الدرس : 7 - سورة الإسراء - تفسير الآية 88 ، التقديم والتأخير في القرآن + معجزات القرآن . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 7 - سورة الإسراء - تفسير الآية 88 ، التقديم والتأخير في القرآن + معجزات القرآن .


1995-03-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة المؤمنون:
 الآية الثامنة والثمانون من سورة الإسراء، وهي قوله تعالى:

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)﴾

 مما يلفت النظر في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى قدم الإنس على الجن، هذه أول ملاحظة.

 

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)﴾

 

( سورة الرحمن: 33 )

 في هذه الآية قدمت الجن على الإنس، هذه الحالة الثانية.

 

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)﴾

 

( سورة النور: 2 )

 الزانية مقدمة على الزاني.

 

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)﴾

 

(سورة المائدة: 38 )

 قدم السارق على السارقة.

 

﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾

 

( سورة الجمعة: 11 )

 قدمت التجارة على اللهو.

 

﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)﴾

 

( سورة الجمعة: 11 )

 انعكست الآية.

 

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)﴾

 

( سورة الأنعام: 112 )

 قدم الإنس على الجن في الشياطين.

 

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

 

( سورة النور: 30 )

 قدم غض البصر على حفظ الفرج.

 

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

 

( سورة التوبة: 24 )

 قدم الأب، في القربات قدم الأب.

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)﴾

 

( سورة آل عمران: 14 )

 قدمت المرأة.

 

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)﴾

 

( سورة عبس: 34 )

 قدم الأخ.

 

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11)﴾

 

( سورة المعارج: 11 )

 قدم الابن، مرة الابن، مرة الزوجة، مرة الأب، مرة الأخ، السارق قبل السارقة، والزانية قبل الزاني، والإنس قبل الجن في موضع، والجن قبل الإنس في موضع، واللهو قبل التجارة في موضع والتجارة قبل اللهو، يا ترى في علاقة بين ترتيب هذه الكلمات بعضها في بعض ؟ هل يستنبط من الترتيب حكم شرعي ؟ هل يستنبط من الترتيب معنى في القرآن الكريم ؟ لو أنه كلام البشر لا يستنبط، مرة قال إنس، مرة قال جن، إذا كان هذا كلام بشر، أما إذا كان هذا الكلام كلام خالق البشر في معنى دقيق، قدمت الزانية على الزاني لأن المرأة أقدر على الزنى من الرجل، لأنها هي السبب، هي تتبذل في ثيابها، تتمختر في مشيتها، تخضع بالقول في لسانها، فيطمع بها الزاني، فقدمت الزانية على الزاني لأنها هي السبب، لكن الرجل أقدر على السرقة من المرأة، في خرق السماوات والأرض قدم الجن.

 

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)﴾

 أما في صياغة الكلام.

 

 

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)﴾

 إذاً في معرض صياغة الكلام والبلاغة، الإنس قدموا على الجن، في معرض خرق السماوات والأرض الجن قدمت على الإنس، في معرض الزنى قدمت المرأة، في معرض السرقة قدم الرجل، في مناسبة الاعتزاز الاجتماعي قدم الأب، أنا ابن فلان.

 

 

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

 في معرض الشهوة قدمت المرأة.

 

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾

 

 في معرض الاستعانة، الإنسان والده كبير، ووالدته كبيرة وابنه صغير، بمن يستعين الإنسان بأخيه.

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)﴾

 في معرض الفداء الابن أغلى شيء.

 

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11)﴾

 

 إذاً في موضع الفداء الابن، موضع الاستعانة الأخ، موضع الشهوة المرأة، موضع الاعتزاز الأب، بخرق السماوات والأرض الجن بصياغة الكلام الإنس، بالزنى المرأة، بالسرقة الرجل.

﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾

 لا لهو بلا تجارة، اللهو يحتاج إلى مال وفير، والتجارة سبب جمع المال.

﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً﴾

 أما الإنسان إذا ترك صلاة الجمعة لعلة التجارة أقل إثماً مما لو تركها لعلة اللهو.

﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾

 معنى ذلك فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، إذا قرأت القرآن ينبغي أن تعلم أن كل حرف له معنى.

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

( سورة البقرة: 286 )

 كسب غير اكتسب، في عندنا قاعدة في اللغة أن كل زيادة في المبنى تقابلها زيادة في المعنى، فالسين غير سوف، السين للمستقبل القريب، أما سوف للمستقبل البعيد، كل زيادة في المبنى، تقابلها زيادة في المعنى.

 

﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

 

 الإنسان لمجرد أن ينبعث للعمل الصالح سجل له، أما إذا انبعث إلى عمل سيئ لا يسجل له إلا بعد أن يصر عليه، وبعد أن يفتخر به، وبعد أن لا يتوب منه، لم يتوب واستمر، وأصر، وافتخر به، عندئذٍ يسجل، فالفعل اكتسب يعني صار في إصرار، صار في تأكيد.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)﴾

(سورة الأنعام: 17)

 الخير مراد، أما الشر غير مراد، الإنسان أيام يعالج ابنه بدواء مر ويبكي الابن، لكن الأب ليس من مراده إزعاج ابنه، لكنه مضطر إلى هذا الدواء، فقال:

 

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾

 

 أما الخير مراد من الله عز وجل، ما قال لك وإن يمسسك بخير.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)﴾

 الخير مراد، أما الشر غير مراداً.
 في آية أخرى:

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)﴾

( سورة النساء: 85 )

 النصيب غير الكفل، النصيب إيجابي فيه عطاء، لك حصة، أما هنا أنت متحمل مسئولية، أنت كفيله، كل إنسان دل على معصية يتحمل مثل إثم من عصى.

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾

 لو قرأنا القرآن الكريم بهذه الدقة، زيادة حرف تعني شيء، نقصان حرف.

﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً (80)﴾

( سورة الإسراء: 80)

 مدخل غير مُدخل، المدخل اسم مكان من أدخل.

 

﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾

 

 الله هو الفعال.

﴿وَأَخْرِجْنِي﴾

 والمخرج اسم مكان من أخرج، أما خرج مخرج، ودخل مدخل، لكن أدخل مدخل، وأخرج مخرج، لأن هذا الكلام كلام خالق الكون، ينبغي أن نقف عند كل جملة، وعند كل كلمة وعند كل حرف، وعند كل حركة، الله قال:

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)﴾

( سورة يوسف: 23 )

 غلقت غير غلّقت، غلق الباب يعني جعله مغلق، أما غلّقه يعني أرتجه.

 

﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾

 

 أردت من هذه الإشارات إلى أن يعرف الإنسان أن في هذا القرآن إعجازاً، أحياناً كلمة واحدة، أحياناً شدة، أحياناً حركة، مثلاً:

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾

( سورة التوبة: 40 )

القرآن.

﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

 أنت بحسب اللغة.

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

 يا لطيف، لو أنك قلت كلمة لصار المعنى فاسداً، والمعنى لا يليق بحضرة الله عز وجل، لأن:

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾

 يعني كانت عليا فجعلها سفلى.

﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

 يعني كانت سفلى فجعلها عليا!! أعوذ بالله، أما القرآن.

﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

 دائماً، وقف.

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾

 وقف.

﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

 على الاستئناف، يعني كلمة الله هي العليا دائماً.
 آيات كثيرة جداً يمكن أن نستنبط منها أحكام دقيقة من حركة، من تقديم، من تأخير مثلاً:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

 قدم غض البصر على حفظ الفرج، لأن غض البصر طريق حفظ الفرج، إذا الإنسان أطلق بصره ربما وقع في الفاحشة الكبيرة ربما، لأن النظر سبب أساسي للفاحشة، فإذا غض الإنسان بصره حفظ نفسه من الفاحشة، فكان حفظ الفرج سببه غض البصر.
 أيها الأخوة الكرام:
 جدير بنا أن نقف عند دقائق القرآن الكريم كلمةً كلمة، وحركةً حركة.

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)﴾

( سورة فاطر: 28 )

 الله عز وجل بالمعنى الظاهر بدون إعراض، الله هو الفاعل، أما:

 

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 

 العلماء فاعل مؤخر، هذا هو المعنى، أحياناً في إشارات أيضاً في كتاب الله، من هذا القبيل.

﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾

( سورة الأعراف: 172 )

 لو أنهم قالوا نعم لكفروا، إذا قلنا نعم، يعني نعم لست ربنا، أما إذا قلنا بلى، يعني أنت ربنا، نفي النفي إثبات، أما إذا قلت نعم أثبت النفي، نفيت النفي فأنت تثبت، أيضاً شيء دقيق جداً في كلام الله عز وجل، لذلك يجب أن نقف عند هذه اللفتات، هي لفتات لغوية، لأن الله عز وجل قال:

 

﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)﴾

 

( سورة الزخرف: 3 )

 وقال:

 

﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)﴾

 

( سورة الشعراء: 195)

 إذاً هذا القرآن الكريم أحد شروطه، ما أقول كل شروطه، أحد شروطه أن تكون متمكناً من هذه اللغة التي شرفها الله بأن جعل كلامه بها.

 

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)﴾

 

 الآن معنى هذه الآية ؛ أخوانا الكرام في عندنا أشياء ثلاثة، لابد من أن يكون الإيمان بها عقلياً في عندنا أشياء أخرى يكون الإيمان بها تصديقياً، الإيمان بالله خالقاً، ورباً، ومسيراً، الإيمان بالله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، الإيمان بأسمائه الحسنى من خلال النظر في خلق السماوات والأرض، هذا لا يكون إلا عن طريق العقل.

﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)﴾

(سورة يس: 68 )

﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155)﴾

(سورة الصافات: 155)

﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)﴾

(سورة الأنعام: 50)

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

( سورة آل عمران: 190 )

 أولاً: الإيمان بالله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، وخالقاً، ورباً ومسيراً، الإيمان بأسمائه الحسنة، يحتاج إلى تفكر في خلق السماوات والأرض.
 ثانياً: أما الإيمان بكتابه أيضاً يحتاج إلى إعمال عقلٍ فيه، لأن فيه إعجازاً، ممكن القرآن يقول غلبت الروم في أدنى الأرض، هل كان أحد يعلم في عهد النبي، أن أخفض نقطة على الإطلاق في الأرض بالقياس بالليزر في غور فلسطين ؟ وهذه المعركة جرت في غور فلسطين، هذا إعجاز علمي.

 

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾

 

(سورة النمل: 88)

 من كان يعلم أن الأرض تدور، سرعة الجبل عند خط الاستواء 1500 كيلو متر بالساعة، أسرع من طائرة الكون كورد.

 

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾

 

 هذا في دورتها حول نفسها، أما في مسيرها حول الشمس كل ثانية ثلاثين كيلو متر، إعجاز.

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾

( سورة الحج: 27 )

 ما قال بعيد، قال عميق، والله بعيد أوضح ! لا قال عميق الأرض كره معناها، كلما ابتعدت عن نقطة صار في عمق، العمق أبلغ من العمق في الكرة، في آيات كثيرة جداً تؤكد أن هذا القرآن ليس كلام البشر، إذاً ما السبيل إلى الإيمان أن هذا القرآن كلام الله ؟ إعجازه إعجاز علمي ـ إعجاز تشريعي ـ إعجاز غيبي ـ غيب الماضي، غيب الحاضر، غيب المستقبل، إعجاز بلاغي، إعجاز تربوي، كل شيء فيه.
 الشيء الثالث: الذي جاء بهذا الكتاب المعجز من هو ؟ رسول الله، إذاً بالعقل نؤمن بوجود الله، وكماله، ووحدانيته، وبكلامه. وبرسالة رسوله، وانتهى دور العقل، وجاء دور النقل، الله قال لك:

 

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾

 

( سورة المائدة: 3 )

 انتهى حرام، تحب أن تفهم الحكمة ما في مانع، لكنها حرام قولاً واحداً، الخنزير حرام، فلإنسان له دور في الإيمان بعقله، وله دور في التلقي عن الله عز وجل، فبعد أن آمنت بالله، ورسوله، وقرآنه بعقلك الآن ينتهي دور العقل، ويبدأ دور التصديق، فلإنسان إذا أعمل عقله في النقل ممحصاً فقد أعلن عن شكه بهذا النقل، في أشياء للتصديق، في أشياء للتحقيق.

 

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)﴾

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمن ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018