الدرس : 4 - سورة يس - تفسير الآية 47 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 4 - سورة يس - تفسير الآية 47


1995-11-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية السابعة والأربعون من سورة يس و هي قوله تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(47)﴾

[سورة يس]

 لا شكَّ أنَّ الله سبحانه وتعالى قادر أن يطعم الفقير و أن يغنيه و يجعل الغنيَّ محتاجا إليه، ولكنَّ الله سبحانه و تعالى امتحن بعضنا ببعض أرسل بنا إلى الدنيا من أجل أن نعمل عملا صالحا نرقى به، فالإنسان إذا تَوَهَّم أن الله تعالى هو الذي يطعم الفقيرَ و هو الذي يعين الضعيفَ و ينصر المظلومَ، وأنا لا علاقة لي، نسي دوره في الدنيا، نسي هويته لأن الله سبحانه وتعالى قال:

 

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾

 

[سورة الأحزاب]

 الإنسان قَبِل حملَ الأمانة و قَبِل التكليفَ، وجاء اللهُ به إلى الدنيا لتكون مدرسةً للآخرة، لتكون الدنيا حياةً إعدادية للحياة العليا، فجاء بنا إلى الدنيا وخلق الكون من أجل أن نعرفه من خلاله، أحد أول المقوِّمات حمل الأمانة الكونُ ؛ لأن الكون مظهر لصفات الله العليا و أسمائه العليا، والله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، وإذا نظرتَ إلى الكون عرفت الله من خلاله، فعن قَتَادَةُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا ))

[ رواه أبو داود ]

 الكون كله ببحاره وأنهاره بجباله وسهوله وبكل ما فيه من مَخلوقات وحيوانات وأسماك وطيور من إنسان و بكل ما فيه من مزروعات يدلُّ على الله، موجوداً وواحداً وكاملاً، فالكون مقوِّم، والعقل مقياس دقيق أودعه الله فينا، بل إن العقل في الإنسان أعظم ما في الكون من دون استثناء، الإنسان أعقد ما في الكون و أعقد ما في الإنسان دماغه، فالعقل البشري أعظم هدية وهبها الله لنا، ولمَّا خلق الله العقل قال له: أقبل ؛ فأقبل، ثمَّ قال: أدْبِرْ، فأدْبَر، قال: وعزَّتي وجلالي ما خلقتُ خلقاً أحبَّ إليَّ منك، بك أعطي و بك آخُذ، فالإنسان لو أعملَ عقله ساعة واحدة لعرف الله، والإنسان وصل للقمر و غاص في أعماق البحار ووصل إلى خندق مِرْيانا في المحيط الهادي الذي عمقه اثنا عشر ألف، نقل الصوت والصورة الملوَّنة عبر الأقمار، والإنجازات العلمية شيء لا يُصدَّق ! لو أنَّ الإنسان أعمل مِنْ عقله واحداً مِن مليار ممَّا أعمله من أجل الدنيا لعرف الله، وهذه حجة الله على الإنسان، ونحن نَنْعَم بهذه المنجزات فالإنسان يتصل بالعالم كلِّه في دقائق، والتلفون الخلوي أعظم، في أيِّ مكان أنت تستخدم هذا الهاتف تتَّصل بأيِّ إنسان، ونقل الصورة ليس قليلا، والكمبيوتر يقرأ أربعمائة و خمسين مليون حرف في الثانية والإنسان اختصر المسافات و الوقت ومع ذلك ما عرف الله، فلو أنَّه عمل مِن عقله ما يساوي مِنْ حيث الطاقة واحدا بالمليار ممَّا أعمله مِن أجل دنياه لعرف الله، و الطائرة التي تنقل سبعمائة راكب يأكلون الطعام الساخن و المشروبات الباردة و الفواكه والحلويات وهم مرتاحون في مقاعد على ارتفاع ثلاثةٍ و أربعين ألفِ قدمٍ و يتَّصلون بالعلم بالهاتف و يرَوْن ويسمعون، هذا كلُّه مِن إنجاز العقل البشري و هذا العقل الإنسان أعمله لغير ما خُلِق له، أعمله للدنيا و لحياة محدودة و لسنوات معدودة، ولو أنَّ الإنسان أعمل عقله لمعرفة الله عز وجل لَمَلَكَ السعادة الأبدية، لذلك لمَّا رأى سيِّدُنا رسول الله خالدَ ابنَ الوليد قال له: "عجبتُ لك يا خالد ! أرى لك فكرًا.أي ؛ لماذا تأخَّرْتَ في إسلامك ؟ أنت إنسان عاقل، وإنَّما الدِّينُ هو العقل، ومّن لا عقل له لا دِينَ له، ومَن لا دين له لا عقل له.
إنَّ الإنسان قد يكون ذكيًّا في اختصاصه و في حِرْفته، في طِبِّه، في هندسته، في إدارة أعماله، في كلِّ ما هو فيه قد يكون ذكيًّا، أمَّا إذا لم يعرف اللهَ فليس عاقلاً أبدً، لأنَّه اهتمَّ بالجزئيَّات و نسِيَ الكُلِّيات فالله عز وجل أعطانا الكون، والكون بلا عقل لا قيمةَ له، والعقل بلا كون لا قيمة له، فالعقلُ و الكون متكاملان، و الإنسان في دماغه مركز الذاكرة فيه لا يساوي حَبَّةَ العدس، فالإنسان إذا عاش ستِّينَ سنةً في ذاكرته سبعون مليار صورة، شيء مُعْجِز !! هذا هو العقل البشري، فيه تذَكُّرٌ و محاكمة وحكم واستقراء و استنتاج و تخَيُّل وتصوُّر، فنشاطُ العقل كبيرٌ، أحياناً الإنسان يتوَجَّهُ إلى بيته بغير تفكير و يقود سيَّارته و هو لا يشعر، فربُّنا عز وجل أعطانا في الدماغ مركزَ العمل الآلي رحمةً بنا، فكلُّ حركاتنا اليومية تنتقل إلى مركز العمل الآلي، تعملها و أنت لا تشعر، فالعقل البشري أعظمُ جهاز خلقه الله في الكون، وأعظم مخلوق هو الإنسان و أعظم ما فيه عقله البشري الذي يمكن أن يُوصلَك إلى سعادة الأبد، فجاء الإنسان و استخدمه للدنيا فقط، وإذا مات ترك كلَّ شيء و انتقل إلى دار أخرى، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: " ألاَ يا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة، ألاَ يا رُبَّ نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة.أيَا رُبَّ مكُرِمٍ لنفسه وهو لها مُهين.
أحيانا الإنسان يترفَّعُ عن الدخل الحرام، و تكون حياتُه خشنةً و بيته صغيرًا و مَركَبتُه صغيرةً و لباسُه وسطًا، لكنَّه آثَرَ مرضاةَ الله عز وجل، و أحيانًا يقبلُ دخلاً كبيراً و لكنْ بطريقٍ مشبوه، فيُغَيِّر مركبتَه و بيتَه و يلبس و يترتَّب،" ألا يا رُبَّ نفسٍ طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ".
 ألا يا رُبَّ شهوةِ ساعةٍ أورثَتْ حُزْنًا طويلا، واحد من الناس سافر لمهمَّةٍ خارج القُطْر زلَّتْ قدمُه فأُصيبَ بمرض جنسيٍّ وبقيَ عشرين عامًا يعالج و هو متزوِّج و له أولادٌ وبنات، فشهوةُ ساعةٍ أورثتْ حُزْنًا طويلا، وسيِّدُنا يوسف عِفة ساعة جعلتْهُ سيِّدًا، مِنْ أين جاء بهذه المكانة العُظمَى ؟ مِنْ دعوة امرأة ذات منصِبٍ وجمال لنفسها، فقال: معاذ الله إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين قال تعالى:

 

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(4 )﴾

 

[سورة النازعات]

 أعطانا الله الكونَ والعقلَ و الفطرةَ، و أحيانًا الإنسانُ يرتكبُ عملاً خطأً و ما علِمَ بهذا الخطأ أحدٌ، أمَّا هو يعلمُ ذلك فينهارُ مِن داخله و يحتقر ذاتَه، لأنَّ احترام الإنسان لِذَاتِه شعورٌ لا يُوصَف، لكونه نزيهًا و نظيفًا و صادقًا أمينًا مُخلِصًا ومع ذلك قد يكون فقيرًا، الله تعالى يقول:

 

﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ(8)﴾

 

[ سورة الحشر]

 لكنْ فقرُهم وِسامُ شرفٍ لهم و الإنسانُ الغنيُّ معصيتُه وصمةُ عارٍ له ولأنَّ أهمَّ شيء هو احترامُ الذات، ولأنَّ احتقارَ الذات شعورٌ لا يُحتمَل لذلك مرَّةً مِنَ المرَّات سألوا ألفَ زوجٍ بِاسْتِبْيَانٍ عِلميٍّ في علم النفس لماذا لا تخونُ زوجكَ ؟ فجاءت الإجاباتُ متنوِّعةً صُنِّفَت تصنيفًا أخلاقيًّا إلى ثلاث زُمرٍ ؛ صنفٌ لا يستطيع أن يخونَها لأنَّها معه في العمل، هذه أدنى إجابة، وصنفٌ لا يحتمِلُ الشُّعورَ بالذنبِ ولا تأنيبَ الضمير و لا يحتمل شعورَ لخيانة، وهذا وسَطٌ، أمَّا الأرقى فنفسُه تعَافُ الخيانة مِن الأساس، قال عليه الصلاة والسلام:" نِعْمَ العبدُ صهيبٌ لو لم يَخَفِ اللهَ لم يعصهِ مَن السائِر في احترام ذاته، صادقًا في ذلك ليس عنده ازدواجيةٌ أبدًا و لا نفاق، ولا شيء مُعلَنٌ شيء و شيء مُبَطَّنٌ و لا مُجاملات و لا تمَلُّق، فهذا الذي يحترم ذاتَه إنسانٌ عظيمٌ و لو كانت حياتُه خشنةً ولو كان بيتُه صغيرًا و مركبتُه وسطًا، دخل على النبيِّ عليه الصلاة والسلام رجلٌ فقيرٌ فقال له عليه الصلاة والسلام:" أهلاً بِمَن خبَّرَني جبريلُ بقُدُومه، قال له الرجلُ أنا: قال: أنت في الأرض خاملٌ ولكنَّك في السماء عَلَمٌ،
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ

(( أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ فَقُلْتُ وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ))

[رواه النسائي]

 ْ يُحبَّك اللهُ و رسولُه ليس بالشيء الهَيِّن، ألا تطمئِنُّ إذا كان الله يحبُّك و يرعاك و كنتَ في رحمة الله، فالطاعةُ أمامك، أطِعْ أمْرَنا نرفعْ لأجْلك حُجْبَنا فإنَّما نحن بالرضا مَنْ أحبَّنا، و لُذْ بحِمانا واحتَمِ بجنابنا لنحميك ما فيه أشرارُ خلقنا وعن ذكرنا لا يُشغِلَنَّك شاغلٌ و أخلِصْ لنا تلقَ المسرَّةَ والهَنَا.
 أليس بإمكانك أن تكون صادقًا مع كلِّ مخلوق ؟ أليس بإمكانك أن تكون أمينا ؟ أن تكون عفيفا ؟ أن تكتفي بما قسمَه الله لك مِن زوجةٍ و مِن دخلٍ وأن لا تطمعَ فيما ليس لك؟ بإمكانك ؛ أليس بإمكانك أن تؤدِّيَ الصلوات الخمس في وقتها ؟ وأحبُّ الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها أليس بإمكانك أن تنفق جزءًا مِن مالك، كلُّ ذلك بإمكانك، أليس بإمكانك أن تصلِّيَ الفجرَ في جماعة ؟ فأنت في ذِمَّة الله حتَّى تُمسِي أليس في إمكانك أن تصلِّيَ العشاء في جماعة ؟ فأنت في ذِمَّة الله حتَّى تُصبح، قال عليه الصلاة و السلام: لا تعجزْ عن ركعتين قبل الفجر أكفِكَ النهار كلَّه، فلذلك أعطانا العقل و أعطانا الكون و أعطانا الفطرة وأعطانا الشهوة لنرقى بها، و ما قيمة أعمالك الصالحة إن لم يُودِع فيك الله الشهوات، أودع فيك حُبَّ النساء وغضُّ البصر فيه شأنٌ كبير، لذلك لمَّا يطيع الإنسانُ ربَّه يشعرُ بالتَّألُّق و أنَّه اتصل به، لذلك يا ربِّ ماذا فقَدَ مَن وجَدك و ماذا وجد مَن فَقَدك، وأهلُ الدنيا ماعرفو الله ووصلوا إلى كلِّ شيء، و ما وصلوا إلى شيء، وأهل الآخرة دنياهم مُتواضعة لكنّهم عرفوا الله عز وجل فما فاتَهُم شيء.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018