الدرس : 8 - سورة مريم - تفسير الآيتان 71 - 72 ‏، ورود النار شيء والدخول بها شيء آخر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 8 - سورة مريم - تفسير الآيتان 71 - 72 ‏، ورود النار شيء والدخول بها شيء آخر


1995-04-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 الآية الواحد والسبعون من سورة مريم وهي قوله تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (72)﴾

﴿وَارِدُهَا﴾

 الهاء تعود على النار، هذه الآية تحتاج إلى وقفت متأنية، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

 وإن هنا نافية، يعني ما منك واحد إلا وهو واردها، الحقيقة أن ورود النار شيء، ودخولها شيء آخر، الله جل جلاله، الكون كله ينطق بأسمائه الحسنة، لكن أسم العدل لا يتحقق إلا في الآخرة، الدنيا دار ابتلاء، الحظوظ موزع في الدنيا توزيع ابتلاء، في الدنيا أقوياء، وفي الدنيا ضعفاء، في الدنيا أغنياء، وفي الدنيا فقراء، في الدنيا أصحاء، وفي الدنيا مرضى، في الدنيا ظالمون، وفيها مظلومون، وتنتهي الحياة، يقول الله عز وجل:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

( سورة مريم: 115 )

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

( سورة القيامة: 36 )

 هذا المعنى أن أسماء الله الحسنة، كلها محقق في الدنيا، أسم العليم، كل ما في الكون ينطق بهذا الاسم، أسم الحكيم، أسم الغني، أسم القدير، لكن أسم العدل، قد لا يبدو للناس في الدنيا، قد يجد الناس رجل، قوياً، فاجراً، منحرفاً، فاسقاً، يتحدى ذات الله عز وجل ويتمتع بأقوى صحة، وقد تجد إنسان مؤمن مستقيماً مستضعفاً، لا يقوى على أن يحرك ساكناً، أسم العدل لا يتحقق إلا بالآخرة، لذلك ورود النار شيء ودخولها شيء آخر، فإذا ورد المؤمن النار، لا ليصلى حرها، بل ليرى مصير الظالمين فيها، ليتحقق عنده العدل الإلهي، ليرى مكانه في النار فيما لو لم يكن مؤمناً، هذا مما يضاعف سعادته بالجنة.
 يعني لو فرضنا شريكان، أقترح أحدهم على الآخر، أن يتعامل بضاعة غير نظامية، الثاني رفض أشد الرفض، فلما رفض فسخت الشركة، وتولى الأول خطته، واشترى بضاعة غير نظامية، وباعها، ثم ضبطت هذه المخالفة، وألقي القبض علي، والقي في السجن، فذهب الثاني ليزوره، فضلاً عن أنه يزوره، ويواسيه، ألا يشعر بحكمة بالغة وسعادة غامرة، من جراء القرار الحكيم الذي رفض به، هذه الصفقة، فربنا سبحانه وتعالى، إذا أورد الناس جميعاً النار، ليروا عدالته، ليروا أسم العدل محقق.

 

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

 

( سورة إبراهيم: 42 )

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

( سورة آل عمران: 196 ـ 197 )

 آيات كثيرة.

 

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)﴾

 

( سورة إبراهيم: 30 )

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾

( سورة القيامة: 3 ـ 4 )

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33)﴾

( سورة الحاقة: من 19 إلى 33 )

 مرة ثانية أيها الأخوة:
 دخول النار شيء، وورودها شيء آخر، مرة كنا في متحف حيوانات، في قسم الأفاعي والثعابين، يعني مكان فيه الثعبان من أكبر حجم، لكن أمامه بلور كثيف، فنحن نقف أمامه، بيننا عشرين سانتي مطمئن، نحن لم ندخل على هذا الثعبان، نحن أطللنا عليه إطلال، وبيننا وبينه حرز حريز، تمتعنا برؤية حركته، وعيونه، وأجزاء خلقه، وبيئته الذي هو فيها، وبيننا وبينه عشرين سانتي، لكن في بلور كثيف في إضاءة شديدة، وهو في بيئته الطبيعية، يتحرك ويتلوى، هل يقال نحن دخلنا إلى جحر الثعبان ؟ لا ! نحن وردنا ولم ندخل، فالمؤمن إذا وردا النار، لا يشعر بوهجها، أبداً، لا يرى إلا عدالة الله فيها محققة هؤلاء الذين ظلموه في الدنيا، له شريك مثلاً فاجر، كافر، منحرف أنتزع منه المحل التجاري، وشكاه إلى الله، وعاش في بحبوحة وقوة ومنعة، وانتهت الحياة، ولم يقع حكم الله في، جاءت الآخرة، رأى شريكه في مكانه الطبيعي، وشيء آخر، لولا أنه آمنا بالله، وعرفه، واستقام على منهجه، وسار في طريق الإيمان، لكان هنا محله، بالنار تتضاعف سعادة المؤمن في الجنة، بعد هذا الورود، فهذا الورود ليس دخولاً، قال تعالى:

 

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (71)﴾

 يعني أحياناً، لما ينزل العقاب بالمجرمين بالساحات العامة، إنسان قاتل نعدمه في الساحة العامة، هناك هدف تربوي كبير، أما إذا أعدم في السجن، ما رآه أحد، ولا أخبر به أحد، هناك حكمة بالغة، الإنسان حينما يرى عدالة الله عز وجل، وأنه قيوم السماوات والأرض وأن كل شيئاً عنده، بمقدار.

 

 

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾

 

( سورة الأنبياء: 47 )

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً(77)﴾

( سورة النساء: 77 )

 تأكل تمرة بتلاقي بالنواة، لها فلقتين، وسط الفلقتين في خيط، والتمرة لها رأس مدبب، النواة، لو وضعتها على اللسان كالإبرة، هذا النقير، والفتيل الخيط، وأيام لها غشاء رقيق جداً أسمه القطمير، فربنا عز وجل قال:

 

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾

 

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾

( سورة النساء: 124 )

﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)﴾

( سورة فاطر: 13 )

 هل هناك من قيمة لغلاف رقيق يلف النواة ؟ ترونه، هل هناك من قيمة لرأس مدبباً كالدبوس تنتهي به النواة ؟ هل هناك من قيمة لخيط بين فلقتين نواة ؟ قال:

 

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾

 

﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾

﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)﴾

﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)﴾

( سورة غافر: 17 )

﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)﴾

( سورة العنكبوت: 40 )

 إذاً هذه الآيات التي تقرأها في الدنيا، في كتاب الله، تراها محققة يوم القيامة، لذلك يوم القيامة، هو الذي خلقكم ثم يعيدكم لتجزى كل نفس بما تسعى.

 

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

 

( سورة الحجر: 92 ـ 93 )

 لذلك المؤمن أيها الأخوة:
 هذا المشهد، مشهد العبد المطلق، لا يغيب عن ذهنه أبداً، قبل أن يظلم، قبل أن يفعل شيئاً لا يرضي الله، قبل أن يأخذ ما ليس له، يقف عند هذه الآيات.

 

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (72)﴾

 العلماء قالوا على جهنم صراط مستقيم، أدق من الشعرة، و أحد من السيف، الحقيقة هذا الصراط المستقيم في الدنيا، فإذا حاسبت نفسك حساباً عسيرة، وحاسبت نفسك على القطرات وعلى الساكنات وعلى الحركات، رأيت الصراط على النار عريضاً، تنطلق به في بحبوحة، أما إذا تساهلت في حساب نفسك في الدنيا، رأيت يوم القيامة ضيقاً، وإذا كان في أخطاء فاحشة ربما وقع هذا الإنسان من على هذا الصراط وسقط في النار.

 

 

﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (72)﴾

 فلذلك هذه آية الصراط، وورود النار من أجل أن يشعر المؤمن بقيمة الهدى الذي هداه الله إليه، وبقيمة الطاعة التي وفق إليها، وبقيمة هذا الطريق القويم الذي سار فيه، والمؤمن العاقل، الذكي، الموفق، هو الذي يعد لكل شيئاً عدة قبل أن يأتي.
 تروى قصة رمزية، بكتب الأدب، أن صيادين مرا على غدير ففي هذا الغدير سمكات ثلاث، كيسة ؛ يعني عاقلة، وكيسة منها، وعاجزة، توعدا الصيادين أن يرجعا، ومعهما شباكهما، ليصيدا ما في هذا الغدير من سمك، قال فسمع السمكات قولهما، أما أكيسهن، يعني أعقلهن، فإنها ارتابت وتخوفت، وقالت العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، ثم إنها خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت، هذا العاقل، قال وأما الكيسة، الأقل عقل، الأقل ذكاء، بقيت في مكانها، أهملت، حتى عاد الصيادان، في بذهنها خطة ثابتة، جاهزة، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها، فإذا بالمكان قد سد، قالت فرطت وهذه عاقبة التفريط، غير إن العاقلة، لا يقنط من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت، فطفت على وجه الماء، متقلبة، تارة على بطنها، وتارة على ظهرها، فأخذها الصيادان، ووضعها على الأرض ميتة، بين النهر والغدير، فوثبت في النهر فنجت، لكن حرقت أعصابها هي، الأولى أذكى، قال وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وأدبار حتى صيدت، هي الحوصان، لا ينجز شيء، الكسول المهمل، بعيش لساعة أجله، إلى أن يأتيه الموت لا يصلي، كل عمر بالطاولة بالليل حتى الساعة الثانية، طاولة، وغيبة، ونميمة، واختلاط، إلى أن يأتي الأجل، ليس مستعد، قال وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وأدبار حتى صيدت وأكلت، أما العاقلة جداً، احتاطت للأمر قبل وقوعه، والأقل عقل مع وقوعه، والغبي لا قبل وقوعه، ولا مع وقوعه، ولا بعد وقوعه، هذا عطل تفكيره، فلذلك هذه الآية أيها الأخوة متعلقة بيوم القيامة.

 

 

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (72)﴾

 

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمن ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018