الدرس : 2 - سورة الفتح - تفسير الآية 18 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة الفتح - تفسير الآية 18


1996-02-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة عشْرة من سورة الفتح، وهي قوله تعالى:

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾

[سورة الفتح]

 لا شكَّ أنَّ أعْظَمَ شيءٍ تصلُ إليه في الدنيا أن يرْضى الله عنك، وهو أعظمُ شيء على الإطلاق، وهو خير لك من الدنيا وما فيها، لأنَّ الدنيا زائلة، والآخرة باقِيَة، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى إذا وفَّقَكَ في الحياة الدنيا فليس في الأرض كُلِّها جِهةٌ تَستطيع أن تحول بينَكَ وبين هذا التَّوفيق قال تعالى:

 

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾

 

[سورة فاطر]

وإذا حجَبَ الله عن الإنسان التَّوفيق، لو أنَّ الدنيا كلَّها معه لا يُوَفَّق، فأَنْ يرضى الله عنك خير لك من الدنيا وما فيها، ولا يعْرِفُ حقيقة هذا الكلام إلا من اتَّصَل بالله عز وجل، وذاق مِن طَعْمِ قُرْبِهِ عندها يشْعُر أنَّ طاعة اله هي أَثْمَنَ شيءٍ يفعلها في الحياة الدنيا.
 الثِّمار ؛ أوَّلاً الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم تَحْقيقًا، وتقريرًا، ولكنَّ الناس إذا ذَكَروا إنسانًا فاضِلاً أو عالمًا جليلاً وقالوا رضي الله عنه فهذا دُعاءً، وفرْقٌ كبير بين أن تقول: رضي الله عنه تَحقيقًا، وبين أن تقولها دعاءً، فأنت لك أن تقول لإنسانٍ فقير أغناك الله، أما إن رأيْتَ إنسانًا غنيًّا تقول: قد أغناك الله، فأغناك الله التَّقريريَّة غير أغناك الله الدُّعائِيَّة فنحن إذا ذكرنا إنسانًا جليلاً وقلنا رضي الله عنه فهذا رضا دُعائي، أما التَّحقيقي فلأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
الشيء الثاني ؛ أنَّني ما دُمتُ قلتُ قبل قليل إنَّ رِضاء الله عز وجل أثْمَنُ شيءٍ تَمْلِكُهُ، فالشيء الذي يُثْلِجُ الصَّدْر أنَّ هذا الرِّضا سُبُلُهُ مُيسَّرة لك، فسبيلُهُ الوحيد أن تُطيعَهُ، قال تعالى

﴿: يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾

[سورة الأحزاب]

 والأدَقُّ من ذلك أنَّ بِفِطْرتِكَ وحِسِّك السليم، وجِبِلَّتِك في أيِّ لحْظةٍ نم حياتِك تعْلم ما إن كان هذا العمل يُرضي الله أم لا يُرضيه، فإن صَدَقْتَ يرْضى الله عنه، وإن كذَبْت يغْضَبُ عنك، وإن أخْلَصْتَ يرْضى الله عنك، وإن خُنْتَ لا يرْضى عنك، وإن غَششْتَ الناس لا يرْضى الله عنك، وإن استَغْلَّيْتَ ضَعْف زوْجَتِكَ، وأنَّ أهْلها ليْسُوا في بلَدِك، وقسَوْتَ عليها لا يرْضى الله عنك، أنا أُؤَكِّد لكم أنَّ الواحِد مِنَّا من دون أن يقرأ، ومن دون أن يكْتُب، ومن دون أن يسْتمع أَوْدَعَ الله فيه مُفتيا صغيرًا، أو جهازًا حسَّاسًا جدًّا، فن حادَ عن الصَّواب شَعَرَ بالضِّيق، والبرّ ما اطمأنّت إليه النَّفس، والإثْم ما حاك في صَدرك، وكرهْت أنْ يطَّلِع عليه الناس ‍! فالله تعالى قال:

 

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾

 

[سورة الفتح]

 في كلّ مكان وزمان، ونحن اليوم في آخر الزَّمان يُمْكن أن نسْعى إلى رِضاء الله عز وجل عن طريق طاعته، ولكن أنت بِحاجَة فضْلاً عن الفِطرة السليمة، أنت بِحاجَة إلى أن تعرف دقائق الأمْر والنَّهي، فَتَعلُّم أحكام الفقه مُهِمٌّ جدًّا لِمَن أراد أن يُرْضِيَ الله عز وجل، فهو تعالى لا يرْضى عليك إلا إذا أطعته وفْق المنهَج الذي أنزلَهُ الله على نبيِّه صلى الله عليه وسلَّم.
الثَّمرَة ؛ قال تعالى:

 

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾

 

[سورة الفتح]

 من لوازم رضاء الله عز وجل أنَّ قلْبَكَ مُفْعَمٌ بالسَّكينة والطمأنينة، والسُّرور والسَّعادة، والثِّقة والمستقبل، فالمؤمن لا يتشاءَم، ويُصَدِّق قوله تعالى:

 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

 

[سورة التوبة]

 والمؤمن لا يَحقِد لأنَّ يد الله فوق أيدي الناس جميعًا، والمؤمن لا يسْتسْلِم لأنَّ الله تعالى معه، وإذا كان الله معه فَمَن عليه، فهذا هو معنى إنزال السَّكينة على قُلوبهم، قال تعالى :

 

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ﴾

 

[سورة الفتح]

 علِمَ صِدق نِيَّتِهِم، وعَلِمَ صدْق بَيْعَتِهِم وعَلِمَ حُبَّهم وشُعورهم بالطاعة، قال تعالى:

 

﴿ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾

 

[سورة الفتح]

 هذا مِن الداخل، ومن الخارج الفَتْحُ، والفَتْحُ هو مُطْلقُ التَّوفيق، فالإنسان قد تُفْتَحُ له التِّجارة، أو الصِّناعة والدَّرجات العِلْمِيَّة، وتُفْتَحُ معْركةً ينتصِرُ بها وأثابهم فتْحًا قريبًا، راحةٌ من الداخل، ونجاحٌ من الخارِج، والثَّمن هو الطاعة، والطاعة ثمنها أن تعرفَ الآمِر، وأن تعرفَ الأمْر، ومن عرف الآمر والأمر تفانى في طاعة الآمر، ومن لم يعرِف الآمر وعرف الأمْر تفنَّنَ بالتَّفلُّت من هذه الطاعة بأساليب شَتَّى، إذا رضاء الله عز وجل أثْمن شيء، بل هو أثمنُ شيء في الدنيا والآخرة.
 في الآخرة هناك جنَّاتٌ تجري من تحتها الأنهار، وهناك حورٌ عين ووِلدانٌ مُخَلَّدون، وهناك نَظْرةٌ إلى وَجه الله الكريم، وهناك رضوان نم الله أكبر كما قال تعالى، فنكادُ نَصِل إلى أنَّ رِضوان الله عز وجل أعْظمُ شيءٍ في الدُّنيا، وأعظمُ شيءٍ في الآخرة، والشيء المُفْرِحُ أنَّ هذا الرِّضْوان تمْلِكُ أسبابهُ، ألا تمْلِكُ أن تكون صادِقًا ؟ أو مُتَوَكِّلاً ؟ أو نظيفًا ؟ أقرأ القرآن، وقِفْ عند قوله تعالى إنَّ الله يُحِبُّ، وهناك اثنتا عشرة خصْلة يُحِبُّها الله عز وجل كنتَ في رِضْوان الله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام، أعْقَلُ العقلاء الذي سَعَى إلى رِضْوان الله عز وجل، وأحْمَقُ الحَمْقى الذي اغْترَّ بالدُّنيا ونسِيَ الآخرة، والدُّنيا ساعة تمْضي سريعًا، ويبقى العذاب، فنحن الآن في رمضان، البارحة فقط بدأ، ونحن اليوم في اليوم الثامن والعشرين، فالذي صامَهُ وقامَهُ، وضَبَطَ لِسانَهُ انتهى التَّعَب وبقِيَ الثَّواب، والذي أفْطر، وسَهِرَ سهراتٍ لا تُرضي الله عز وجل انتهى السَّهر ورمضان وبقيَ العِقاب، لذا القضِيَّة دقيقة جدًّا ؛ رِضْوانُ الله عز وجل مُيسَّرٌ لِكُلِّ إنسان، وهو أثْمَنُ شيءٍ في الدُّنيا، وهو أثْمَنُ شيءٍ في الآخرة، وأتن برضوان الله تجد الله معك، وإذا وَجَدْتَهُ ما فاتَكَ شيء، وإن فاتَكَ ربُّك ما وَجَدْتَ شيء، ومَن عامَلَ الناس فلم يظْلمهم، وحدَّثهم فلمْ يكْذِبْهم، ووعدَهم فلم يخْلِفهم، فهو مِمَّن كَمُلَت مروءَتُه، وظَهَرَت عدالَتُه، ووجَبَتْ أخوَّتُه، وحرُمتْ غيبتُه.
 وما دام الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم، هل يُعْقل أن يرْضى الله عنهم وهم على غير استِقامة ؟ فأيَّةُ قِصَّة لا تنبؤُنا بِطُهْر أصحاب النبي وصِدْقهم وصِدقهم وعِفَّتِهِم، هي قِصَّة مكْذوبة، ومن هنا قال عليهم الصلاة والسلام: إذا ذُكِر أصحابي فأمْسِكوا..." فشهادة الله أقوى من شهادة العالمين، فالذي يُشَكِّك في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كاذِب منافق، وهو يُكَذِّب هذه الآية، ألَمْ يُبايِعوا النبي عليه الصلاة واللام تحت الشَّجرة واحِدًا واحِدًا ؟ بدءً من الصِّديق وانتِهاءً بآخِرِ صحابيٍّ، فمن ردَّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فهو كذَّاب، ومن كذَّب آيةً فقد كفر، وأصحابي لو تركوا العُشْر لهلكوا..." لأنَّ فيهم النبي صلى الله عليه وسلّم فالإنسان قبل أن يخوض في القرآن الكريم، وقبل أن يتكلَّم عليه أن يحْسب الحساب الكبير، ونحن نُحبُّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ونتأسَّى بهم.
 والشيء الثاني ؛ أليس بين المسلمين قواسِم مُشْتركة ؟ نعم، هناك آلاف القواسِم المشتركة، أفلا يستطيع الدُّعاة إلى الله أن يبْقَوا في المُتَّفقِ عليه ؟‍ يستطيعون بالتَّأكيد، ونحن إذا بقينا على الكتاب والسنَّة اتَّحَدْنا ولن نختلف وبذلك نقْوى، ونتعاوَن، وما مِن هدف يُثْلِجُ صَدْر أعدائِنَا إلا تفرُّق المسلمين، لذا ندعو إلى وِحدة المسلمين في المشارق والمغارب، فهؤلاء الذين يشْهدون أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله أليسُوا مؤمنين ؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾

[ سورة الأنعام ]

 والخوض في ما حصل بين الصحابة ليس مِن شُغلِك، فَجُزءٌ من عقيدتك أن تضْبِطَ لسانَك مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله اختارني واختار لي أصحابي...".

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018