الدرس : 10 - سورة محمد - تفسير الآية 38 . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة محمد - تفسير الآية 38 .


1996-02-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة والثلاثون من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى:

﴿ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾

[سورة محمد]

 أحيانًا يتوهَّم الإنسان أنَّ له عملاً طيِّبًا يُدِلُّ به، ويَمُنُّ به ويفْتَخِرُ به، هذا العمل من فضْل الله عز وجل، والإنسان إذا دُعِيَ إلى الإنفاق فَبَخِلَ، وأبتْ نفْسُهُ أن تُنْفق، الله جلَّ جلاله يُهَدِّدُهُ، قال تعالى:

 

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾

 

[سورة محمد]

 فإذا سمَّعَك الله عز وجل الحق، فهذا شرَفٌ عظيم وبِشارة، قال تعالى:

 

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23)﴾

 

[سورة الأنفال]

 علامة الخَيْرِيّة أنَّهُ أْمَعَكَ الحق، والذي يبْقى عليك أن تسْتجيب، وأن تُنْفق وأن تعْملَ صالحًا، فإن أبَيتَ اسْتَبْدَلَ قومًا غيرَكَ.
قال تعالى:

 

﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(17)﴾

 

[سورة الحجرات]

 لا يوجد إنسان آتاهُ الله من فضْلِهِ، وشَكَر إلا زادَهُ، أما إذا اعْتدَّ بِنَفْسِه، وظنَّ أنَّ هذا الفضْل مِن صُنْعِهِ، وخِبْرَتِهِ، وذكائِهِ، فلعلَّ الله سبحانه وتعالى يحْرِمُهُ منه فشُعور المؤمن كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: إذا أراد الله إظهار فضْلِهِ عليك خلقَ الفضْل ونسَبَهُ إليك، فالإنسان حينما يُوَحِّد يتواضَع وحينما يُعرض عن التَّوحيد يتكبَّر، وهناك علاقة بين التَّوحيد والإخلاص وبين التَّوحيد والتَّواضُع، فالمُوَحِّد يشْكر الله عز وجل، ويرى فضْه، لذلك يتواضَع، وغير المُوَحِّد يرى فضْلَهُ، وإنفاقهُ، ودَعْوَتَهُ، ويرى اسْتِقامتَهُ، والمُوَحِّد يُخْلِص، وغيرهُ يُشْرك، فإذا علِمْتَ أنّ الأمْر كلَّهُ بيَدِ الله لا تتَّجِهُ إلى أحدٍ غيرِهِ، أما إذا توهَّمْتَ جِهَةً في الأرض تُعطي أو تمْنَع وترفع أو تخفض، فتوجَّهُ إليها، أصبَحَ هناك شِرك، وديننا دين توحيد لا دين الشِّرْك، وما مِن إنسان على وَجه الأرض إلا ما قلَّ أو شذَّ أن ندَرَ يقول: لا إله ! لكنّ معظم الشُّعوب في الأرض تُؤمن أنّ لهذا الكون خالقًا وهذا الإيمان لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، ولأنّ إبليس قال:

 

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)﴾

 

[سورة ص]

 آمن بِعِزّة الله، ومع ذلك هو أكْفر أهل الأرض ! فالإيمان بالله تعالى خالقًا لا يرْفَعُكَ عند الله، أما الإيمان بالله تعالى مُسيِّرًا، وفعَّالاً، وبيَدِهِ الأمْر ؛ إن آمنْتَ هذا الإيمان، وأنت لا تشْعُر أخْلصْتَ لله تعالى، وأنت لا تشْعُر تتواضَع، والكبرياء إزاري، والعظمة ردائي، فمن نازَعني شيئًا منهما أذَقْتُهُ عذابي ولا أُبالي، وكنتُ قول دائمًا: هناك أخطاءٌ تُغْفر، ولكنَّ خطأ الكِبْر لا يُغْفر، لأنّ هذا الخطأ يتناقض مع عُبودِيَّة الله عز وجل، فاللَّبن قد يحْتمل الماء، ولكن لا يَحْتَمِل قطرة مازوت واحِدَة ! فهذه القطْرة تُفْسِدُهُ، فالتَّوحيد يُؤدِّي إلى التَّواضُع، والعبودِيَّة لله عز وجل، والشُّعور بِفَضْل الله عز وجل، والشِّرْك يؤدِّي إلى الكِبْر، والاسْتِعلاء والعُنْجُهِيَّة والغَطْرسة، والتَّوحيد يُدِّي إلى الإخلاص، فالله هو المُنْعِم المُتفضِّل فتَتّجِهُ إليه وحْدَهُ، طبعًا هذا لا يعني أنَّ الإنسان إذا أصابَهُ خيرٌ مِن إنسانٍ أن يتجاهَلَهُ، قال عليه الصلاة والسلام: من لم يشْكر الناس لم يشْكر الله..." يُرْوى أنَّ أحدَ أصْحاب النبي عليه الصلاة والسلام نزَعَ على ثوْبِهِ ريشَة، فرفَعَ النبي يَدَيْه إلى السَّماء: اللَّهمّ اجْزِهِ عنِّي خيرًا ! ومن أجْزى إليكم معْروفًا فجاءوه، فإن لم تَجِدُوا ادْعوا له حتَّى تعلموا أنّكم كافأتُموه والتَّوحيد لا يتناقض مع شُكْر الناس، ولكن الأصْل أنَّ قلْبَكَ مُتَعَلِّق بالله تعالى، فأنت ترى أنَّ هذا الذي خدمك كان بِمَعونة نم الله تعالى، فهو سبحانه الذي ألْقى في قلبه معونتك، فالشُّكر لله أوّلاً، فهذه عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك التي تألَّم لها النبي عليه الصلاة والسلام، ولِحِكمة أرادها الله تأخَّر الوحي أربعين يومًا ! فالله أراد أن يُبيِّن للناس أنَّ الوَحي كيانٌ مُستقلّ عن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال لها أبوها أبو بكر: قومي فاشْكريه للنبي عليه الصلاة والسلام قالت له: والله لا أقوم إلا لله تعالى ! فالنبي عليه الصلاة والسلام تبسَّم وقال: عرفت الحق لأهْلِهِ فالأصْل هو الله تعالى.
 إذا خدَمَك إنسان فاشْكُرهُ، وقدِّم له هدِيَّة، وأثْنِ عليه، ولكن قلبَ المؤمن الصادِق رأى أنَّ هذا فضْل الله ساقَهُ إليك عن طريق فلان، وهذا هو التَّوحيد أن لا ترى نِعْمةً إلا مِن الله تعالى، فإن كانت لك زوْجة صالحة وكان مِن المُمْكن أن تأتيك زوْجة كالجحيم، والله هو الذي ساق لك هذه الزَّوجة، ويسَّرَها لك، تحْترِمُك، وتعتني بك، فإذا قال لك: أنا أعرف تنْقِيَة الزَّوجة فهذا قد أشْرَكَ ! أما إذا قال: لقد أكرمني الله بهذه الزَّوجة فقد وحَّد.
 وهذا له تِجارة، فيقول: هذا من كرامي الله لي، والله هو الذي أعانني على هذا، ورزقني، فهذا الشُّعور الذي يُبارِكُ في الرِّزق، وإن جاءَكَ مولود يملأُ البيتَ سُرورًا، إذْ هناك بيوت ليس فيها أولاد، يدْفَعُ الملايين على أن يأتيه مولود ! والله حتَّى الضَّحِك عليك أن تشْكر الله عليه، أذْكُر أنِّي كنتُ مدعُوًّا لطعام الغذاء في أحد الحدائق لإخواننا، وكنَّا نحو ثلاثين شَخصًا، ونحن جُلوس مرَّ علينا شَخص فما سلَّم، فقلْتُ لِمَن دعانا ما بِهِ من هذا ولِمَ لمْ يُسَلِّم ؟! فقال: هذا عمِّي، وهو صاحب البستان، وقد جاء من مستشفى غسيل الكلية !! لا يرى بِعَيْنَيْه شيئًا مِن شِدَّة الخوف والقلق فاشْكر الله على أنَّه أضْحَكَكَ، والدليل قوله تعالى:

 

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى(43)﴾

 

[سورة النجم]

فالذي يُصاب بٍمُصيبة لا يضْحك مهما كانت النُّكتة مُضْحِكة !
 إن وجَدتَ الناس يَحْترِموك معناه أنَّ الله تعالى ألْقى محبَّتَك في قلوبهم، وكان بإمكانِهِم أن يُبْغِضوك، قال تعالى:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39)﴾

[سورة طه]

 وما أخْلصَ عبدٌ لله تعالى إلا جعلَ قلوب المؤمنين تهْفو إليه بالمودَّة والرَّحمة وأنت حينما تعْزو الفضْل إلى الله تزْدادُ فضلاُ، قال تعالى:

 

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)﴾

 

[سورة إبراهيم]

 وحينما تعزوهُ إلى ذاتِك تُشْرك وتسْقط من عَين الله، ولأَن يسْقط الإنسان من السماء إلى الأرض أهْوَنُ من أن يسقط من عَين الله.
فالله تعالى قال:

 

﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾

 

[سورة محمد]

 فالواحد لا يمنّ على الله عز وجل لحُضورهِ مجالس العلم، وإنفاقه المال وأخْتِمُ لكم الكلام بهذه القِصَّة ؛ إنسانٌ قدَّمَ بيتًا ثمنُهُ خمسة ملايين، وثمنهُ الآن أثنى عشرة مليونًا، قدَّمَهُ لِجَمْعِيَّة خَيْريَّة لِيَكون مرْكزًا لِتَدريب الفتيات الفقيرات الخياطة، لِيَنقلوا هؤلاء الفتيات من مُتَسَوِّلات إلى مُنْتِجات، ومن آخذة زكاة إلى دافعة زكاة، وأُقيم حَفل لِتَكريم هذا المُحسِن، فكُلّ الناس أثْنَوا على إحسانه وفضْله وكرمِهِ، فأحدُ الإخوة قال له: كان مِن المُمْكن أيُّها الأخ الكريم، وأيُّها المُحْسِنُ الكبير أن تكون أحَد المُنتفِعين من جَمْعِيَّتنا فالإنسان لا يعْتدّ بالمال أو القوَّة فقد يفقدهما فجْأةً، وإذا أردتَ أن تعتمد فاعْتَمِد على الله عز وجل.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018