الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 66 - الشرع ـ المرور ـ الحوادث المرورية وعلاجها في ضوء الإسلام - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 66 - الشرع ـ المرور ـ الحوادث المرورية وعلاجها في ضوء الإسلام


2007-06-04

الأستاذ علاء :

تقديم وترحيب :

 أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، ويسعدنا أن نكون بمعية فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة ، أهلاً وسهلاً سيدي الأستاذ .
الدكتور راتب :

 أهلاً بكم أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ علاء :

 سيدي الكريم ، بدأنا منذ عدة حلقات بعض الحلقات النوعية التي ترتشف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن هديه سلوكاً ومنهجاً ، ورصدتَ أمامنا الكثير من أخلاقه الكريمة ، ومن عاداته الفضلى ، ومن تعاليمه التي حض عليها ، التي تبين بعد ألف وخمسمئة عام أن فيها الصلاح والرشد ، وأن العلم أكّد كل هذه التعاليم ، وقد أخذها الصحابة الكرام تسليماً عن النبي صلى الله عليه وسلم دون النظر في علم ، علم الأعشاب ، ولا علم الصيدلة ، ولا علم الطب ، ولا علم الجغرافيا ، إنما جاءت العلوم لتثبت صحة هذه التعاليم .
 ونحن نحتفي بذكرى المولد ، وبالتالي من خلال هذه الحلقات التي نحتفي مع العالم الإسلامي بذكرى المولد بها من خلال تبيان سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتعاليمه مؤسسة على القرآن الكريم والشريعة المطهرة ، نتبين ومن خلال عنواننا الكبير الإيمان هو الخلق أن الإيمان هو الحياة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى الحياة القويمة السليمة التي لا عوج فيها ، والتي لا تعدي فيها على النفس ، ولا على المجتمع ، ولا على البيئة ، ولا على الكون ، إنما في حالة من الاتساق والتوازن لا تعرف الفتور ، مِن هنا ومن خلال الاحتفال بالمولد النبوي الشريف حبذا لو نقف عندما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من قضايا أسست للتعامل بين الناس في الحقوق ، وخاصة في السابلة في الطريق ، ونحن على أبواب الرابع من أيار ، وهو يوم المرور العالمي ، اتخذته الأمم المتحدة ، ثم مجلس وزراء الداخلية العرب ، اتخذ أسبوعاً للمرور العربي لأهمية هذه المسألة ، ولما يفترسه قطاع المرور من الآدميين على الشوارع والطرقات ، حبذا أن نقف عند هذه المسألة التي لا يخطر ببال الكثير منا أن الشرع له علاقة بها ، وأن الشرع يقيد هذه المسألة ، وينظِّمها ، ماذا نقول سيدي ؟
الدكتور راتب :

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ علاء ، جزك الله خيراً على هذه اللفتة اللطيفة .

1 – من العبادات التعاملية عدمُ إيقاع الأذى بالناس :

 العبادات الشعائرية التي يتوهمها الناس أنها وحدها الدين ، لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية ، ويقع على رأس العبادات التعاملية ألاّ نوقع الأذى بالآخرين ، وقد لا نصدق أن أكبر خسائر في العالم كله في المرور ، بلا ثمن ، ولخطأٍ ناتج عن ضعف في القيادة ، أو خطأٍ في الشاخصات ، أو خطأٍ في الطرقات ، الذين يموتون كل عام رقم فلكي .
 ولكن أريد قبل أن نعالج هذا الموضوع أن أقف وقفة قصيرة ومتأنية عند حقيقة نحتاجها الآن .

2 – وجوبُ تنميةِ المفهومات الأخلاق الإسلامية :

 المسلمون ، ونحن منهم إن شاء الله بحاجة ماسة إلى تنمية المفهومات الأخلاقية التي جاء بها الإسلام ، نحن في عصر لا بد من أن نفهم الأخلاق فهماً حضارياً .
 مثلاً : الإسراع إلى العمل ، إتقان العمل ، تطوير العمل ، المحافظة على الوقت ، حسن إدارة الوقت ، العمل المؤسساتي ، ترسيخ مفهوم فريق العمل ، إتقان المواعيد ، حسن التصرف في الإمكانات المتاحة ، ترشيد الاستهلاك ، التعاون ، الانتماء للمجموع ، قضايا المرور .
 أنا أرى أن هذه القضايا من صلب الدين بل أرى أن المؤمن الحق الصادق المتفهم لطبيعة الحياة المعاصرة يجب أن تجتاحه موجة إيمانية ، وهو يتقن عمله ، وهو يفي بوعده ، وهو يعمل كفريق عمل ، وهو يحفظ وقته ، وهو يدير وقته ، وهو ينضم إلى مؤسسة يعمل فيها كفرد متعاون ، هذه قيم حضارية لها أصول واضحة وصارخة في الدين ، لكن تحتاج إلى بعض التطوير ، نحن في أمسِّ الحاجة إلى قيم لها أصول في ديننا وفي قرآننا وفي سنة نبينا .
 عندما نعالج موضوعًا كالمرور أنا أراه هذا من صلب هذه الحلقة ، الإيمان هو الخلق والقيادة أخلاق ، بل حينما أقود قيادة رشيدة فأنا أجنب الآخرين الضرر ، وإزهاق الأرواح بلا ثمن ، أنا أحقق أحد أكبر مقاصد الشريعة ، فلذلك ما لم نستوعب الثقافة المعاصرة ، ما لم نفهم ، ما لم نسقط منهجنا الرباني وتفصيلاته النبوية على قضايانا المعاصرة فلن يكون الإسلام دين الحياة ، والإسلام في الحقيقة هو دين الحياة ، وأنا أؤكد أن النبي الكريم رأى شاباً يتعبد الله في وقت العمل فسأله : << مَن يطعمك ؟ ، قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك >> .
 إذاً : نحن بحاجة ماسة إلى أن نطور مفهومات التنمية الأخلاقية تطويراً يتلاءم مع طبيعة العصر ، أو يتلاءم مع طبيعة المعركة الحاسمة الفاصلة بيننا وبين الطرف الآخر .
الأستاذ علاء :

 سيدي ، هل نعتقد أو نجزم بأن الطرف الآخر قد سبقنا إلى المفهومات التي قدمت ، الإسراع على العمل ، إتقان العمال حسن إدارته ، العمل المؤسساتي تطوير العمل ، التعامل بنوع من النظام ، وبنوع من التخطيط ، هذه القضايا التي سبقنا بها .
الدكتور راتب :

3 – لن يُحتَرم الإسلامُ إذا كنا متخلِّفين أخلاقيا وحضاريًّا :

 سبقنا مئات السنين ، وما لم نطور مفهوماتنا تطويراً يتناسب مع طبيعة العصر لم يحترم ديننا .
 أقول هذه الكلمة ، وأكررها كثيراً : " إنّ الطرف الآخر لن يحترم ديننا إلا إذا طورنا حياتنا تطويراً وفق الضوابط الشرعية ، وفق منهج ربنا جل جلاله ، ووفق منهج رسولنا صلى الله عليه وسلم " .
 هذا الدين دين الحياة ، ولن يكون دين الحياة إلا إذا حل مشكلات الحياة .

فهم الإسلام للمسألة المرورية :

1 – عمر بن الخطاب ونظرتُه إلى المسألة المرورية :

 أستاذ علاء ، أنا معجب جداً بأن سيدنا عمر عملاق الإسلام له فهمٌ مُروريٌّ رائع ، وهو أقدم فهم ووعيٍ مُروريٌّ ، يقول سيدنا عمر : << والله لو تعثرت بغلة في العراق ـ هو في المدينة ـ لحاسبني الله عنها ، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ >> ، إذاً من أولى مسؤوليات الحاكم أن ييسر الطرق .
 الطرق أستاذ علاء شرايين بالضبط ، كيف أن الجسم قوام حياته هذه الشرايين التي تجري فيها الدماء ، فإذا خالفنا قواعد السير حدث في هذه الشرايين الأمراض المميتة ، وقد تضيق الطرقُ كما تضيق الشرايين ، وقد تقع الحوادث كما تقع الجلطات ، فالشرايين في الإنسان يقابلها في حياتنا هذه الطرق ، يقول سيدنا عمر : << والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها ، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ >> .
الأستاذ علاء :

 هنا فهمٌ ، هو تجاوز طرق المُعَدة للإنسان ، إذاً : الطرق المُعَدة للإنسان والتعامل معها هذا تحصيل حاصل ، وصل إلى مسألة الطرق الخاصة بالدواب .
الدكتور راتب :

2 – التسبُّب في الحوادث المرورية ومسألة الاحتجاج بالقَدَر :

لأنها من مخلوقات الله .
 أستاذ علاء ، أنا متألم أشد الألم حينما يتوهم المسلم ضعيف العلم أن هذه من قدر الله ، لا أبداً ، لا يمكن أن نعتذر بقدر الله ، ونبقي على حوادث المرور ، القدر حينما آخذ بالأسباب كلياً ، ويأتي شيء خلاف إرادتي هذا قضاء وقدر .
 للتوضيح : الطالب حينما لا يدرس إطلاقاً ، ثم يرسب ، ويقول مدعياً : إن الله لم يقدِّر لي أن أنجح ، هذا كلام فيه كذب ، وفيه دجل ، وفيه تزوير ، أما حينما يدرس دراسة جيدة جداً ، ويأتيه مرض يحول بينه وبين أداء الامتحان نقول : هذا قضاء وقدر ,
 أنا أميل إلى أن أضيف إلى هذا المصطلح مصطلحا جديدا ، هو جزاء التقصير ، هذه الحوادث المرورية التي تزهق أرواح بريئة ، تيتم أطفالاً ، ترمل نساءً ، تفقد المُعيل ، تبقى الأسرة فقيرة تتكفف الناس من بعد موت مُعيلها ، هذا ليس شيئاً مكتوبا على الجبين ، كما يتوهم الناس ، هذا جزاء التقصير ، فلذلك لا يمكن أن يحتجَّ بالقضاء والقدر .
الأستاذ علاء :

 هذا هو القدر الجزائي .
الدكتور راتب :

3 – التقصير في الأخذ بالأسباب لا يعفي من المسؤولية ، ولا يُسقِط العقوبة :

 نعَم هو الجزاء المبني على تقصير .
 شيء آخر ، الحقيقة لما سيدنا عمر جاءوا إليه بشارب خمر قال : << أقيموا عليه الحد ، فقال الرجل : والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر علي ذلك ، قال : أقيموا عليه الحد مرتين ؛ مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، ثم قال : ويحك يا هذا ، إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >> .
 هناك تقصير في وضع الشاخصات أحياناً ، وتقصير في المنعطفات الخطرة أحياناً ، وتقصير في القيادة ، وتقصير في منح الإجازة ، وتقصير في الطرقات ، وتقصير في الإضاءة ، وتقصير في المركبة نفسها ، وتقصير في السائق إذْ لا يحسن القيادة ، وهناك أسباب كثيرة .
 أستاذ علاء ، ثمة نقطة دقيقة جداً حينما قال الله عز وجل :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ (11)﴾

( سورة النور)

 قضاء وقدر :

 

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

( سورة النور)

 الاحتجاج بالقدر لا يلغي العقوبة ، ولا يلغي المسؤولية ، لا يلغي الجزاء ، ولا يمكن أن يتقدم المسلمون إلا إذا فهموا القضاء والقدر فهماً دقيقاً عميقاً صحيحاً لا يعفينا من المسؤولية ، فقد نقع في حادث وبعدها نقول : قضاء وقدر ، ولكن كان من الممكن أن نحاسب حساباً عسيراً على وقوع هذا الحادث .
الأستاذ علاء :

 من هنا نفهم سيدي عندما جربت جمال أحد الأعراب ، وجاء إلى سيدنا عمر ، وقال له : يا أخ العرب ، ما تفعل بهذا الجمل الأجرب ؟ قال : أدعو الله أن أشفيه ، قال : لا جعلت مع الدعاء قطراناً ؟
الدكتور راتب :

4 – من تمام الأخذ بالأسباب مراجعة المركبة واتخاذ أسباب السلامة :

 حينما آخذ بالأسباب ، مثلاً : أنا كمقتني مركبة عندي سفر إلى حلب ، أراجع المركبة ، أراجع العجلات ، أراجع ضغط الهواء ، أراجع الزيت ، أراجع ميزان المركبة ، أراجع كل شيء ، وبعدئذ أتوجه إلى الله بأعماقي قائلاً : يا رب ، أنت الحافظ ، أنت المسلّم ، أنت الموفّق ، أنت الميسِّر ، يجب أن أجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله ، بل إن هناك مقولة رائعة : خذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء .
 هذا الكلام ينطبق على أصحاب المركبات ، راجع المركبة ، وينطبق على إنسان لا ينام الليل إطلاقاً فيأتيه النعاس في أثناء القيادة فيسبب دمارا كبيرا ، هذا ينطبق على مركبة غير مراجعة ، وعلى طريق ما فيه شاخصات ، ينطبق على تقاطع طرق خطر ما فيه لوحة ، فأنا أرى أن هناك أسبابا ، واللهُ عز وجل بنى الحياة على الأسباب والمسببات ، لذلك :

﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84)﴾

(سورة الكهف)

 إذاً : الأصل أنني آخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، ثم أتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء .
الأستاذ علاء :
 سيدي ، يقال : المعادلة المرورية تتألف من الطريق والمركبة والإنسان ، ويقولون عن الطريق : إن الحالة الجوية لها حيز كبير في مسألة القيادة ، والأحوال التي تنتاب هذا الطريق ، بالإضافة إلى ذلك التعليم ، هناك بند أضيف في دول العالم ؟ الطريق ، المركبة ، الأحوال الجوية ، والإنسان ، فتقع المسؤولية في النهاية على الإنسان ، وعلى من يقود هذا الإنسان .
الدكتور راتب :

 

حجمُ حوادث المرور كبير وخطير :

 على الإنسان وعلى من يقود هذا الإنسان ، أنا أحمل الجهات الحكومية مسؤولية أيضاً ، لذلك أستاذ علاء سوف يفاجأ الإخوة المشاهدون أن حجم المشكلة كبير جداً ، حوادث الطرق ثاني أهم أسباب وفيات الأحداث والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الخمسة أعوام والتسعة وعشرين عاما في العالم كله ، وثالث سبب لوفيات أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والأربعة وأربعين ، وثاني سبب من خمسة إلى تسعة وعشرين ، وهل نصدق أن هناك مليونًا ونصف مليون شخص في العالم يموتون بحوادث مرور سنوياً ؟ هل نصدق أن هناك خمسين مليون إنسان مصاب أصبح عالة ، كسيحًا على عجلات مشلولا مقطوع العمود الفقري ، وهي عاهة دائمة ، تصور حجم المشكلة ، إنه كبير جداً .
الأستاذ علاء :

 كان يعيل خمسة أفراد ، الآن أصبح بحاجة لمن يعيله هو .
الدكتور راتب :

 وإذا مات صار المرأة أرملة ، وأصيبوا بعجز مادي ، لذلك حجم المشكلة كبير جداً ، مليون ونصف إنسان يموتون كل عام ، هذه إحصاءات دقيقة جداً مأخوذة من منظمة الصحة العالمية ، ومعظم الإصابات خطيرة ، وقد تؤدي إلى عجز دائم .
 الآن هناك توقع مخيف ، أقلّ بكثير من أي شيء آخر ، شيء آخر بحسب تنامي هذه الحوادث ، والمتوقع في المستقبل أن ترتفع هذه الحوادث ثمانين بالمئة ، فما لم تنهض الدول مجتمعة لحل هذه المشكلة فإن حجم المشكلة يكون كبيرًا .
الأستاذ علاء :
 ما لم تتنبه الدول والمؤسسات إلى خطورة هذه المشكلة سوف تزداد إلى ثمانين بالمئة .
الدكتور راتب :

الخسائر المادية من حوادث المرور كبيرة جدا :

 أستاذ علاء ، قد لا نصدق أن حجم الخسائر المادية خمسمئة وثمانية عشر مليارًا في العالم سنوياً ، تحل بها معظم مشكلات البشر ، يقولون لك : أكبر كارثة بثلاثين مليارا ، خمسمئة وثمانية عشر مليارا حجم حوادث الطرق من حيث الخسائر المادية بين سيارات وطرقات ومواد ، والتأمين والتعويض ، والتأمين الصحي فيما بعد .
 وقفنا إذاً عند حجم الخسارة في العالم كله وعلى مدى عام ، لو انتقلنا إلى العالم العربي فمعي إحصاء عن عام ألفين فقط ، نصف مليون حادث ، واثنان وستون ألف قتيل في العالم العربي فقط ، هؤلاء ثروة الأمة .
الأستاذ علاء :

 وهل يترتب عليه من الخسائر المادية ما يستنفذ من خطط التنمية الشيء الكثير ؟ واثنان وستون ألف قتيل في العالم العربي ، لو جئنا إلى بلدنا الطيب الحبيب .
الدكتور راتب :

 كل أربع ساعات قتيل على مدى العام ، على مدى ثلاثمئة وخمسة وستين يوما ، وكل يوم أربع وعشرون ساعة ، في كل أربع ساعات قتيل على مدار العام ، وستة وثلاثون جريحا يومياً .
الأستاذ علاء :

 على الطرقات العامة .
الدكتور راتب :

 الشيء المؤلم ، أنا دائماً أنطلق من مقولة أرددها كثيراً ، الحقيقة المُرة هي أفضل ألف مَرة من الوهم المريح ، نسب الحوادث تضاعفت من عام 2001 حتى 2006 إلى الضعف ، بالمئة مئة .
الأستاذ علاء :
 المفترض أن يكون مع التأهيل والتقانة الوعي مع ما يبسط في وسائل الإعلام ، وسائل الإعلام في بلدنا لا تقصر في التوعية الضرورية .
الدكتور راتب :

 الآن لو سألنا الجهات الاختصاصية : كيف نخفف من هذه الحوادث ؟ بحسب تقرير مطول وعلمي لمنظمة الصحة العالمية فإن أحزمة المقاعد إذا استخدمت بالطريقة الصحيحة تقلل الموت بالحوادث بنسبة 61% .
الأستاذ علاء :

 هذا الحزام الذي نتأفف منه .
الدكتور راتب :

5 – لابد من احترام قواعد السلامة المرورية :

 استخدام مقاعد السلامة للأطفال يخفف نسب موت الأطفال 35% .
 ارتداء خوذة الرأس عند قيادة الدراجات الهوائية والنارية يقلِّل الموت وإصابات الدماغ 45% .
 تقليل السرعة بمقدار كيلو متر واحد يقلل عدد الحوادث 2% ، كل كيلو متر تهبط النسبة 2% .
الأستاذ علاء :

 هذه حقائق يجب أن يعيها كل منا ، وأن تبسط أمام الجميع ، الآن سيدي الكريم هذه القضايا عندما نلتزم بها هل نؤدي طاعة وتقوى لله ؟
الدكتور راتب :

التقيُّد بالسلامة المرورية من الدين :

 أقول كما قلت قبل قليل : هي من صلب الدين ، لكن هناك حقيقة مؤلمة جداً ؛ أن هذه الحوادث في أعلى درجة من معدلاتها في إفريقيا والشرق الوسط ، وهذه حقيقة مُرة ثانية ، وأن هذه الحوادث تصيب ما دون الخامسة والعشرين ، شباب الأمة ، فلذات الأكباد ، من يعلق عليهم الآمال ، من ننتظر منهم دوراً قيادياً ، يموتون بلا ثمن ، يموت الإنسان بساحة الحرب شهيدا مجاهدا ، ويموت إنسان ضمن عمل خطير ، نقول : ضحية هذا العمل ، أما أن يموت بحادث سير فهذا مشكل كبير .
 هناك مثل عربي قديم :" لو أن ذات سوار لطمتني " ، يبدو أن إنسانا تلقى لطمة من جارية ، فكان ألمه مضاعفا ، قال : " لو أن ذات سوار لطمتني " .
 أنا أعرف شابا في الخليج هو صديق ابني ، اشترى سيارة ، وفي أول رحلة عمل وقع له حادث فقطع عموده الفقري ، عمره ست وعشرون سنة ، الآن سيمضي كل حياته في الفراش ، كان من الممكن أن يكون زوجا ، مهندسا ، طبيبا ، مدرسا ، يكون له دور كبير في الأمة .

نحن نحتاج من يعيش في سبيل الله :

 أنا أقول كلمة أستاذ علاء : نصبر جميعاً أمام من يموت في سبيل الله ، لكنني والله أؤكد للإخوة المشاهدين أن الأمة اليوم بأمسّ الحاجة إلى من يعيش في سبيل الله ، إنسان يقدم للأمة شيئًا ، يقدم خبرات ، يحمل همَّ الأمة ، كلما فقدنا شابا فقدنا عنصرا فعالا ، والنبي الكريم يقول :

(( ريح الجنة في الشباب ))

[ ورد في الأثر ]

 الشيء المؤلم أن ضحايا حوادث المرور كلها دون الخامسة والعشرين سنة من الشباب ، من عصب الأمة .
الأستاذ علاء :
 من الجسور التي تحمل الأمة عليها كل آمالها .
الدكتور راتب :

 

 أستاذ علاء ، ما رأيت موضوعاً ألصق بهذه الحلقة من هذا الموضوع ، الإيمان هو الخلق ، وحينما لا أسبب المآسي للمجتمع أكون قد حققت جانباً كبيراً من مقاصد الشريعة .
الأستاذ علاء :

 النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن السرعة بالمقارنة في ذلك العصر ؟
الدكتور راتب :

السرعة المفرطة منافية للعدالة والخُلق الحسن :

 الموضوع دقيق جداً وعميق ، أنا أرجو أن نتابعه في حلقة قادمة ، عند الفقهاء حالة اسمها سقوط العدالة ، العدالة كالحقوق المدنية تماماً ، الإنسان المؤمن المسلم يتمتع بصفتين العدالة والضبط ، العدالة صفة نفسية ، والضبط صفة عقلية ، فمَن أكل في الطريق جرحت عدالته :

(( مَن عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته ))

[ سلسلة الأحاديث الضعيفة ]

 ومن عامل الناس فظلمهم ، وحدثهم فكذب عليهم ، ووعدهم فأخلفهم ، فقد سقطت عدالته ، كإبريق بلور ضرب بالمطرقة فأصبح حطاماً ، وهناك حالة أخفُّ اسمها جرح العدالة ، كإبريق انشعر ، فالأكل في الطريق يجرح العدالة ، والمشي حافياً يجرح العدالة ، والبول في الطريق يجرح العدالة ، وتطفيف بتمرة يجرح العدالة ، وأكل لقمة من حرام يجرح العدالة ، ومن جرح العدالة مَن أطلق لفرسه العنان ، والسرعة الزائدة تجرح عدالته .
الأستاذ علاء :

 

خاتمة وتوديع :

 لا يسعني في نهاية هذه الحلقة إلا أن أشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة على كل ما قدم ، وشرح ، وإلى اللقاء إن شاء الله في حلقة قادمة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018