الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 68 - الوقت ـ الإنسان هو الوقت - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 68 - الوقت ـ الإنسان هو الوقت


2007-06-25

مقدمة :

الأستاذ علاء :
 أيها السادة المشاهدون سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق .
 يسعدنا أن نكون بمعية فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ؛ أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، أهلاً وسهلاً سيدي الأستاذ .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ علاء جزاك الله خيراً .

 

من مقومات التكليف : الوقت :

الأستاذ علاء :
 سيدي الكريم كنا في الحلقات السابقة قد درجنا على تناول موضوعات هامة ومكينة في العقيدة وفي الشريعة ، هذه المسائل تتعلق بمقومات التكليف لابن آدم وكيف كلفه الله بالرسالة ، وكيف كلفه الله عز وجل بحمل الأمانة من خلال ضوابط ومن خلال بنود ، كنا قد مررنا على معظمها وبقي مقوم واحد ، كنا قد مررنا على الكون ثم العقل ثم الفطرة ثم الشهوة ثم الاختيار ثم الشرع وبقي الوقت ، في هذه الحلقة ربما نبتدئ سلسلة حلقات حتى ننهي هذا الموضوع المكين ولا أدري لماذا جاء في ترتيبه الأخير ، وفي ذلك حكمة .
 الوقت هو الذي يضبط إيقاع الحياة ، وهو الذي يضبط إيقاع العمل ، وكل عمل أُدي ضمن مجال الوقت كان عملاً مثمراً ، وعندما يكون خارج هذا الإيقاع ربما ينظر إليه نظرة أخرى ، والوقت هو الشيء الوحيد الذي تعلق بالإيمان ، والذي يكون الإيمان معه مثمراً وعندما يكون خارجه يكون الإيمان غير مثمر ، وربنا عز وجل أقسم بالعصر كيف ننظر إلى هذا المقوم من مقومات التكليف وكيف نتناوله بالبحث من خلال حلقاتنا القادمة وهذه الحلقة ؟

 

من عرف سرّ وجوده و غاية وجوده أنفق وقته استثماراً لا استهلاكاً :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ علاء جزاك الله خيراً ، ما من تعريف جامع للإنسان كتعريف الإمام الجليل الحسن البصري ما الإنسان ؟ بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه . هو وقت أو أثمن شيء يملكه هو الوقت ، أو رأسماله هو الوقت ، هو وقت ، إنسان له عند الله ثلاثة وستين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أسابيع وأربعة أيام وخمس ساعات وست دقائق وثمان ثوان ، إذاً هو وقت فكلما مضت ثانية واحدة اقترب من نهاية الوقت ، هو كائن متحرك إلى هدف ثابت ، حينما يعي الإنسان أنه وقت يحسن إنفاق الوقت ، الوقت ينفق استهلاكاً كما يفعل معظم الناس ، وينفق استثماراً ، العقلاء والأذكياء والذين عرفوا الله والذين عرفوا سرّ وجودهم وغاية وجودهم ينفقون الوقت استثماراً ، يحسنون إدارة الوقت ، وإدارة الوقت مفهوم حضاري جاء به الإسلام من زمان قديم .

 

إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ :

 الله عز وجل يقسم لهذا الإنسان المخلوق الأول الذي هو في حقيقته وقت يقسم له بمطلق الوقت ، لاحظ التناسب والتناغم بين مضمون القسم وبين المقسم له ، قال :

﴿ وَالْعَصْرِ (1)﴾

( سورة العصر )

 جواب القسم :

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

( سورة العصر )

 هذه الصورة أستاذ علاء يقول عنها الإمام الشافعي لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم .
 بشكل أو بآخر لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه السورة لكفت ، بل إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يتفرقون إلا على هذه السورة ، وأرجو الله عز وجل أن أمكن أن أقدم للأخوة المشاهدين دقائق معانيها .
 الله عز وجل يقسم بمطلق الزمن بالعصر ، لهذا المخلوق الأول المكرم المكلف الذي هو في حقيقته زمن وتعريف الإمام الجليل الحسن البصري : هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه .
 للخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز قول رائع الليل والنهار يعملان فيك .
 يعني الواحد منا له صورة وهو في الخامسة عشر الفرق كبير جداً وهذا الفرق من فعل الوقت ، لذلك العاقل يرد على فعل الزمان به بأن يفعل في الزمان الذي سينقضي عملاً صالحاً " الليل والنهار يعملان فيك ".

 

إدارة الوقت أخطر شيء في حياة الإنسان :

 أستاذ علاء نحن بين خمس ساعات مع وقت مضى وقت مفقود لا جدوى من الحديث فيه ، ووقت مشهود الساعة التي أنا فيها ، ووقت موعود ساعة الموت ، ووقت مورود يوم القيامة ، ووقت ممدود ، أخطر هذه الساعات وأخطر هذه الأوقات الوقت المشهود لأن الذي لم يأتِ غيب والذي مضى لا جدوى منه ، الوقت إذا مضى لا يرجع ، الوقت إذا مضى لا يرجع ، الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك .
 أستاذ علاء أنا أتصور أن الوقت من أخطر الموضوعات التي تمس الإنسان لأن الإنسان وقت ، بضعة أيام كلما انقضى وقت انقضى بضع منه ، قال تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ (1)إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

( سورة العصر )

 الله عز وجل يجعل جواب القسم أن الإنسان خاسر لا محالة ولو لم يعصِ الله خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه .
الأستاذ علاء :
 إذا كان هو أيام فانقضى منها بضع ، انقضى منه بضع .

 

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

الدكتور راتب :
 كائن مستهلك ، فلذلك الإنسان له خيار قبول أو رفض مع مليار موضوع ، تعرض عليه تجارة فيرفضها لضآلة دخلها ، تعرض عليه فتاة لا تعجبه أخلاقها فيرفضها ، تعرض عليه سفرة يرى أن المشقة كبيرة والأجر قليل ، فلك أن ترفض مليارات الموضوعات رفضاً قطعياً لكن خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت ، فالإنسان إن لم يؤمن في الوقت المناسب سوف يؤمن بعد فوات الأوان والدليل أن أكفر كفار الأرض الذي قال :

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾

( سورة النازعات)

 والذي قال :

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38)﴾

( سورة القصص)

 وبالمناسبة فرعون أول من استخدم ورقة الفتن الطائفية :

 

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾

( سورة القصص : 4)

 وكأن الطغاة في الأرض يستخدمون هذه الورقة الرابحة ، والناس بوعيهم وفهمهم وإدراكهم يسقطون هذه الورقة من أيدي أعدائهم .

 

الإنسان زمن :

 إذاً أقسم الله بمطلق الزمن ، لأن الإنسان في حقيقته زمن ، بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، ولأنه ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي : يا بن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني ، فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
 فالبطولة أن أعرف قيمة الوقت ، والبطولة أن أعلم علم اليقين أنني وقت ، والبطولة أن أحسن إنفاق الوقت ، والبطولة أن أضحك آخراً لا أن أضحك أولاً ، لأنّ مَن ضحك أولاً ضحك قليلاً وبكى كثيراً ، ومن ضحك آخراً ضحك كثيراً وبكى قليلاً .
الأستاذ علاء :
 سيدي لذلك الله عز وجل أتى بالقسم ، وقد عرف العصر ، أتى بأل التعريف لينبئنا بأنه يقصد الوقت كله على معرف هو الإنسان ، إن الإنسان .
الدكتور راتب :
 لأنه وقت ، هناك تناغم وانسجام بين موضوع القسم وبين المقسم له .
الأستاذ علاء :
 ثم الآية الكريمة تأتي باستثناء ، نقف عند الاستثناء لنتحدث من الذي يتفلت من الخسران ؟

على كل إنسان أن يعطي كل ذي حقٍّ حقه :

الدكتور راتب :
 أستاذ علاء كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من منامه له دعاء رائع ودقيق :

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي ، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

 يعني سمح لي أن أعيش يوماً جديداً ، وفي مقدمة كلامك جزاك الله خيراً قلت الوقت يقيم العمل ، فقد يأتي العمل خارج الوقت ، من بعض الآثار الرائعة : إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار . ولله عمل في النهار لا يقبله في الليل ، وأنا أكاد أقول هناك عبادة الوقت ، يعني وقت الفجر وقت عبادة ، وقت صلاة ، وقت ذكر ، لا وقت إجراء حسابات وقت النهار وقت عمل ، رأى عمر رضي الله عنه رجلاً يتعبد الله في وقت العمل ويقرأ القرآن ، فقال إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به أفاتخذت قراءته عملاً ؟
 إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، ولله عمل في النهار لا يقبله في الليل ، وهذا عامل سيدنا عمر على أذربيجان وصل المدينة في الليل فكّر أن يطرق باب أمير المؤمنين ، فتوجه إلى المسجد فسمع رجلاً يبكي ويصلي ويقول ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها ، سأله من أنت يرحمك الله بعد أن انتهى من صلاته ؟ قال أنا عمر ، قال يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ، أستاذ علاء هذه الرواية أحجمت عن ذكرها عشر سنوات لأنه قال : أنا إن نمت ليلي أضعت نفسي أمام ربي وإن نمت نهاري أضعت رعيتي .
 أحجمت عن ذكرها لأن القصة غير واقعية معقول إنسان ما ينام الليل إلى أن عثرت على رواية لها إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي وإن نمت نهاري أضعت نفسي أمام رعيتي .
 إذاً إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، ولله عمل في النهار لا يقبله في الليل وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرساناً في النهار رهباناً في الليل .
الأستاذ علاء :
 سيدي تفضلت أن هنالك عبادة الوقت أي العبادة المرهونة بوقت ، من هنا نستطيع أن نفهم الآية الكريمة :

 

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا(103)﴾

( سورة النساء)

عبادة الوقت :

الدكتور راتب :
 زمن تؤدى به هذه العبادة ومعظم العبادات تؤدى في زمن مخصوص ، الصيام ، الحج ، الصلاة ، قال تعالى :

﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)﴾

( سورة الإسراء)

 أستاذ علاء الآية :

﴿ وَالْعَصْرِ (1)إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

( سورة العصر )

 إله الكون ، خالق السماوات والأرض يقسم ، من هذا الإنسان الذي يقسم له ؟ يقسم له أنه خاسر لأن الحياة منقطعة بالموت .

 

الإنسان خاسر لا محالة لأن مضي الزمن يستهلكه :

 أستاذ علاء الموت ينهي كل شيء ينهي قوة القوي ، وغنى الغني ، وذكاء الذكي ، وفقر الفقير ، ينهي وسامة الوسيم ، ودمامة الدميم ، ينهي صحة الصحيح ، ومرض المريض ، ينهي كل شيء ، فالحياة الدنيا منقطعة بالموت ، لذلك هي أحقر من أن تكون مكافأة لإنسان وأحقر من أن تكون عقاباً لإنسان ، الذي يأتيه ملك الموت ويكتشف بعد فوات الأوان أنه ضّيع الآخرة قال تعالى عنه :

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة الزمر الآية : 15 )

 الإنسان خاسر لا محالة لأن مضي الزمن يستهلكه .

 

العاقل من يعدّ عدّته للآخرة قبل مغادرة الدنيا :

 لكنه كما تفضلت رحمة الله كلها في كلمة إلا ، أنا بإمكاني أن أتلافى الخسارة ، والحقيقة تلافي الخسارة في طريقة لا بد منها أن ننفق الوقت إنفاقاً استثمارياً ، بينما معظم الناس ينفقون الوقت إنفاقاً استهلاكياً ، يأكل ويشرب ويستمتع بالحياة ثم يفاجأ أن ألماً في صدره يذهب إلى المستشفى هي القاضية ما أعدّ لما بعد الموت عدّته ، إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، و أحزمكم أشدكم استعداداً له ، ألا و إن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، و الإنابة إلى دار الخلود ، و التزود لسكنى القبور ، و التأهب ليوم النشور .
 والله أستاذ علاء شيعت مرة جنازة فلما وضع من في النعش في القبر والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إنساناً أذكى ولا أعقل ممن يعدّ لهذه الساعة التي لا بد منها ، هذه البطولة ، أنا حينما أعيش الماضي فهذا نوع من الغباء وحينما أعيش الحاضر غباء أقل ، أما الذكاء والعقل أن أعيش المستقبل ، وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا ، من كل شيء فيما يبدو إلى لا شيء إلى قبر ، من بيت فخم قد يزيد ثمنه عن مئة مليون إلى قبر ، هذه قضية دقيقة جداً ، قضية مصيرية .

الخاسر من أنفق وقته إنفاقاً استهلاكياً :

 لذلك أنا كيف أنفق الوقت إنفاقاً استثمارياً ؟ وكيف أنفقه إنفاقاً استهلاكياً ؟ أنا خاسر لا محالة إذا أنفقت الوقت إنفاقاً استهلاكياً يعني آكل ما أشتهي وألتقي مع من أشتهي وأتكلم ما أشتهي بلا قيد بلا مبدأ بلا قيمة بلا توخي الحذر أفعل ، أعيش هكذا بلا ضوابط بلا مبادئ بلا قيم ثم أفاجأ بانتهاء الحياة وعندئذ يقول الإنسان يوم القيامة :

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيم ﴾

( سورة الحاقة )

العاقل من عرف سر وجوده و غاية وجوده في الدنيا :

 إذاً الوقت ينفق استهلاكاً وينفق استثماراً ، ينفق استثماراً إذا بحثت عن الحقيقة لماذا أنا موجود ؟ الإنسان ركب الله فيه قوة إدراكية ، ركب فيه قوة إدراكية ، الجماد شيء يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعاد ثلاثة ، أما النبات فشيء أيضاً يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعاد ثلاثة ، وله وزن ، لكنه ينمو ، بينما الحيوان شيء يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعاد ثلاثة ، وله وزن ، وينمو كالنبات ويتحرك ، أما الإنسان فشيء يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعاد ثلاثة ، وله وزن ، وينمو ، ويتحرك ، ويفكر ، أودع الله فيه قوة إدراكية ، ما لم تبحث عن الحقيقة ، ما لم تبحث عن سر وجودك ، ما لم تبحث عن غاية وجودك ، ما لم تبحث عن جدوى وجودك ، لماذا أنا في الدنيا ؟ ما سر وجودي في الدنيا ؟ هل هناك مهمة مكلف بها ؟ هل هناك رسالة ينبغي أن أحملها ؟ لماذا أنا في الدنيا ؟ هذا سؤال مصيري .

الله تعالى أودع في الإنسان قوة إدراكية لطلب العلم و الفوز بالجنة :

 لذلك :

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾

( سورة الكهف )

الأستاذ علاء :
 هل نفهم هذه الآية حينما قال تعالى في الحياة الدنيا ، يعني في وقت وزمن الحياة الدنيا .
الدكتور راتب :
 نعم .

 

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾

( سورة الكهف )

 طالب تماماً هو في المدرسة يدرس لينال دكتوراه ، ليعيش حياة ناعمة ، له مكانة اجتماعية ، له بيت ، له زوجة ، له أولاد ، فأمضى سنين الدراسة باللعب وبأعمال لا تقدم ولا تؤخر فجاءه الندم الشديد إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ، في أول آية في أول سورة نزلت :

 

﴿اقْرَأْ (1)﴾

( سورة العلق )

 لأن الله أودع في الإنسان قوة إدراكية لا بد من أن يطلب العلم والعلم مرتبط بالإيمان :

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾

( سورة العلق )

ما كل ذكي بعاقل :

 أستاذ علاء في لقطة رائعة جداً سيدنا خالد تأخر إسلامه كثيراً ففي تعليق للنبي مذهل ، قال له يا خالد عجبت لك من تأخرك أرى لك فكراً . لذلك قالوا : " أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً " .
 ما كل ذكي بعاقل ، قد يحمل إنسان أعلى شهادة في الطب بورد وقد يحمل أعلى شهادة في الفيزياء النووية ، وقد يخترع سلاحاً جرثومياً أو سلاحاً فسفورياً أو سلاحاً كيماوياً لأنه ما عرف سر وجوده وغاية وجوده هو ليس عاقلاً ، ذكي وليس بعاقل ، العقل شمولي والذكاء جزئي ، هو ذكي في اختصاصه فقط أما في شؤون حياته الكبرى في سر وجوده في غاية وجوده الخط البياني تحت الصفر ، لذلك لما النبي صلى الله عليه وسلم مرّ في الطريق مع أصحابه برجل مجنون فسأل سؤال العارف : من هذا ؟ قالوا : هذا مجنون ، قال : لا هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله .
الأستاذ علاء :
 سيدي من هنا نأتي إلى قصة استغلال الوقت وملئه بالعمل الصالح هنا السبق على العمل الصالح قال تعالى :

﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10)﴾

( سورة الواقعة)

من عرف ربه أحسن إدارة وقته :

الدكتور راتب :
 أستاذ علاء هل تصدق أن الإله العظيم الذي خلق الأكوان ، وخلق الإنسان ، يقسم بعمر النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى :

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

( سورة الحجر )

 إله عظيم يقسم بعمر إنسان لأنه ما ضيّع ثانية من حياته ، أنا أقول إدارة الوقت أعلى درجة من الذكاء ، أعلى درجة من العقل لأنني وقت ، الناجحون في الحياة يحسنون إدارة وقتهم لكنهم إذا ما عرفوا ربهم جاء الموت وأنهى كل شيء ، أما المؤمن إذا عرف ربه الآن في ضوء معرفته لربه يحسن إدارة وقته .
الأستاذ علاء :
 ويكون وقته حاضنة لعمله ، وبالتالي يكون العمل هو الجسر الذي يعبر من خلاله للدار الآخرة وإلى الحياة الرغدة ، الحياة السعيدة وخاصة إذا كان فيها قرب من الله عز وجل.

 

النبي الكريم هو المخلوق الأول الذي أحسن إدارة وقته :

الدكتور راتب :
 لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المخلوق الأول الذي أحسن إدارة وقته لذلك :

(( اغتنم خمسا قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك ))

[ أخرجه الحاكم ، والبيهقي ، عن ابن عباس أحمد ، عن عمرو بن ميمون ]

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ (133)﴾

( سورة آل عمران)

 وقت :

 

﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10)﴾

( سورة الواقعة)

 وقت .

 

طلب العلم أول ركن من أركان النجاة :

 لذلك أول شيء من أركان النجاة طلب العلم ، العلم الذي يوصلك إلى الإيمان ، لذلك :

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾

( سورة العلق )

 هذه قراءة البحث والإيمان :

 

﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)﴾

( سورة العلق )

 قراءة الشكر والعرفان :

 

﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾

( سورة العلق )

 قراءة الوحي والإذعان ، لكن نعوذ بالله من القراءة الرابعة قراءة العدوان والطغيان .

 

من استخدم عقله في إبادة البشرية أصبح وبالاً عليه و على الناس :

 قد يستخدم العلم لإبادة البشر ، قد يستخدم العلم لإيقاع أعلى درجة من الأذى للبشر القنبلة العنقودية ، والقنبلة البيولوجية ، والفسفورية ، يا لطيف هذه العقول الجبارة بدل أن تكون في خدمة البشرية أصبحت وبالاً على البشرية .
الأستاذ علاء :
 الهيدروجينية قال إمكانية إبادتها يفوق النووية بعشرات المرات ، لذلك سيدي العلماء الذين ترعرعوا في حاضنة ورحم الحضارة الإسلامية ما أتى واحد منهم بعلم أو اختراع كان في غير مصلحة الإنسان ، وفي غير مصلحة الكون ، لأنه تربى على الفهم الشمولي والعلاقة بين الخالق والإنسان والكون .
الدكتور راتب :
 جائزة نوبل في الحقيقة نوبل اخترع البارود وعرف كم أدى للبشرية من آلام ، فرهن كل ثروته من أجل عمل إنساني ، عرف أنه ارتكب خطأ كبيراً ، هذا الذي يجلس وراء المخبر ليفعل شيئاً يبيد البشر أين هو من الله عز وجل ؟ أنا أسأل الله عز وجل أن يستخدمنا في الخير .

الإيمان بالله هو أولى درجات النجاة :

 أنا أكاد أقول : ما بعد إلا يمكن أن يُعنون بعنوان واحد هو أركان النجاة من الخسران لأن الخسران محقق ما لم نؤمن ونعمل وفق ما نؤمن وندعو إلى ما نؤمن ونصبر على الإيمان .
 أولاً الإيمان هو أولى درجات النجاة ، إن الإيمان هو اتصال هذا الكائن الإنساني الصغير الضعيف الفاني المحدود بالأصل المطلق الأزلي الباقي ، الذي صدر عنه هذا الوجود وعندئذ ينطلق هذا الإنسان من حدود ذاته الصغيرة إلى رحابة الكون الكبير ، من حدود قوته الهزيلة إلى عظمة الطاقات الكونية المخبوءة ، من حدود عمره القصير إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله ، هذا الاتصال فضلاً على أنه يمنح الإنسان القوة والامتداد والانطلاق إنه يمنحه السعادة الحقيقة التي يلهث وراءها الإنسان ، وهي سعادة رفيعة وفرح نفيس وأنس بالحياة كأنس الحبيب بحبيبه ، وهو كسب لا يعدله كسب وفقدانه خسران لا يعدله خسران ، وعبادة إله واحد ترفع الإنسان عن العبودية لسواه ، فلا يذل لأحد ولا يحنو رأسه لغير الله فليس هناك إلا قوة واحدة ومعبوداً واحداً وعندئذ تنتفي من حياة الإنسان المصلحة والهوى ليحل محلها الشريعة والعدل .
 الإنسان حينما يبحث عن الحقيقة اتصل بخالق الأكوان ، اتصل بالمطلق ، اتصل بالذي يهب الحياة والسعادة والأمن والرضا للإنسان .
الأستاذ علاء :
 سيدي الإمام الشافعي يقول : عاشرت السادة الصوفية عشرين عاماً فاستفدت منهم خصلتين اثنتين الأولى الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ، ونفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر .

الوقت وعاء العمل :

الدكتور راتب :
 هذا فهم عميق لأن الخير يحتاج إلى وقت ، الوقت وعاء العمل ، الإنسان بلا وقت لا يعمل ، فالعمل لا بد له من وقت ، فالوقت وعاء العمل ، والنفس دائماً تريد أن تفعل شيئاً يريحها ودائماً قال تعالى :

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

( سورة النازعات)

خاتمة وتوديع :

الأستاذ علاء :
 هذا الموضوع إن شاء الله سوف نكمله في الحلقة القادمة ، لا يسعني في نهاية هذه الحلقة إلا أن أشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة على كل ما قدم وشرح وإن شاء الله نتمم موضوعنا في حلقات قادمة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018