل هذا الإنسان ينصرف الناس عنه ، يقول لك : ما في عمل ، مهما ضاقت الأمور المتقن له عمل ، والمتقن لا يبقى بلا عمل ، دائماً وأبداً .
 طبعاً بأيام الرواج الاقتصادي أي عمل يسوق مهما كان سيئاً ، لكن بأيام الكساد لا يبقى إلا المتقن ، أنا أقول دائماً نبحث عن أصل المشكلة ، أب لا يحب عمله ، لا يتقن عمله ، لا يطور عمله ، لا يعتني بزبائنه ، لا يتابع أمره ، فصار دخله قليل جداً ، ما عاد يكفي لشراء طعام ، عندك ابن له طموحات ، لما كل شيء ما في ، ما في ، ما في ، التصق برفيق السوء ، رفيق السوء طرف بعصابة عصابة مخدرات ، أعطوه شمة شمتين أدمن ، صار يمتهن السرقة ، صار يسرق ثمن المخدرات .
 فأنا كما اتفقنا في أول هذا اللقاء الطيب ، والذي قبله أن نبحث في أصل أصل المشكلة .

 

من سلك بعمله الطرق المشروعة و ابتغى منه كفاية نفسه عُدّ هذا العمل عبادة :

 لذلك أنا أقول ، وأخاطب الأخوة المشاهدين : العمل الذي ترتزق منه إذا كان في الأصل مشروعاً ، وسلكت به الطرق المشروعة ، وابتغيت منه كفاية نفسك وأولادك وخدمة الناس ، ولم يشغلك عن واجب ، ولا عن فريضة ، ولا عن عمل صالح انقلب إلى عبادة ، وأنا أعني ما أقول ، وأنت تتقن عملك .

(( من بات كالا في طلب الحلال بات مغفوراً له ))

[ أخرجه ابن عساكر ]

 أنا أدعو الأزواج إلى العمل ، حتى يحقق كسباً يغطي حاجات أولاده ، حتى يرتبط الابن بأبيه ، يلتصق فيه ، تصبح كلمة الأب مقدسة ، تصبح الكلمة مقدسة ، من أجل أن يرتبط الابن بأسرته ، تعال التاسعة ، التاسعة جاء ، اجلس معنا ، جلس معنا ، نأكل معاً أكلنا معاً ، بابا هذه لا تجوز ، هذه تجوز ، ما سمعت اليوم بالدروس ؟ ما حكيت ؟ أين ذهبت ؟ من صادقت ؟ من رفيقك ؟ عندما أنت تنفق عندك إمكان تعطي حاجات أولادك ارتبط الابن بأبيه ، أصبح تابعاً لتوجيهات أبيه ، لما الأب كسول ، لا يعمل ، أهمل عمله ، ما طوره ، أخلف مواعيده كلها ، صرف الناس عنه ، ما عاد في دخل .
 دائماً وأبداً الإنسان يميل أن يعزو أخطاءه للآخرين ، يقول لك : ما في شغل يقول لك : في كساد ، لا ، في شغل ، في شغل مثل النار ، لكن أتقن عملك ، الناس يقبلون عليك .

 

الفقر يكمن وراء كل مشكلة و لكن المؤمن أقوى من الفقر :

 أنا لا أريد أن أُكوّن في فكر الآخرين ، أن الفقر كل شيء ، المؤمن أقوى من الفقر ، لكن أنا أرى أن الفقر وراء كل مشكلة ، يقول أحد الصحابة ، يا الله كلمة رائعة ! قال : حبذا المال ، أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي .
 والله أنا حينما أرى إنساناً له مصلحة ، له صنعة ، يتقن عملاً ، يأتي مساءً متعب جداً ، أحياناً إنسان عمله يكون إصلاح مركبات ، يرتدي ثياباً ليس معروف لونها ، كان لونها كحلي ، بعدها جاء لون الوحل ، وجاء الزيت ، عندما يغتسل في المساء ، يرتدي أجمل ثيابه ، أنا أعدّه هذا إنسان عظيم ، عظيم جداً .
 والله مرة قصة فيها مفارقة حادة ، دخلت لمكتب إنسان شيء لا يوصف ، قال لي أنا عملي اسمه كذا ، يبدو عمله غير مشروع ، ثاني يوم ، أردت أن أصلح مركبتي ، كانت أيام مطيرة ، والوحل ، والطين ، وهذا الإنسان انبطح تحت المركبة ، وفك البواط وصلّح وأخذ أجراً معتدلاً ، المنظر كله متاعب ، كله أطيان ، كله أوحال ، قلت له : هذا هو العمل النظيف ، وازنت بين كلمة سمعتها البارحة من إنسان مكتبه صعب وصفه ، قال لي : أنا أعمل كذا (العمل القذر)، وثاني يوم وجدت إنساناً ينبطح تحت مركبة يفك بعض القطع يصلحها بإتقان ، يأخذ أجراً معتدلاً قلت هذا عمله نظيف .

أكبر عقاب يعاقب به البخيل أن أولاده وهم أقرب الناس إليه يتمنون موته :

 الإنسان حينما يعمل ينفى عنه أمراض لا تعد ولا تحصى ، أهم شيء أنه صار في معه دخل ، الله جعل المال قوام الحياة .

(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))

[ الجامع الصغير عن جبير بن مطعم بسند فيه ضعف ]

 وهذه بالمناسبة عند علماء الأصول يعد خروجاً من الدين .

(( ليس منا من غَشَّ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امرأة على زوجها ))

[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]

 أفسد علاقة امرأة بزوجها .

(( لَيسَ مِنَّا مَنْ دَعا إِلى عَصبيَّة ، وليس منا من قاتل عصبيَّة ، وليس منا من مات على عصبيَّة ))

 أخرجه أبو داود عن جبير بن مطعم ]

 

لو تتبعنا الأحاديث ليس منا هذا من أشد أنواع الوعيد من النبي الكريم .

(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))

[ الجامع الصغير عن جبير بن مطعم بسند فيه ضعف ]

 وأكبر عقاب يعاقب به البخيل أن أولاده وهم أقرب الناس إليه يتمنون موته لو مرض وجاء الطبيب ، وقال لهم : عرضية ينزعجون كثيراً ، وأكبر عطاء للأب المحسن لأولاد أولاده يتمنون بقاءه ، أنا أنصح الآباء وأنت حي نعم أولادك ، أعطهم ، زوجهم ، هيئ لهم أعمالاً ، أنت لهم ، وهم لك.
 والله أعرف أباً زوج أولاده ، والله يقف أولاده أمامه كأنهم جنود أمام لواء من محبتهم ، واحترامهم له ، وفي ابن يتطاول على والده .
 لذلك كيف نحن عندنا مرض خبيث ، يوجد بالنفس مرض خبيث هو البخل ، البخل مرض ، هذا البخيل يعيش فقيراً ليموت غنياً ، والإنسان كل ثروته المنقولة والغير منقولة تنتهي بوقف قلبه ، أو خلال نمو خلاياه ، أو تجمد الدم بعروقه انتهى الأمر .

 

مشكلات المسلمين تكمن وراء  كسلهم و عدم حبهم لعملهم :

 لذلك الفقر ، والله أكاد أقول وراء كل مشكلاتنا ، والكسل ، تجد أمة تعمل ليلاً نهاراً ، أنا مع الإيمان بالله ، ومع الاتجاه إلى الله لكن مع العمل ، أمة تعمل ثماني ساعات باليوم وأمة تعمل 27 دقيقة في اليوم غير معقول .
الأستاذ علاء :
 تذكرني فيما أشرت إليه بقصة سيدنا عبد الرحمن بن عوف ، عندما هاجر من مكة إلى المدينة ، ولم يأخذ من أمواله شيئاً ، المشركون أخذوا له كل شيء ، فعندما آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار ، فكان له أخ من الأنصار ، فقال هذا مالي أقسمه بيني وبينك ، ولي بيتان لك بيت ، حتى لي زوجتان ، لك زوجة ، قال : دلني على السوق ، دليل حبه للعمل ، وتقييمه للعمل ، رغم أنه أتيح له أن يعيش في المدينة .
الدكتور راتب :
 قال له : بارك الله لك بمالك ، ولكن دلني على السوق ، أنا الشيء الذي يلفت النظر ما ثبت في التاريخ أن مهاجراً أخذ من أنصاري شيئاً ، مع أن الأنصار عرضوا عليهم نصف ممتلكاتهم ، إنسان سخي ، وإنسان عفيف .
 وفي مقولة رائعة : العدل حسن ، لكن في الأمراء أحسن ، أكمل صفة بالأمير أن يكون عادلاً ، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن ، والحياء حسن لكن في النساء أحسن ، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن ، والورع حسن لكن في العلماء أحسن .

الفقر مشكلة كبيرة جداً سببها الكسل :

 يقول سيدنا علي رضي الله عنه : قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه .
 انظر إلى التعليل الآن ، قال : فإذا ضيّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم ، متى يُعرض الجاهل عن طلب العلم ؟ وجد إنساناً متعلماً لكنه كذاب ، متعلماً لكنه محتال ، لا أحد يُزهد في العلم كمن تعلم من أجل الدنيا ، فضعف قيمة العلم ، قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالم مستعمل علمه ، وجاهل متواضع لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه .
 الآن إذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم ، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنياه ، أو بدنيا غيره ، الفقير أحياناً يرى الأغنياء يبخلون لا يعطونه شيئاً يبيع نفسه للشيطان ، وراء كل مشكلة في مشكلة .
 فأنا أرى أن الفقر مشكلة كبيرة جداً سببها الكسل ، لمَ لا نطور ثرواتنا ؟ نطور أعمالنا ؟ وباب التطوير مفتوح ، ونحن نرفع شعار التطوير والتحديث الآن ، والحمد لله .

من أتقن عمله حلّ مشكلاته :

 إذاً أنا أريد أن أقنع الأخوة المشاهدين ، أن الإنسان حينما يتقن عمله تحلّ مشكلات أخرى ، تحلّ مشكلات أهله وأولاده ، الابن يرتبط بأبيه ، والبنت بأمها ، والأسرة متماسكة ، والأب مسيطر ، والأب موجه ، والأب قائد لهذه الأسرة ، بشرط أن يكون في إنفاق ، الله قال :

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

( سورة النساء الآية : 34 )

 يعني أحد أسباب القوامة الإنفاق .
الأستاذ علاء :
 الآن هذا فقر الكسل هو أحد الأسباب الهامة التي تؤدي إلى انحراف الأولاد ومن أخطرها المخدرات ، هنالك سيدي الكريم البطالة .

 

2 ـ البطالة :

 

الدكتور راتب :
 الآن لو دخلنا إلى مجتمع غني ، في دخل فلكي ، فالطفل لا يحتاج إلى العلم أساساً ، ولا إلى الدراسة ، يحتاج أن يمضي وقته كما يشاء ، فالبطالة الآن نفسها ليست موضوع فقر ، ولا موضوع جهل ، موضوع إنسان شاب في ريعان شبابه ، شهوات مستعرة يقظة ، غرائز ، أصدقاء سيئين جداً ، مع مركبة ، معه مال كثير ، هذا يبحث عن متعة رخيصة .

من اختار هدفاً كبيراً رضي بكل شيء و من اختار هدفاً دنيوياً شعر بالملل و اليأس :

 أستاذ علاء ، هناك نقطة دقيقة جداً ، لحكمة بالغةٍ بالغة بالغة ما سمح الله للدنيا أن تمدّ الإنسان بسعادة مستمرة ، بل بسعادة متناقصة ، فالمشكلة أن الإنسان إذا أعرض عن الله كلياً ، واختار هدفاً دنيوياً محدوداً ، فإذا وصل إليه يشعر بالملل ، أخطر فكرة بالموضوع أنه أنت في أصل تصميمك لا نهائي ، أنت حينما تختار هدفاً كبيراً ، هدفاً نبيلاً ، أن تعرف الله ، أن تكون في خدمة الخلق ، أنت شاب حتى السادسة و التسعين ، وأنا أعني ما أقول ، لما تختار هدفاً أكبر من إمكاناتك .
 كان يمر بعض العلماء بالمقهى كان يقول : يا سبحان الله ! لو أن الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم .
 فأنت حينما تختار هدفاً كبيراً ، ترضى بكل شيء ، تصبح الدنيا مطية ، ترضى بزوجتك ، بأهلك ، بأولادك ، بدخلك ، بصحتك ، أما الإنسان إذا أراد المتعة جعلها هدفاً وعاش من أجلها أصبح شقياً ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( تعس عبد البطن ، تعس عبد الفرج ، تعس عبد الخميصة ))

[أخرجه البخاري في كتاب الرقائق عن أبي هريرة]

 الخميصة ؛ الثياب ، تعس ، وخاب ، وانتكس ، أي أصبح عبداً ، صارت قيادته سهلة جداً ، كالخرقة ، عبد شهوته ، معروف ثمنه .

 

أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها وأشقاهم فيها أرغبهم فيها :

 الآن عفواً أكبر خيانات الأرض بامرأة ، هذا الخائن لأمته ثمنه امرأة جميلة يبيع أمته من أجلها .
 فالإنسان عندما يترك الدين يصبح رقماً سخيفاً ، رقماً بسيطاً ، له ثمن يباع ويُشترى إذا الإنسان عرف الله عز وجل ، لا يباع ، ولا يشترى ، ولا يساوم .

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))

[رواه ابن إسحاق]

 أنا أقول الإنسان عندما يكون غنياً لكن ليس له هدف بالحياة ، هدفه المتعة ، درسنا في علم النفس حينما تتخذ اللذة هدفاً تصبح مبدأ شقاء للإنسان ، لذلك أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها وأشقاهم فيها أرغبهم فيها .

(( خذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هَمّا ))

[ رواه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

(( فإنه من أخذ منها فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ))

[ أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس ]

(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه ، مُعافى في جَسَدِهِ ، عندهُ قوتُ يومِه ، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))

[أخرجه الترمذي عن عبيد الله بن محصن ]

عدم تطبيق منهج السماء ينشر الدناءة و السخف بين الناس :

 عندما أنا أؤمن للإنسان مسكناً ، ومأوى ، ودخلاً معقولاً ، وصحة ، أنا أقول ثلاثة أشياء : الإيمان بالله ، والصحة ، والكفاية ، عندئذٍ ما فاتك من الدنيا شيء .
 فالبطالة تحدثنا عنها ، لكن إنسان غني وماله هدف ، ومعه مال يتمتع ، كلما وصل لمتعة يتمنى متعة أخرى ، قد تكون أسوأ منها ، أنا لي رأي شخصي ، أن انحراف الغرب شذوذهم ، لا لأن الشذوذ أمتع من الأصل ، لا ، لأنهم ملوا الأصل ، في علاقاتهم الجنسية ملوا الأصل ، فانتقلوا إلى شيء آخر ، الآخر قذر ، لكن سبحان الله الإنسان إذا كان غائباً عن منهج السماء يصبح دنيئاً ، يصبح قميئاً ، يصبح سخيفاً .
الأستاذ علاء :
 كما تفضلت خطه البياني ينحدر إلى هذا الشيء الدنيء .
الدكتور راتب :
 ما في عمل ، نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر .

3 ـ فشل التعليم :

 إذاً أنا الآن أنتقل إلى أسرة غنية ، لكن متفلتة ، لا يوجد هدف ، الابن عنده سيارة يبحث عن لذة ، عن متعة ، وكل لذة تقود للذة ، قال البوصيري(له بيت شعر رائع) قال :

فلا ترن بالمعاصي كثرة شهوتها  إن الطعام يقوي شهوة المهن
* * *

 كلما وصل لشهوة يبحث عن شهوة أخرى ، إلى أن يقع في الفاحشة ، إلى أن يقع في المخدرات ، الآن هناك مدمون بالمخدرات من الأغنياء ، الكبار ، هذا خطأ ثان .
 إذاً فشل التعليم ، والفقر ، والبطالة .
الأستاذ علاء :
 حتى هذا الذي تتحدث عن نموذجه ؛ معه الكثير من المال ، لدية سيارة ، يرى أن العلم بالنسبة له غير ضروري ، والتعلم غير ضروري ، وبالتالي لا يوجد أسرة توعيه ، وترعاه أنفق ما لديه ، وينفق ما لديه على ملذاته يأخذ أيضاً أقراناً له ، ويجرهم إلى هذه المهالك .
الدكتور راتب :
 صار فاسداً مفسداً .
الأستاذ علاء :
 سيدي الكريم إذاً النقطة الأساسية أن نجد هدفاً كبيراً ، وأن نسعى إليه ، وكما قلت الإنسان خلقه ربنا عز وجل لا نهائياً ، بهدف لا نهائي ، ولم يخلقه لهدف دنيء ، ينكب ويصبح كالعرجون بالنسبة إليه .

 

البيئة الفاسدة بؤرة لانحراف أربابها إلى المخدرات :

الدكتور راتب :
 بقي عنصر أخير ، هو في أعمال ، هي بيئة جيدة جداً للمخدرات ، أحياناً عمل بملهى ، أنا أقول : ألصق شيء بالإنسان زوجته وعمله ، أما يبدل سيارته إذا ما أعجبته يبدل بيته ، لكن الزوجة لصيقة بالإنسان ، أحياناً يكون زواجه غير ناجح ، أو يكون عمله في بيئة سيئة جداً ، تنمو في هذا العمل الانحرافات ، في أعمال متعلقة بالنساء ، في تفلت شديد جداً أحياناً ، في أعمل متعلقة بمخالفات شرعية ، في أعمال متعلقة بسلوك غير مقبول عند الله عز وجل ، فلذلك :

(( إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها ، فاتقوا الله عباد الله ، وأجملوا في الطلب ، واستجملوا مهنكم))

[أخرجه ابن أبي شيبه عن عبد الله بن مسعود ، وأخرج ابن مردويه عن الحسن ]

 اختار مهنة شريفة ، الذين حولك شرفاء ، التعامل مع أشخاص شرفاء ، في مهن تتعامل مع أشخاص غير شرفاء ، في مهن بيئتها سيئة جداً ، بيئتها منحطة ، مثل هذه البيئات أحياناً تكون بؤرة لانحراف أربابها إلى المخدرات .
الأستاذ علاء :
 هذا الذي يعمل في هذه الأوساط ، وفي هذه البيئات ، وفي هذه الحواضن ، عليه أن يقف مع ذاته ، وربما يكون هذا العمل بالنسبة له مجزياً ، وجذبه إلى مواطنه ، وجذبه إلى هذا الجو بكل معنى الكلمة ، فأصبح واحداً منهم ، هذا عليه أن يقف مع ذاته ، وأن يبدل هذا العمل ، إلى عمل شريف أو شيء يحترم فيه نفسه ، إذا سمحت لي هنالك من يعمل في هذه الأجواء ، ويعمل في هذه البيئة ، والمستنقعات ، أول ما يحتقر يحتقر نفسه ، لا قيمة لنفسه أمامه ، وبالتالي هو يحقر كل شيء .
 إذاً العمل شيء أساسي في أن يرفع الإنسان من نفسه ، ومن ذاته ، ومن احترام ذات الإنسان لكي يحمل هذا الاحترام إلى أسرته .

 

الأعمال لا تُقيّم بدخلها بل بمدى انطباقها على منهج الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 لحكمة بالغة بالغة جُعل كسب الحلال صعباً ، وجعل كسب الحرام سهلاً ، ما الحكمة ؟ لو جعل كسب الحلال سهلاً ، وكسب الحرام صعباً لأقبل الناس على الحلال لا محبة بالله ، ولا بالآخرة إطلاقاً ، بل محبة بالسهولة ، فانتهى الابتلاء ، لكن أحياناً تعمل امرأة 8 ساعات ، تأخذ خمسمئة ليرة ، هناك إنسانة تأخذهم بربع ساعة ، لكن شتان بين العملين ، امرأة عملت عملاً شريفاً ، وعندها أيتام ، وأنفقت هذا على أيتامها ، وإنسانة ارتزقت بثدييها ، فأخذت مبلغاً كبيراً ، بوقت قصير .
 فلذلك الأعمال لا تقيّم بدخلها ، بمدى انطباقها على منهج الله عز وجل ، بطولة المؤمن أنه يؤثر عملاً شريفاً بدخل محدود ، على عمل غير شريف بدخل غير محدود ، لأنه يوجد حكمة إلهية : الله عز وجل يبارك بالدخل القليل فينتفع به النفع الكثير ، ويتلف الدخل الكثير ولا يبارك به ، فيصبح صاحبه قد فقد كل مقومات حياته .
 فلذلك أنا أقول أخطر شيء في حياة الإنسان أن يختار عملاً شريفاً ، هناك أعمال غير شريفة ، هناك أعمال مبنية على النصب ، والكذب ، والدجل ، مبنية على الوساطة بين شيئين قذرين ، في أعمال لا ترضي الله عز وجل .

الإنسان المؤمن يُؤثر الدخل القليل الحلال على الدخل الكثير الحرام :

 لذلك الإنسان المؤمن الطاهر يقول : معاذ الله ، الله الغني .

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الحشر الآية : 9 )

 أي يؤثر الدخل القليل على دخل كبير ، هذا قرار صعب لكن يحتاج إلى إيمان أحياناً يكون لك عمل دخله محدود لكن شريف مثل التعليم ، وفي عمل آخر دخله منحط جداً يعيش مع الساقطين والساقطات ، والمنحرفين والمنحرفات ، هذا العمل قد يكون في دخل كبير ، يقوم بدور الوساطة بين المنحرفين ، أحياناً تدخل لبيت تاجر مخدرات عنده قصر يجب أن تحتقره ، بنى هذه الثروة على أنقاض الشباب .
الأستاذ علاء :
 قال لي أحدهم : سيدي في بعض المناسبات (وهو يمتهن قضية لا يحب أن يتكلم بها)والله لا أستطيع أن أُحكم عيني بعيني أولادي ، أو بعيني طفلي ، لأنه يشعر أن طفله يزدريه ، ويحتقره ، بكل معنى الكلمة .
الدكتور راتب :
 سيدي ، هناك نقطة دقيقة أضيفها إلى ما تفضلتم به : لو أن الطفل ما دري ، ما علم بعمل أبيه ، في شيء اسمه احترام الذات ، إنسان أحياناً يفقد تقديره لذاته ، لو أنه عمل عملاً خسيساً وما أحد علم به يحتقر نفسه ، وأساساً الكآبة هذا مصدرها .
 أريد أن أطلع الأخوة المشاهدين مرة ثانية على فتاة وجدت ميتة في غرفتها من تناول المخدرات ، وهذه صورتها ، وهذا شاب آخر وجد هكذا .

 

السعيد من اتعظ بغيره والشقي لا يتعظ إلا بنفسه :

 أستاذ علاء ، أهم شيء أنه أحياناً السرقة تنقلب إلى قتل ، الآن والمخدرات تنقلب إلى جنس منحرف ، وهذه بعض الصور عن أمراض الجنس التي لا تحتمل ، الله عز وجل قال :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

 هذه الموعظة البالغة إله عظيم يقدم لنا هذه النصائح :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا ﴾

 نهي الفاحشة :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾

 فلذلك السعيد من اتعظ بغيره ، والشقي لا يتعظ إلا بنفسه .

 

خاتمة وتوديع :

الأستاذ علاء :
 أعزائي المشاهدين في نهاية هذه الحلقة لا يسعني إلا أن أشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، شكراً على كل ما تفضلت ، وشكراً على كل هذا الشرح ، وعلى هذا المسح العلمي الإيماني التنويري أمام شبابنا ، أمام مجتمعاتنا وأسرانا ، كي نحافظ على الأسرة والأولاد من خطر دائم ألا وهو المخدرات الذي خصصنا له حلقات عديدة ، شكراً سيدي الأستاذ ، وإلى اللقاء إن شاء الله .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018