الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 63 - الشرع ـ قيمة الوقت في الإسلام ، الوقت هو الإنسان ـ الحياة الاجتماعية للحيوانات 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 63 - الشرع ـ قيمة الوقت في الإسلام ، الوقت هو الإنسان ـ الحياة الاجتماعية للحيوانات 2


2007-03-19

الأستاذ علاء :

تقديم وترحيب :

 الإيمان هو الخلق ، يسعدنا أن نكون بمعية فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، أهلاً وسهلاً سيدي الأستاذ .

مقدمة تذكيرية :

 سيدي ، بدأنا بالمقوم الأخير لمقومات تكليف الإنسان التي بسطها الله أمام هذا الإنسان العظيم ، الذي وجد على رأس ، وعلى قمة المخلوقات ، لأنه أعطاه العقل والتفكير والإدراك ، وأعطاه ما يختار ، أنْ يقدم أو يحجم ، وتحدثنا عن الكون والعقل والفطرة والشهوة والاختيار ثم الشرع ، وتوقفنا في الحلقة الماضية عند الوقت ، وتبينا بأن الوقت هو الإنسان ، أو رأس مال الإنسان ، فإن ذهب هذا الوقت ذهب الإنسان ، ذهب دون أن يستغله في العمل الصالح ، فقد خسر وقد ضاع ، وأرشدنا إلى ذلك أن الله عز وجل أقسم بالعصر ، وهنالك ربط بين القسم والمقسَم له ، لأن الله قد أقسم به ، وبيَّن المقسوم له ، وهو الإنسان :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

( سورة العصر )

 ثم الله عز وجل جاء بأداة الاستثناء ليدلَّنا على كيفية تلافي الخسران ، وتبيّنا هذا في الحلقة الماضية ، وأنهيناها عند قول الإمام الشافعي : " ونفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر " ، وقبلها يقول : " الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك " ، وتحدثت أن الخسران عندما نستهلك الوقت استهلاكاً هدراً ، ولا نستثمره استثماراً ، وأنه عندما نفتح قناة المياه لتجرف التربة ، وكي تهدر دنمًا فهذا لا طائل له ، وكمن يسقي بالتنقيط ، الذي يستفيد من كل قطرة ونقطة ماء .
الدكتور راتب :
 هذا رائع جداً .
الأستاذ علاء :
 نكمل ، كيف يرمم الإنسان هذا الخسران ؟
الدكتور راتب :

 

لله عمل في الليل لا يقبله في النهار ، وعمل في النهار لا يقبله في الليل :

 ذكرت سابقاً أن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، وأن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل ، وذكرت أن هذا الخليفة العظيم سيدنا عمر حينما جاء سفيرُ عاملِه على أذربيجان ، ووصل المدينة ليلاً ، وكره أن يطرق باب أمير المؤمنين ، ودخل إلى المسجد ، فسمع إنساناً يصلي ويبكي ويقول : يا رب ، هل قبِلتَ توبتي فأهنِّئ نفسي أم رددتها فأعزيها ؟ فقال هذا السفير : مَن أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا عمر ، قال : أمير المؤمنين !؟ يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ؟ فقال : << أنا إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي >> .

أركان النجاة :

 أكاد أقول : هناك مصطلح اسمه عبادة الوقت ، ثم بينا في لقاء سابق أن هذه الخسارة محققة ، لأن مضي الزمن يستهلك الإنسان ، فهو بضعة أيام ، هو زمن ، أو رأس ماله هو الزمن ، أو أثمن شيء يملكه هو الزمن ، لكن رحمة الله في ( إِلاَّ )، ما جاء بعده عَنْوَنَا له بأركان النجاة ، فلا بد من أن تبحث عن الحق أولاً ، ولا بد من أن تعمل وفق الحق ثانيًا ، ولا بد من أن تدعو إليه ثالثًا ، ولا بد من أن تصبر رابعًا على البحث عنها ، والعمل وفقها ، والدعوة إليها ، هذه أركان نجاة الإنسان ، أركان سعادته ، أركان سلامته ، أركان فوزه ، أركان تفوقه ، أركان فلاحه ، أركان الجنة .

البند الأول : الإيمان بالله :

 إذاً : نبحث عن الحقيقة ، لذلك ورد :

(( لا بورك لي بطلوع شمس يوم لم أزدد فيه علماً يقربني إلى الله . و لا بورك لي بطلوع شمس لم أزدد فيه من الله قرباً ))

[ ورد في الأثر ]

 ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان ، والمغبون من تساوى يوماه ، فكأنه شريط متحرك ، والإنسان إن لم يكن على هذا الشريط فكلُّ مَن على الشريط يسبقه ، تصور الزمن كحركة شريط ، في بعض المطارات الدولية في غير الدرج المتحرك شريط متحرك أفقي ، الإنسان يقف على هذا الشريط فهو يمشي ، أما الواقف خارج الشريط فيسبقه كل مَن على الشريط ، لذلك المغبون من تساوى يوماه ، ومن لم يكن في زيادة ، ومن لم يكن على الشريط فهو في خسارة محققة ، إذاً الوقت شيء دقيق جداً .
 النقطة الأولى : على الإنسان أن يؤمن بسر وجوده ، وغاية وجوده ، يؤمن بربه ، بربه الخالق المربي المسير الموجود الواحد الكامل ، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ، ويؤمن بهذا الكتاب الذي أنزله على نبيه ، ودليل أنه كتاب الله إعجازه ، وتحقق الوعد والوعيد ، وأن يؤمن من خلال هذا الكتاب بهذا الإنسان الذي جاء به ، وقد بين ما في هذا الكتاب بأحاديث كثيرة ، فالإيمان بالله خالقاً ومربياً ومسيراً ، والإيمان بكتابه وبرسوله يمكن لعقل الإنسان أن يصل إلى حقيقة قطعية في هذا ، فالإنسان في شأن دنياه يبذل الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، ويفكر ، ويدقق ، ويتأمل ، ويسأل ، ويستقصي أفلا ينبغي لحياة أبدية سرمدية أن نعدّ لها ؟
فلذلك البند الثاني من بنود النجاة أن أعمل وفق إيماني .
الأستاذ علاء :
 سيدي ، هل أستطيع ، وهو من عمل القلب والفؤاد والعقل ، والإيمان أن أتوقف عند هذا ، وألا يكون له مرتسم عملي على الأرض ؟
الدكتور راتب :

 

البند الثاني : العمل الصالح :

 لا قيمة لذلك أبداً .
 للتقريب : إنسان معه مرض جلدي ، علاجه الوحيد أن يتعرض لضوء الشمس ، لكنه جلس في غرفة قميئة مظلمة ، وقال : يا لها من شمس ساطعة ، إنها شمس تشفيني ، إنها شمس ما أعظمها من شمس ، لو حدّث الناس عشرات المرات وعشرات الأيام عن عظمة الشمس ، ولم يتعرض لأشعتها يبقى مريضاً ، لذلك الذي آمن ، ولم يتحرك فما قدم شيئاً ، لأنه أقر بحقيقة ثابتة بديهية ، ماذا ينفعه إيمانه .

هذا هو إيمان إبليس :

 ألم يقل إبليس :

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية : 82 )

 ألم يقل :

 

﴿ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 12 )

 هذا إيمان إبليسي لا يقدم ولا يؤخر ، لذلك :

وعالمٌ بـعلمه لـم يعملنْ  معذَّب من قبْل عباد الوثن
* * *

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

( سورة الصف )

الأستاذ علاء :
 لذلك سيدي :

 

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

( سورة العصر )

الدكتور راتب :

 

الإسلام حُسنُ المعاملة تجاهَ الخَلق :

 أستاذ علاء ، المؤمن كائن متحرك ، وليس هناك كائن سكوني ، ولا كائن سلبي ، ولا متقوقع ، ولا منسحب ، بل إن المؤمن إيجابي ، المؤمن فاعل ، وليس منفعلا ، المؤمن له دور ، يحمل همَّ الأمة ، يقدِّم شيئًا لأمته يبتغي به وجه الله ، يتقرب إلى الله بخدمة الناس .

(( الخلق كلهم عيال الله ، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ رواه أبو يعلى عن ابن مسعود]

 ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن حتى تعبر عن ذاتها بحركة نحو خدمة الخلق ، أنا لا أصدق إيمان سلبي ، إعجاب سلبي ، يا أخي الدين عظيم ، ما أعظم هذا الدين ، هو وحي السماء ، هو بشارة الأنبياء ، هذا كلام لا يقدم ولا يؤخر ، ماذا قدمت لله يوم القيامة ؟ هل نصحت مَن حولك ؟ هل استقمت في بيعك وشرائك ؟ هل أخلصت لمرضاك أم أوهمتهم ، وابتززت أموالهم ؟ هل أخلصت لموكلك أم أوهمته أن الدعوى سوف تربح ؟ هل سحبت الحديد بعد أن جاء الكشف على البناء ثم انهار البناء ؟ هل حككت صلاحية الدواء من أجل أن تبيعه ، وقد انتهت صلاحيته ؟ الدين بالعمل ، في المسجد تتلقى التعليمات ، وتقبض الثمن ، الدين بدكانك ، بمكتبك ، بعيادتك ، بمكتبك الهندسي ، بالسوبر ماركت ، بضاعة منتهية المفعول ، تحك الصلاحية أحياناً ، والله :

(( ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ))

[ ورد في الأثر]

 والله لا أتألّى على الله ، لكن هذا الذي يغش الناس ، يعطيهم أسوء بضاعة بأغلى سعر ، يوهمهم بأوهام كثيرة ، والله هذا ألغى صلاته وصيامه وحجه وزكاته .

(( ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ))

[ ورد في الأثر]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي النَّارِ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا ، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي الْجَنَّةِ ))

[رواه أحمد والبزار ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا ، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا ، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ، حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا ))

[ متفق عليه ]

 أستاذ علاء : تعليق : فما قولك بما فوق الهرة ؟ بمن يقتل شعباً بأكمله .

قتل امرئ في بلدة جريمة لا تغتفر  وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر
***

 لذلك هؤلاء الذين يكيلون بألف مكيال ومكيال :

 

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم)

 الله عز وجل عدله مطلق ، وأيُّ إنسان يظلم الآخرين سوف يحاسب حساباً عسيراً ، البند الثاني من أركان النجاة أن أعمل وفق إيماني ، أن أترجم إيماني إلى عمل ، أن ينقلب الإيمان إلى سلوك ، أن يكون هناك التزام لأن العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .
الأستاذ علاء :
 سيدي هنا الله عز وجل جاء بصالحات لتقيد العمل ؟
الدكتور راتب :

 

العمل الصالح ما كان خالصًا ووفق السنة :

 لذلك متى يكون العمل صالحاً ؟ إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ، لذلك :

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾

( سورة النمل الآية : 19 )

 قد يكون صالحاً عند الناس ، وليس كذلك عند الله ، قد يكون صالحاً في توهمك ، وهو عند الله ليس بصالح ، البطولة أن تأتي مقاييسك في العمل الصالح وفق مقاييس الله عز وجل .
الأستاذ علاء :
 من هنا فاستبقوا الخيرات ، كل خير هو عمل صالح .
الدكتور راتب :
 وعلة وجودنا العمل الصالح الدليل ، الإنسان حينما يأتيه ملَكُ الموت على أي شيء يندم ؟

 

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

( سورة المؤمنون)

 لذلك علة وجودنا العمل الصالح ، العمل الصالح ثمن الجنة .
الأستاذ علاء :
 أعيدوني إلى الوقت .
الدكتور راتب :

 

العمل الصالح له أهداف وغايات :

 إلى الوقت الذي أضعته .
 أستاذ علاء ، العمل الصالح ليس فلتة عارضة ، ولا نزوة طارئة ، ولا حادثة منقطعة ، إنما ينبعث عن دوافع ، ويتحرك إلى أهداف ، ويتعاون عليه المؤمنون ، هو ليس انكماشاً ، ولا سلبية ، ولا انزواءً ، ولا تقوقعاً ، بل هو حركة خيرة نظيفة ، وعمل إيجابي هادف ، وعمارة متوازنة للأرض ، وبناء شامخ للأجيال يتجه إلى الله ، ويليق بمنهج الله ، هذا البند الثاني من أبواب النجاة ، الإيمان والعمل الصالح .
الأستاذ علاء :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

( سورة العصر )

 العمل الصالح الذي يرضاه ربنا والمرتبط بفهمنا الإيماني .
الدكتور راتب :

 

حجمنا عند الله بحجم عملنا الصالح :

 حجمنا عند الله بحجم عملنا الصالح ، الدليل :

﴿ و لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 132 )

 مَن أنت ؟ حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، لذلك :

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً (120)﴾

( سورة النحل )

 له أعمال جليلة انتفعت بها أمة ، فكان في قلب أمة .

 

العلمُ والعمل الصالح مقياسان شرعيان لا ثالث لهما:

 البطولة أن تأتي مقاييسي وفق مقاييس القرآن ، القرآن اعتمد قيمتين للترجيح بين البشر ، اعتمد قيمة العلم ، واعتمد قيمة العمل ، وكلُّ القيم التي نعتمدها نحن أهملها القرآن ، نحن نعظم الأغنياء والأقوياء ، مَن لهم شكل وسيم جداً ، نعظم الأذكياء ، لكن القرآن أكد على قيمتين ، قال :

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الزمر الآية : 9 )

 قال تعالى :

 

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة الآية : 11 )

 اعتمد قيمة العلم ، واعتمد قيمة العمل ، فأية أمة لا تعتمد هاتين القيمتين حصراً فليست على الطريق الصحيح ، لأن حجم الإنسان بعلمه وعمله معاً .
الأستاذ علاء :
 سيدي الكريم الآن ، قبل أن أنتقل التواصي بالحق ، من هنا قسم المفسرون أو العلماء حتى الصحابة الكرام في الدرجات لمن سبق ، ثم كان له فيما بعد تأخر في الوقت قسموهم إلى درجات في المرتبة ؟
الدكتور راتب :

 

ليس أجرُ اللاحقِ كأجر السابق في الإسلام :

 طبعاً الذين بدؤوا حياتهم بالإيمان بالله هؤلاء السابقون ، هؤلاء آمنوا في وقت عسير ، آمنوا والناس جميعاً ضدهم ، آمنوا وليس هناك أي مكسب من الإيمان ، آمنوا والإيمان كله تبعات ، كله متاعب ، فلذلك ليسوا سواء ، من آمن قبل الفتح وبعد الفتح ، قبل الفتح شيء ، وبعد الفتح شيء ، قبل الفتح متاعب ومغارم ، وبعد الفتح مكاسب ، فالذين سارعوا إلى الإيمان في وقت الشدة وفي الوقت العصيب هؤلاء لهم ميزان آخر .
الأستاذ علاء :
 الذين استجابوا لله وللرسول في ساعة العسرة لهم المكانة الكبيرة ، المقصود فيهم الأنصار ، لأنك تحدثت عن مسألة الرتب .
الدكتور راتب :

البند الثالث : التواصي بالحق :

 أستاذ علاء ، الإنسان اجتماعي ، وبطولته أن يصلح نفسه أولاً ، حينما يؤمن وحينما يعمل الصالحات ، وقد ينجو بهما ، لكن بطولته الكبيرة أن يصلح غيره ، من هنا جاء :

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقَّ ﴾

أزلية معركة الحق والباطل :

 الحق دائرة والباطل دوائر ، إذا كان تواصٍ بالحق فإن دوائر الحق تنمو ، وتضيق دوائر الباطل ، فإذا سكتنا عن التواصي بالحق فإن دوائر الباطل تنمو ، وتضيق دائرة الحق ، فمعركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية ، لأن الله عز وجل كان من الممكن أن يجعل الطرف الآخر في كوكب آخر ، أو الطرف الآخر في قارة أخرى ، أو الطرف الآخر في حقبة أخرى ، ولكن شاءت حكمته أن نكون معاً في كل مكان ، وفي كل زمان ، ومن لوازم هذه المعية أن هناك معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل ، لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي ، ولأن أهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالعمل والتضحية .
 فلذلك التواصي بالحق مكلِف ، وأحيانا يكون السكوت عند بعض الناس أكثر راحة وأولى ، فحينما يجاهر الإنسان بالحق يكون بطلاً .
الأستاذ علاء :
 سيدي الكريم ، نلاحظ هذا الفعل تواصوا ، تفاعلوا .
الدكتور راتب :

المشاركة في التواصي بالحق :

 فيه مشاركة ، كلٌّ منا يوصي الآخر ، لذلك حياة المؤمنين حياة سعيدة جداً ، من يأخذ بيد أخيه ، وأخوه يأخذ بيده ، ينصح أخاه ، وأخوه ينصحه ، يرشد أخاه ، وأخوه يرشده ، هذا هو التواصي ، فلذلك :

(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ، قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ ، وَلِكِتَابِهِ ، وَلِرَسُولِهِ ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ))

[ مسلم عن تميم الداري ]

 ما لم تنصح فقد وضعت إيمانك في وضع حرج جداً ، لو قال لك إنسان يشتري من عندك قماشاً : بالله عليك انصحني بلون رائج ، لكنك نصحتَه بلون كاسد عندك ، فقد خنت الأمانة ، وكفى بها خيانة أن تحدث أخاك بحديث هو لك به مصدِّق ، وأنت له به كاذب ، وحينما ينتفي الكذب والخيانة من حياتنا نكون في حال خير من هذا الحال ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[ أحمد عن أبي أمامة ]

 فإذا كذب ، أو خان فقد انتهى إيمانه ، وليس فيه ذرة إيمان ، فالتواصي بالحق من أجل إصلاح الآخرين .
الأستاذ علاء :
 سيدي التواصي بالحق هل هو يختص بفئة من الأمة أم ماذا ؟
الدكتور راتب :

 

التواصي بالحق فرضُ عين على المسلم في حدوده :

 فرض عين على كل مؤمن الدليل ، التواصي بالحق أحد أركان النجاة لكل مؤمن ، وليس عندنا مؤمن صامت ، ولا مؤمن سكوني ، ولا مؤمن إعجابه سلبي ، ولا مؤمن لا يتحرك لا يهمه أحد ، هذا ليس مؤمناً ، لذلك التواصي بالحق بهذه الآية دليل قطعي على أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مؤمن ، ولكن في حدود ما يعلم ، ومع من يعرف ، أما في دعوة إلى الله احترافية :

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

( سورة آل عمران : 104)

 هذه دعوة احترافية تحتاج إلى تفرغ ، وإلى تعمق ، وإلى علم ، وإلى القدرة على رد كل الشبهات ، والإتيان بكل البراهين والأدلة ، هذا فرض كفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الكل ، أما الدليل الآخر أن الدعوة إلى الله فرض عين قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 سمعت خطبة تأثرت بها ، ثم جلست مع أهلك حدِّثهم عنها بوعي .
الأستاذ علاء :
 ما ينقلها بمفاهيم خاطئة أحياناً ، يدقق كثيراً في مفاهيم سمعها الإنسان ، تأخذ وتعطي معه ، يقول : سمعتها من الخطيب ، تسأل الخطيب يقول : ما تكلمت بهذا الكلام .
الدكتور راتب :
 هذه مشكلة الأتباع ، إذاً التواصي بالحق له دليلان ، الحديث :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 وهذه الآية :

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (108)﴾

( سورة يوسف)

 فالذي لا يدعو إلى الله لا يتبع النبي ، والذي لا يتبع النبي لا يحب الله :

 

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي (31)﴾

( سورة آل عمران)

 إذاً : الدعوة إلى الله فرض عين وفرض كفاية ، فرض عين لآحاد المؤمنين في حدود ما يعلمون ، ومع من يعرفون :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 أركان النجاة الأربعة مجتمعة ، ليس معنى أركان النجاة إذا قمت بواحد منها اكتفيت ، لا هذه أربعة مجتمعة ، يجب أن تبحث عن الحقيقة ، وأن تتحرك وفقها ، وأن تدعو إليها ، وأن تصبر على أشياء ثلاثة على البحث عنها ، والعمل بها ، والدعوة إليها .
الأستاذ علاء :
 تواصوا بالصبر ، والصبر له علاقة بالحق .
الدكتور راتب :

 

البند الرابع : التواصي بالصبر :

 أن يصبر الإنسان على البحث عن الحقيقة ، والعمل بها ، والدعوة إليها .
 آخر بند يغطي البنود الثلاثة لأركان النجاة أستاذ علاء هذه السورة ، ولو لم يكن في كتاب الله عز وجل إلا هذه السورة لكفت ، هذه السورة كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لا يتفرقون إلا على هذه السورة .
الأستاذ علاء :
 سيدي ، الإيمان ، وبعد الإيمان العمل وفق الإيمان .
الدكتور راتب :
 ثم الدعوة إلى ما آمنت به كفرض عين :

(( بلغوا عني ولو آية ))

 ثم الصبر على الإيمان ، والعمل والدعوة ، والإنسان إذا ما دعا في سلام ، إذا دعا في متاعب أحياناً فهذه ثمن الجنة ، الأبطال عاشوا متاعب كثيرة جداً ، والذين قلبوا وجه التاريخ ما كان طريقهم مفروشاً بالورود ، بل كان مفروشاً بالمتاعب ، فلذلك طريق القمة متعب جداً .
الأستاذ علاء :
 قالوا لعمه أبي طالب : إن كان يريد مالاً جعلناه أغنى واحد فينا .
الأستاذ راتب :
 مالاً جعلناك أغنى واحد فينا ، تريد امرأة جميلة زوجناك أجمل فتياتنا ، تريد جاهاً وليناك علينا :

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يمين والقمر في شمالي ، على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))

[ السيرة النبوية ]

الأستاذ علاء :
 سيدي لذلك نعود ، ونؤكد أن الله عز وجل حينما أقسم بالعصر أقسم بشيء عظيم ، وأقسم بعمر النبي عليه الصلاة والسلام ، هنا أريد أن أركز عليها .
الأستاذ راتب :

 

الله عزوجل يقسم بعمر النبي عليه الصلاة والسلام :

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

( سورة الحجر)

 تصور أستاذ علاء خالق السماوات والأرض يقسم بزمن إنسانٍ خلَقَه ، لأنه استغل هذا الزمن ثانية ثانيةً .
 يقولون : المؤمن يوم القيامة لو دخل الجنة لا يندم على شيء إلا على ساعة مضت لم يذكر الله فيها ، مع أنه نجا ودخل الجنة ، لذلك كان بعض الصالحين يحفر قبرا في صحن داره ، ويجلس فيه كل يوم خميس ، يتلو قوله تعالى :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

 يخاطب نفسه : قومي لقد أرجعناك ، فالإنسان إذا فكر في النهاية حقق الغاية .
الأستاذ علاء :
 لذلك علينا أن ننتبه إلى الوقت على أنه هو الإنسان ، وهو الحياة ، وهو الفرصة التي تمشي على خط وعلى محور موجه لا تعود إلى الوراء أبداً ، والإنسان بوقته أو عمره لا يكون إلا في الدار الآخرة يقفان وجهاً لوجه ، ويتحاسبان أمام رب العزة ، فإما يكون قد استغل هذا الوقت بالعمل الصالح ، وإما يكون قد أضاعه فلا فائدة للعمل .
الدكتور راتب :

 

﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ (104)﴾

(سورة النساء)

 كل واحد منا الوقت مع الجميع بالتساوي ، فالواحد بالوقت أدار الوقت إدارة صحيحة ، عرف سر وجوده ، وغاية وجوده ، آمن بربه ، وعمل صالحاً ، دعا إلى الله ، صبر على كل أولئك ، فرجا من الله ما لا يرجوه غيره ، لذلك الشعور بالخسارة كبير جداً .
الأستاذ علاء :
 نسأل الله أن يجعلنا من الذي يفهم الآية خير فهمٍ لنرمم ذلك الخسران .
 لا يسعني في نهاية هذه الحلقة إلا أن أشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة على كل ما قدم ، وشرحت ، وإنشاء الله نتمم موضوعنا في حلقات قادمة .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018