الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 69 - الوقت ـ ترميم الخسران - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 69 - الوقت ـ ترميم الخسران


2007-07-02

مقدمة :

الأستاذ علاء :
 أيها السادة المشاهدون سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، يسعدنا أن نكون بمعية فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين أهلاً وسهلاً سيدي الأستاذ .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ علاء جزاك الله خيراً .

 

الخاسر من أنفق وقته إنفاقاً استهلاكياً لا إنفاقاً استثمارياً :

الأستاذ علاء :
 سيدي بدأنا بالمقوم الأخير لـ (مقومات التكليف للإنسان)، التي بسطها الله أمام هذا الإنسان الذي أوجد على رأس وعلى قمة المخلوقات ، المخلوق الأول لأنه أعطاه العقل والتفكير والإدراك وأعطاه من المؤونة في هذا ما يختار ما يقدم أو يحجم ، تحدثنا عن الكون والعقل والفطرة والشهوة والاختيار ثم الشرع وتوقفنا في الحلقة الماضية عند الوقت وتبينا بأن الوقت هو الإنسان ، أو رأسمال الإنسان ، إذا ذهب هذا الوقت ذهب الإنسان ، ذهب دون أن يستغله في العمل الصالح فقد خسر وقد ضاع ، وأرشدنا إلى ذلك أن الله عز وجل أقسم بالعصر ، وهنالك ربط بين القسم لعظمه لأن الله قد أقسم به والمقسوم له وهو الإنسان :

﴿ والْعَصْرِ (1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

( سورة العصر )

من لم يشغل نفسه بالخير شغلته بالشر :

 ثم الله عز وجل جاء بأداة الاستثناء ليدلنا على كيفية تلافي الخسران ، وتبينا في الحلقة الماضية نهيناها عند قول الإمام الشافعي : ونفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر . قبلها يقول : الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك .
الدكتور راتب :
 لأنه لا يعود .
الأستاذ علاء :
 وتحدثت على أن تخلفنا وعلى أن الخسران عندما نستهلك الوقت استهلاكاً ولا نستثمره استثماراً ، كالري بالراحة وعندما نسفح المياه هكذا تجرف التربة ولكي تهدر دونما طائل وكمن يسقي بالتنقيط ، الذي يستفيد من كل قطرة .
الدكتور راتب :
 رائع جداً مثلكم .
الأستاذ علاء :
 كيف يرمم الإنسان هذا الخسران ؟

أثمن شيء يملكه الإنسان هو الزمن :

الدكتور راتب :
 ذكرت إن لله عملاً بالليل لا يقبله في النهار ، وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله في الليل ، وذكرت أن هذا الخليفة العظيم ، حينما جاء سفيرعامله على أذربيجان وصل المدينة في الليل ، فكره أن يطرق باب أمير المؤمنين فتوجه إلى المسجد ، فسمع رجلاً يبكي ويصلي ويقول ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها ؟ سأله من أنت يرحمك الله بعد أن انتهى من صلاته ؟ قال أنا عمر ، قال يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ؟ قال : أنا إن نمت ليلي أضعت نفسي أمام ربي وإن نمت نهاري أضعت رعيتي .
 أكاد أقول هناك مصطلح اسمه عبادة الوقت ، ثم بينا في لقاء سابق أن هذه الخسارة محققة لأن مضي الزمن يستهلك الإنسان ، هو بضعة أيام ، هو زمن ، أو رأسماله هو الزمن ، أو أثمن شيء يملكه هو الزمن .

أركان النجاة من عذاب الله عز وجل :

 لكن رحمة الله في (إلا)، إلا ما جاء بعدها عنوناه بأركان النجاة ، فلا بد من أن تبحث عن الحقيقة أولاً ، ولا بد من أن تعمل وفق الحقيقة ثانياً ، ولا بد من أن تدعو إليها ثالثاً ، ولا بد من أن تصبر عن البحث عنها والعمل وفقها والدعوة إليها ، هذه أركان الإنسان ، أركان نجاته ، أركان سعادته ، أركان سلامته ، أركان فوزه ، أركان تفوقه ، أركان فلاحه ، أركان الجنة ، إذاً نبحث عن الحقيقة ، لذلك ورد :

(( لا بورك لي بطلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قرباً ))

(ورد في الأثر)

 ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان ، والمغبون من تساوى يوماه ، كأنه شريط متحرك ، فالإنسان إن لم يكن على هذا الشريط وقف كل من على الشريط يسبقه ، تصور الزمن كحركة شريط في بعض المطارات الدولية غير الدرج المتحرك في شريط متحرك أفقي ، الإنسان يقف على هذا الشريط فهو يمشي أما الواقف خارج الشريط يسبقه كل من على الشريط ، لذلك المغبون من تساوى يوماه ومن لم يكن في زيادة ، من لم يكن على الشريط فهو في خسارة محققة .

 

على كل إنسان أن يعمل وفق إيمانه :

 إذاً الوقت شيء دقيق جداً ، النقطة الأولى أن على الإنسان أن يؤمن بسر وجوده وغاية وجوده ، يؤمن بربه ، الخالق ، المربي ، المسير ، الموجود ، الواحد الكامل ، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ، ويؤمن بهذا الكتاب الذي أنزله على نبيه ودليل أنه كتاب الله إعجازه ، وتحقق الوعد والوعيد ، وأن يؤمن من خلال هذا الكتاب بهذا الإنسان الذي جاء به ، وقد بين ما في هذا الكتاب بأحاديث كثيرة ، فالإيمان بالله خالقاً ومربياً ومسيراً والإيمان بكتابه وبرسوله يمكن لعقل الإنسان أن يصل إلى حقيقة قطعية في هذا ، فالإنسان في شأن دنياه يبذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس ويفكر ويدقق و يتأمل ويسأل ويستقصي ألا ينبغي لحياة أبدية سرمدية أن نعد لها ؟
فلذلك البند الثاني من بنود النجاة أن أعمل وفق إيماني .
الأستاذ علاء :
 سيدي هل أستطيع وهو من عمل القلب والفؤاد والعقل أن أتوقف عند هذا وألا يكون له مرتسم عملي على الأرض ؟

من آمن بالله و لم يتحرك وفق منهجه ما نفعه إيمانه شيئاً :

الدكتور راتب :
 ماله قيمة أبداً ، سيدي للتقريب إنسان معه مرض جلدي ، علاجه الوحيد أن يتعرض لضوء الشمس ، قبع في غرفة قميئة رطبة ، وقال يا لها من شمس ساطعة ، إن هذه الشمس شافية ، ما أعظمها من شمس ، مهما تحدثت عن عظمة الشمس عشرات المرات وعشرات الأيام عن عظمة الشمس ولم تتعرض لأشعتها تبقى مريضاً ، لذلك الذي آمن ولم يتحرك ما قدّم شيئاً ، إنه أقرّ بحقيقة ثابتة بديهية ، ماذا ينفعه إيمانه ؟ ألم يقل إبليس :

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية : 82 )

 ألم يقل :

 

﴿ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

 وقال :

 

﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 12 )

 هذا إيمان إبليسي لا يقدم ولا يؤخر .

 

على كل مؤمن أن يقدم عملاً لأمته يتقرب به إلى الله عز وجل :

 لذلك :

وعالم بعلمه لم يعملنْ معذَّب من قبْل عباد الوثن
* * *

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2)كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾

[ سورة الصف ]

الأستاذ علاء :
 سيدي لذلك :

 

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

الدكتور راتب :
 أستاذ علاء ، المؤمن كائن متحرك ، كائن سكوني لا يوجد ، سلبي لا يوجد ، متقوقع لا يوجد ، منسحب ، ما له علاقة لا يوجد ، فخار يكسر بعضه لا يوجد ، المؤمن إيجابي ، المؤمن فاعل ليس منفعلاً ، المؤمن له دور يحمل هم الأمة ، يقدم شيئاً لأمته يبتغي بها وجه الله ، يتقرب إلى الله بخدمة الناس :

(( الخلق كلهم عيال الله ، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ رواه أبو يعلى ، عن ابن مسعود]

شمولية الدين لجميع نواحي الحياة :

 ما إن تومض في نفس المؤمن حقيقة الإيمان حتى تعبر عن نفسها بحركة نحو خدمة الخلق ، أنا لا أصدق إيمان سلبي ، إعجاب سلبي ، دين عظيم ، ما أعظم هذا الدين هو وحي السماء ، هو بشارة الأنبياء ، هذا كلام لا يقدم ولا يؤخر ، ماذا قدمت لله ؟ ماذا قدمت لله يوم القيامة ؟ هل نصحت من حولك ؟ هل استقمت في بيعك وشرائك ؟ هل أخلصت لمرضاك أم أوهمتهم وابتززت أموالهم ؟ هل أخلصت لموكلك أم أوهمته أن الدعوة سوف تربح ؟ هل سحبت الحديد بعد أن جاء الكشف على البناء ثم انهار البناء ؟ هل حككت صلاحية الدواء من أجل أن تبيعه وقد انتهت صلاحيته ؟ الدين بالعمل ، بالمسجد تتلقى التعليمات وتقبض الثمن ، الدين بمركزك ، بدكانك ، بمكتبك ، بعيادتك ، بمكتبك الهندسي ، بالسوبر ماركة الدين ، في بضاعة منتهية المفعول تحك الصلاحية أحياناً ، والله ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ، والله لا أتآلَ على الله لكن هذا الذي يغش الناس يعطيهم أسوأ البضاعة بأغلى سعر يوهمهم بأوهام كثيرة والله ألغى صلاته وصيامه وحجه وزكاته ، ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام .

(( إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي النَّارِ.))

[ رواه أحمد والبزار ]

(( دخلت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار ؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر]

 أستاذ علاء تعليق قولك بما فوق الهرة ؟
الأستاذ علاء :
 بمن يقتل شعباً بأكمله .

 

الحساب العسير يوم القيامة مصير كل ظالم :

الدكتور راتب :

قتل امرئ في بلدة جريمة لا تغتفر وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر
* * *

 لذلك هؤلاء الذين يكيلون بألف مكيال ومكيال :

 

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم)

 لذلك قضية العدل ، الله عز وجل عدله مطلق ، وأي إنسان يظلم الآخرين سوف يحاسب حساباً عسيراً .
 البند الثاني من أركان النجاة أن أعمل وفق إيماني ، أن أترجم إيماني إلى عمل ، أن ينقلب الإيمان إلى سلوك ، أن يكون هناك التزام ، لأن العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بحبحة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سادة أبدية .
الأستاذ علاء :
 سيدي الله عز وجل جاء بالصالحات لتقييد العمل ؟

 

بطولة الإنسان أن تأتي مقاييسه في العمل الصالح وفق مقاييس الله :

الدكتور راتب :
 طبعاً ، متى يكون العمل صالحاً ؟ قال بعض العلماء الكبار ابن المبارك : إذا كان خالصاً وصواباً . خالصاً ما ابتغي به وجه الله وصواباً ما وافق السنة ، أحياناً يتوهم الإنسان أنه إذا عمل عملاً فيه معصية كبيرة لكن ريع هذا العمل للعمل الخيري ، مرفوض ، الأهداف النبيلة لها وسائل نبيلة ، هذا الإسلام ، لذلك :

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾

( سورة النمل الآية : 19 )

 قد يكون صالحاً عند الناس وليس عند الله ، قد يكون صالحاً في توهمك وهو عند الله ليس بصالح ، فالبطولة أن تأتي مقاييسك في العمل الصالح وفق مقاييس الله .
الأستاذ علاء :
 من هنا :

 

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148)﴾

( سورة البقرة )

 لأن كل خير هو عمل صالح .

 

العمل الصالح ثمن الجنة :

الدكتور راتب :
 علة وجودنا هو عمل صالح الدليل ، الإنسان حينما يأتيه ملك الموت على أي شيء يندم ؟

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾

( سورة المؤمنون الآية : 100 )

 لذلك علة وجودنا العمل الصالح ، العمل الصالح ثمن الجنة .
الأستاذ علاء :
 رَبِّ ارْجِعُونِ يعني أعيدوني إلى الوقت إلى حيز الوقت الذي أضعته .
الدكتور راتب :
 أستاذ علاء العمل الصالح ليس فلتة عارضة ولا نزوة طارئة ولا حادثة منقطعة ، إنما ينبعث عن دوافع ويتحرك إلى أهداف ويتعاون عليه المؤمنون ، هو ليس انكماشاً ولا سلبية ولا انزواءً ولا تقوقعاً ، بل هو حركة خيرة نظيفة ، وعمل إيجابي هادف ، وعمارة متوازنة في الأرض ، وبناء شامخ للأجيال يتجه إلي الله ويليق بمنهج الله ، هذا البند الثاني من أبواب النجاة ، الإيمان والعمل الصالح .
الأستاذ علاء :

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

( سورة العصر )

 هنا بعد العمل الصالح الذي يرضاه ربنا والمرتبط بفهمنا الإيماني .

 

حجم الإنسان عند ربه مرتبط بحجم عمله الصالح :

الدكتور راتب :
 حجمنا عند الله بحجم عملنا الصالح ، الدليل :

﴿ و لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 132 )

 من أنت ؟ حجمك عند الله بحجم عملك الصالح لذلك :

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً (120)﴾

( سورة النحل )

 له أعمال جليلة انتفعت بها أمة وكان في قلب أمة بأكملها .

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً (120)﴾

( سورة النحل )

 فلذلك البطولة أن تأتي مقاييسي وفق مقاييس القرآن .

 

تأكيد القرآن الكريم على قيمتي العلم و العمل للترجيح بين الناس :

 القرآن اعتمد قيمتين للترجيح بين البشر اعتمد قيمة العلم واعتمد قيمة العمل ، وكل القيم التي نعتمدها نحن القرآن أهملها ، نحن نعظم الأغنياء ، الأقوياء ، من لهم شكل وسيم جداً ، نعظم الأذكياء لكن القرآن الكريم أكد على قيمتين قال :

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الزمر الآية : 9 )

 قال تعالى :

 

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة الآية : 11 )

 اعتمد قيمة العلم واعتمد قيمة العمل ، وأية أمة لا تعتمد هاتين القيمتين حصراً ليست على الطريق الصحيح ، حجم الإنسان بعلمه وعمله .
الأستاذ علاء :
 سيدي الآن قبل أن أنتقل وتواصوا بالحق ، من هنا قسّم المفسرون أو العلماء حتى الصحابة الكرام في الدرجات لمن سبق ، ثم فيما بعد قسموهم إلى درجات في المرتبة ؟

 

من سارع إلى الإيمان في وقت الشدة له ميزان آخر :

الدكتور راتب :
 طبعاً الذين بدؤوا حياتهم بالإيمان بالله هؤلاء السابقون ، هؤلاء آمنوا في وقت عسير ، آمنوا والناس جميعاً ضدهم ، آمنوا وليس هناك أي مكسب من الإيمان ، آمنوا والإيمان كله تبعات ، كله متاعب فلذلك ليسوا سواء :

﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(10)﴾

( سورة الحديد)

 قبل الفتح شيء وبعد الفتح شيء ، أيام قبل الفتح متاعب ومغارم بعد الفتح مكاسب ، فالذين سارعوا إلى الإيمان في وقت الشدة في الوقت العصيب هؤلاء لهم ميزان آخر .
الأستاذ علاء :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا ٌ(72)﴾

( سورة الأنفال)

 المقصود فيهم الأنصار .

 

بطولة الإنسان الكبرى أن يصلح غيره بعد إصلاح نفسه :

الدكتور راتب :
 أستاذ علاء الإنسان .
الأستاذ علاء :
 من هنا لأنك تحدثت عن مسالة الرتب .
الدكتور راتب :
 الإنسان اجتماعي فبطولته أن يصلح نفسه أولاً حينما يؤمن وحينما يعمل الصالحات وقد ينجو بهما ، ولكن بطولته الكبيرة أن يصلح غيره ، من هنا جاء :

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

( سورة العصر )

 أستاذ علاء الحق دائرة والباطل دوائر ، إذا كان هناك التواصي بالحق دوائر الحق تنمو تضيق دوائر الباطل ، فإذا سكتنا عن التواصي بالحق دوائر الباطل تنمو وتضيق على دائرة الحق ، فقضية الحق والباطل معركة أزلية أبدية لأن الله عز وجل كان من الممكن أن يجعل الطرف الآخر في كوكب آخر ، أو الطرف الآخر في قارة أخرى ، أو الطرف الآخر في حقبة أخرى ، ولكن شاءت حكمته أن نكون معاً في كل مكان وفي كل زمان من لوازم هذه المعية أن هناك معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل ، لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي ولأن أهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالعمل والتضحية ، فلذلك التواصي بالحق مكلف أحياناً السكوت أريح أولى ، أما حينما يجهر الإنسان بالحق يكون بطلاً .
الأستاذ علاء :
 سيدي نلاحظ هذا الفعل تَوَاصَوْا ، تفاعلوا .

 

التواصي بالحق أحد أركان النجاة لكل مؤمن :

الدكتور راتب :
 يعني كل منا يوصي أخاه لذلك حياة المؤمنين حياة سعيدة جداً ، المؤمن يأخذ بيد أخيه وأخوه يأخذ بيده ، ينصح أخاه وأخوه ينصحه ، يرشد أخاه وأخوه يرشده ، هذا التواصي

(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ))

[ مسلم عن تميم الداري ]

 ما لم تنصح فقد وضعت إيمانك في وضع حرج جداً ، لو قال لك يشتري من عندك قماش بالله عليك انصحني بلون رائج نصحته بلون كاسد عندك ، خنت الأمانة ، كفى بها خيانة أن تحدث أخاك بحديث هو لك به مصدق ، وأنت له به كاذب ، وحينما ينتفي الخيانة والكذب من حياتنا نكون في حال غير هذا الحال ،لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[ أحمد عن أبي أمامة ]

 فإذا كذب أو خان انتهى إيمانه ما فيه ذرة إيمان ، أبداً :

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[ أحمد عن أبي أمامة ]

 فالتواصي بالحق من أجل إصلاح الآخرين .
الأستاذ علاء :
 سيدي التواصي بالحق هل هو يختص في فئة من الأمة أم ؟

 

التواصي بالحق فرض عين على كل مؤمن :

الدكتور راتب :
 فرض عين على كل مؤمن الدليل ، التواصي بالحق أحد أركان النجاة لكل مؤمن ، مؤمن صامت ما في ، مؤمن سكوني ما في ، مؤمن إعجابه سلبي ما في ، مؤمن لا يتحرك لا يهمه أحد ليس مؤمناً ، لذلك التواصي بالحق هذه الآية دليل قطعي على أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مؤمن ولكن في حدود ما يعلم ومع من يعرف فقط ، أما في دعوة إلى الله احترافية :

﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 104 )

 هذه دعوة احترافية تحتاج إلى تفرغ وإلى تعمق وإلى علم وإلى القدرة على ردّ كل الشبهات والإتيان بكل البراهين والأدلة ، هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل ، أما الدليل الآخر أن الدعوة إلى الله فرض عين قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 يعني سمعت خطبة تأثرت بها جلست مع أهلك حدثهم عنها ، بوعي .
الأستاذ علاء :
 يدقق كثيراً في مسائل سمعها الإنسان تأخذ وتعطي معه تراجع الخطيب يقول ما حكيت هكذا .

 

ارتباط أركان النجاة ببعضها ارتباطاً وثيقاً :

الدكتور راتب :
 هذه مشكلة الأتباع ، إذاً التواصي بالحق له دليلين هذا الحديث :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 وهذه الآية ، في آية ثانية :

 

﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف الآية : 108 )

 فالذي لا يدعو إلى الله لا يتبع النبي ، والذي لا يتبع النبي لا يحب الله :

 

﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾

( سورة آل عمران الآية : 31 )

 إذاً الدعوة إلى الله فرض عين وفرض كفاية ، فرض عين لآحاد المؤمنين في حدود ما يعلمون ومع من يعرفون ،

(( بلغوا عني ولو آية ))

 هذه وتواصوا بالحق ، أركان النجاة الأربعة مجتمعة ، ليس معنى أن أركان النجاة لو قمت بواحد منها اكتفيت لا الأربعة مجتمعة ، يجب أن تبحث عن الحقيقة وأن تتحرك وفقها وأن تدعو إليها .

 

على كل إنسان أن يبحث عن الحقيقة و يعمل لها و يدعو إليها :

 الآن وأن تصبر على أشياء ثلاثة على البحث عنها والعمل بها والدعوة إليها .
الأستاذ علاء :

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

 الصبر له علاقة بالحق ؟
الدكتور راتب :
 نعم .
الأستاذ علاء :
 أن يصبر الإنسان .
الدكتور راتب :
 بالبحث على الحقيقة والعمل بها والدعوة إليها ، آخر بند يغطي البنود الثلاثة ، أركان النجاة أستاذ علاء هذه السورة لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه السورة لكفت ، هذه السورة كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يتفرقون إلا على هذه السورة .
الأستاذ علاء :
 سيدي الإيمان وبعد الإيمان العمل وفق الإيمان ، ثم الدعوة إلى ما آمنت به كفرض عين .

 

الصبر مفتاح كل داعية للوصول بدعوته إلى القمة :

الدكتور راتب :

(( بلغوا عني ولو آية ))

 ثم الصبر على الإيمان والعمل والدعوة .الإنسان إذا ما دعا في سلام ، إذا دعا في متاعب أحياناً هذه ثمن الجنة ، الأبطال عاشوا متاعب كبيرة جداً ، الذين قلبوا وجه التاريخ ما كان طريقهم مفروش بالورود بالمتاعب فلذلك طريق القمة متعب جداً .
الأستاذ علاء :
 قالوا لعمه أبي طالب إن كان يريد جاهاً .
الدكتور راتب :
 مالاً جعلناك أغنى واحداً فينا ، تريد امرأة جميلة زوجناك أجمل فتياتنا ، تريد جاهاً وليناك علينا فقال :

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي ، على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))

[ السيرة النبوية ]

الأستاذ علاء :
 سيدي لذلك نعود ونؤكد أن الله عز وجل عندما أقسم بالعصر أقسم بشيء عظيم وأقسم بعمر النبي صلى الله عليه وسلم هنا أريد أن أؤكد عليها .

 

من فكّر في الآخرة حقق الغاية من وجوده :

الدكتور راتب :

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

( سورة الحجر )

 تصور أستاذ علاء خالق السماوات والأرض يقسم بزمن إنسان خلقه لأنه استغل هذا الزمن ثانية ثانية ، يقولون : المؤمن يوم القيامة لو دخل الجنة لا يندم إلا على شيء ، على وقت مضى لم يذكر الله فيه ، مع أنه نجا ودخل الجنة الوقت شيء مهم جداً ، لذلك كان بعض الصالحين قد حفر قبراً في صحن داره ، وكان يضّجع فيه كل خميس ، ويتلو قوله تعالى :

 

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا (100)﴾

( سورة المؤمنون )

 يخاطب نفسه ويقول لها : قومي لقد أرجعناك ، فالإنسان إذا فكر في النهاية حقق الغاية .
الأستاذ علاء :
 علينا أن ننتبه إلى ما قدمت وتفضلت به إلى الوقت على أنه هو الإنسان ، هو الحياة ، وهو الفرصة التي تمشي على محور موجه ، لا تعود إلى الوراء أبداً ، ولقاء الإنسان بوقته أو عمره لا يكون إلا في الدار الآخرة يقفان وجهاً لوجه ويتحاسبان أمام رب العزة ، إما أن يكون قد استغل هذا الوقت بالعمل الصالح وإما أن يكون قد أضاعه فلا فائدة للعمل .

 

من أضاع وقته خسر الدنيا و الآخرة :

الدكتور راتب :
 في نقطة دقيقة :

﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ (104)﴾

( سورة النساء )

 كل واحد منا الوقت مع الجميع ، لكن شخصاً أدار الوقت إدارة صحيحة عرف سر وجوده ، وغاية وجوده ، آمن بربه ، عمل صالحاً ، دعا إلى الله ، صبر على كل أولئك فرجا من الله ما لا يرجوه غيره ، فلذلك الشعور بالخسارة كبير جداً .

 

خاتمة وتوديع :

الأستاذ علاء :
 الله لا يجعلنا من الخاسرين ويجعلنا من الذين يتفهموا الآية خير فهم لنرمم ذلك الخسران ، لا يسعني في نهاية هذه الحلقة إلا أن أشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة على كل ما قدم وشرحت وإن شاء الله نتمم موضوعنا في حلقات قادمة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018