الدرس : 7 - سورة يس - تفسير الآية 67 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 7 - سورة يس - تفسير الآية 67


1995-11-21

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآيةُ السابعةُ و الستُّون من سورة يس وهي قوله تعالى:

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (67)﴾

[ سورة يس ]

 كأنَّ هذه الآيةَ تشير إلى نعمةٍ عُظمى أنعم الله بها علينا وهي نعمة القوَّة الإدراكية و الذاكرةُ، فأحدُنا ينطلق من بيته و يعود إلى بيته دون أن يفكِّر في معرفةِ الطريقِ المُوصِلِ إلى بيته، و أحدُنا يدخل عليه ابنُه فيعرفُه و يدخل إلى دكَّانه فيعرف كلَّ ما فيها من البضاعةِ، هذه القوَّةُ الإدراكيةُ و هذا التَّذكُّرُ من نِعَم الله تعالى علينا.
 أحدُ إخواننا الكرام تُوُفِّيَ رحمه الله، و قبل أن يموت بعامين تقريبا و له معملٌ في منطقة القَدَمِ، ركب مركبته واتَّجه نحو بيته، فنسيَ بيتَه، و بقيَ نصفَ ساعةٍ وهو يدورُ، أين بيتي ؟! لكنَّه تذكَّر بيتَ ابنه فذهب إلى بيت ابنه ليدُلَّه على بيته، و لما عالجه الأطِبَّاءُ قالوا إنَّه فَقَدَ الذاكرةَ جزئِيًّا، أحد الصيادلة في المهاجرين فقَدَ ذاكِرَتَهُ كُلِيًّا إلى حدّ أنَّه دَخَل عليه ابنُهُ مِن أمريكا فما عرفهُ ! أحيانًا بعض المرْضى إذا تَقَدَّمَت بهم السِّن لا يعرفون أحدًا يدْخُل عليهم، فأنت لمَّا تدْخُل المسْجِد تضَعُ حِذاءَكَ في مكانٍ مُعَيَّن، وبعد أن تنتهي الصَّلاة تذهب بِشَكلٍ طبيعيّ لِتَأخذ حِذاء، فَكُلّ شيءٍ تفْعَلُهُ له مكان في الذاكرة فأنت حينما تدخل عند الصَّيدلي، وتسألُه إن كان له هذا الدَّواء، تَجِدُه يذْهب إلى أحد الرُّفوف من الجهة كذا وفي الطابق كذا، ويأتيك بالدَّواء، معنى هذا أنَّ كلّ الصَّيْدَلِيَّة في ذِهْنِهِ، فالبيت والمحل ؛ كلّ هذه يُمْكِن أن تكون بِذِهْنِكَ، وأنت إذا عشت سبعين سنة، يكون لك في ذِهْنِكَ سبعين مليار صورة ! وأيُّ إنسان يتَّصِل معك على الهاتِف فيقول لك: هل عرفْتني؟ تقول له: أنت فلان ! فما هذه الذاكرة ؟ العلماء قالوا: هذه الذاكرة مُقَسَّمَة إلى أنواع ؛ فَهُناك ذاكرة شَمِّيَّة فأنت تُمَيِّز أنواع الروائِح، فأنت مِن خلال لحظات تسْتطيع أن تعرف نوع الرائِحَة، فهذه الذاكرة هِيَ مِن أعظم النِّعَم الإلهيَّة، وهي أسْرع مِن الكمبيوتر، إذْ هناك الآن حواسِب تقرأ بالثانية أربعمائة وخمسون مليار حرف في الثانِيَة، فالطبيب مِن خِلال نظْرة يقول لك: معك كذا وكذا هذا يعني أنّ الطبيب بِذَاكِرَتِهِ ملايين المعلومات التي جَعَلتهُ يكْشِف مرضَكَ، وكذا المحامي والصَّيدلي، والآن هناك حِرَف مِعَقَّدة جدًّا، لذا لولا الذاكرة لما اسْتَطاع الإنسان أن يعيش، قال تعالى:

 

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (67)﴾

 

[ سورة يس ]

 أحد الإخوة خرج من بيتِهِ وكان ذا مستوى رفيع علميًّا، خرجَ ولم يعرف العَودة ! بَحَثوا عنه فإذا هو بالقنوات !! قال تعالى

 

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (67)﴾

 

[ سورة يس ]

 وبالمناسبة، فقْد الذاكرة الكُلِّي أو الجُزئي هو نوعٌ مِن الخرَف، ولكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((مَن تعلَّم القرآن متَّعَهُ بِعَقْلِهِ حتَّى يموت...))

 ونحن عندنا قاعِدَة بالطِّب هي أنَّ العُضْوَ الذي لا يعْمَل يضْمُر، فكلّ إنسان يعْمَل بِذِهْنه، فالذي يُصَلِّي خمْس صلوات باليوم يقوم بِنَشاط ذِهني، لي قريبة وهي أُخْت أُمِّي، أُصيبَت بِضيقٍ في شرايين الدِّماغ، فقال: حدِّثوها ! فقلتُ: وهل هذا هو الدَّواء ؟! فقال الطبيب: نعم، إنَّكم إن حدَّثتموها أرْغَمْتُموها على أن تُجيب ؟ عَمِلَت خلايَا الدِّماغ، فاتَّسَعت الأوْعِيَة، ورُوِيَ المخّ بالدَّم، فهذا الذي يُصَلِّي ويحْضُر مجالسَ العِلم ؛ هذا يعْمل بِذاكِرَتِهِ دائِمًا، فهذا النَّشاط الفِكري الدائِم يقيهِ مِن نشاط الذاكرة، ويقيهِ مِن فقْدِ الذاكرة.
 فنحن قلنا هناك ذاكرة شَمِيَّة، وذاكرة ألوان، وذاكرة أشْكال، وذاكرة أصْوات، وخمسة آلاف مليون بالعالم ؛ لا يوجد ولا واحد يُشْبِهُ الآخرة بِنَبْرة صَوْتِهِ ! لذا أنت تعرف الناس بالهاتِف بِنَبَراتِ صَوْتِهِم أذْكُر أنَّه مرةً اتَّصل بي شَخص فقال لي: هل عرفْتني ؟ فقلتُ له: لا فقال: أنا فلان الفلاني، فهذا الشَّخص نسيتُهُ لأنَّه دخل السِّجن، وفي اليوم نفْسِهِ الذي خرج منه اتَّصل بي، فأنا كنت قد أخليتُ ذاكرتي منه جرَّاء دُخوله السِّجن، فلذلك نسيتُهُ، وما اسْتَحْضرتُ نبْرَةَ صَوْتِهِ وكذا أرقام الهواتف، لذا قا العلماء: هناك بعض الأمور الدقيقة جدًّا تُحْفَظ في مكان دقيق، وبعض الأمور تُحْفَظ في مكانٍ مُتَوَسِّط وبعض الأمور تُحْفَظ في مكانٍ بعيد، فالأشياء التي لا قيمة لها توضَع في مكان بعيد في الذاكرة، فالذاكرة شيء لا ينتهي، ففي عالم الحيوانات هناك دودة لها اسم خاص يدْرُسها طلاب الشهادة الثانوِيَّة، وهذه الدودة إذا قَطَعْتها نملة ذَنَبُها رأْسًا، ونمى رأسُها ذَنَبًا، وهذه مِن أنْدَر المخلوقات ! أخذوا هذه الدودة ووضَعوها في محلول - مِن أجل معرفة الذاكرة - كَهْربوا المحلول وتألَّق مِصباح كهربائي موصول وعلى مُدَّة سِتَّة أشْهر كَهربوا المحلول، فاضْطَرَبَت، ولم يتألَّق المِصْباح !! هذه أبْسَط نوع من أنواع الذاكرة، ارْتبَك كهربَة المحلول مع تألُّق المِصباح، فلمَّا تألَّق المصباح وحْده اضْطربَت هذه الدودة لذا أيها الإخوة موضوع الذاكرة وحْده شيء مُذْهِل، قال تعالى:

 

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (67)﴾

 

[ سورة يس ]

 هذه الذاكرة من آيات الله الدالة على عظمة الله، حدَّثونا بعض الأساتِذة في الجامعة أنَّهم رسَموا دائِرَتين مُتَداخِلَتين، وقالوا: هذه ذاكرة الذَّكاء وهذه دائرة الذاكرة، فليس شرْطًا أن يكون الذَّكي ذا ذاكرة قَوِيَّة، وليس شرْطًا أن يكون ذو الذاكرة القِويَّة ذَكِيًّا، ولكن لا بدّ مِن منْطِقَةٍ مُشْتركة بينهما، فكلّ إنسانٍ له قُوَّة مُحاكَمَة قَوِيَّة لا بدّ له من ذاكرة قَوِيَّة، وكلّ إنسان له ذاكرة قَوِيَّة فهذا يعني أنّ له مَلَكات قَوِيَّة، ولكن الذاكرة شيء، والمُحاكَمة شيء آخر، لذا إذا الله تعالى متَّع الإنسان بِذاكرة فهذه نِعْمة كبيرة، ومن تعلَّم القرآن متَّعَه الله حتَّى يموت، قال تعالى:

 

﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾

 

[ سورة الحج ]

 فالذي يصلِّي ويحضر مجالسَ العِلْم، وفكَّر في خَلق السماوات والأرض، فهذا في الأعمّ الأغْلَب مَحْفوظ أن يَخْرف أو أن يُرَدَّ إلى أرْذَل العُمر، وهذه الآية في سورة يس مُهِمَّة جدًّا، قال تعالى:

 

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (67)﴾

 

[ سورة يس ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018