الدرس : 5 - سورة الإسراء - تفسير الآية 22 ، التوحيد - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة الإسراء - تفسير الآية 22 ، التوحيد


1995-03-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة المؤمنون:
 الآية الكريمة الثانية والعشرون من سورة الإسراء وهي قوله تعالى:

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

 أيها الأخوة:
 هذه الآية متعلقة بأخطر موضوع في الدين، موضوع التوحيد فما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وفحوى دعوة الأنبياء جميعاً من دون استثناء التوحيد.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾

( سورة الأنبياء: 25 )

 ما معنى لا إله إلا أنا ؟ الإله هو الذي يستحق أن تعبده، وينبغي أن تعبده، لماذا ؟ لأنه الخالق، لأنه الرب الممد، لأنه المسير، لأنه المحيي، لأنه المميت، لأنه الذي يعلم، العليم، البصير، لأنه الرافع، لأنه الخافض، لأنه المعز، لأنه المذل، لأنه المعطي، لأنه المانع، لأن كل شيء بيده، قلبك، دسامات قلبك، دماغك، أعصابك أهلك، أولادك، تجارتك، من هم فوقك، من هم تحتك، لأن كل شيء مفتقر إليه في كل شيء، لأن كل شيء يحتاجه في كل شيء، لذلك هو الذي يستحق أن تعبده، وهو الذي ينبغي أن تعبده، الكلام واضح، أما أن يعبد الإنسان إنساناً، يقول لك أنا هذا لا أتخذه إلهاً، كلام طيب، ولكنك تعامله كما يعامل الإله، تعامله ؛ أي تطيعه فيما يغضب الله، جعلته إلهاً إذاً معنى قول الله عز وجل:

 

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

 

 أن تجعل مع الله إلهاً آخر ؛ أي تطيع إنساناً كائن من كان في معصية الله، سؤال ؟ لو أنك أطعت هذا الإنسان في طاعة الله ؟ هذا لم يعد إله، هذا أصبح مبلغ عن الله، لو قال لك إنسان حرر دخلك من الحرام، قلت له سمعاً وطاعة، ما معنى هذا أنك اتخذته إلهاً، لأنه نقل لك أمر الإله، الذي ينقل لك أمر الإله، أول من نقل لك أمر الله هو الرسول، و كل من جاء من بعده من الدعاة نقل لك بالوكالة أمر الله إليك، هذا هو الحلال، هذا هو الحرام، هذا هو الخير، هذا هو الشر إذاً أنت إذا أطعت إنساناً فيما يرضي الله، هذا لم تتخذه إلهاً، لكنك جعلته وسيلة إلى طاعة الله، أما إذا أطعت إنساناً وعصيت الله، أطعت إنساناً فيما يغضب الله، هنا، هو إنسان ضعيف، يموت، تعلم ذلك أنت ولكنك عاملته كما يعامل الإله، معنى أن الله عز وجل قال:

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

 هو ليس إله، والذي جعله إلهاً لا يصدق أنه إله، لكنه عامله، وتعامل معه على أنه إله، يعني خاف من غضبه، وتمنى رضاه، رضاه في معصية الله، وغضبه في طاعة الله، فإذا أطعت إنساناً، وعصيت خالقاً جعلته مع الله إلهاً.
 الآن نكمل هذه الآية، أو هناك آية على صلة متينة معها في سورة التوبة، دققوا في معانيها تماماً:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

( سورة التوبة: 24 )

 يقول لك واحد معقول حب هذا البيت أكثر من الله، ما هذا الكلام ! إذا كنت مغتصبه ويرضي الله أن تعطيه لصاحبه فحينما بقيت فيه مغتصباً، فأنت آثرت هذا البيت على طاعة الله، طيب أنا معقول أحب زوجتي أكثر من الله عز وجل ؟ ممكن إذا أقررتها على معصية، أو على خروج لا يرضي الله، أو على اختلاطٍ يغضب الله، أقررتها دفعاً لمشكلة معها، فأنت رأيت غضبها أشد من غضب الله، يعني أي واحد من هؤلاء:

 

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾

 

 هذه التجارة فيها شبهة، أنت آثرت هذه الشبهة على طاعة الله، معناها التجارة أحب إليك من الله، قال:

﴿فَتَرَبَّصُوا﴾

 فإذا كان هذه كذلك إذا كانت الزوجة، والأب، والولد، والأم، والعشيرة، والصاحبة، والتجارة، والمسكن، والمال، أغلى عليك من الله، أحب إليك من الله.

﴿فَتَرَبَّصُوا﴾

 يعني مكانك تحمدي أو تستريحي، الطريق إلى الله غير سالك، والدليل قال:

﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ﴾

 أمر الله هو الموت.

﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

 يعني حينما تحملك محبتك إلى هؤلاء على الفسق، معنى ذلك كانوا هؤلاء أحب إليك من الله ورسوله، هذه الآية نفسها.

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

 لا أب، برضاي عليك أن تطلق زوجتك، والزوجة مستقيمة، وطاهرة، وعفيفة، ومحجبة، لكن أبي لا يحبها.

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

 لا أب، ولا ابن، ابنك أصبح في مرتبة عالية لكن ما فيه دين إطلاقاً، معلق فيه على معاصيه على ترك الصلاة، على أنه يشرب، وابني، وابني، ومعه شهادة، ومنصبه كذا، أنت جعلته مع الله إلهاً، أحببته على معاصيه، لا أب، ولا ابن، ولا زوجة، ولا أخ، ولا عشيرة، ولا قبيلة، ولا أمة، ولا مسكن فخم جداً، ولا مال وفير جاءك من شبهة، ولا تجارة رائجة جداً لكن البضاعة محرمة، أو التعامل مع هذه الشركة محرم.

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾

 يعني آثرتم المعصية من أجلها على طاعة الله.

﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ﴾

 وأمر الله هو الموت.

﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) ﴾

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

 هو ليس إلهاً، هو إنسان، لكنك تعاملت معه على أن غضبه مخيف، وعطائه كبير، جعلته إلهاً وأنت لا تشعر، آثرت طاعته على طاعة الله، رأيت وعيده أشد من وعيد الله، رأيت عطائه أغلى عندك من عطاء الله، إذاً تعاملت معه على أنه إله، إذاً اتخذته إلهاً، إذاً جعلته إلهاً.

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

 تحتقر، وتقهر، وربنا عز وجل لحكمة يريدها، كلما تعلقت بإنسان، وهذا الإنسان بعيد عن الله هذا الإنسان الله عز وجل يسيره كي يؤذيك، حتى تنقطع عنه، لأن الله يغار، من غيرة الله عليك أنك إذا تعلقت بإنسان بعيد عن الله، أما لو واحد أحب رسول الله، الطريق واحد، لو أحب الصحابة الكرام، لو أحب إنسان مؤمن، صالح، هذه المحبة من محبة الله، لذلك القاعدة الدقيقة لا ينبغي أن تحب مع الله لكن ينبغي أن تحب في الله، إذا أحببت زوجتك مع الله أي نفذت رغبتها وعصيت الله، هذا حب مع الله شرك، أما إذا أحببتها في الله وأن تضع اللقمة في فمها هي لك صدقة، شتان بينما من يحب مع الله، وبينما من يحب في الله، ممكن تحب الناس كلها في الله، عباد لله، تحب زوجتك وأولادك، وإخوانك، ومن حولك، وجيرانك، والمؤمنين تحبهم، وتودهم، وتزورهم، وتكرمهم، هذا حب في الله، أما أن تحب مع الله فقد أشركت بالله، لذلك:

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

 مقهور، ومحتقر، لأن هذا الذي أحببته ضعيف، ضعيف، ولئيم فإذا كان يقدر أن يعاونك من لؤمه لا يعاونك، وإذا كان يحب أن يعاونك من ضعفه لا يقدر أن يعاونك، يا أما لا يقدر يعاونك، يا أما لا يحب يعاونك، أنت اتخذته إله، ووضعت كل ثقتك فيه، وعلقت عليه الآمال ثم خيب ظنك.

﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

 لذلك ورد في الأثر القدسي:

((خلقت السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن، أفيعيني رغيف أسوقه لك كل حين، لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فالأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي بما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي بما أريد أتعبتك بما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

 هذه الآية أخوانا: مهمة جداً، من أخطر الآيات، متعلقة بأخطر الموضوعات، موضوع التوحيد، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

 

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً﴾

 

 يعني محتقر من قبل نفسك، تقول الله يلعن الساعة التي تعاملت بها مع فلان، شريكه يبيع خمر في المطعم، أخي عما يعطيني بالسنة مليون ليرة، شو نساوي إن شاء الله برقبته، لا بعدين ما طلع لك شيء بالمرة بالشركة، فالسك.

﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً﴾

 محتقر من قبل نفسك، ومن قبل الناس، ومن قبل الله، هلق النبي اسمه محمود، من أسمائه المحمود، محمود عند نفسه، ومحمود عند الخلق، ومحمود عند الحق، وهنا:

﴿مَذْمُوماً﴾

 عند نفسك، وعند الخلق، وعند الحق.

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ﴾

 قل لا.

﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً﴾

 مخذول، ومقهور، يعني بالنهاية:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾

( سورة الأنفال: 36 )

 مستحيل إنسان عاصي يصل إلى شيء، يصل إلى شيء موقت لكن العاقبة للمتقين، الأمور تدور، وتدور، وتدور، وتستقر على إكرام المؤمن، وخذلان الكافر، على علو المؤمن، وسقوط الكافر على نصر المؤمن، وخذلان الكافر، على تكريم المؤمن، وإهانة الكافر على رفع المؤمن، وخفض الكافر، بالنهاية الله قال:

 

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾

 

(سورة الأعراف: 128)

 والعبرة في الآخرة، والعبرة في النهاية، والأمور في خواتيمها والأمور بحسن الختام، هذه الآية أخوانا الكرام: على أنها قصيرة جداً لكنها خطيرة جداً.

 

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً﴾

 

 آخر كلمة بالدرس، أحد أكبر أسباب العذاب النفسي هو الشرك قل لي ما لدليل، أقول لك:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

(سورة الشعراء: 213)

 في أوضح من هذه الآية ؟

 

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

 

 أحد أكبر أسباب العذاب النفسي هو الشرك بالله، لهذا الله عز وجل قال:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾

(سورة يوسف: 106)

 مأمن، ويصلي، لكن زيد، وعبيد، وفلان، وعلان، موزع وآخر شيء.

 

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾

 

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً، ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله ))

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمن ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018