الخطبة : 0313 - البيت المسلم11- حفظ الحقوق - الأرض وسرعتها . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0313 - البيت المسلم11- حفظ الحقوق - الأرض وسرعتها .


1990-08-24

الخطبة الأولى:
الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم علمنا من علمك المخزون ، واحفظنا بسر اسمك المصون يا أرحم الراحمين .

حفظ حقوق الوالدين :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في موضوع البيت المسلم ، وقد كان موضوع الخطبة السابقة : مسؤولية الآباء في تربية أولادهم التربية الاجتماعية ، ومن بنود التربية الاجتماعية حفظ الحقوق ، وفي مقدمة هذه الحقوق حقوق الوالدين ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

[ سورة الإسراء : 23 ]

قال علماء التفسير : إن عطف الإحسان للوالدين على عبادة الله رفعٌ لشأن هذه الطاعة إلى مستوى العبادة ، لأن العطف يقتضي التجانس ، أنت لا تقول : اشتريت بيتاً وإبرةً ، لأن هذا العطف لا يقتضي التجانس . .

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

[ سورة الإسراء : 23 ]

الله سبحانه وتعالى رفع طاعة الإحسان إلى الوالدين إلى مرتبة عبادة الله تعالى حيث عَطَفَ هذه على تِلك ، هذه واحدة .
الإمام البخاري رضي الله عنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

((ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين -أي بابين في الجنة - قيل يا رسول الله : وإن كان واحداً ؟ قـال : وإن كان واحداً فواحد ، فتح الله باباً في الجنة ، وإن غضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه ، قيل : وإن ظلماه ؟ قال : وإن ظلماه))

[البخاري عن ابن عباس]

لأن هناك قاعدةً تقول : أدِّ الذي عليك واطلب من الله الذي لَك ، أدِّ الذي عليك مِن برهما ، واطلب من الله الذي لك إذا ظلماك . من هذا الحديث الشريف يستنبط أن رضا الله عز وجل مَنوطٌ برضا الوالدين . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله :

((رضا الله في رضا الوالدين وسُخط الله في سخط الوالدين))

[ الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

وكلكم يعلم أن هذا الأعرابي الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يجاهد معه ، فقال له النبي الكريم :

((ألك أبوان ؟ قال نعم ، قال : فيهما فجاهد))

والذي قال له : يا رسول الله جئتك- أي لأجاهد معك- وتركت والدي يبكيان ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما))

[ النسائي عن عبد الله بن عمرو]

وجاء رجلٌ ثالـث فقال : يا رسول الله أردت الغزو معك ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((ألك أم ؟ قال : نعم ، قال : الزمها فإن الجنة عند قدميها))

وحينما صعد النبي المنبر عليه الصلاة والسلام فقال :

(( آمين ، صعد الدرجة الثانية فقال : آمين ، صعد الدرجة الثالثة فقال : آمين فقيل له : يا رسول الله علامَ أمَّنت ؟ فقال : جاءني جبريل فقال لي : خاب وخسر رغم أنف عبدٍ أدرك والديه أو أحدهما ولم يدخلاه الجنة ))

[ تفسير ابن كثير ]

أي بر الوالدين عملٌ يكفي في حجمه لدخول الجنة .

 

كيفية برّ الوالدين بعد مماتهما :

بر الوالدين عمل يكفي في حجمه لدخول الجنة
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا في حياتهما ، فماذا بعد مماتهما ؟ عن أبي هريرة رضي الله عنه فيما رواه الإمام البخاري قال عليه الصلاة والسلام :

((ترفع للميت بعد موته درجة فيقول : أي ربي أي شيءٍ هذا ؟ فيقول الله عز وجل : ولدك استغفر لك))

[البخاري عن أبي هريرة]

هذا الدُعاء الذي نقرأه في نهاية كل صلاة : " ربّ اغفر لي ولوالدي ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً " . النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة ، قال :

((ترفع للميت بعد موته درجة فيقول : أي ربي أي شيءٍ هذا ؟ فيقول الله عز وجل : ولدك استغفر لك))

[البخاري عن أبي هريرة]

وهذا الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال : يا رسول ماذا بقي علي من بر والديَّ بعد موتهما ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :

((أربعة أشياء : الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لم يكن لها صلةٌ إلا بهما ، فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما ))

[ من الجامع لأحكام القرآن عن أبي أسيد ]

فمن بر الوالدين أن تنفذ وصيته بعد موته . هذه المرأة التي كانت تطوف البيت ، وكانت مصابةً بمرضٍ يعدي ، رآها سيدنا عمر فقال : " يا أمة الله الزمي بيتك لا تؤذي المسلمين " ، فقبعت في بيتها ، فلما مات عمر قيل لها : اخرجي فقد مات عمر ، فقالت كلمةً تكتب بماء الذهب : " والله ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً " .
زوجة سيدنا عمر بن عبد العزيز ، كان لها ثوباً مزركشاً ، مزداناً بالجواهر واليواقيت ، فلما تسلَّم الخلافة أمرها أن تقدِّمه لبيت مال المسلمين ، ففعلت ، فلما مات عمر قيل لها : هذا الثوب خذيه . قالت : والله ما كانت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً . فلذلك من بر الوالدين إنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لم يكن لها صلةٌ إلا بهما ، قال : فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما .
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ روى الإمام مسلم في صحيحه أن عبد الله بن عمر لقيه رجلٌ بطريق مكة ، فسلَّم عليه عبد الله ، وحمله على حمارٍ كان يركبه ، وأعطاه عمامةً كانت على رأسه ، فقال ابـن دينار وكان مع ابن عمر : " أصلحك الله يا بن عمر ، إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير" فقال عبد الله بن عمر : " إن أبا هذا الأعرابي كان وَدَّاً لعمر بن الخطاب - لأبي - وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

((إن مِن أبرِّ البِر صلة الرجل أهل ود أبيه))

[مسلم عن عبد الله بن عمر ]

وقد قال عليه الصلاة والسلام :

((من البر أن تصل صديق أبيك))

[ من الجامع الصغير عن أنس ]

تقديم برّ الأم على برّ الأب :

يقدم بر الأم على بر الأب
أيها الأخوة المؤمنون ؛ الشيء الثابت في بر الوالدَين أن يقدَّم بر الأم على بر الأب ، فابن كثيرٍ في تفسيره الشهير روى عن سليمان بن بُرَيْدَة ، وكان من أصحاب رسول الله أن رجلاً كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها ، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام : يا رسول الله هل أديت حقها ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :

((لا ، ولا بزفرةٍ واحدة))

[ابن كثيرٍ عن سليمان بن بُرَيْدَة ]

أي ولا بطلقةٍ واحدة . ويروى أن أعرابياً كان يحمل أمه في الطواف ، وكان شاعراً كان يقول :

إني لهـا مطيةٌ لا أذعـــــــــرُ إذِ الركاب نفرت لا أنفــرُ
ما حملت وأرضعتني أكثـرُ الله ربي ذو الجلال أكبـرُ
* * *

مرَّ ابن العباس فقال : يا بن عباس ، يا بن عم رسول الله ، أتراني قضيت حقها؟ قال : "لا ، ولا بطلقةٍ مِن طلقاتها " .

 

آداب معاملة الوالدين :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ من آداب معاملة الوالدين كما جاء في السُنَّة النبوية : ألا يمشي الابن أمام أبيه ، وألا يناديه باسمه ، وألا يجلس قبله ، وألا يَضْجَرَ مِن نصائحه ، وألا يأكل من طعامٍ ينظر إليه ، وألا يرقى مكاناً عالياً فوقه ، وألا يخالف أمره .
هذه التوجيهات مستقاةٌ من السنة النبوية ؛ ألا تمشي أمامه ، وألا تناديه باسمه ، وألا تجلس قبله ، وألا تضجر من نصائحه ، وألا تأكل من طعامٍ ينظر إليه ، أيْ أن هذا الابن الذي يجلس على المائدة فيختار من الفاكهة أطيبها ، في حضرة أبيه ، ويأخذ من الخبز أحسنه، في حضرة أبيه ، ويأكل من الطعام أطيبه ، في حضرة أبيه ، هذا ما عرف بر الوالدين ، كان بعض السلف لا يأكل مع أبيه إطلاقاً ، خشية أن تقع عين الأب على طعامٍ وقد تناوله الابن .

قيام الإنسان بالإحسان إلى والديه بنفسه :

يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ مِن الحِكَمِ البديعة في صياغة القرآن أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

[ سورة الإسراء : 23]

فعل " أحسن " يتعدى بـ إلى ، لا بالباء ، أحسنت إليه ، لا تقل في اللغة : أحسنت به ، هذا لم يرد إلا في القرآن الكريم ، لأن الله سبحانه وتعالى أراد من تعدية أحسن " بالباء " لا " بـ إلى " لأن الباء من معانيها الإلصاق ، الإحسان إلى الوالدين لا يقبل إلا منك شخصياً لا بواسطة ، أن تقول للسائق مثلاً : خذ هذا لأبي ، خذ أبي نزهةً ، هذا ليس إحساناً للوالدين ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

[ سورة الإسراء : 23]

يجب أن يتعدّى فعل الإحسان بالباء ، إشارةً إلى ضرورة أن تقوم بهذا الإحسان مِن قِبَلِك شخصياً .

﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾

[ سورة الإسراء : 23 ]

بر الأب في كهولته أصعب من بره وهو شاب
الأب الشاب برّه سهلٌ ، الأب العاقل الذي يتمتَّع بأعلى درجات العقل والقوة والقدرة والحكمة برُّه سهلٌ جداً ، أما إذا بلغ الإنسان من الكِبَرِ عِتياً ؛ فأصبح يُفَنِّد الأقوال ، ويحشر أنفه فيما لا يعنيه ، في هذه السِن يجب أن تحسن إليه ، لأنه قد ضعفت ملكاته العقلية.

﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾

[ سورة الإسراء : 23 ]

يقول عليه الصلاة والسلام :

((ما برَّ أباه مَن شَدَّ إليه الطرف بالغضب))

[ الجامع الصغير عن عائشة ]

من نظر إلى أبيه بحدةٍ ما بره . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ ، ومعه شيخٌ كبيـر ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((من هذا الذي معك يا هذا ؟ فقال : أبي ، عندئذٍ قال عليه الصلاة والسلام : لا تمش أمامه ، ولا تجلس قبله ، ولا تَدْعُهُ باسمه ، ولا تستسب له))

[المعجم الأوسط عن عائشة ]

أي لا تفعل فعلاً يسبب أن يُسَبَّ أبوك ، لا تفعل عملاً يدعُ الناس إلى أن يسبّوا أباك ، لا تستسب له .

 

برّ السلف الصالح بآبائهم :

أيها الأخوة الأكارم ؛ كان السلف الصالح على مستوىً رفيع ببر الآباء ، فقيل لعمر بن يزيد : كيف بر ابنك بك ؟ فقال عمر بن يزيد : والله ما مشيت نهاراً قط إلا وهو خلفي، ولا مشيت ليلاً قط إلا مشى أمامي ، درءاً للخطر، ولا رقى سطحاً وأنا تحته . وقد تروي كتب التاريخ أن رجلاً قال : خرجت أمشي مع أبي فلقيني أبو هريرة فقال : من هذا ؟ فقال : أبي ، فقال أبو هريرة : " لا تمش بين يديه ولكن امش خلفه أو إلى جانبه ، ولا تدع أحداً يحولُ بينك وبينه ، ولا تمش فوق سطح أبيك ، ولا تأكل شيئاً قد نظر أبوك إليه فلعله اشتهاه " . . هذا من سيرة السلف الصالح .
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قصةٌ ينخلع لها القلب ، رواها السَمَرْقَنْدِيّ عن أنسٍ رضي الله عنه : أن شاباً كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى عَلْقَمَة ، فمرض علقمة واشتد مرضه ، فقيل له : قل لا إله إلا الله . فلم ينطلق بها لسانه ، تلعثم ، دُعِيَ إلى أن يشهد هذه الشهادة مرَّاتٍ عديدة قبل أن يفارق الحياة ، فلم ينطق لسانه بهذه الشهادة ، أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال عليه الصلاة والسلام : هل له أبوان ؟ فقيل : إن أباه قد مات، وله أمٌ كبيرة ، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إليها فجاءت ، فسألها عن حال ابنها ، فقالت يا رسول الله : كان يصلي كذا وكذا ، وكان يصوم كذا وكذا ، وكان يتصدَّق بجُمْلَةٍ من الدراهم ، ما ندري ما وزنها وما عددها ، فقال عليه الصلاة والسلام : فما حالكِ معه ؟ ما علاقتكِ به ؟ حاله مع نفسه أنه كان يصلي ويصوم ويتصدق ، ما حالكِ معه ؟ قالـت : يا رسول الله أنا عليه ساخطة ، واجدة . فقال عليه الصلاة والسلام : ولِمَ ذلك ؟ قالت : كان يؤثر عليَّ امرأته ، ويطيعها ويسخطني ، فقال عليه الصلاة والسلام : سخط أمه حجـب لسانه عن شهادة لا إله إلا الله . ثم - وعلى مسمع الأم - قال : يا بلال انطلق واجمع حطباً كثيراً حتى أحرقه بالنار . فقالت : يا رسول الله : ابني ، وثمرة فؤادي ، وتحرقه بالنار بين يدي ؟ وكيف يحتمل قلبي ذلك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أيسرك أن يغفر الله له ؟ قالت : نعم ، قال : فارضي عنه ، فوالذي نفسي بيده لا ينتفع بصلاته ، ولا بصيامه ، ولا بصدقته ما دُمْتِ عنه ساخطة . فرفعت يديها إلى السماء وقالت : أشهد الله تعالى في سمائه ، وأنت يا رسول الله ، ومَنْ حضر أني قد رضيت عنه . فقال : يا بلال انطلق إلى علقمة فانظر هل يستطيع أن يقول: لا إله إلا الله ، فلعل أمه تكلَّمت بما ليس في قلبها - حياءً من رسول الله - فانطلق بلالٌ فلما انتهى إلى الباب سمعه يقول : لا إله إلا الله ، ومات من يومه ، وغُسِّلَ ، وكُفِّنَ ، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم . ولكن لابد من ملاحظة ، هو أنه في فساد الزمان ، وفي ضعف الالتزام ، وفي انحلال الأخلاق ، وفي ظهور المعاصي ، وفي كثرة الفُجور ، كثيراً ما يأمُر الآباء والأمهات بالمعاصي ، كل هذا الموضوع بعيدٌ عن أن تطيع أمك وأباك فيما نهى الله عنه ، لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ، هذه الخطبة لا تعني أن تطيع أمك وأباك إذا أمراك بمعصية .
سيدنا سعد ، قالت له أمه : يا سعد ، إما أن تكفر بمحمد وإما أن أدع الطعام حتى أموت ، فقال سعد : " يا أمي ، لو أن لك مئة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدةً ما كنت لأكفر بمحمد ، فكلي إن شئتِ أو لا تأكلي" .
فأن تقول الأم لابنها : طلق امرأتك هكذا ، بلا سبب ، امرأةٌ صالحة ، مؤمنةٌ ، طاهرةٌ ، نزوةٌ أصابت الأم : طلقها ، افعل كذا - وقد نهى الله عنه - اجلس مع فلانة فهي زوجة أخيك ، وإلا أغضب عليك ، إذا كان أمر الأب والأم منصباً على معصيةٍ لله ، عندئذٍ يتوقَّف الغضب والرضا ، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

 

مواقف فيها عقوق للوالدين :

نظرة الشزر إلى الوالدين من العقوق
أيها الأخوة المؤمنون ؛ العلماء جَمَعوا بعض المواقف التي فيها عقوقٌ للوالدين، من هذه المواقف أن ينظر الولد إلى أبيه نظرة شزرٍ عند الغَضَب ، هذه ما بر أبيه من شد طرفه إليه ، هذا من العقوق ، ومن العقوق أن يَعُدَّ الولد نفسه مساوياً لأبيه في الحقوق والواجبات ، أعطاه نصيحة قال له : أنت لم تفعل هذا ، عَدَّ نفسه نِدَّاً له في البيت وفي العمل ، فمن فعل هذا فليس باراً بأبيه ، ومن العقوق أن يتعاظم الولد عن تقبيل يدي والديه ، أو ألا ينهض لهما احتراماً لهما وإجلالاً ، نفسه أكبر من أن يحترِم أباه وأمَّه إن في تقبيل يديهما أو في الوقوف لهما إذا دخلا ، ومن العقوق أن يستحوذ الغرور على الولد فيستحيي أن يعرف بأبيه ، قد تعلو مكانة الولد في الدنيا ، قد يتسلَّم منصباً خطيراً ، قد يستحي بأبيه ، لمجرَّد أن تستحي بأبيك فأنت عاقٌ له ، ومن العقوق ألا يقوم الابن بحق النفقة على والديه ، هذا من العقوق ، ومن العقوق أن يعلو صوت الابن على صوت أبيه ، من العقوق أن يتأفَّف في حضرته ، من العقوق أن يُقَرِّعَهُ بكلماتٍ مؤذيةٍ جارحة ، من العقوق أن يجلِب الإهانة لهما ، يعمل عملاً سيئاً فيتحدث الناس عن هذا العمل السيِّئ ، ثم يتحدثون عن سوء تربية الأب لهذا الابن ، من العقوق أن تسبب لهما السُباب ، هذا كله من العقوق .
الإمام البخاري رحمه الله تعالى ، روى في صحيحه أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((ألا أُنَبِّئكم بأكبــر الكبائـر ؟ قالوا : بلى ، قال عليه الصلاة والسلام : الإشراك بالله وعقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس ، قال : ألا وقول والزور والعمل به))

[البخاري عن أبي بكرة]

والإمام البخاري أيضاً روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً يقول فيه :

((من الكبائر شتم الرجل والديه ، فقيل : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال : نعم ، يسُبُّ أبا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب أمه))

[البخاري عن عبد الله بن عمرو]

وقد روى الإمام أحمد في مسنده ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة ، مدمن الخمر ، والعاق لوالديه ، والديوث ، قيل : مَن الديوث يا رسول الله ؟ قال : الذي يرضى الفاحشة في أهله ولا يغار على عرضه))

[أحمد عن ابن عمر ]

الذي لا يغار على عرضه ، أو يرضى الفاحشة في أهله فهو الديوث ، لا الديوث ، ولا العاق للوالدين ، ولا شارب الخمر يدخل الجنة . وقد روى الإمام أحمد في مسنده أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((لا تشرك بالله وإن قُتِّلْتَ وحُرِقت ، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من مالك))

[أحمد عن معاذ بن جبل]

والحاكم في كتابه يروي حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه :

((كل الذنوب يؤخِّر الله ما شاء منها أن يؤخِّر إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين ، فإن الله يُعَجِّلُه لصاحبه في الحياة قبل الممات ))

[الحاكم عن أبي بكرة]

العاق لوالديه يدفع الثمن باهظاً في الحياة قبل الممات .
أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

دورة الأرض حول نفسها :

أيها الأخوة الأكارم ؛ ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾

[ سورة النمل : 88 ]

فإذا كانت الجبال تمرُّ مرَّ السحاب ، فالأرض معها تدور ، وهذه إشارةٌ لطيفةٌ في كتاب الله عزَّ وجل إلى دورة الأرض حول نفسها .
الأرض تقطع حول نفسها في الثانية الواحدة نصف كيلو متر ، في الثانية الواحدة لأن محيطها أربعون ألف كيلو متر ، فالنقطة في المحيط تعود إلى مكانها السابق ، بعد أربعٍ وعشرين ساعة ، فإذا قسَّمت أربعين ألف كيلو متر على أربع وعشرين ، فالنتيجة ألف وستمئة كيلو متر في الساعة ، أي نصف كيلو متر في الثانية ، سرعة الأرض في دورتها حول نفسها .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018