الخطبة : 0282 - العلم1- العلم بالله ، والعلم بأمره - آلية الطيران وآية الله في الطائر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0282 - العلم1- العلم بالله ، والعلم بأمره - آلية الطيران وآية الله في الطائر.


1989-12-15

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ، ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

العبادة علة وجود الإنسان في الدنيا :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ أمضينا أسابيع كثيرة في موضوع العبادة ، وأمْضينا أسابيع كثيرة في موضوع الصبر ، وإن شاء الله تعالى سيكون الموضوع لعِدّة أسابيع موضوع العِلْم . أما لماذا اختَرْتُ الصّبْر بعد العبادة ولماذا اخترْت العلم بعد الصبر فللأسباب التالية .
 كلّكم يعلم أنّ الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56 ]

 فالعبادة علّة وُجود الإنسان في الدّنيا ، وقد عُرِّفَت العبادة مرات كثيرة بأنّها طاعةٌ طَوْعيّة ممْزوجةٌ بِمَحبّة قلبيّة ، أساسها معرفةٌ يقينيّة ، تفضي إلى سعادةٍ أبديّة ، في العبادة أشياء ثلاثة ؛ معرفة وعملٌ وسعادة ، فالسعادةُ نتيجةٌ طبيعيّة حَتْميّة ، ولكنّ الشيء الأساسيّ هو الطاعة ، والطاعة تحتاج إلى الصّبر ، وقد وسَّعْتُ معنى الصّبر بحيث أنّ الإنسان رُكِّبَت فيه الشّهوات ، فإذا ضبطَ حركاته وسكناتِه ، وضبطَ جوارحهُ ، وحملَ نفسهُ على طاعة الله ، فقد حقّق الطاعة ، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال حينما سئل عن الإيمان ، قال : " إنّه الصّبْر" .
 ولكنّ العبادة التي هي علّة وُجودنا في الدّنيا ، علّة خلْق الإنسان ، وسبب وُجوده، والغاية من خلقِهِ ، إنَّها مبنيّة على العلم ، وقَول الإمام الشافعي الذي أذكرهُ كثيرًا : " إذا أردْت الدّنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردْت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معًا فعليك بالعلم " ، ولكنّ كلمة العلم كلمةٌ واسعةٌ جدًّا ، إنّ أيّ اكتشافٍ لأيّة علاقةٍ ثابتةٍ بين شيئين ، مقطوع بصِحّتها ، يؤكّدها الواقع ، عليها دليل ، هي علْم ، لذلك العلماء الأجلاء فرّقوا بين علم الحقيقة، وبين علم الخليقة ، وبين علم الشريعة ، أو بين العلم بالله ، والعلم بأمْره ، والعلم بخلقهِ .

 

العلم بالله :

 فالحديث اليوم عن العلم بالله ، والعلم بأمره ، أما العلم بخلقه فهو أصْلٌ في صلاح الدّنيا ، إذا اكتشفنا القوانين ، وعرفنا العلاقات الثابتة ازدادَت فائدة الإنسان من هذا الكون، المقصود في موضوعنا العلم هو العلم بالله عز وجل ، فإذا عرف الإنسان ربّهُ عرفَ نفسهُ ، وإذا عرفَ نفسهُ عرف ربّه ، فبالعلم بالله يعرفُ نفسهُ ، ويعرفُ ربّهُ ، ويهتدي إلى غايته، ويكتشفُ طريقهُ ، ويعلمُ ما لهُ ، وما عليه .
 العلم بالله يهديه إلى الحق ، وإلى صراط مستقيم ، ويهديه إلى الخير ، ويهديه إلى السعادة ، بالعلم بالله تحقق مصالحهُ ، وتُدرأ عنه مفاسده ، هناك علمٌ ممتع ، وأيّ علمٍ ممْتع مهما يكن موضوعهُ ، ومهما تكن درجته ، وهناك علمٌ ممتعٌ ونافعٌ ، فقد تختصّ باختصاصٍ دقيق يقبلُ عليك الناس من كلّ حدبٍ وصوب ، هذا علمٌ ممتعٌ ونافعٌ ، وهناك علمٌ ممتع ونافعٌ ومُسْعِد في الدنيا والآخرة ؛ إنَّه العلم بالله تعالى ، لذلك بعض العلماء يروْن أنّ كلمة العلم حيثما وردت في القرآن الكريم تعني العلم بالله الذي به نعرفُ أنفسنا ، وبه نعرف ربّنا ، وبه نهتدي إلى غايتنا ، وبه نكتشفُ طريقنا ، وبه نعلمُ ما لنا ، وما علينا ، هو يهدينا إلى الحق ، ويهدينا إلى الخير ، ويهدينا إلى السعادة ، به تتحقّق مصالحنا ، وبه تُدرأُ عنّا مفاسدنا .

 

طلب العلم أحبّ عمل إلى الله عز وجل :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حسْبُكم الحديث الشريف الذي رواه الشيخان ، وهو أعلى درجة من الأحاديث الصحيحة ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))

[البخاري عن حميد بن عبد الرحمن]

 ولكن كلمة الفقه في هذا الحديث لها معنًى أعْمق مِمَّا يتبادر إلى أذهاننا اليوم ، فلان تعلّم الفقه أي تعلّم الأحكام الشرعيّة ، تعلّم فرائض الصلاة ، وأركانها ، وشروطها ، واجبات الصلاة ، سنن الصلاة ، مستحبات الصلاة ، الفقه في هذا الحديث يعني أن تعلم ظاهر الدين ، ولُبّه معًا ، الفقه في الدِّين في هذا الحديث يعني أن تعلم وتعملَ ، أن تكون عالمًا مطبّقًا، عالمًا منفِّذًا ، عالمًا ملتزمًا ، من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدّين . والنبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم يقول :

((من سلكَ طريقًا يلْتمِسُ فيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ بهِ طريقًا إلى الجنَّة ، وما اِجْتَمعَ قومٌ في بيتٍ مِنْ بيُوتِ الله يتْلونَ كِتـابَ الله ، ويتَدَارسُونهُ بينهم إلا حفّتْهم الملائكة ، ونزلَتْ عليهم السكينة وغشِيَتْهم الرّحْمة ، وذَكَرهم الله فيمَن عندهُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 ألا تُحبّون أن تكونوا من هؤلاء ؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((إنّ الملائكة لَتَضَعُ أجنحتها لطالب العلم رِضا بما يصْنع))

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

 معنى تضَعُ أجنحتها لِطَالب العلم ، معنى الوَضْع في هذا الحديث أيْ تتواضَعُ له - وهي الملائكة - وتوقِّرُهُ ، وتبجّلهُ ، ومعنى حفّتْهم الملائكة أيْ حفّتْهم بالحِماية ، والحفظ ، والرّعاية ، والصّيانة :

((إنّ الملائكة لَتَضَعُ أجنحتها لطالب العلم رِضا بما يصْنع))

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

 ما من عملٍ أحبّ إلى الله عز وجل من أن تطلبَ العلم ، من أجل أن تعرفَ من أنت ؟ وأين كنت ؟ وإلى أين المصير ؟ وما سرّ وُجودك في الأرض ؟ وما أنفعُ شيءٍ تفعلهُ ؟ وما أجْدى شيءٍ تؤثرهُ ؟ ومتى يكون الإنسان خاسرًا ؟ ومتى يكون رابحًا ؟ وما قيمة المال ؟ وما قيمة اللّذائذ ؟ وما قيمة الأعمال الصالحة ؟ رضا بما يصْنعُ ، وإنّ العالم ليسْتغفرُ له من في السموات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في الأرض ، وفضْل العالم على العابد كفضْل القمر على سائر الكواكب .
 العبادة هشّة تتساقط أمام أيّ إغراء ، تتهاوى أمام أيّ ضغط ، أيّ ضغْطٍ مهما ضؤُل تتهاوى العبادة أمامهُ ، أيّ إغراءٍ مهما صغر تتساقط العبادة أمامه ، عالمٌ واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد ، كُنْ عالمًا ، أو متعلّمًا ، أو مستَمِعًا ، أو مُحِبًّا ، ولا تكن الخامس فتهْلك ، وفضْل العالم على العابد كفضْل القمر على سائر الكواكب ، وإنّ العلماء ورثةُ الأنبياء ، ألا تُحِبّ أن تكون وريثًا للنبي عليـه الصلاة والسلام ؟ الطريق مفتوح ، والثّمن مبذول ، تعلَّم العلم فأنت من ورثة الأنبياء :

((إنّ الأنبياء لمْ يورّثوا درْهمًا ، ولا دينارًا ، إنّما ورّثوا العلم ، فمَن أخذهُ أخذَ بِحَظٍّ وافر))

[أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]

العلم هو الطريق الوحيد إلى الله عز وجل :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قبل أن أُتابع الحديث في هذا الموضوع ، موضوع العلم خطيرٌ جدًّا ، معنى خطير أيْ أنّه مهمّ ، كلمة خطير تستخدمُ في معرض الحديث عن أهميّة الشيء ، في الخطب القادمة إن شاء الله تعالى سيكون الحديث عن العلم والإيمان ، وما علاقة العلم بالإيمان ؟ وعن العلم والعبادة ، وعن العلم والعمل ، وعن العلم والدنيا ، وعن العلم والآخرة، علاقة العلم بهذه الموضوعات الكبرى في حياة الإنسان .
 سيّدنا عمر رضي الله عن سيّدنا عمر ، قال : " أيّها الناس ، عليكم بِطَلبِ العلم، فإنّ لله تعالى رِداءَ محبّة ، فمَن طلبَ العلم ردّاهُ الله بهذا الرّداء " ألا تحبّ أن يحبّك الله عز وجل ؟ ألا تتمنى أن تكون عند الله محبوبًا ؟ ألا تتمنى أن تكون عند الله مفضلاً ؟ ألا تتمنى أن تحتلّ عند الله مرتبةً عليّة ؟ اُطلب العلم ، تعلّم العلم .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أحدُ الرّجال سأل الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما عن الجهاد ، فقال ابن عباس الصحابيّ الجليل : " تبني لله مسجدًا ، وتعلّم فيه القرآن ، وسنن النبي عليه الصلاة والسلام ، والفقه في الدّين " هكذا فهِمَ سيّدنا ابن عباس الجهاد من بعض الزوايا ، من بعض المفاهيم المتعلّقة بالجهاد أن تنشر الحقّ ، ونشْرُ الحقّ وِقايةٌ ضِدّ الباطل ، وهل الجهاد إلا مكافحة الباطل ، ودرهمُ وقاية خيرٌ من قنطار عِلاج ، المهمّ أن ينتشر الحقّ في الأرض ، فإذا نشرْتهُ بالتعليم أغناك عن الجهاد .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الصحابيّ الجليل ابن مسعود رضي الله عنه يقول : " نعم المجلسُ مجلسٌ تُنشرُ فيه الحكمة ، وتنشرُ فيه الرحمة ، إنّه مجلسُ العلم " .
 وسيّدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول :" تعلَّموا العلم ، فإنّ تعلّمه لله خَشْيَة" والدليل قول الله عز وجل :

﴿كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[ سورة فاطر : 28]

 طريق الخشية الوحيد أن تكون عالمًا ، طريق الطاعة الوحيد أن تكون عالمًا ، طريق القُرْب الوحيد أن تكون عالمًا ، الطريق إلى الله الوحيد هو العلم ، فإنّ تعلّمه لله خَشية، وطلبهُ عبادة ، وكأنّك تصلّي وتصوم ، ومُدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، والدليل قوله تعالى :

﴿جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

[سورة العنكبوت : 69]

 أي جاهدوا في البحث عن الحقّ وأهله ، لأن البحث عن الحق وأهله نوعٌ من الجهاد ، والبحثُ عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمهُ صدقة ، لو أنّك تقاضَيْت على ساعة تعليم العلم مئة ألف ليرة ، لا تساوي شيئًا يسيرًا من إكرام الله لك ، لذلك تعليم العلم لا يقدّر بِثَمَن ، لأنّ الله سبحانه وتعالى في عَليائِهِ يتولّى مكافأة من يعلّمك الخير ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام : " خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه ".
 وتعليمه لمن لا يعلمهُ صدقة ، وبذْلهُ لأهله قُربةٌ إلى الله عز وجل ، هذا قول الصحابي الجليل معاذ بن جبل ، وهو الأنيسُ في الوحدة ، المتعلّم لا يشكو الوحدة ، أنيسهُ العلم، لا يشكو طول الوقت ، أنيسهُ العلم ، حافظ القرآن ، الفقيه في الدِّين ، الذي يطلب العلم لا يشكو الوحشة أبدًا ، فالاستئناس بالناس من علامات الإفلاس . وهو الأنيسُ في الوحدة ، والصاحبُ في الخَلوة ، والدليل على الدِّين ، والنصيرُ في السّراء والضّراء ، والوزير عند الأخلاء - أي المعين - والقريب عند القرباء ، منار سبيل الجنّة ، يُنيرُ لك سبيل الجنّة ، يرفعُ الله به أقوامًا ، قال تعالى :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[سورة الشرح: 1-4]

ما من رتبة أعلى في الدنيا و الآخرة من رتبة العلم :

 من منَّا يذكرُ رجلاً من صاحب الأموال الطائلة عاش في القرن الثامن عشر ؟ إنّكم جميعًا لا تذكرون هذا الإنسان ، وأنا لا أعرفه معكم ، ولكنّ العلماء الذين هم ورثة الأنبياء على كلّ لسانٍ في كلّ يوم ، وفي كلّ مكان ، يا بنيّ - كما قال الإمام عليّ - مات خُزّان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدّهْر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة ، يرفع الله به أقوامًا ، إذا أردْت الرِّفْعة الحقيقيّة ، والرّفعة المشروعة ، إذا أردت المكانة المرموقة ، من دون أن تكون مبنيّة على أنقاض الآخرين ، ولا على مشكلاتهم فتعلّم العلم ، ما من رتبة أعلى في الدنيا ، وفي الآخرة من رتبة العلم ، العالم شيخٌ ولو كان حدثًا ، والجاهل الشيخ كأنّه حَدَث ، الحَدَث العالم كأنّه شيخ والجاهل الشيخ كأنّه حَدَث ، يرفع الله به أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة ، ويجعلهم سادة ، ويجعلهم قُدوةً يُقتدى بهم ، به تقتفى آثارهم ، به ترمق أفعالهم ، ترغب الملائكة في صحبتهم ، تمسحهم بأجنحتها ، ويستغفر لهم كلّ رطْبٍ ويابسٍ ، وطلب العلم مبذول ، والعلم مبذول بلا ثمَن ، اُدْخُل إلى المسجد ، وتعلّم تفسير القرآن ، تعلّم سنّة النبي العدنان ، تعلّم أحكام الفقه .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ نتابع قول سيّدنا معاذ بن جبل : " حتى حيتان البحر وهوامه ، وسباع البرّ وأنعامه ، والسماء ونجومها ، تصلّي على معلِّم الناس الخير" .

 

بالعلم يُطاع الله عز وجل و يُعْبد و يُوحّد :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ بِهِ أيْ بالعلم يُطاع الله عز وجل ، وبه يُعْبد ، وبه يُوحّد ، وبه يمجّد ، وبه يتورّع ، وبه توصَلُ الأرحام ، وبه يعرف الحلال والحرام ، هو إمامٌ والعمل تابعُه، يلهمهُ الله السّعداء ، ويحرمه الأشقياء ، يكفي أنّ الشقيّ من حُرِمَ العلم ، إنّ الله يعطي المال لمن يحبّ ولمن لا يحبّ ، قال تعالى :

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾

[سورة القصص:76]

 وإنّ الله يعطي القوّة لمن يحبّ ولمن لا يحبّ ، أعطى المُلك لِسَيّدنا سليمان وأعطاه لفرعون ، لمن يحبّ ولمن لا يحبّ ، يعطي المال لمن يحبّ ولمن لا يحبّ ، ولكنّه لا يعطي العلم والحِكمة إلا لمن يحبّ ، قال تعالى :

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

[سورة يوسف: 22]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يحيى بن معاذ قال : " العلماء أرْحم بِأُمّة محمّد من آبائهم وأمّهاتهم ، قيل : وكيف ؟ قال : لأنّ الآباء والأمّهات يحفظونهم من نار الدّنيا ، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة " سُئِلَ ابن المبارك : من الناس ؟ قال : العلماء ، كأنّه يريد أن يقول: من لم يطلب العلم فليس من الناس ، قال : فمَن الملوك ؟ قال : الزّهاد ، اِزْهَد بما في أيدي الناس تكن ملكًا ، اسْتَغْنِ عن الرّجل تكن أميرهُ ، واحْتَج إليه تكن أسيرهُ ، تكن عبدًا له ، فإذا زهِدْت في الدنيا أحبّك الناس ، وأصبحْت كالملِك ، الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ، حجّة الإسلام أبو حامد قال : " لمْ يجعل الإمام ابن المبارك غير العالم من الناس " لأنّ الناحيَة التي يتميّز بها الناس عن سائر البهائم هي العلم ، الإنسان يأكل ويشرب ، والبهيمة تأكل وتشرب ، والإنسان ينام ، والبهيمة تنام ، الإنسان يتوالد ، والبهائــم تتوالد ، ما الذي يرفعك عن مستوى البهيمة ؟ أن تكون عالمًا ، فالإنسان - كما قال الإمام أبو حامد - إنسانٌ بما هو شريفٌ لأهله وليس بقوّة جِسْمه فالجمل أقوى ، وليس بِعظمهِ فالفيل أعظم منه ، ولا بِشَجاعته فالسبع أشجع منه ، ولا بأكله فالثَّوْر آكلُ منه ، ولا لأنّه يُجامع فأخسّ أنواع العصافير أقوى على السّفاد منه ، بل لم يُخلق إلا للعلم " ورد هذا في إحياء علوم الدِّين .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول :" حاجة الإنسان إلى العلم أكثر من حاجته إلى الطعام والشراب " ، النبي عليه الصلاة والسلام رفعَ يديه إلى السماء ، ابن عباسٍ كان شابًا صغيرًا يافعًا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام ، جهَّزَ له وَضوءهُ ، فلمّا سأل النبي : من فعَلَ هذا ؟ قالوا : ابن عبّاس ، فرفع يديه إلى السماء ، وقال : " اللهمّ فقّهه في الدِّين وعلّمه التأويل " وضمّه مرَّةً ، وقال : " اللهمّ علّمه الحكمة " ودعا له ثالثة فقال : " اللهمّ بارك فيه وانْشر الخير منه ".

 

دعاء النبي الكريم لابن عباس بِتَعَلّم العلم والتأويل والفقه في الدِّين :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ سيّدنا عمر رضي الله عن عمر كان من حينٍ لآخر يأذنُ لأهل بدر ، ويأذن لي معهم ، هكذا قال ابن عباس رضي الله عنه ، فقال بعض أصحاب النبي: أتأذن لهذا الفتى ومن أبنائنا من هو في سِنِّه ؟ فقال سيّدنا عمر : إنّه مِمَّن قد علمْتم ؛ إنّه ابن عباس ، مِمَّن دعا له النبي بِتَعَلّم العلم ، وتعلّم التأويل ، والفقه في الدِّين ، والحِكمة ، والبركة ، والخير . أذِنَ لهم يومًا ، وأذن لي معهم ، فسألهم عن هذه السورة ، قال تعالى :

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾

[سورة النصر: 1-3]

 فقالوا : إذا فتَحَ الله على النبي صلى الله عليه وسلّم فقد أمره الله أن يستغفر ويتوب ، فالْتفتَ إلى ابن عباس وقال : يا بن عباس ما تقول أنت في هذه السورة ؟ قال : أخبرَ الله نبيَّهُ بِدُنوّ أجله إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ، انتَهَتْ مهمّتك ، والعظماء لا يعيشون للطعام والشراب ، يعيشون للرسالة ، فإذا تحقّقتْ انتَهَت مهمّتهم ، فقال : بها أخبر الله نبيّه أنّه قد اقترب أجله .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ وُصِفَ ابن عباس رضي الله عنه فقالوا : إنّه فتى الكهول ، له لسانٌ سؤول ، وقلبٌ عقول ، وقد سئِلَ مرَّة : بمَ أصبْت هذا العلم ؟ فقال : بلِسان سؤول ، وقلب عقول .
 سئلَ مرَّةً عن تفسير قوله تعالى :

﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾

[سورة الأنبياء : 30]

 فأجاب بالحرف الواحد : كانت السموات والأرض رتقًا ، وكانت السماء رتقًا فلا تمطر ، والأرض رتقًا فلا تنبت ، ففتق هذه بالمطر ، وفتق هذه بالإنبات .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام سمّاه البحر لِكَثرة علمه ، ولِعُمْق فهمه ، ولإدراكه السليم .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ باب العلم مفتوح ، وباب العلم مبذول ، وما علينا إلا أن نطلبهُ حتى نستحقّ رضا الله عز وجل .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا ، فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

آلية الطيران وآية الله في الطائر :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ اسْتوقفتني كلمةٌ قرأتها في بعض المجلات العلميّة هذه الكلمة تقول : إنّ أعظم طائرةٍ حديثة صنعها الإنسان لا ترقى بل لا تقترب من مستوى الطائر ، في القرآن الكريم آيةٌ كريمة وهي قوله تعالى :

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾

[سورة الملك : 19]

 فما هذه الآليّة ؟ فما هذه الخصائص الفنيّة التي يتمتّع بها الطائر حتى أصبح فوق أعلى طائرة صنعها الإنسان ؟ موضوع طويل ، موضوع معقّد ، ولكن سآخُذ منه شيئًا واحدًا من مقوِّمات الطيران تِلك الريشة التي جهَّز الله بها الطائر .
 أولاً : للريش وظيفتان :
 1- المحافظة على حرارة الجسم .
 2- الطيران .
 الكثير من المواد والاجسام لها وظيفة العازل للحرارة مثل فرو الثديات ولكن الريش يقوم بهذه الوظيفة بطريقة انجع بكثير من الفرو ، لذلك ترى الذين يتجولون في المناطق الباردة يستعملون لباس من الريش .
 صفة العازل الناجع التي يحظى بها الريش ، والحفاظ على درجة حرارة الجسم تمكن الطيور من النشاط بشكل أوسع من ناحية المساحة والزمن معا ، فهي تتواجد بأماكن كثيرة ومختلفة

(( يمكن أن نجدها بالصحراء الحارة حتى القطب البارد وفي المحيطات وحتى الجبال ))

 وأيضا فهي فعالة ونشيطة في الليل والنهار .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018