الخطبة : 0279 - الصبر6- الأشياء التي تعين على الصبر1 - حاسة الذوق. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0279 - الصبر6- الأشياء التي تعين على الصبر1 - حاسة الذوق.


1989-11-24

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ، وما توفيقي و لا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلَّى الله عليه وسلم رسولُ الله سِّيدُ الخلق والبشر ، ما اتَّصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الأشياء التي تعيننا على الصبر :

1 ـ معرفة طبيعة الحياة الدنيا :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ بقي موضوعان من موضوعات الصبر ، الموضوع الذي بين أيدينا اليوم يتعلق بالأشياء التي تعيننا على الصبر .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الكون والحياة والإنسان ، هذه موضوعات كبرى في العقيدة الإسلامية ، إذا امتلك الإنسان تصوُّراً صحيحاً لحقيقة الكون ، ولطبيعة الحياة ، و لجوهر الحياة الإنسانية ، إذا امتلك التصوُّر الصحيح فعرف أن هذه الدنيا ليست دار نعيم ، إنما هي دار ابتلاء ، ليست دار جزاء ، إنما هي دار ابتلاء ، ليست دار تشريف ، إنما هي دار تكليف ، ليست مستقراً بل هي ممرٌّ ، إذا عرف الإنسان طبيعة الحياة الدنيا تلقى المصائب بصبر جميل، بل رأى المصائب جزءاً من طبيعة الحياة ، قال تعالى :

من عرف طبيعة الحياة تلقى المصائب بصبر جميل

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

 بقدر ما تملك صحة في تصور الحياة وتصور سبب وجودك فيها ، بقدر ما يعينك هذا على الصبر .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الحياة الدنيا دار تكليف ، ومتى كان التكليف يسيراً ؟ ومتى كان التكليف مريحاً ؟ ومتى كان التكليف نعيماً ؟ الدنيا دار تكليف ، أما إذا أردت التشريف ، والرفاه ، والنعيم ، والتكريم فهو في الآخرة ، الدنيا دار تكليف و الآخرة دار تشريف ، الدنيا دار ابتلاء ، والآخرة دار جزاء ، حينما تختلط الأمور ، حينما يتوهَّم الإنسان أن هذه الدنيا للتشريف ، وأنها للتكريم ، وأنها للجزاء فإذا أصابته مصيبةٌ يسيرة انقلب على عقبيه ، خسر الدنيا و الآخرة ، يجب أن يعرف المؤمن طبيعة الحياة الدنيا ، لماذا هو فيها ، هو فيها لشيء واحد ، هو ليُبتلى ، ليمتحن ، ليظهر معدنُه النفيس أو معدنه الخسيس ، لتظهر مروءته أو دناءته ، ليظهر صدقه أو كذبه ، ليظهر وفاءه أو خيانته ، ليظهر ورعه أو فسقه ، إنما وُجدت في هذه الدنيا من أجل أن تظهر على حقيقتك ، إذًا لا بد من المصائب ، و المصائب محكُّ الرجال .

 

المصائب محكُّ الرجال :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله عز وجل :

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾

[سورة البلد : 4]

 من أدق آيات القرآن الكريم ، قال تعالى :

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾

[سورة البلد : 4]

 المصائب جزء من الحياة الدنيا
أي خلقنـا الإنسان في هذه الدنيا ليتكبَّد المصاعب ، و من خلال تكبد المصاعب تظهر حقيقته ، فيسعد بهذه الحقيقة أو يشقى بهذه الحقيقة ، ومن خلال تكبده المتاعب يستحق الحياة الأبدية السعيدة ، إن تكبد المتاعب ثمن للجنة ، إن تكبد المتاعب طريقة لكشف حقيقتك ، إن تكبد المتاعب امتحان لصدقه ، امتحان لصبره ، امتحان لتوكله ، امتحان لمعرفته ، امتحان لمجمل إيمانه ، قال تعالى :

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله عز وجل :

﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

[سورة آل عمران: 140]

 الناس يبتلون بالقوة ، و يبتلون بالضعف ، يبتلون بالرخاء ، ويبتلون بالضيق ، يبتلون أن تأتي الأمور كما يشتهون ، ويبتلون بأن تأتي الأمور على خلاف ما يشتهون ، قال تعالى :

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

[سورة آل عمران: 140]

 على مستوى فردي ، أنت مستقيم في حالة الفقر فكيف أنت في حالة الغنى ؟ لابد من أن تبتلى بالغنى ، أنت مستقيم في حالة الغنى فكيف إذا كنت فقيراً ؟ لا بد من أن تبتلى بالفقر ، أنت شاكر في حالة الصحة ، فما قولك لو لاح شبحُ مرض ماذا تقول ؟ أتستقبله بتسليم و رضا أم يضج الإنسان ويكفر ؟ إذا عرفت طبيعة الحياة الدنيا تعرف أيضاً أن المصائب جزء منها ، ولمجرد أن يمتحن الإنسان وأن ينجح في هذا الامتحان فقد استحق رضوان الله عز وجل.

 

الدنيا دار التواء لا دار استواء ومنزل ترح لا منزل فرح :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ اللذائذ في الدنيا اختلطت بالآلام ، والمحبوبات اختلطت بالمكاره ، فما من لذة إلا و يشوبها ألمٌ ، وما من صحة إلا و يكدِّرها سقمٌ ، وما من سرور إلا و ينغِّصه حزنٌ ، وما من راحة إلا و يخالطها تعب ، وما من اجتماع إلا و يعقبه افتراق ، وما من أمن إلا و يتبعه خوفٌ ، ليراك في الأمن و الخوف ، في الصحة و المرض ، في اللذة و الألم ، في المحبوبات والمكاره ، في الصحة و السقم ، في السرور و الحزن ، لذلك ربنا سبحانه و تعالى وصف المؤمنين الصادقين فقال :

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[سورة الأحزاب: 23]

 المؤمن من صبر على الشدائد
أما هؤلاء الذين إذا زُلزلوا تزلزلوا ، إذا زُلزلوا تزلزل إيمانهم ، و ضاعت الثقةُ بربهم، إذا زلزلوا انقلبوا على أعقابهم ، إذا زلزلوا جأروا إلى الله بالشكوى ضجرين ، إذا زلزلوا تزعزعت ثقتُهم بعدالة السماء ، هؤلاء كأن الله سبحانه و تعالى يقول لهم : بينكم و بين الإيمان الكامل شوط طويل ، انطلقوا ، جدِّدوا إيمانكم ، جددوا إسلامكم .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا ينبغي للمؤمن أن يسأل اللهَ المصيبة ، هذا نهى النبيُّ عنه ، سلوا الله العافية ، سلوا الله الصحة ، سلوا الله الكفاية ، سلوا الله التوفيق ، و لكن إذا جاء شيءٌ على خلاف ما تريد ، كن بطلاً ، و أظهر لربك أنك في مستوى هذه المصيبة ، و أن الله سبحانه و تعالى أغنى عليك من الدنيا و ما فيها ، و قد أُثِر عن سيدنا الصدِّيق رضي الله عنه أنه ما ندم عن شيء فاته من الدنيا قط ، سيدنا عليٌّ كرم الله وجهه قيل له : " صِف لنا الدنيا ؟ فقال : ماذا أصف لكم الدنيا و أولُّها بكاء ، وأوسطها عناء ، و آخرها فناء " كل فرحة تعقبها ترحة ، ألم الفراق ، فراق الدنيا ، الإنسان إذا وضع كل ثقته فيها ، إذا عقد كل إيمانه عليها ، إذا جعلها منتهى آماله ، محط رحاله ، يأتي الموتُ لينقله من كل شيء إلى لا شيء ، أما إذا وضعت آمالك في الآخرة ، وسعيت لها يأتي الموتُ فينقلك من شيء يسير إلى كل شيء .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا عرفت طبيعة الحياة الدنيا هانت عليك المصائب ، لو أن إنساناً نجا من المصائب ، لنجا النبي عليه الصلاة و السلام قال :

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ... ))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

 اقرأ سيرة النبي عليه الصلاة و السلام ، أليس لك به أسوة حسنة ؟ اقرأ سيرته قراءة متبصِّرة تجد أنه صبر على حكم الله ، و استقبل الشيء الذي يريد و كأنه يريده ، فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ))

[مسلم عَنْ صُهَيْبٍ ]

 هكذا طبيعة الحياة ، لخَّصها النبيُّ في خطبة شهيرة ألقيتها على مسامعكم مرات كثيرة ، "إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، و لم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، و جعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ، و يبتلي ليجزي" .

2 ـ معرفة النفس البشرية :

 شيء آخر - أيها الأخوة الأكارم - يعين على الصبر ، أن تعرف طبيعة النفس البشرية ، طبيعة النفس البشرية يلخِّصها حديثٌ شريف ، يقول عليه الصلاة و السلام :

((إن لله ما أخذ - هذا الذي أخذه منك هو له في الأصل - وله ما أعطى))

[ البخاري عن أسامة]

 الذي بين يديك من عطاء الله ، والذي أخذه منك استردَّه الله عز وجل ، أي أنت عبدٌ لله ، قال تعالى :

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[سورة آل عمران: 26 ]

 هذا الذي بين يديك عطاءٌ من الله عز وجل
و الذي يملك كل شيء هو الذي يملك وجودك ، ويملك أعضاءك ، ويملك سمعك، ويملك بصرك ، ويملك عقلك ، ويملك أجهزتك ، يملك كلَّ شيء في حياتك ، يملك مالك ، يملك أهلك ، يملك بيتك ، قال تعالى :

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[سورة آل عمران: 26 ]

 إذا عرفت من أنت ، أنت عبد لله ، لا تملك شيئاً ، خلق الله الإنسان من عدم ، قال تعالى :

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾

[سورة الإنسان: 1]

 دفعت ثمن وجودك لمن ؟ هذا الذي يدفع ثمن الشيء يقول : أنا أملكه ، دفعت ثمنه ، كنت لا شيء فأصبحت به خير شيء ، منحك الوجود و منحك الحياة ، ووهبك السمع والبصر والفؤاد ، وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة ، فأنت لله ملكاً ، وتصرفاً ، ومصيراً ، إذا عرفت من أنت تستقبل الذي أخذه منك بالرضا ، إن لله ما أعطى و له ما أخذ ، هذا الذي بين يديك من عطاء الله ، أعطاني إياه بفضله ، و هذا الذي أخذه مني أخذه مني بعدله ، هكذا قل : أعطاني إياه بفضله ، وأخذه مني بعدله ، يقول الله عز وجل :

﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾

[سورة النحل: 53]

 من لاستغراق أفراد كل نعمة ، مهما دقَّت هذه النعمة فمن الله ، قال تعالى :

﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾

[سورة النحل: 53]

 وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بد يوماً أن تُردَّ الودائع - ودائع عندك - أعطاك المال و استرده ، استرد جزءاً منه ، استرده كله ، استرد بعضاً منه ، أعطاك صحة تامة، واسترد أحد فقراتها ، لك الحمد يا رب .

(( عَنْ أَنَسٍ قَالَ : مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ لِأَهْلِهَا لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ ، قَالَ : فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وَشَرِبَ ، فَقَالَ : ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا ، قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ قَالَ : لَا ، قَالَتْ : فَاحْتَسِبْ ابْنَكَ قَالَ : فَغَضِبَ وَقَالَ : تَرَكْتِنِي حَتَّى تَلَطَّخْتُ ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا قَالَ فَحَمَلَتْ قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللـَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْـهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَهِيَ مَعَهُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتــَى الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ لَا يَطْرُقُهَا طُرُوقًا فَدَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فَاحْتُبِسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَـةَ وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ إِنـَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ وَقَدْ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى قَالَ تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ يَا أَبَا طَلْحـــَةَ مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا قَالَ وَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ حِينَ قَدِمَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ لِي أُمِّي يَا أَنَسُ لَا يُرْضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتـُهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَصَادَفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لَعَلَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ قُلْتُ نَعَمْ فَوَضَعَ الْمِيسَمَ قَالَ وَجِئْتُ بِهِ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ وَدَعَا رَسُولُ اللَّــهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَجْوَةٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلَاكَهَا فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَتْ ثُمَّ قَذَفَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهَا قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْظُرُوا إِلَى حُبِّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ قَالَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ ))

[ مسلم عَنْ أَنَسٍ]

 إن صاحب الفضل إذا منـح بفضله ، وإذا استرد فبعدله ، و في كلا الحالين هناك حكمة بالغة ، لو اطَّلعت عليها لذابت نفسك حباً لله عزوجل ، اجعل شعارك في الحياة الدنيا ، إن لله ما أعطى ، و لله ما أخذ ، ففهم طبيعة الإنسان يعين على الصبر ، فهم طبيعة الحياة الدنيا يعين على الصبر .

3 ـ اليقين بحسن الجزاء :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيء ثالث يعين على الصبر ، اليقين بحسن الجزاء ، إذا طُلب منك ليرة ، وأنت موقن يقيناً قطعياً أنك ستأخذ مقابلها عشراً ، تعطيها بيسر ، اليقين بالعوض ، اليقين بحسن الجزاء ، هذا شيء ثابت في الدين ، لماذا يصبر الصابرون ؟ لماذا يحتسب المؤمن مصابه عند الله ؟ لأنـه يعلم علم اليقين أن الله سيعوِّضه عن مصيبته خيراً ، لذلك ورد في الصحيح - دقِّقوا في هذا الحديث - أن أهل العافية - هؤلاء الذين عاشوا في بحبوحة ، عاشوا في صحة تامة ، عاشوا في زواج سعيد ، عاشوا في دخل كبير ، عاشوا في مكانة اجتماعية ، ورد في الحديث الصحيح أن أهل العافية يتمنون يوم القيامة لو أن أجسامهم كانت تُقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من عظيم ثواب الله لأهل البلاء ، أي لو أنك تقف أمام إنسان ، جاء إنسان و أخذ منه مئة ليرة بالقوة ، دفعها له ، و أنت لم يأخذ منك ، بعد أيام أُعطِي مكان هذه المئة مليوناً ، ألا يتمنى هذا الذي يقف أمام هذا الرجل أن يكون قد أُخذ منه هذا المبلغ مرة ثانية ؟ إن أهل العافية يتمنون يوم القيامة لو أن أجسامهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من عظيم ثواب الله لأهل البلاء .
 اليقين بحسن الجزاء يعين على الصبر
سيدنا عمر رضي الله عن عمر له مقولة شهيرة يقول كلما أصابه البلاء : " الحمد لله إذ لم يكن في دينــي ، و الحمد لله إذ لم يكن أكبر منه ، و الحمد لله إذ لم أُحرم الرضا به - أن ترضى بالمصاب هذا علم كبير ، و هذا يقين شديد - و إني لأرجـو ثواب الله عليه "
 حينما يرجو الإنسان ثواب هذه المصيبة ، نُقلت هذه المصيبة من دائرة البلاء إلى دائرة النعم ، لذلك إذا أحبَّ اللهُ عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن شكر اقتناه .
 امرأة صالحة كانت تمشي فتعثَّرت ، فانقطع ظفرُها ، وفي هذا من الألم ما فيه ، و لكنها حمدت اللهَ عز وجل ، و ضحكت ، فقيل لها : أما تجدين الوجع ؟ فقالت : إن لذة ثوابه أزالت عن مرارة وجعه ، ولا تنسوا دعاء النبي عليه الصلاة و السلام الشهير ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ :

((اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ ، وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا ، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا ، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا ، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا ، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا ، وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا ، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا ))

[الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

 اليقين بالعوض ، و اليقين بالجنة ، واليقين بالثواب ، وهل نسيتم الأسبوع الماضي حينما تحدثت عن أن الصابرين يوفون أجرهم بغير حساب ، ما من قربة إلى الله إلا ولها رزق معلوم ، إلا الصبر فإنه بغير حساب ، ألا ترضى أن تستحق معية الله عز وجل ؟ تلك المعية الخاصة ، معية التأييد و النصر و الحفظ ، إن الله مع الصابرين .

 

العبد يصبر ليأخذ العوض و ينظر إلى المعوِّض :

 في أربعة مواضع من القرآن الكريم قال الله عز وجل :

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 153]

 إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
أحد العارفين بالله يقول : " أصل قلة الصبر ضعف اليقين بحسن جزاء الله في الجنة " أصل قلة الصبر ضعف اليقين بحسن جزاء من صبر له ، لأنــه لو قويَ يقينك كان الآجلُ عندك كالعاجل ، إذا كان الواعدُ صادقاً ، إذا وضعت مبلغاً لتأخذه أضعافاً مضاعفة ، وهذا الذي وعدك صادق عندك ، كأنك أخذت المبلغ الكبير ، تضعه في حساباته ، تقول : سيأتيني مبلغ كذا مقابل هذا الذي دفعت ، أي إذا كان يقينك بعوض الله عز وجل يقيناً قطعياً فإن الآجل سيغدو عاجلاً ، فالله عز وجل أصدق القائلين ، ومن أوفى بعهده من الله ، إذًا يحسن الصبر لقوة الثقة بالعطاء ، ولا يصبر العبد إلا بأحد معنيين ، المعنى الأول أن يشاهد العوض ، وهذا مقام أصحاب اليمين ، قال تعالى :

﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾

[سورة الواقعة: 27]

 هذا مقام أصحاب اليمين أن يشاهد العوض ، و إما أن ينظر إلى المعوِّض فهذا مقام السابقين ، إما أن تنظر إلى العوض ، وإما أن تنظر إلى المعوِّض ، أي إما أن تنظر إلى ثواب الله الجزيل ، فهذا يجعلك من أصحاب اليمين ، وإما أن تنظر إلى الله الجليل ، فهذا يجعلك من السابقين السابقين ، لذلك الآية الشهيرة قال تعالى :

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

[سورة البقرة: 156]

 هذه الكلمة ، هذه الآية سنَّها النبي عليه الصلاة والسلام أن يقولها عند المصيبة، قال تعالى :

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

[سورة البقرة: 156]

 إنا لله ، أي نحن ملكٌ لله عز وجل ، أخذ شيئاً منحنا إياه ، فالحقُّ حقه ، و إنا إليه راجعون ، راجعون لنأخذ العوض و ننظر إلى المعوِّض .

 

تلخيص لما سبق :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا عرفت حكمة المصيبة تلقَّيتها بصبر جميل
الشيء الأول أن تعرف طبيعة الحياة الدنيا ، و الشيء الثاني أن تعرف من أنت ، أنت عبد لله ، و الشيء الثالث أن تتيَّقن بالعوض و المعوِّض ، هذه الأشياء الثلاثة تعينك على الصبر ، وهناك في خطبة أخرى إن شاء الله تعالى أشياء أخرى تعين على الصبر أيضاً ، الصبر علم كبير ، فإذا عرفت حكمة المصيبة تلقَّيتها بصبر جميل ، و الله سبحانه و تعالى أمرنا أو أمر النبي عليه الصلاة والسلام ونحن بالتبعية أن نصبر صبراً جميلاً .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، و سيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتَّخذ حذرنا ، الكيَّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنَّى على الله الأمانيَّ ، و الحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

حاسة الذوق :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لازلنا في قوله تعالى :

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت: 53 ]

 آلية التذوق من آيات الله عز وجل في خلقه
تحدثنا في الأسبوع الماضي عن الشم ، وقبله تحدثنا عن العين ، و ها نحن الآن نتحدث عن حاسة الذوق .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حتى نعرف مذاق الطعام في أفواهنا ، لا بد من أن يكون هذا الطعام في حالة ذوبان ، و لا بد من أن يحصل اتصال بينه و بين الخلايا الذوقية المبثوثة في اللسان ، من هنا كان اللعاب ، اللعاب من أجل أن ينحلَّ الطعام فيه ، فيحدث اتصال بينه و بين الخلايا الذوقية التي وضعها اللهُ في اللسان ، وهذه الخلايا الذوقية في اللسان يزيد عددها عن تسعة آلاف حُليمة في اللسان ، هذه الحليمات يحتوي كلٌّ منها على مئات البراعم ، و كل برعم منها يحتوي على عدد من العناقيد ، وكل عنقود منها يحتوي على خلايا تستقبل هذا الذوق، و تُزوَّد هذه الخلايا بشعيرات هي كالأهداب تتحسَّس هذا الطعم المذاب في اللعاب، حليمات ، براعم ، عناقيد ، خلايا ، أهداب ، كل حليمة لها هذا الترتيب ، و كلها بُثَّت في اللسان ، يخرج من اللسان شبكتان عصبيتان ، الأولى تحمل الألم و الحرارة و اللمس ، و الثانية تحمل الإحساسات الذوقية .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018