الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 70 - الوقت ـ حقيقة الزمن - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 70 - الوقت ـ حقيقة الزمن


2007-07-09

مقدمة :

الأستاذ علاء :
 أيها السادة المشاهدون سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، يسعدنا أن نكون بمعية فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، أهلاً وسهلاً سيدي الأستاذ .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ علاء جزاك الله خيراً .

 

من لم يستغل وقته بعمل الخير خسر وقته و خسر الزمن :

الأستاذ علاء :
 سيدي في الحلقة الماضية بل في الحلقتين الثلاث الماضيات بدأنا موضوعاً هاماً وهو الموضوع الذي ننتهي به وننهي به ؛ مقومات التكليف التي بدأنا بها سلسلة مطولة ابتدأت بالكون ثم العقل ثم الفطرة ثم الشهوة ثم الاختيار ثم الشرع ، وحطت رحالنا عند الوقت ، وتحدثنا في الحلقات الماضية عن أهمية الوقت ، وتحدثنا كيف أن الله عز وجل أقسم بالعصر لعظمة هذا الشيء ولنتبين أهمية هذا الشيء :

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

 أي من لم يستغل وقته بعمل الخير وفعل الخير وتقديم الخير للناس بما يتفق وطريق الشرع فإنه قد خسر وقته ، وقد خسر الزمن ، وقد خسر شيئاً لا يعوض ، أما الذين استغلوا ، أما الذين ملؤوا وقتهم بعمل الخير :

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

 آمنوا أولاً وعملوا الصالحات ، الآن سيدي الكريم نكمل هذا البحث في الوقت في حقيقة الزمن في مفهوم الزمن في القرآن الكريم .

 

الإنسان بضعة أيام أثمن شيء يملكه هو الزمن :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، أستاذ علاء جزاك الله خيراً ، في الحقيقة أنه في الحلقتين السابقتين شرحت صورة العصر التي تعد السورة الأولى المتعلقة بالزمن ، لأن الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا بن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني ، فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
 إذاً هو بضعة أيام ، إذاً هو زمن رأسماله هو الزمن ، أثمن شيء يملكه هو الزمن وهذا الزمن سينقضي ، إذاً هو في خسارة محققة إلا إذا أنفق الزمن إنفاقاً استثمارياً ، فعمل في الزمن الذي سينقضي عملاً ينفعه بعد انقضاء الزمن ، هذا الذي كان موضوع الحلقتين السابقتين .

الإنسان في خسر لأن مضي الزمن يستهلكه :

 طبعاً سورة العصر والعصر قسم بمطلق الزمن ، جواب القسم : إن الإنسان في خسر لأن مضي الزمن يستهلكه ، يصبح لا شيء ، إلا الإنسان إذا استغل الزمن في عمل ينفعه بعد الموت ، فجاءت الآية الكريمة :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

 أي ما لم تبحث عن الحقيقة ، وما لم تعمل وفقها ، وما لم تدعُ إليها ، وما لم تصبر على البحث عنها والعمل بها والدعوة إليها فالإنسان خاسر ، وقد ورد في بعض الأدعية :

(( لا بورك لي بطلوع شمس يوم لم أزدد فيه علماً ، ولا بورك لي بطلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قرباً ))

[ورد في الأثر]

الأستاذ علاء :
 وهنالك في الأثر مَغْبُونٌ من تساوى يوماه .
الدكتور راتب :
 نحن في هذه المقدمة أردنا أن يتصل عند الأخوة المشاهدين الموضوعان السابقان باللقاء الحالي .

1 – الزمن هو البعد الرابع للأشياء :

 أولاً حقيقة الزمن ، حقيقة الزمن هو البعد الحركي للأشياء أو البعد الرابع ، فكل شيء له بعدان سطحيان طول وعرض ، وله بعد حجمي عمق أو ارتفاع ، وله بعد حركي ، بمعنى أن الشيء إذا تحرك يستهلك ، لأن الله عز وجل وضع في كل مادة مقاومة إلى حد ما فحينما ترى ثوباً قد اهترأ معنى ذلك أن هذا مضي الزمن ، البعد الرابع والحقيقة فلسفته صعبة جداً لكن أنشتاين في القرن العشرين جاء بمفهومات دقيقة جداً فاعتبر الزمن تعريفه المطلق سرعة الضوء فأي شيء سار مع الضوء توقف الزمن ، وهذه الندوة يصدر منها موجات ضوئية لو استطعنا أن نمشي معها في الفضاء الخارجي لرأيناها إلى أبد الآبدين .
الأستاذ علاء :
 لا يمكن أن تلحق بنا أية أشعة ستلي ولا يمكن أن نلحق بأشعة سبقت .
الدكتور راتب :
 هذا كله افتراض ، أما لو تصورنا إنساناً صنع مركبة سرعتها تزيد عن سرعة الضوء لرأينا المعارك السابقة رأي العين ولو قصرنا عن الزمن تراخى الزمن بمعنى أن الساعة في الفضاء الخارجي تعادل ألف عام في الأرض ، فبين أن يتوقف الزمن وبين أن يتراجع الزمن وبين أن يتراخى الزمن ، هذه متعلقة بسرعة الضوء ، وهذه الموضوعات مغرقة في الدقة وفي المصطلحات .

2 – الإنسان زمن :

 على كل أدق ما في هذا اللقاء الطيب الإنسان زمن ، بضعة أيام ، هذا الإنسان له عند الله ثمان وستين سنة فرضاً وثمانية أشهر وثلاثة أسابيع وأربعة أيام وسبع ساعات وست دقائق وخمس ثوان ، هو كائن متحرك إلى هدف ثابت ، أية ثانية تمضي على هذه الحركة تقربه من الهدف الثابت ، بطولته أن ينفق هذا الوقت إنفاقاً استثمارياً ينتفع به بعد مضي الزمن ، هذه نقطة أولى في هذا اللقاء الطيب .
 على كل هذا المعنى الدقيق للزمن أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة فقال :

(( أيها الناس : لا خير في العيش إلاّ لعالم ناطق أو مستمع واع ، أيّها الناس إنّكم في زمن هدنة ـ كالعام الدراسي الطلاب جميعاً متساوون لكن متى يفرزون ؟ ـ إنّ السير بكم سريع ))

 من خصائص الزمن سرعة انقضائه لبثنا يوماً أو بعض يوم ، إنسان عاش أربعين يقول لك مضى كلمح البصر :

((....وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد))

 يقول سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : " الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما ".

((....ويقرّبان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود))

 نبدأ الصيف يأتي الشتاء ، يبدأ الشتاء يأتي الصيف ، نبدأ بالخمسينات ، تأتي الستينات ، السبعينات ، الثمانينات ، التسعينات ، الألفين وهكذا .

(( ....فقال له المقداد : يا نبي الله وما الهدنة ؟ فقال : دار بلاء وانقطاع ، بلاء امتحان ))

الموت يلغي كل شيء في الوجود :

 انقطاع الموت يلغي قوة القوي :

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 34 )

 يلغي قوة القوي ، وضعف الضعيف ، وغنى الغني ، وفقر الفقير ، ووسامة الوسيم ، ودمامة الدميم ، ينهي كل شيء .

(( .....دار بلاء وانقطاع فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ، فانّه شافع مشفع وشاهد مصدّق ، من جعله أمامه قاده إلى الجنّة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به فاز ))

 هذا المعنى الدقيق للزمن أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وشرحه شرحاً رائعاً جداً .

 

على كل إنسان أن يستبق الخيرات لأن الزمن لا ينتظر أحداً :

 بل إن القرآن الكريم في آية أخرى غير سورة العصر أشار إلى مفهوم الزمن ، تصور شريطاً متحركاً إذا الإنسان نزل من على الشريط كل شيء يسبقه ، إن وقف عليه يمشي مع من يمشي أما إذا تركه كل شيء يسبقه ، قال تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا (148)﴾

( سورة البقرة )

 هو يختارها ، هذه آية الاختيار ، فاستبقوا الخيرات الزمن لا ينتظر أحداً ، الوقت كالسيف :

 

﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا (148)﴾

( سورة البقرة )

 بعض العلماء قال في أية مكانة كنت وفي أي مكان كنت .

لا تأمن الموت في طرف ولا نفس  وإن تمنعت بالحجاب والحــرس
فما تزال سهام الموت نافـــذة  في جنب مدرع منها ومتـــرس
أراك لست وقافاً ولا حــــذراً  كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكـها  إن السفينة لا تجري على اليــبس
* * *

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا (148)﴾

( سورة البقرة )

عدم إنكار حدث الموت لكن الناس يتفاوتون في مدى الاستعداد له :

 لا أحد يقول هذا قدري ، ما أنت فيه من اختيارك :

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148)﴾

( سورة البقرة )

 الزمن يمشي ، أينما تكونوا لا بد من الموت ، ولا يستطيع أحد أن ينكر حدث الموت ، لكن الناس يتفاوتون في مدى الاستعداد له فقط :

 

﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148)﴾

( سورة البقرة )

خصائص الزمن :

1 – سرعة انقضائه :

 أستاذ علاء الزمن له خصائص ، أهم خصيصة في الزمن سرعة انقضائه ، لا ينتظر ويمضي سريعاً ، كل واحد منا يقول البارحة كنت طفلاً صغيراً هو الآن في عمر مديد ، فإذا مضى الذي مضى كلمح البصر في الأعم الأغلب يمضي الذي بقي كلمح البصر .
الأستاذ علاء :
 سيدي أجمل تعبير أسمعه من الصغار عندما يبتدئ العيد ، أول ساعات العيد وينتهي العيد بعد أربعة أيام يسألك الطفل ، العيد قصير جداً ، يا ليت كل الأوقات بالنسبة له عيد ينقضي العيد وكأنه لم يشعر ، هذا دليل على أنه لم يشعر بالزمن .

 

العاقل من عدّ عمره عدّاً تنازلياً لا تصاعدياً :

الدكتور راتب :
 قالوا : دقيقة الألم ساعة وساعة اللذة دقيقة ، أول نقطة سريع الانقضاء أيام معدودة ، فلذلك أنا أتمنى على الأخوة المشاهدين أن يعدوا أعمارهم عداً تنازلياً لا تصاعدياً ، لا يقول كم بقي لي ، لا ، يقول كم مضى من عمري ؟ كم بقي لي ؟ تقول له كم بقي ؟ إذا شخص تجاوز الأربعين في الأعم الأغلب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : أعمار أمتي بين الستين والسبعين . فإذا تجاوز الأربعين فالذي بقي أقل مما مضى ، فإذا مضى الذي مضى كلمح البصر في الأعم الأغلب الذي بقي يمضي كلمح البصر ، يواجه ساعتئذ المسؤولية عن كل شيء :

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الحجر)

 لذلك يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ(45)﴾

( سورة يونس)

الأستاذ علاء :
 كل هذا العمر الذي عاشوه ، والذي تجبروا فيه كأنه ساعة من نهار ، وهناك عند ربهم يبدؤون بالتعارف .

2 ـ ما مضى منه لا يعود ولا يعوض :

الدكتور راتب :
 أهم خصيصة سرعة انقضائه ، الخصيصة الثانية ما مضى منه لا يعود ولا يعوض ، فالحديث عما مضى تضييع للوقت والبلهاء يندمون على الماضي ما مضى فات والمؤمل غيب ، الغيب لا تملكه ، ولك الساعة التي أنت فيها ، لا نملك إلا هذه الساعة .
الأستاذ علاء :
 سيدي هو باتجاه المحور الموجه الواحد ، حركة الزمن مثل حركة الأجسام في الرياضيات هناك المحور الموجه باتجاه معين ، حركة الزمن باتجاه هذا المحور لا يتغير وغير عكوس باتجاه واحد فإذا انقضى منه شيء لا يعود .

الأغبياء يتغنون بالماضي والأذكياء يعيشون المستقبل :

الدكتور راتب :
 ما مضى فات والمؤمل غيب ، الغيب لا تملكه ، ولك الساعة التي أنت فيها ، والحديث عن الماضي نوع من الغباء ، الأغبياء يتغنون بالماضي ، والأقل غباءً يعيشون الحاضر كردود فعل ، والأذكياء يعيشون المستقبل ويخططون ، فإن لم تخطط يخطط لك .
الأستاذ علاء :
 جميل ، إن لم يكن فاعلاً يبقى تحت الفعل .
الدكتور راتب :
 سيكون منفعلاً ، لذلك الآية الكريمة :

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا (100)﴾

( سورة المؤمنون)

 أداة ردع ونفي .

 

﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

( سورة المؤمنون)

الوقت لا يعوض لكن الغافل لن يعرف قيمة الوقت إلا بعد فوات الأوان :

 أهم خصائصه أنه سريع الانقضاء ، وما مضى منه لا يعود ولا يعوض ، الوقت لا يعوض لكن الإنسان هو في غفلة وهو في تيه وهو في لهو سوف يعرف قيمة الوقت ولكن بعد فوات الأوان :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(9)وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ(10)وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(11)﴾

( سورة المنافقون)

 هذا الندم الذي لا يحتمل ، ربي أخرني إلى أجل قريب فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا .

 

الجاهل لن يعرف قيمة الوقت إلا يوم القيامة :

 إذاً يعرف الإنسان الجاهل التائه الشارد الغارق في آمال وغي و انحطاط يعرف قيمة الوقت ولكن بعد فوات الأوان ، ويعرفه يوم القيامة :

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ(36)وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ (37)﴾

( سورة فاطر)

وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ : النذير هو :

1 – القرآن الكريم :

 من أدق ما قاله العلماء في كلمة النذير ، النذير هو القرآن الكريم لأنه بيّن ما بعد الموت :

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

( سورة الحاقة )

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيم ﴾

( سورة الحاقة )

 فالقرآن هو النذير .

2 ـ أو النبي عليه الصلاة والسلام :

 والنبي هو النذير :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ﴾

( سورة الأحزاب )

3 ـ أو سن الأربعين :

 العلماء قالوا وسن الأربعين هو النذير ، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة .

4 ـ أو سن الستين :

 وسن الستين هو النذير .

5 ـ أو الشيب :

 والشيب هو النذير :

(( عبدي كبرت سنك ، وانحى ظهرك ، وضعف بصرك ، وشاب شعرك فاستحي مني فأنا أستحي منك ))

[ ورد في الأثر ]

6 ـ أو المصائب و موت الأقارب :

 والنذير هو المصائب ، والنذير موت الأقارب ، هكذا أورد الإمام ابن القرطبي على معنى كلمة النذير في هذه الآية .
الأستاذ علاء :
 هذا التحليل في الحقيقة الدقيق والواعي لكلمة النذير ، هو كل ما ينذر عن مستقبل بما سيكون .

 

كلما ارتقى عقل الإنسان يحكمه النص وكلما هبط مستواه الفكري يحكمه الواقع :

الدكتور راتب :
 لذلك قالوا العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه .
الأستاذ علاء :
 الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .
الدكتور راتب :
 أنا أضرب هذا المثل كثيراً لأنه معبر ، إنسان له مبلغ ضخم جداً في حمص أراد أن يذهب إلى حمص ليأخذ المبلغ فإذا لوحة كتبت في ظاهر دمشق الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في النبك ، لو قرأ هذه اللوحة ألف إنسان عاقل يرجع من ظاهر دمشق ، لو أن دابة تمشي أين تقف ؟ عند الثلج ، ما الذي حكم غير العاقل ؟ الواقع ، ما الذي حكم العاقل ؟ النص ، فكلما ارتقى عقل الإنسان يحكمه النص وكلما هبط مستواه الفكري يحكمه الواقع إلى أن يواجه الخطر ، خطر الورم الخبيث في الرئة من أجل الدخان يقول لك أنا سوف أتوب .
الأستاذ علاء :
 سيدي قبل أن نكمل هذا البحث الدقيق والشيق بالحقيقة ، والذي فيه أسى بكل معنى الكلمة على ما فات ، وعلى ما قصر الإنسان ، كيف يتسق مفهوم التوبة مع مفهوم الوقت ؟

باب التوبة مفتوح على مصراعيه :

الدكتور راتب :
 والله ما دام القلب ينبض ، ما دام في العمر بقية ، باب التوبة مفتوح على مصراعيه ، إلا أن الإنسان لا يمكن أن يتوب حينما يقارب ساعة الموت :

﴿ وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ (18)﴾

( سورة الأحزاب )

 لذلك لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم جئتني تائب غفرتها لك ولا أبالي ، لكن في فرق بين إنسان أمضى حياته كلها في المعصية وتاب قبل أن يموت فتاب الله عليه ، وبين إنسان نشأ في طاعة الله ، يوجد تفاوت بالعطاء أما التوبة توبة ، باب التوبة مفتوح على مصراعيه :

 

﴿ وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة النساء الآية : 27 )

﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

( سورة البقرة )

فرحة الله عز وجل بتوبة عبده الضال :

 

(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد ، ومن الضال الواجد ، ومن الظمآن الوارد ))

[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]

 يفرح الله بتوبتنا ، بل إن الصورة الدقيقة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم هي :

(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ ، فَأَيِسَ مِنْهَا ، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي ، وَأَنَا رَبُّكَ ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))

[ مسلم عن أنس بن مالك]

 دعك من هذا يعلق النبي صلى الله عليه وسلم على هذه القصة لله أفرح بتوبة عبده من ذاك البدوي بناقته ، هو ينتظرنا :

(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم ، لتقطعت أوصالهم من حبي ، ولماتوا شوقاً إليّ ، هذه إرادتي بالمعرضين ، فكيف بالمقبلين ؟ ))

[ ورد في الأثر ]

الأستاذ علاء :
 إذاً ما نتحدث به عن الزمن والذي مضى من عمره زمناً طويلاً وكان غافلاً أو ظالماً أو كان مقصراً بإمكانه أن يوقف زمن التقصير .
الدكتور راتب :
 نعم يفتح مع الله صفحة جديدة ، كل شيء له حل ما دام في العمر بقية .

 

أخطر ما في الزمن التسويف :

الأستاذ علاء :
 الآن من خصائص الزمن السرعة وعدم الرجوع .
الدكتور راتب :
 الآن أخطر ما في الزمن التسويف ، ورد في بعض الآثار : هلك المسوفون . كل شيء غداً ، بعد غد ، لذلك يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى : إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك ، فإن يكن لك غد فكن في الغد كما كنت في اليوم ، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرط اليوم .
 قيل لعالم أوصنا ؟ قال : احذروا سوف فهي جند من جنود إبليس .

تزود من التقوى فإنـك لا تدري  إذا جـن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من سليم مات من غير علة  وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر
وكم من فتى يمسي ويصبح آمناً  وقد نسجت أكفانه وهــو لا يدري
* * *

لأستاذ علاء :
 سيدي هناك قصة لطيفة عندما توفي سليمان بن عبد الملك وآلت الخلافة إلى سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه هنا في دمشق ، مراسم الدفن انتهت تعب عمر بن عبد العزيز ، تعب من مراسم الدفن وهذه الأشياء فأراد بعد صلاة الظهر أن يأخذ قسطاً من الراحة ، فانتصب إليه ابنه عبد الملك فقال ماذا تفعل يا أبي ؟ قال أريد أن آخذ قسطاً من الراحة ، قال وماذا تفعل بمظالم الناس ؟ قال حتى العصر ، قال وما يدريك أن عمرك سيستمر إلى العصر ولا يكون أمر الله بين هذين الوقتين ؟ فجلس ونهض وقال له جزاك الله خيراً فبادر إلى الناس ورفع الظلم عنهم .
 هذا فهم للوقت ؟

 

من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت :

الدكتور راتب :
 فهم عميق جداً ، لذلك قالوا : من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت ، لو توهم أنه سيعيش إلى الغد فقط يقول لك غداً سأزور فلاناً ، معنى ذلك أنه سيعيش إلى الغد ، من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت .
 أنا جلست مع إنسان حدثني عن عشرين سنة قادمة ،عن خططه وعن طموحاته وعن مشروعه التجاري وعن تقاعديته ، والله الذي لا إله إلا هو رأيت نعوته مساءً في اليوم نفسه ، لذلك من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت .
من هنا أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى الدقيق :

(( اغتنم خمسا قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك ))

[ أخرجه الحاكم ، والبيهقي ، عن ابن عباس أحمد ، عن عمرو بن ميمون ]

 هذه البطولة ، كل هذا الذي يقال متعلق بالوقت .
الأستاذ علاء :
 الآن أنت تستطيع ، الشباب موجود لكن بعد الشباب في هرم فإن لم تستغل الشباب سيأتي وقت لا تستطيع أن تفعل فيه شيئاً ، ولا يكون من الهمة ما تساعدك على فعل الخير وعلى استباق الخيرات .
الدكتور راتب :
 لذلك الإنسان حينما لا يخطط يعيش حياة عابسة بلا هدف .

 

خاتمة وتوديع :

الأستاذ علاء :
 كنا نود أن نستمر في بحثنا هذا لكن الوقت دائماً كما قلت الوقت ينقضي سراعاً وسريعاً ولا يعود إلى الوراء ، ووقتنا انتهى إن شاء الله نعد السادة المشاهدين بأننا نكمل في الحلقة القادمة إن كان لنا عمر وبقية إن شاء الله ، لا يسعني في نهاية هذه الحلقة إلا أن أشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة على كل ما قدم وشرحت وإن شاء الله نتمم موضوعنا في حلقات قادمة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018