الدرس : 1 - سورة يس - تفسير الآية 33 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة يس - تفسير الآية 33


1995-11-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، وصلنا في الدرس الماضي إلى الآية الثالثة و الثلاثين في قوله تعالى:

﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

[ سورة يس ]

 بعد أن بيَّن الله جل جلاله مغبَّة الصدِّ عن سبيله و رفض رسالات الأنبياء و ضرب لنا مثلا حيًّا من أقوامٍ كذّبوا رسلهم و أهلكهم الله تعالى، و أوقعهم في شرِّ أعمالهم، و كيف أن الذي عرف الله تعالى لقيَ اللهَ و هو عنه راضٍ فَدخل جنة الخلد، بعد أن بيَّن الأمور النظريةَ و الأمثلة التطبيقيةَ بيَّن الله تعالى الطريقَ إليه.
 الطريق إلى اللهِ يبدأ بمعرفته، و معرفةُ الله عز وجل هي اصلُ الدين هذه أصولٌ، و فروعُ الدين كثيرةٌ التي إذا خُضنَا فيها و لم نملك هذا الأصلَ القويمَ فإننا في متاهاتٍ كثيرةٍ، و ماذا فعل النبيُّ عليه الصلاة و السلام في مكَّةَ المكرمةِ ؟ و لماذا الآياتُ المكِّيةُ كلُّها تتحدَّث عن الله تعالى و عن آياته الكونيةِ ؟
 مرَّتْ الدعوةُ إلى الله بمرحلتين ؛ المرحلةُ المكِّية و المرحلة المدنية في المرحلةُ المكِّية تمَّ التعريفُ بالله من خلال آياته، فإذا قرأتَ الآياتِ المكِّيةَ لوجدتَ العجبَ العُجابَ، كلُّها إشاراتٌ إلى آيات الله في الأرض، قال تعالى:

 

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(1)﴾

 

[ سورة الشمس ]

 وقال تعالى:

 

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى(1)﴾

 

[ سورة الليل ]

 وقال تعالى:

 

﴿ إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ(1)﴾

 

[ سورة الانفطار ]

 وقال تعالى:

 

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(47)﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 فلو تتبَّعتَ الآياتِ الكونيةَ لوجدتَها في محورٍ واحدٍ الإيمانُ بالله من خلال آياته والإيمان باليوم الآخر، فإذا صحَّ إيمانُك بالله صحَّ كلُّ شيءٍ عندئذٍ يأتي دورُ الفروعِ، و دورُ التشريع، أحكام الزواج و أحكام الطلاق و أحكام البيوع، كلُّ هذه الأوامر و النواهي لها معنى حينئذٍ إنها تنفيذٌ لأمرِ اللهِ، و إنها طاعةٌ لله، فالأمرُ و النهيُ لا معنى له قبل معرفة الآمرِ و الناهي، لذلك ما من دعوةٍ تنجح إلا إذا بدأتْ بتعريف الناس بالله، و ما منْ دعوةٍ بدأتْ بالعكس، بدأتن بتعريف الناس بشرع الله دونَ أن يعرفوهم بأمر الله تعالى، هذه الدعوةُ لا تنجح، لأن قيمةَ الأمر من قيمةِ الآمرِ فإذا ما عرفتَ للآمرِ قدرًا هل تعرف لأمره قدرًا ؟ قال تعالى: و ما قدروا الله.." فدائماً إذا أردتَ أن تعلِّم أو أن تتعلَّم فابدأْ بالآمرِ قبل الأمرِ، و من هو الآمرُ ؟ هذا الذي أمرني أن أفعل كذا و كذا من هو ؟ الله تعالى قال:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(4)﴾

 

[ سورة السجدة ]

 وقال تعالى:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 وقال تعالى:

 

﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(96)﴾

 

[ سورة الأنعام ]

 قال تعالى:

 

﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا(9)﴾

 

[ سورة المزمِّل ]

 إذا سلَّم الإنسانُ نفسَه لطبيبٍ، و هذا الطبيب درسَ في بلدٍ أجنبيٍّ و معه بورد مثلا، و متفوِّقٌ في اختصاصه و شهادتُه امتياز، أجرى الآلافَ من العملياتِ الناجحة، حتى يسلِّم المريضُ نفسَ للطبيبِ يجب أن نعرِّفه بهذا الطبيب، و حتى يعرف الإنسانُ كيف ينفِّذ أمرَ الله تعالى و الانتهاء عن نهيه يجب أن يعرفه، فالذي فعله النبيُّ عليه الصلاة و السلام هو أنه أمضى ثلاث عشرةَ سنةً في مكَّةَ، يعرِّف أصحابَه بالله و باليوم الآخر من خلال الآيات الكونيةِ، فلما جاء للمدينةِ بدأ الشرعُ ينزلُ اتِّباعًا، آياتُ الدَّيْن و آياتُ الطلاق و البيوعِ هذا كلُّه جاء في المرحلة المدنيةِ، فربُّنا عز وجل حينما أراد أن يعرِّفنا بذاتِه بدأ بهذه الآياتِ، قال تعالى:

 

﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

 

[ سورة يس ]

 اُنظُر بشكلٍ بسيطٍ إلى الأرض في الشتاءِ و إلى الأشجار، خشبٌ يابسٌ، ثم انظُر إليها في الربيعِ، الحشيشُ الأخضرُ و الأزهارُ و الورودُ و الرياحينُ و الأشجارُ في حُلَّةٍ زاهيةٍ، أينَ كان هذا الجمالُ كلُّه في الشِّتاءِ ؟ الأرضُ بأشجارها و ترابها في الشتاء، ثم انظُر إليها في الربيع، قال تعالى:

 

﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

 

[ سورة يس ]

 اِذهب إلى سهولِ حورانَ في الربيع تراها بساطًا أخضرَ، وكلُّها حبَِّاتٌ، وهذه الحبَّةُ عبارةٌ عن رُشَيْمِ، وهذا الرُشَيم له سُوَيقٌ و له جُذَيرٌ وهو كائنٌ حيٌّ، و له غذاءٌ، وله قشرَةٌ، فإذا جاءتْه الرُّطوبةُ نَمَا جُذيْرُه و سُوَيقُه على حساب الغذاءِ، إلى ظان تتمكَّن جذورُه أن تمتصَّ الغذاءَ من التربةِ، عندئذٍ تصبح نبتةً، وهي آيةٌ من آيات الله الدالَّةِ على عظمتِه، قال تعالى:

 

﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

 

[ سورة يس ]

 تحدَّثْتُ في الدرسِ الماضي أنَّ القمحَ هو الغذاءُ الأولُ، و الرئيسي لحياة الإنسانِ وهو متناسِقٌ تناسُقًا عجيبا مع حاجات الإنسانِ، الأمرُ الذي يدعو إلى أن تقولَ يقيناً أنَّ الذي خلق هذه الحبَّةَ و الذي خلق الإنسانَ هو إلهٌ واحدٌ، و التناسقُ الدقيق بين بُنيَةِ هذا القمحِ و مكوِّناتها الغذائية و بين بنية الجسم و حاجاته الطبيعية، فيه نَشاءٌ و حديد و فسفور...موادٌ سكَّرية كلُّها في هذه القمحةِ، و القمح أنواعٌ كثيرةٌ، و لو رأيتَ محلَّ المواد الغذائية لرأيتَ أن معظمَ مكوِّنات هذه البضاعة هي القمحُ، و الحلوياتُ و أنواعُ المعَجَّناتِ و الخبزِ، كلُّ هذه المواد أساسها القمحُ، قال تعالى:

 

﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

 

[ سورة يس ]

 فلما يشتري الإنسانُ ربطةَ الخبزِ و يقول باسم الله الرحمن الرحيم فهل تعني ما معنى باسم الله الرحمن الرحيم ؟ أيْ أيها الإنسانُ هل فكَّرتَ في هذا الخبزِ ؟ و هل نفَّذْتَ أمرَ الله في تناولِ الطعامِ ؟ و البسملةُ كي تذكرَ أمرَ الله تعالى في تناولِ الطعامِ، و البسملةُ كي تذكرَ نِعَمَ الله عز وجل، باسم الله الرحمن الرحيم آكُلُ، أيْ آكُلُ باسم الله الرحمن الرحيم، وِفقَ أمرِه و مستنيرًا بنوره، فإذا شربتَ فقل: باسم الله الرحمن الرحيم، و هذا الماءُ من نعمةِ الله علينا أن جعله عذبًا فراتًا و سوف أشربُه وفقَ سنَّةِ رسول الله صلى اللهُ عليه و سلم
قال تعالى:

 

﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)﴾

 

[ سورة يس ]

 الأرضُ غيرُ القمحِ و غيرُ المحاصيلِ ؛ القمحُ و الشعيرُ و العدسُ و الحُّمُص.. أصنافٌ يعلمها الزُّراعُ، و المحاصيلُ لحكمةٍ يعلمها اللهُ تنبتُ في وقتٍ واحدٍ، تيسيرا على الإنسانِ، و فوقَ هذا و ذاك يصيبها السُّوسُ بعد حينٍ، و لولا هذا السُّوسُ الذي يصيبُ هذه الحبوبَ و المحاصيلَ لاحتكرَ الإنسانُ قوتَ أخيه الإنسانِ، و لأَمْكنَ للإنسانِ أن يجمع القمحَ كلَّه و أن يبيعه بمائةِ ضعفٍ على رأسِ ماله، و لكنَّ هذا السُّوسُ الذي يصيبُه هو الذي يُفقِدُه ثمنَه بعد حينٍ، فلا بدَّ من أن يبيعَه، و هذا من حكمة الله عز وجل، حكمةٌ بالغةٌ.
 قال تعالى:

 

﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)﴾

 

[ سورة يس ]

 هذا النخيلُ ؛ في الحقيقةِ أن العلماءَ قالوا: إنَّ أطولَ الأشجارِ عُمُرًا هي النخيلُ، وبعضُ أشجار النخيل عمُرها اكثرُ من ستَّةِ آلاف عامٍ أطولُ الأشجار عمُرًا هي النخيلُ، و هناك صفاتٌ كثيرةٌ للنخيلِ، أنه إذا قُطِع رأسُه لا تنمو، كالإنسانِ،و أنَّ ثمارَ النخيلِ عُقِدَتْ عليه مؤتمَراتٌ، و قد قرأتُ عن مؤتمرٍ في العالَم عُقِد لدراسةِ بُنيةِ ثمرةِ النخيل، و حتى أنهم قالوا عن ثمرةِ النخيلِ: إنها صيدليَةٌ في حبَّةٍ، ستَّةٌ و أربعونَ مادَّةٍ داخلةٌ في تركيب التمر، مادة مُسَكِّنةٌ إذا الإنسانُ أعصابُه مشدودةٌ يُنصَح بأكلِ التمرِ، و إذا الطفلُ شرِسُ الطِّباعِ يُنصَح بإطعامه التمرَ، و لما ربُّنا عز وجل قال:

 

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25)﴾

 

[ سورة مريم ]

 فالتمرُ فيه مادَّةٌ تُقَبِّض الأوعيةَ، فالمرأةُ التي سَتَلِدُ أخطرُ شيءٍ في الولادةِ النزيفُ، لأن مئاتُ الألوفِ من الأوعية التي في الرَّحمِ سوف تتمزَّق، فإذا كان هناك مادَّةٌ تقبض هذه الأوعيةَ فالولادةُ سليمةٌ، فلذلك التمرُ يفيد المرأةَ التي على وشكِ الولادةِ، لأن المادَّةَ التي في التمرِ تقبض الأوعيةَ فتسهِم في انقطاع النزيفِ، و في التمر مادَّةٌ مُلَيِّنةٌ، لأن الأمعاءَ التي في المرأةِ إذا كانت ممتلِئةً بالفضلاتِ تعسرُ الولادةَ، مما يُسهِّل الولادةَ أن تفرغ أمعاؤُها، و في التمر مادَّةٌ مسهِّلةٌ و في التمرِ مادةٌ قابضةٌ و في التمرِ مادةٌ مضادَّةٌ للنزيفِ، و في التمرِ مادة تسرِّع في تقلُّصِ العضلاتِ، كلُّ الموادِ التي في التمرِ لها علاقةٌ نفيسةٌ بالولادةِ، هذا معنى قول الله تعالى:

 

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25)﴾

 

[ سورة مريم ]

 وفوقَ هذا وذاك التمرُ لا يتلوَّثُ، لأن شدَّةَ تركيز المادةِ السكَّريةِ فيه تمتصُّ أيَّةَ جرثومةٍ تقع على التمرِ، و هو مُعقَّمٌ دائما، و يُخزَّن التمرُ وقد قرأْتُ عنه، صيدليةٌ في حبَّةٍ، حتى أن إخوةً كثيرين حدَّثوني عن النتائجِ الطيبِّةِ التي عاينوها في أجسامهم بعدَ تناولِ التمرِ، قال تعالى:

 

﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)﴾

 

[ سورة يس ]

 والتمر أنواعٌ منوَّعةٌ، وقد سمعت أن قيمةَ بعض أنواعه ألف ليرةٍ، و أفخرُ أرقى أنواع الحلويات لا ترقى إلى مستواها، و العنبُ يُعدُّ المادةَ الغذائيةَ الأولى في الفواكه، لأنَّ فيه سكَّريات و فيتامينات لدرجةٍ أنه يُعدُّ الفاكهةَ الأولى، وهو أيضا أنواع منوَّعةٌ، و يمكن أن يُخزَّن زبيبا، وهو قوتٌ أساسيٌّ، ":

 

﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)﴾

 

[ سورة يس ]

 وكلّ!ُ كلمةٍ فيها موضوعٌ للتفكُّرِ، موضوعُ تفجُّرُ الينابيعِ طويلٌ أساسُه تصميمُ طبقاتَ الأرضِ ؛ طبقةٌ نفوذةٌ و طبقةٌ كتيمةٌ و حوضٌ وصخورٌ معدنيةٌ، تُذابُ قليلا قليلا في الماءِ المعدني الذي يُرمِّم الجسمَ البشري حديثٌ طويلٌ حول، قال تعالى:

 

﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)﴾

 

[ سورة يس ]

 الماءُ أساسُه مالحٌ، و البحرُ لولا أنه مالحٌ ما تمَّتْ حياةٌ على وجه الأرض، ثم يُبخَّر و يقطَّر هذا الماءُ عن طريق السطوح المائية الواسعة و عن طريق أشعةِ الشمسِ وعن التبخُّرِ و تحمُّلِ الهواء لبخار الماءِ و عن طريق سوقِ الرياح لهذا السحابِ و عن طريق انعقادِ السحابِ على شكلِ حبَّات المطرِ، وهو بحثٌ طويلٌ، وكيف يتخلَّى الهواءُ عن بخارِ الماء إذا برَدَ و كيف يستوعِبُ هذا البخارُ إذا سخَنَ وكيف قال تعالى:

 

﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا(14)﴾

 

 

[ سورة النبأ ]

 وكيف أن الضغط الجويَّ يُسَاهِم في تحويلِ بخار الماءِ إلى قطرات الماءِ ؟ و كيف أنَّ هذه القطراتِ لا تنعقدُ إلا على ذرَّاتٍ من الغبارِ الذي في السماء ؟ بحثٌ طويلٌ، قال تعالى:

 

 

﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)﴾

 

[ سورة يس ]

 اللامُ للتعليلِ، يعني هذه الثمارُ مُصممَّةٌ لك، و لإكرامك، في لونها و حجمها و طعمها و قوامها و رائحتها و شكلها، هذه كلُّها تسهِم في إكرام الإنسانِ، و الفواكهُ لها منظرٌ جميلٌ في حدِّ ذاتها، و قبل أن تأكلَها، و الفاكهةُ من حيثُ الجمالُ قطعةٌ فنِّيةٌ، و التصميمُ مبدِعٌ، مِنتْ إلهٍ عظيمٍ، فهذه الفاكهةُ، قال تعالى:

 

﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)﴾

 

[ سورة يس ]

 هذه إشارةٌ دقيقةٌ في القرآن إلى أنَّ النباتَ له فائدُ لا تُعدُّ لا تُحصَى تزيد عن أنَّه تأكله، و الأساسُ هو الخشبُ، وأكثرُ الأدويةِ النافعة والمفيدةِ من النباتِ، و الأصبغةُ من النبات و المطَّاطُ من النباتِ

 

﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)﴾

 

 

[ سورة يس ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018