الدرس : 4 - سورة الإسراء - تفسير الآية 21 ، حظوظ الدنيا - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 4 - سورة الإسراء - تفسير الآية 21 ، حظوظ الدنيا


1995-03-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 الآية الواحدة والعشرون من سورة الإسراء وهي قوله تعالى:

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

 حينما قال الله عز وجل:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

( سورة الإسراء: 18 )

 لحكمة أرادها الله عز وجل يعطي إنسان الدنيا بالقدر الذي يريده الله عز وجل، وبالوقت الذي يريد، إلا أن الحظوظ في الدنيا الآن موزعة، لكن هناك اختلافاً كبيراً، يعني مثلاً، وازن بين إنسان في الجيش مثلاً جندي، وإنسان رئيس أركان، بين ممرض وبين أكبر طبيب جراح، بين بائع متجول بين رئيس غرفة تجارة، بين مزارع بسيط وبين إنسان يملك ألف دونم، وعنده معدات حديثة في الزراعة، بين إنسان لا يملك قوت يومه، بين إنسان يحار كيف ينفق المال.

 

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

 إنسان يتمتع بعينيه، إنسان لا يرى بعينيه، إنسان يتمتع بعقله الراشد، وإنسان مودع في مشفى المجانيين، إنسان يتمتع بأعلى درجات النشاط، وإنسان مقعد على الفراش، إنسان عنده زوجة ترضيه، وإنسان عنده زوجة تسخطه، إنسان عنده أولاد أبرار، وإنسان عنده أولاد عاقين.

 

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

 من حيث الدخل، بيت أربعمائة متر أمام، حديقة بأرقى أحياء دمشق، وبيت بأطراف المدينة تحت الأرض خمسين متر.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

 إلا أن هناك سؤال دقيق، سيد الخلق وحبيب الحق، وسيد ولد آدم ونبي هذه الأمة، كان إذا أراد أن يصلي قيام الليل، لا تتسع غرفة لصلاة الليل، ونوم السيدة عائشة، فكانت تبتعد، أو تنزاح قليلاً، ليصلي قيام الليل، سيدنا علي يقول:
" فلينظر ناظر بعقله، أن الله أكرم محمد أم أهانه، حين زوى عنه الدنيا، فإن قال أهانه فقد كذب، وإن قال أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا ".

 أردت من هذه الموازنة، من حيث البيت، من حيث الزوجة الأولاد، الصحة، الدخل، من حيث عملك جندي أم رئيس أركان ممرض في مستشفى أم مدير مستشفى، بائع متجول أم رئيس غرفة تجارة، مسافة كبيرة كثير، أستاذ جامعة ذو كرسي، ثلاث ساعات بالأسبوع، تعويض تفرغ، تعويض تأليف، معلم ابتدائي بقرية ملحوش هو والآذن، والمعلم، والمدير.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

 لعلكم تظنون أن الأقوياء أسعد من الضعفاء، والأغنياء أسعد، أنا أمهد لحقيقة خطيرة جداً، هذه الدرجات في الدنيا، أولاً موقتة، الموت ينهي صحة الصحيح ومرض المريض، وينهي قوة القوي وضعف الضعيف، وينهي وسامة الوسيم ودمامة الدميم، وينهي مرض المريض وقوة القوي، الموت ينهي كل شيء، والناس جميعاً في القبور سواسية، كلهم بعد حين، يصبحون عظاماً متفرقة في القبر.
 إذاً: هذه المراتب الدنيوية، مراتب المال، مراتب الصحة، مراتب الذكاء، مراتب القوة، المناصب، مراتب الحواس والملكات، هذه لا تعني شيئاً لأنها مؤقت، والدليل: يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ـ لأن الرخاء مؤقت، والشقاء مؤقت ـ قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبة، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.))

 لم ندخل بعد في الآية.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

 فعلاً في مسافات شاسعة جداً بين الأغنياء والفقراء، بقلك أنا من شهرين ما أكلت وقية لحمة، في أغنياء في بعض بلاد النفط بقدم قاعود، يعني هذا أرقى أنواع الأكل هذا جمل صغير يأكل الأمير هيك نصف وقية والباقي في الزبالة، إنسان من سنة مو آكل وقية لحمة، إنسان اللحم يلقى في القمامة.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

 بالأكل، بالشرب، بالشكل، بالوسامة، بالدمامة، بالمال، بالزوجة، بالأولاد، بالبيت، بالمركبة، بتلاقي مركبة من سنة 48 موديلها، وفي مركبة 94، 95 مثلاً، ما في نسبة.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

 لكن حظوظ الدنيا أيها الأخوة لا تعني شيئاً، لماذا ؟ لأنها مؤقتة، وثانياً لأنها لا تتناسب مع مكانة الإنسان عند الله، " رب أشعث اغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو اقسم على الله لأبره ".
 دخل على النبي الكريم صحابي من فقراء الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه ))

 الصحابي صعق، قال و مثلي، من أنا، قال يا أخ أنت خامل في الأرض، علم في السماء، المراتب الدنيوية من صحة إلى مال إلى جاه، إلى تفوق إلى وسامة، إلى......ألخ، لا تعني شيئاً، لأنها مؤقتة ولأنها، لا تتناسب مع مكانة الإنسان عند الله، الدليل:

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

 

( سورة الأنعام: 44 )

 المال، النساء، الغنى، البلاد الجميلة، الأجانب.

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

 مرةً ملك سأل وزيره من الملك: فالملك جبار، الوزير خاف قال له: أنت الملك، قال له: لا لست أنا الملك، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له زوجته ترضيه، وبيت يؤويه، ورزقٌ يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إذلاله، لا نعرفه ولا يعرفنا، ماذا أريد من كل هذا الكلام ؟ أن أصل إلا أن البطولة أن تحتل مرتبة عالية في الآخرة، لماذا ؟ لأنها إلى أبد الآبدين، ولأنها تتناسب مع مكانتك عند الله، ولأنها كسبية، أيام إنسان يموت معه ثلاثمائة مليون عنده ابن عمره تسع سنوات، هذا ولد معه ثلاثمائة مليون، ليس بشطارته، لأنه ابنه فقط، حظوظ الآخرة تتناسب مع كسب الإنسان في الدنيا، وحظوظ الآخرة إلى أبد الآبدين.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

 تكاد تكون الآخرة فيها مراتب بعدد أهل الجنة، عندنا الموظفين عشرة درجات، كل درجة ثلاث مستويات، أولى ثالثة، ثانية ثانية يصبحون ثلاثين درجة، أما درجات أهل الجنة بعدد أهل الجنة والدليل:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)﴾

( سورة الأنعام: 132 )

 كل إنسان له درجة بحسب عمله، درجة الآخرة لها معنى، كسبية، ودرجة الآخرة أبدية، كسبية، وأبدية، أما درجة الدنيا قد تتناقض مع مكانتك عند الله، بالعكس الله يمد للكافرين.

 

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

 

(سورة آل عمران: 196 )

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم: 42 )

 مراتب الدنيا مؤقتة، ولا تعني شيء، وقد تعني عكس واقعها لكن مراتب الآخرة تتناسب مع مكانتك عند الله، وكسبية بحسب عملك وأبدية، العاقل يسعى لمرتبة الدنيا أم لمرتبة في الآخرة ؟ يسعى لمرتبة عالية عند الله أم عند الناس ؟

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

 لهذا يقول سيدنا علي كرم الله وجهه، سيدنا علي يعد كلامه أفصح كلام على الإطلاق بعد كلام رسول الله، فمن أساليب النبي البلاغية أن مرةً يقول:

(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت من هذه يا جبريل ؟ قال هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاد فلم تتزوج من أجلهم ))

 إذا سمعت هذا الحديث امرأة مات عنها زوجها، وهي في العشرينات، وترك لها ولدين، فأبت الزواج رعاية لحق هاذين الولدين، إن سمعت المرأة هذا الحديث بماذا تشهر ؟ يمكن تذوب، النبي كان بليغ، منقول بالأثر عنه أنه أفضل إدامٍ الجوع، أن تكون جائع، هو يصف الإدام، ترك الإدام ووصف حالة الآكل، في بالبلاغة لقطات لطيفة جداً، قال أنا أفصح العرب، قال بيدا أني، لما قال بيدا أني كأنه سيذم نفسه، قال بيدا أني من قريش، وقريش أفصح قبيلة بالعرب، هذا اسمه أسلوب المدح بما يشبه الذم، من أساليب النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا علي يبدو أنه تعلم من النبي أساليب رفيعة قال الغنى والفقر متى ؟ بعد العرض على الله، لا في الدنيا، الغنى غنى العمل الصالح، والفقر فقر العمل الصالح، هذه الآية أخوانا لوحدها بحث.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

 حتى بمستوى الحج بقلك كلفتني الحجة 250 ألف، و حجي ثاني كلفته 42 ألف، هذه غير هذه.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

 الإنسان العاقل يسعى لمرتبة في الآخرة، والمرتبة في الآخرة يحصلها كل إنسان، لكن مراتب الدنيا، مثلاً زار فيها مدير شؤون الموظفين، محتله شخص خلص، حتى يموت، ما في أمل تصل إليها لكن مراتب الآخرة مفتوحة لكل البشر، كل إنسان إذا أطاع الله عز وجل احتل مرتبة في الآخرة.

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾

(سورة القمر: 54)

 هذه الآية تدفعنا جميعاً إلى كسب العمل الصالح ليكون هذا العمل سبباً لمرتبة علية عند الله، مرة ثانية الحظوظ في الدنيا، شوف الحظوظ أعني بها شيئاً دقيقاً، المال حظ، الصحة حظ، الزوجة حظ، الأولاد حظ، القوة حظ، الوسامة حظ، الملكات العالية حظ، هذه حظوظ الدنيا حظوظ الدنيا موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، لا تعني شيئاً قد يكون الفقير أقرب إلى الله من الغني، وقد يكون الحاجب أقرب إلى الله من المدير يلي قاعد وراء الطاولة، وقد تكون الدابة خير من راكبها هكذا النبي ذكر في بعض الأحاديث، قد تكون الدابة خير من راكبها، الحظوظ في الدنيا لا تعني شيء، إنما قد وزعت توزيع ابتلاء، لكن الحظوظ في الآخرة تعني كل شيء، لأنها أولاً أبدية، وثانياً كسبية أبدية، وكسبية، بالدنيا عكسها، لا هي أبدية مؤقتة، ولا هي كسبية بحسب حكمة الله عز وجل، فلذلك الإنسان عليه، قال: ابتغوا الرفعة عند الله.

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمن ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018