الدرس : 54 - سورة النساء - تفسير الآيتان121-122 ، حكمة الله المطلقة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 54 - سورة النساء - تفسير الآيتان121-122 ، حكمة الله المطلقة


2003-03-28

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

جهنم هي جزاء ومصير أبدي لهذا الذي والى الشيطان في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع الدرس الرابع والخمسين من دروس سورة النساء ومع الآية الواحدة والعشرين بعد المئة، وهي قوله تعالى:

﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾

 بعد أن قال الله عز وجل متحدثاً عن إبليس حينما قال:

﴿ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً*وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً*يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

 سراباً بسراب، أولئك الذين اتبعوا الشيطان وأفتنوا بوساوسه:

﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾

 كانت جزاء ومصيراً، أحياناً الإنسان يجازى لكن لا يبقى في الجزاء دفع غرامة، يسجن شهر شهرين، سنة سنتين ثم يخرج، أما جهنم هي جزاء ومصير أبدي، لهذا الذي والى الشيطان في الدنيا.

 

النصر الواقعي والنصر المبدئي :

 قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً ﴾

 أيها الأخوة، يجب أن نوقن أن هؤلاء البشر على اختلاف مللهم ونِحَلِهم وأديانهم وأجناسهم وأعراقهم ومذاهبهم هم في النهاية إما إلى جنة يدوم نعيمها أو نار لا ينفذ عذابها، كانوا في الدنيا إما أن يعرف الإنسان ربه وينضبط بمنهجه ويحسن لخلقه فيسعد في الدنيا والآخرة، وإما أن يغفل عن الله ويتفلت من منهج الله ويسيء لخلقه، فيشقى في الدنيا والآخرة.
 القضية واضحة وضوح الشمس، المؤمن غر كريم والكافر غب لئيم، المؤمن بين أن يستقيم ويحسن فيسعد في الدنيا والآخرة، والكافر يتفلت ويسيء فيشقى في الدنيا والآخرة، فالبطولة من يضحك آخراً.

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾

[ سورة المطففين: 34 ]

 هذا ينقلنا الآن ما يسمى بالنصر الواقعي والنصر المبدئي، إنسان مسلم يوجد ظروف معقدة جداً ما سمحت له أن ينتصر لكنه مؤمن وعقيدته سليمة وملتزم ومطبق لكلام الله وسنة رسول الله يسعى في فعل الخيرات ما استطاع، هذا إنسان لو لم ينتصر على أرض المعركة هذا انتصر مبدأه ومات مؤمناً فاستحق الجنة، إنسان آخر حقق نصراً مؤزراً واحتل مساحات شاسعة، وكانت كلماته هي الغالبة، لكن لم يكن مطيعاً لله فهو المنهزم عند الله.

 

الأمر بيد الله وحده :

 أرأيتم إلى أصحاب الأخدود بمقياس الأرض لم ينتصروا، بل إن ملكهم أحرقهم والله سبحانه وتعالى أثنى عليهم، قد يأتي على المسلمين وقت صعب جداً جداً، القوة ليست بيده وهذا امتحان صعب، فالقوة ليست بيده بل بيد أعدائه.
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام حينما التقى بعدي بن حاتم قال له كلمات سبحان الله تنطبق علينا جميعاً، قال له: يا عدي لعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، من فقرهم، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ويا عدي لعله ما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم ـ القوة ليست بيد المسلمين بل بيد الكافرين ـ وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية مفتحة لهم، ويا عدي لعله ما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، والله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها لا تخاف، وعاش عدي ورأى كل هذه البشائر التي بشر بها النبي عليه الصلاة والسلام.
 المشكلة الآن لا أستطيع أن أنسلخ من الأحداث التي تجري حولك أن الله موجود، وأنه في السماء إله وفي الأرض إله، وأن الأمر والنصر والقوة بيده، وأن المصير إليه، وأنه هو الذي ينصر، وهو الذي لا ينصر إلا لحكمة بالغة جداً، مادام الأمر بيد الله.

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدً ﴾

[ سورة الكهف: 26 ]

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْماً فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))

[سنن الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

الله عز وجل وضع بين أيدينا قصصاً في القرآن عن معاني التوحيد :

 نحن الآن أيها الأخوة، في أمس الحاجة إلى معاني التوحيد، وإلى أن نخاف من الله لا من الطغاة.

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ*فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ *إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 173-175]

 هذا فيصل إما أن تخاف من الواحد الديان خالق الأكوان، وإما أن تخاف من طاغية جبار.
 أيها الأخوة، الله عز وجل وضع بين أيدينا قصص في القرآن أصحاب موسى شرذمة قليلون، هائمون على وجوههم، من عدوهم؟ فرعون! وما أدراكم ما فرعون بطغيانه وأسلحته، بجنوده، بحقده، بظلمه، ببطشه، وبغطرسته، بحسب مقاييس الأرض فرعون وراء شرذمة قليلون، يوجد فرق كبير جداً كما هو الآن تماماً ولعله أشد، وإذا بأصحاب موسى يصلون إلى البحر، فرعون من ورائهم والبحر من أمامهم، والله بحسب القوانين والمعطيات ليس أمامهم إلا القتل واحداً واحداً، فالقرآن يقول:

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

[سورة الشعراء: 61-62]

 الله عز وجل أوحى لموسى أن اضرب بعصاك البحر فإذا هو طريق مشوا فيه، اتبعهم فرعون، فلما خرجوا من البحر دخل هو في البحر وعاد الطريق اليبس ماء كما كان فأغرق فرعون! هذه القصة لمن؟ هذا الذي يقول لك: يستحيل أن تنهزم هذه القوة الطاغية، هذه القصة لمن؟ هذه قصة في القرآن الكريم.

 

الدعاء سلاح المؤمن :

 قصة أخرى: إنسان وجد نفسه فجأة في بطن حوت، احتمال النجاة كم؟ صفر، لا أمل، لقمة صغيرة في فم حوت وزنه مئة وخمسون طناً، وجبته الخفيفة شطيرة أربعة طن، الإنسان كله مئة كيلو! وجد نفسه في بطن حوت في ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت! فالله عز وجل قال:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87-88]

 القصة انتهت وانقلبت لقانون، وقال الله عز وجل:

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الأنبياء: 88]

 هذه القصة في القرآن، لا يمكن أن تكون مشكلة كمشكلة سيدنا يونس وانحلت بدعاء، والآن والله الذي لا إله إلا هو ما نملك إلا توبة نصوح ودعاء لحوح، لأن الله يحب الملحين في الدعاء، تسمعون الله عز وجل أرسل رسائل فبعث لنا رسالة العاصفة الرملية، أليست هذه عاصفة عطلت آلياتهم وعطلت القصف، بعث رسالة ثانية رصاصة صغيرة من بندقية قديمة تنزل طائرة بخمس ملايين دولار! أحدث طائرة هليكوبتر في العالم، ما هذه الرصاصة؟ هذه رسائل!! قصص كثيرة، الله ألقى في قلوبهم الرعب مع أنهم أقوى دولة في العالم، الدعاء سلاح المؤمن، ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب لا ترد، ادعُ لأخوانكم في العراق أن ينصرهم الله عز وجل.

 

إذا سألنا الله النصر نسأله نصراً تفضلياً ولا نجرؤ أن نسأله نصراً استحقاقياً :

 أيها الأخوة، هذه القصص بين أيدينا، النبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وحبيب الحق ومعه نخبة البشر، إن الله اختارني واختار لي أصحابي.
 لم ينتصر في أحد لماذا؟ لأن أصحابه عصوا أمراً لا تشريعياً بل عصوا أمراًَ تنظيمياً، أنت معك أمر بعدم شرب الخمر هذا تشريعي، عندك أمر بأداء الصلوات هذا تشريعي، أمر بالصدق أمر تشريعي، ويوجد لوحة لا تقترب من هذا المكيف، لا تستند عليه، هذا ما اسمه؟ أمر تنظيمي، أصحابه عصوا في أُحد أمراً تنظيمياً فلم ينتصروا، لو انتصروا لسقطت طاعة رسول الله، أبسط مثل: لو أعطيت الطلاب وظيفة وفي اليوم التالي لم تشاهدها فكان سواء الذي كتبها والذي لم يكتب، لا أحد يكتب بعد ذلك!
 لو أن الله نصرهم على معصيتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لسقطت طاعة رسول الله، في حنين لم يعصوا ولكن أشركوا قالوا: لن نغلب من قلة، هذا شرك خفي، وفيهم رسول الله وأصحاب النبي فلم ينتصروا، لو أنهم انتصروا لسقط التوحيد، فإذا كان سيد الخلق وحبيب الحق ومعه نخبة الخلق لم ينتصروا في أحد لسبب سلوكي، ولم ينتصروا في حنين لسبب توحيدي فانهزموا، فإذا كان المسلمين عندهم ألف معصية سلوكية وألف شبهة توحيدية، أنّى لهم أن ينتصروا؟؟
 نحن إذا سألنا الله النصر نسأله نصراً تفضلياً ولا نجرؤ أن نسأله نصراً استحقاقياً.
 فيا أيها الأخوة، الآن نحن في محنة عظيمة وقد أقول كلاماً والله أعني ما أقول: حينما ينتصر هؤلاء الطغاة لا يسمح لأولادكم أن يقرؤوا كل القرآن! أبداً كل آيات الجهاد ممنوع أن تتلى لا في الإذاعة ولا في المدارس ولا في الكتب، والله وقد وقع هذا، يجب أن توزع الخطبة على الخطباء من السفارة لو أنهم انتصروا، القضية ليست انتصاراً عسكرياً بل انتصاراً ثقافياً، لذلك في هذه الأيام نحن في أمس الحاجة أن نسأل الله أن ينصرهم.
 نور الدين الشهيد وهو يواجه التتار سجد وقال: يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك، الآن الدين في محنة، والحرب حرب إبادة للمسلمين، ألقوا اليورانيوم المخضب وهذا تبقى آثاره ستة مليارات سنة، فالقضية خطيرة جداً، نحن يجب أن نوحد صفوفنا ونلغي خلافاتنا ونتعاون ويضحي بعضنا من أجل بعض، ويحب بعضنا بعضاً، ونقيم أمر الله في بيوتنا، ونلغي كل مخالفة في حياتنا، في أعمالنا وكسب أموالنا.

هذا الدين لو حذفنا منه نضعف ولو زدنا عليه نتمزق :

 الشيء خطير جداً أيها الأخوة: هؤلاء سوف ينتقلون من بلد لبلد، بدؤوا بالعراق بلد بَلد، والنتائج خطيرة جداً، أقول هذا من أعماقي وأنا متألم ألماً لا حدود له: لا بد لنا من أن نصحو من غفلتنا، هذا الإسلام الشعائري، لا نأبه بالتعاملات، لسنا جادين بتطبيق منهج الله الكامل، أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الضربة المؤلمة جداً باعثاً لنا على تجديد إيماننا وتجديد عهدنا مع الله، وعن إذابة كل الخلافات فيما بين المسلمين.
 أيها الأخوة الكرام، الأمر خطير جداً لأنه قضية حياة أو موت، دين أو محق هذا الدين، مئات المعاهد أغلقت في بعض البلاد في شرق آسيا، معاهد دينية، التدخل حتى في المناهج، في الكتب والجوامع، وفي أدق خصوصياتنا، التدخل في قانون الأحوال الشخصية، الزواج يجب أن يكون عقد بين شخصين لا بين ذكر وأنثى، مقبول عندهم بين أنثى وأنثى أو ذكر وذكر، وذكر وأنثى، حتى في أشد الأمور خصوصية سوف يتدخلون.
 كيف تسمعون عن تيمورلنك وهولاكو والتتار نفس البلاء، لا في قيم ولا مبادئ ولا منطق ولا شيء! ثور هائج مصاب بجنون البقر وقوي جداً ولا يرى بعينيه.
 فيا أيها الأخوة، أسأل الله لي ولكم التوبة، التوبة النصوح، وأن ندعو لأخوتنا في العراق جميعاً أن ينصرهم ويحفظهم ويرد كيد الأعداء عنهم.
 لو سألت ما السبب؟ يوجد تقصير وفريضة معطلة من أربعمئة عام في الإسلام تعطيل كامل! هذا الدين لو حذفنا منه نضعف، ولو زدنا عليه نتمزق، بالبدع نتمزق وبالحذف نضعف، هذا الدين ينبغي أن يبقى كما كان عليه أصحاب رسول الله، بالحذف نضعف، حذفنا فريضة الجهاد، انظر لما آل إليه حال المسلمين لا يستطيعون التكلم بكلمة، تسلب ثرواتهم، كم نظام قمعي بآسيا وأمريكا اللاتينية لم يقتربوا، لكن هنا يوجد نفط، القضية قضية ثروة وقضية سيطرة على النفط واضحة كالشمس، تسلب ثرواتهم، تنتهك أعراضهم في البوسنة والهرسك، تقتلع أشجارهم، تهدم بيوتهم، يقتل أطفالهم، تسبى نسائهم، وباسم الإنسانية وإحلال السلام ونقل الحضارة الحية وهذا شيء يزيدنا غيظاً، باسم السلام نقصفهم بقنابل عنقودية، والقنابل الماسحة الماحقة، كيلو متر لا تبقي فيه شيئاً، عندهم قنابل والعياذ بالله شيء مخيف باسم الإسلام نقصفهم من المتوسط، الآن القنابل تنهال على بعض الأماكن من المتوسط! هناك طائرة (ب52) هذه صنعت عام (1962) صالحة لعام (2040)، لا يستطيع مطار في الأرض أن يتحملها، تنطلق من بلادها وتطير خمسة وثلاثين ساعة بلا توقف تقصف وتعود، وقنبلتها بالأطنان، يمكن أن تسير ثمانمئة كيلو متر بالأقمار الصناعية، آتاهم الله قوة ما بعدها قوة.

قصة هلاك عاد الذين تفوقوا في كل شيء :

 حينما ذكر الله عاداً ما ذكر قوماً أهلكهم إلا ذكر أنه أهلك من هو أشد منهم قوة! إلا عاد قال:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

[ سورة فصلت: 15 ]

 ما كان فوقهم إلا الله، وعاد الثانية لا يوجد فوقها إلا الله عز وجل تفوقت في شتى الميادين، لم يخلق مثلها في البلاد، غطرسة ما بعدها غطرسة، من أشد منا قوة؟ تفوق عمراني مذهل.

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾

[ سورة الشعراء: 128-129 ]

 تفوق صناعي وعسكري:

﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

[ سورة الشعراء:130 ]

 تفوق علمي، وكانوا مستبصرين، ماذا فعلوا؟ طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، طغوا بأسلحتهم وأفسدوا بأفلامهم.

﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾

[ سورة الفجر:13-14 ]

﴿ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾

[ سورة الحاقة: 6-7 ]

 هذه عاد الأولى، والله عز وجل قال: أنه أهلك عاد الأولى، يعني وجود عاد ثانية، هذه الثانية! فالأمر واضح في القرآن الكريم.

 

الله عز وجل لا يقبل أن ننتمي لهذا الدين انتماء شكلياً :

 فرعون وما أدراكم ما فرعون! آتاه الله مالاً وزينة في الحياة الدنيا، سيدنا موسى قال:

﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

[سورة يونس: 88]

 فنحن في محنة كبيرة جداً، لا يكفي أن نستمع للأخبار، اعمل شيء للمسلمين، لا يوجد إنسان إلا يستطيع أن يفعل شيئاً للمسلمين، فهذه الدنيا دار بلاء، وشاءت حكمة الله أن تكون الحرب معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل، من آدم ليوم القيامة! والآن صار الباطل واضحاً جداً وجريئاً ووقحاً ومكشوفاً لا يوجد أقنعة، كان يوجد أقنعة أما الآن لا يوجد! نريد أن نحتل بلادك ونقتل المدنيين والآمنين والأطفال ونأخذ الثروة ونبقيك مستهلكاً فقط، فلذلك أقول كلام لعله قاسي لكن هذه الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح: إذا الإنسان لم يعمل ثورة ببيته، بحياته، بعقيدته، بسلوكه، بتربية أولاده، بعلاقته مع زوجته، بكثرة ماله، بإنفاق ماله، بعلاقته مع المؤمنين ومع المسجد، إذا ما بدل علاقاته تبديلاً جذرياً لا ننجو من عذاب الله، الله عز وجل لا يقبل أن ننتمي لهذا الدين انتماء شكلياً، وهذا الذي حدث في الحقيقة فيه إيجابيات لأنه وقع، ولا يقع شيء إلا إذا أراده الله أن يقع، فمن بديهيات العقيدة لا يمكن أن يقع شيء إلا وسمح الله به، فمادام سمح الله به فيوجد حكمة ما بعدها حكمة، ندركها أو لا ندركها، ما هي الإيجابيات من الذي وقع؟ والله يوجد إيجابيات كثيرة جداً لخصتها في ثلاث إيجابيات، أول إيجابية وأكبر إيجابية واضخم إيجابية هو أن الغرب سقط، بقي قوة غاشمة، أما كحاضرة تنافس الدين سقط، كقيم أو كمصداقية، كحقوق إنسان، كإشاعة السلام، كديمقراطية سقط، كل هذه الأقنعة سقطت، رأيتم كيف أنهم وحوش، فأكبر نصر للدين أن الذي كان يخطف أبصار الناس إليه وينافس الدين وجعل الناس يتطلعون لبلادهم ودخول بلادهم والإقامة عندهم، هذا الغرب سقط في الوحل، هذا أكبر نصر!

 

أربع إيجابيات تبين أنه لا يمكن أن يقع شيء إلا وسمح الله به :

 قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

[ سورة البقرة: 256]

 أعانونا على أن نكفر بهم، الحمد لله، كان قلة قليلة من المثقفين يعرفون الحقيقة، الآن كل العالم الإسلامي حتى الأطفال يعرفون الحقيقة، هذا نصر كبير لكن لم نعرف قيمته الآن، الآن لم يبق في الساحة إلا الله! كان يوجد فكر شرقي تهاوى كبيت العنكبوت، والآن الفكر الغربي تهاوى وبقي بيت كبير قوي، لكن الفكر تهاوى وسقط.
 فرضاً إنسان يدعي المثالية والخلق ضبط بسرقة أو بزنى عند أبناء حيه انتهى كإنسان محترم انتهى، فهذا أكبر نصر حقق الآن.

 

1 ـ الغرب سقط في الوحل ولم يبقَ إلا الإسلام :

 أول إيجابية أن الغرب سقط سقوط مريع في الوحل الحمد لله، ما بقي إلا الإسلام.

2 ـ هذه الأحداث قربتنا من بعضنا البعض ووحدتنا :

 الإيجابية الثانية: أن هذه الأحداث قربتنا من بعضنا بعضاً، هم واحد، عدو واحد، قلق واحد، كنا متفرقين فاجتمعنا من دون أن يشعروا جمعونا ووحدونا.

3 ـ كل إنسان كُشف على حقيقته :

 الإيجابية الثالثة: أن كل إنسان كشف على حقيقته.

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[ سورة آل عمران: 179 ]

4 ـ لم يبق من حلٍّ كي نستعيد استقلالنا وكرامتنا إلا ببذل أرواحنا :

 والإيجابية الرابعة: هذه الفريضة المعطلة قد أحييت، صار التعلق بهذه الفريضة ببذل النفس سخية في سبيل الله.
 صار عندنا أربع إيجابيات إيجابية سقوط الغرب بقيمه وطروحاته، وإيجابية توحدنا، وإيجابية انكشاف الأقنعة وسقوطها، والإيجابية الرابعة أنه لم يبق من حل كي نستعيد استقلالنا وكرامتنا إلا ببذل أرواحنا، هذه أربع إيجابيات لم تكن من قبل، وكل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع، وإرادته متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فالآيات التي بعد هذه الآية:

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً ﴾

 إن عدنا لربنا، واصطلحنا معه، وتبنا إليه، وعملنا الصالحات، نستحق دخول الجنة، وهذا هو النصر الحقيقي، أن يسمح لك بدخول الجنة، والدليل:

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾

[ سورة آل عمران: 185 ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018