الإيمان هو الخلق - العقيدة والتوحيد - الندوة : 58 - ثمار التوحيد ـ الدلافين - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - العقيدة والتوحيد - الندوة : 58 - ثمار التوحيد ـ الدلافين


2007-02-12

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق .
ويسعدنا أن نكمل ما كنا قد بدأناه في الحلقة الماضية مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق .
أهلاً وسهلاً سيدي الكريم .
بكم أستاذ علاء ، جزاكم الله خيراً .
الأستاذ علاء :

تذكير وتقرير :

سيدي الكريم ، توقفنا في حلقات سابقة عند مقوم هام من مقومات التكليف ، ألا وهو الاختيار ، وأفردنا له الكثير من الحلقات ، وتشعبت مواضيع هامة عن الاختيار ، وقلنا : إن الاختيار يثمّن العمل ، وأن الله عز وجل أوجده لأنه يتسق وعدله ، ويتسق والثواب والعقاب ، وأيضاً أن الإنسان مخير فيما كلف به ، من هذا الموضوع تبينا أن هنالك ثلاثة أنواع من الإضلال ، الله عز وجل يترك الإنسان في محض اختياره للأشياء فيما كلف بها ، ولكن هنالك الإضلال الجزائي ، والإضلال الحُكمي ، وهنالك الإضلال عن الشركاء ، سيدي الكريم الإضلال عن الشركاء يفضي إلى مسألة واحدة ، وهي التوحيد ، وأن يكون الإنسان موحداً متجهاً بكليته إلى الباري عز وجل ، فماذا عن حقيقة التوحيد ؟
الدكتور راتب :

الدينُ توحيدٌ وعبادة :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أستاذ علاء ، جزك الله خيراً ، الإنسان أحياناً كما أنه يميل إلى التفاصيل والأفكار التفصيلية والتشعبات يميل في حين آخر إلى ضغط الحقائق بكلمات ، فإذا أردنا أن نضغط فحوى رسالات السماء مجتمعة لا نستطيع أن نفعل هذا ، كما جاء في القرآن الكريم ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )

الدين توحيد وعبادة
الرسالات السماوية مجتمعة ، دين الله وحي السماء إلى الأرض ، خطاب السماء إلى الأرض مضغوط بكلمتين توحيد وعبادة ، التوحيد بالتعبير المعاصر منطلقات نظرية ، والعبادة تطبيقات عملية ، التوحيد اعتقاد ، والعبادة سلوك ، التوحيد الجانب العقلي من الدين ، والعبادة الجانب السلوكي من الدين ، فالدين إيمان وعمل ، وفي أكثر من مئتي آية يُذكَر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، منطلق نظري وتطبيق عملي ، فلذلك هذه الآية :

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ ﴾

(سورة الأنبياء )

الآن نقطتان :

 

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

(سورة الأنبياء )

أحياناً للتقريب ، قال تعالى :

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾

(سورة الكهف )

النبي صلى الله عليه وسلم بشر ، وتجري عليه كل خصائص البشر ، وانتصر على بشريته ، إذاً : هو سيد البشر ، قال تعالى :

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾

(سورة الكهف )

الآن سيضغط القرآن كله في كلمتين ، أنه
القرآن بأكمله ستمئة صفحة ، ثلاثون جزءًا مضغوط بكلمتين ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

(سورة الأنبياء )

توحيد وعبادة ، حتى إنهم قالوا : التوحيد نهاية العلم ، والعبادة نهاية العمل ، فحينما تأتي حركتك في الدنيا مطابقة لمنهج الله فقد حققت الهدف من وجودك ، والإله العظيم الذي خلق الإنسان خلقه ليعبده .

حقيقة العبادة :

1 ـ العبادة الشعائرية والعبادة التعاملية :

الإسلام منهج كامل
لكن يفهم الناس أحياناً بسذاجة أن العبادة صلاة ، العبادة أنك أمام منهج تفصيلي ، أقولها كثيراً ، يبدأ بالفراش الزوجية ، وينتهي بالعلاقة الدولية ، منهج كامل ، في طعامك ، في شرابك ، في زواجك ، في تربية أولادك ، في كسب مالك ، في أفراحك ، لا سمح الله في الأتراح ، في السفر ، في الحرب ، في السلم ، منهج تفصيلي ، فلذلك نحن مضطرون إلى أن نفرق بين عبادتين ، بين عبادة شعائرية وعبادة تعاملية .

 

 

 

2 ـ لا تصح العبادة الشعائرية إلا بصحة العبادة التعاملية :

إغفال العبادات التعاملية حول الدين إلى فلكلور
الحقيقة المُرة التي هي أفضل ألف مَرة من الوهم المريح ، أن العبادات الشعائرية ، ومنها الصلاة والصيام والحج والزكاة لا تقبل ، ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية ، فلما غفل المسلمون عن أن الدين عبادات تعاملية أصبح الدين أجوف ، أصبح الدين إطاراً ، أصبح الدين ثقافة ، أصبح الدين فلكلوراً ، أصبح الدين تراثاً ، الدين منهج تفصيلي ، تعليمات الصانع ، لأن الإنسان أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، ولهذه الآلة بالغة التعقيد بالغة النفع غالية الثمن كتيب فيه تعليمات التشغيل والصيانة ، إنه القرآن الكريم ، فلذلك الإنسان أحياناً يحب التفاصيل والإسهاب ، لكن أحياناً يحب الموجز ، موجز الأديان كلها توحيد وعبادة .
الأستاذ علاء :

 

 

 

 

﴿ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾

(سورة طه)

الدكتور راتب :

موجَز القرآن : لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ

موجز القرآن كله ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء ]

التوحيد والعبادة ، التوحيد حينما تشعر أن مصيرك ، أن رزقك ، أن صحتك ، أن حياتك ، أن دخلك ، أن سعادتك بيد جهة أرضية ، إذا توهمت ذلك دون أن تشعر تتجه إلى عبادة هذه الجهة الأرضية ، من دون أن تعطيها اسم العبادة ، تخاف منه ، تعصي الله من أجله ، ترتكب الموبقات إرضاءً له ، تتكلم كلاماً لست قانعاً به إرضاءً له .

من صفات الداعية الربّاني : التوحيد الخالصُ :

هناك آية دقيقة جداً يصف الله الدعاة إلى الله ، قال تعالى :

 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ ﴾

(سورة الأحزاب)

ولا يخشون أحدا إلا الله
هؤلاء الدعاة لهم مئات الصفات ، هم حتماً صادقون ، أمناء رحماء ، صفاتهم كثيرة ، هي صفات المؤمنين ، لكن الله أغفلها كلها ، وأبقى صفة واحدة ، قال تعالى :

 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

(سورة الأحزاب)

فلو أن هذا الداعية خشي غير الله لسكن عن الحق خوفاً ممن خشيه ، وتكلم بالباطل إرضاءً لمن خشيه انتهت دعوته ، و ما مِن داعٍ أن نذكر بقية الصفات ، علماء البلاغة قالوا : هذه صفة مترابطة مع الموصوف ترابطًا وجوديًا ، بمعنى أنه إذا ألغيت الصفة ألغي الموصوف ، كأن تقول : الطائرة كبيرة ، والباخرة كبيرة ، طائرة غالية الثمن ، واليخت غالي الثمن ، أما إذا قلت : طائرة تطير ، فإذا ألغي طيرانها ألغيت هويتها ، قال تعالى :

 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

(سورة الأحزاب)

الأستاذ علاء :
هنا المفهوم التوحيدي جلي .
الدكتور راتب :

التوحيد راحة ، والشرك عذابٌ :

ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، فأنا حينما أتوهم أن رزقي بيد زيد ، وأن منصبي بيد عبيد ، وأن راحتي النفسية بيد فلان ، وأن مكانتي الاجتماعية بيد علان ، أنا مضطر أن أعبد آلهة كثيرة ، أنا سأتوزع ، سأتمزق ، إذا جاءت التعليمات متضادة ماذا أفعل ، من أرضي ؟ لذلك المؤمن استراح من كل هذه المشكلات ، يعبد رباً واحداً ، ويرضي إلهاً واحداً ، ويعتمد على إله واحد ، ويلجأ إلى إله واحد ، ويتوكل على إله واحد ، وكل عمله من أجل إرضاء هذا الإله الواحد ، هذا معنى قوله تعالى :

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

(سورة الأنبياء )

الأستاذ علاء :
هذه الخلاصة ، وهذا كل ما جاء به الأنبياء ، وما جاءت به الشرائع أودت إلى هذا المعنى ، وإلى هذا المنتهى الذي هو الإخلاص لله بالعبودية ، وألا نشرك به أحدا ، ومتى تحققت هذه القضية فقد تحقق الدين .
الدكتور راتب :
أستاذ علاء ، حينما ترى أن رزقك بيد فلان دون أن تشعر تحاول أن ترضيه بأي ثمن ، لأن الإنسان حريص حرصاً لا حدود له على حياته ، وعلى رزقه ، فإذا أسْلَمنا الله إلى غيره كيف يأمرنا أن نعبده ، إذا أسلَمنا الله إلى عدو لئيم كيف يأمرنا أن نعبده ؟
التوحيد هو علاج الإحباط لدى المسلمين
إنّ علاج حالات الإحباط عند بعض المسلمين الآن هو التوحيد ، لأن توهم ضعيف الإيمان أن أمرنا بيد جهة قوية بعيدة عنا تخطط لتدميرنا ، لإفقارنا ، لإضلالنا ، لإفسادنا ، لإذلالنا ، لإبادتنا ، وهي قوية جداً ، معها أسلحة فتاكة ، والإعلام بيدها ، والأموال بيدها ، والثروات بيدها ، والتحالفات بيدها ، وكأن حرباً عالمية ثالثة معلنة على الإسلام ، فالمسلم إذا كان ضعيف الإيمان يشعر بالإحباط ، لذلك أنا أقول : أخطر شيء في حياة المسلمين أن يهزموا من الداخل ، من الخارج ليست مشكلة كبيرة ، فما مِن إنسان إلا وله ساعة هكذا وساعة هكذا .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، تفضلت في مسألة هامة جداً ، أن الهدف من نزول الدين أن نوحد الله ، وألا نشرك به أحدا ، الآن من هنا جاءت الدروس .
النبي عليه الصلاة والسلام من ولادته حتى وفاته كان موحداً لله ، وفي البدايات قطع اللهُ له الأسباب حتى لا يتوجه إليه ، من وفاة والده ، ثم والدته ، ثم جده ، ثم عمه ، إلى أن توكل التوكل الصحيح على الله عز وجل ، ومن هنا نفهم الهجرة ، وكيف النبي انتقل إلى المدينة المنورة ، ثم أخذ بالأسباب ، وقلت لنا : أنْ نأخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، ثم نتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، هنا يتحقق التوحيد في هذه القضية ؟
الدكتور راتب :

علاقة التوحيد باتخاذ الأسباب :

الحقيقة التوحيد له معنيان :
المعنى الأول : أن الله وحده هو الفعال .
الأخذ بالأسباب لا يتناقض مع التوحيد
المعنى الثاني : أن الله جعل لكل شيء سببا ، فحينما آخذ بالأسباب هذا لا يتناقض مع التوحيد ، حينما أرى أن الأمر بيد فلان فقد أشركت ، أما حينما أرى أن الأمر بيد الله ، وقد مرني أن آخذ بالأسباب ، فاتصلت بفلان ، وعرضت عليه مشكلتي ، ووعدني بحلها ، أنا بقيت موحداً ، لأني أرى أن العطاء بيد الله ، هو بشكل آخر لا رافع ولا خافض ، ولا معطي ولا مانع ، ولا معز ولا مذل ، ولا رازق ولا مقتر إلا الله ، يد الله وحدها تعمل ، ولو أن الله أسلَمنا إلى غيرنا أنا أتسائل : كيف يأمرنا أن عبده ؟ لذلك طمأننا وقال :

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

( سورة هود)

الأمر معرف بـ ( أل )تعريف استغراق ، كله توكيد ،

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

الآن

﴿ فَاعْبُدْهُ ﴾

وما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك ، أنا موجود يا عبدي ، أنا معك ، قال تعالى :

 

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴾

( سورة طه)

فرعون الجبار الطاغية قتلُ إنسانٍ أهون عنده من قتل ذبابة ، قال تعالى :

 

﴿ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

( سورة طه)

أستاذ علاء ، في القرآن قصص في الحقيقة شيء يلفت النظر ، أن شرذمة قليلة من أتباع سيدنا موسى خائفة مضطهدة مهانة ملاحقة ، فرعون وراءه بجنوده بجبروته وأسلحته كبريائه وبطشه وقسوته ، قال تعالى :

 

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء)

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان معك فمن عليك ؟
سيدنا يونس أستاذ علاء ، إنسان يجد نفسه فجأة في بطن حوت ، الحوت وزنه مئة وخمسون طنًّا ، فيه خمسون طنًّا من اللحم ، وخمسون طنًّا من الدهن ، وخمسون طنًّا من العظم ، وتسعون برميلا من الزيت ، وجبته المتواضعة أربعة أطنان ، والإنسان كله مئة كيلو ، الإنسان يستطيع أن يقف في فم الحوت ، نبي كريم وجد نفسه فجأة في بطن حوت ، هذه مصيبة ، واحتمال النجاة منها كم ؟ صفر ، لا أمل إطلاقاً في قانون الأرض ، قال تعالى :

 

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء)

لي تعليق طريف : الحمد لله أن هناك تغطية تحت الماء ، لو كان معه هاتف خلوي لم يجد تغطية ، أنت خارج التغطية ، أيّ مصيبة تنزل بالإنسان لن تكون بمستوى أن يجد نفسه فجأة في بطن حوت .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، وهذا ما عرفناه عندما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام ، ودخل الغار ، وقال سيدنا أبو بكر : لقد رأونا .
الدكتور راتب :
قال عليه الصلاة والسلام : ألم تقرأ قوله تعالى : وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون .
الأستاذ علاء :
أخذ النبي ص وأبو بكر بالأسباب وتوكلا على الله
ما هذا التوكل الحقيقي والتوحيد والثقة بالله عز وجل ؟
الدكتور راتب :
مثلاً : قال تعالى :

 

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾

( سورة يوسف)

تروي كتب التاريخ أن فرعون رأى في المنام أن طفلاً سوف يقضي على ملكه ، فأمر بقتل كل أبناء بني إسرائيل ، وأيّة قابلة لا تبلّغ عن مولود ذكر تقتل مكانه ، يقتل أبناءهم ، ويستحي نسائهم ، أما الطفل الذي سيقضي على ملكه فرباه في قصره ، قال تعالى :

 

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾

( سورة يوسف)

أنا أقول دائماً : زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، قال تعالى :

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

( سورة النور )

هذه وعود خالق السماوات والأرض ، فعلى الطرف الآخر أن يعبده ، قال تعالى :

 

﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ﴾

( سورة النور )

فإذا أخل الفريق الثاني بما يترتب عليه من عبادة وتوحيد الفريق الأول وهو الذات الإلهية في حل من وعوده الثلاثة ، التوحيد هو الدين ، التوحيد هو الإيمان ، التوحيد أن لا ترى مع الله أحدا ، التوحيد أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن أمرك كله بيد الله ، وأن عليك أن ترضي جهة واحدة ، شيء رائع جداً ، ألغي النفاق ، ألغي الخوف ، ألغي بذل ماء الوجه ، أنت إذا دخلت إلى دائرة فيها أربع طوابق ، ولتكن الهجرة والجوازات ، وأنت تحب تسافر إلى بلد معين ، أنبأك أحدهم أن إشارة المغادرة لهذا البلد بيد المدير العام وحده ، وليس في كل هذه الدائرة موظف من صلاحيته أن يوقع على هذه الزيارة ، فهل تبذل ماء وجهك أمام شرطي ؟ لابد أن تذهب إلى المدير العام الذي بيده التوقيع .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، كما تفضلت التوحيد اعتقاد ، والعبادة سلوك ، نرجع قليلاً إلى العبادة السلوكية ، ومررت على العبادات إن صح التعبير الشعائرية ، وهناك عبادة تعاملية أيضا ، وأن الشعائرية مرهونة بالتعاملية ، ولا قيمة لها ما لم تكن مرهونة ومقرونة بالتعاملية ، وأن يتحقق التعامل الصحيح لكي تقبل من هنا نقول :

(( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ))

[ الجامع الصغير عن ابن عباس بسند فيه ضعف ]

رغم الفصل في هذه القضية يظن كثير من الناس أن التعامل غش ، أكل على فلان ماله ، استطاع أن يؤثر في السوق في سمعة فلان ، وأن الله غفور رحيم .
الدكتور راتب :

ثمرة العبادات حسنُ المعاملات :

أستاذ علاء ، الدين توقيفي ، لا يجرؤ أحد على سطح الأرض أن يقول في الدين برأيه ، أنا أعطيك الأدلة نبدأ بالصلاة :
ثمرتها الابتعاد عن كل معصية .

1 ـ الصلاة :

الصلاة ثمرتها الابتعاد عن المعاصي
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( هَلْ تَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، قَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم ، الترمذي ، أحمد ]

 

2 ـ الصيام :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

 

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

[ البخاري ، الترمذي أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ ))

[ابن ماجه]

رُبّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش .

3 ـ الحج :

(( ومن حج بمال حرام ، ووضع رجله في الركاب ، وقال : لبيك اللهم لبيك ، ينادى أن لا لبيك ، ولا سعديك ، وحجك مردود عليك ))

4 ـ الزكاة :

الزكاة ، قال تعالى :

 

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : الآية 53]

ماذا بقي ؟ هذه الصلاة ، والصيام ، والحج ، والزكاة ، إن لم تصح العبادات التعاملية الضابط في هذا أن سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي عن هذا الدين العظيم قال :

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا ، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصِّيَامِ ))

[ أحمد ]

الدين قيم أخلاقية
هذا هو الدين ، الدين قيم أخلاقية ، لذلك حينما قالوا : بني الإسلام على خمس ، الإسلام غير هذه الخمس ، فهذه أركان الإسلام ، أما الإسلام فهو مجموعة قيم أخلاقية ، الإيمان هو الخلق ، ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ، هذا محور هذه اللقاءات الطيبة إن شاء الله ، التوحيد يفضي إلى الخُلق .
عندنا علائق رائعة جداً بين العقيدة والخلق ، أنا حينما أرى أن أمري بيد الله لا أنافق ، ولا أبذل مال وجهي ، ولا أرتكب معصية من أجل الرزق ، التوحيد يشفي الإنسان من آلاف الأمراض ، كل مشكلات العالم الإسلامي أراها ترجع إلى مرض واحد ، المرض هو الإعراض عن الله ، وضعف التوحيد ، وكل ما نعانيه من مشكلات هي أعراض لمرض واحد ، هو الإعراض عن الله ، أعرضنا عن الله ، تعلقنا بالدنيا ، تنافسنا عليها ، كذبنا ، غششنا ، فعلنا كل الموبقات .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، كنا نود أن نتحدث عن مسألتين : الأولى هي لوازم التوحيد ، ثم ثمار التوحيد ، كما تفضلت أن التوحيد يفضي إلى كذا يفضي إلى الاستقامة .
اليوم ماذا أعددت لنا سيدي في الفقرة العلمية ؟
الدكتور راتب :

الموضوع العلمي : كيف تتعامل الدلافين مع ظاهرة الاحتكاك في الماء :

لازلنا في موضوع الدلفين ، فقرة أخيرة عن الدلفين ، إذا أراد مهندس ما تصميم مركبة بحرية قوية تتحمل الظروف الصعبة فعليه أن يأخذ بالحسبان قوة احتكاك هذه المركبة في الماء ، حينما ترى أن العالم الآن يقلد خلق الله ، الآن السفن العملاقة والغواصات سوف تأخذ من الدلفين بعض خصائص جلده .
أخذ العلماء من خواص الدلافين لبناء الغواصات والسفن
فكلما عمل على تخفيف الاحتكاك كلما كانت المركبة أقوى وأسرع ، لذلك عليه أن يختار التصميم المناسب الذي يخفف الاحتكاك إلى أدنى درجة ، ويعطيها القوة ، من المعلوم أن قسماً كبيراً من طاقات المحرك يضيع بلا جدوى من جراء عائق الاحتكاك ، الاحتكاك يستغرق طاقة كبيرة جداً ، وكلما قلّلنا من الاحتكاك كلما أسرعت السفينة ، المركبة الأرضية السيارة إذا ضغطت عجلاتها بالهواء قلّت مساحة الاحتكاك مع الزفت ، فيقلّ مصروفها ، وكلما كانت العجلات بأوسع مساحة مع الأرض الاستهلاك يكون أكبر يحتاج إلى طاقة .
تعالوا معنا لنرى كيف تواجه الدلافين هذه المشكلة ؟ هل من المعقول للإنسان العملاق الذي حصل علوماً شتى يرجع إلى تقليد مخلوق خلقه الله منذ ملايين السنين ؟ تحب الدلافين السباحة السريعة ، والسباحة السريعة تواجه بقوة احتكاك كبير ، ولكن ليس هناك أي مشكلة بالنسبة للدلافين من جراء هذا الاحتكاك ، لأن الله تعالى الذي أبدع خلقه هيأ لها جميع الأسباب التي تيسر لها تحركاتها ونشاطاتها ، كيف ؟

1 ـ جلود الدلافين تساعد على تخفيف قوة الاحتكاك :

جلد الدلفين مطاطي يقلل نسبة احتكاكه بالماء
جلود الدلافين وبنية أجسامها خلقت بتصميم عجيب يخفف من قوة الاحتكاك إلى أدنى حد ، لنرى معاً هذا التصميم الرائع عن قرب ، الله تعالى زود الدلفين بجلد مطاطي خاص ، يا تُرى ما فائدته ؟ من جراء السباحة تتكون لديه طبقة مائية تسمى طبقة حد الاحتكاك ، هذه الطبقة تُقابل من قِبل هذه الجلود المطاطية بحركة معاكسة تقاوم الاحتكاك ، فينتج عن ذلك سباحة سريعة ومريحة جداً للدلفين ، هذا التصميم الإلهي للدلفين ألهم ودلّ أهل العلم على إنجاز هندسي كبير .
تغطى الغواصات بطبقة تشابه جلد الدلفين المطاطي
إن مهندسي الغواصات الألمان بعد أن درسوا هذا التصميم في جلد الدلفين أنجزوا بعد بحث دامت أربع سنوات صنعَ غطاء يتميز بخصائص قريبة من جلد الدلفين ، وضعت للغواصات طبقة بخصائص تشابه جلد الدلفين المطاطي ، والغواصات التي استخدمت مثل هذه التقنية اكتسبت سرعة قُدِّرت بضعفين ونصف ، معنى هذا خلق الله عز وجل ، كماله كمال مطلق ، وأنا أقول : أيّ تعديل للتصميم الإلهي نحو الأسوأ ، أيّ تعديل ، ومن خصائص آخر الزمان قوله تعالى :

 

﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾

( سورة النساء)

لذلك الأمراض تنتشر وتتفاقم بسبب أن طعامنا على غير ما صممه الله ، طعامنا وشرابنا ، وسكنانا وعلاقاتنا ، تلوث البيئة ، استخدام الأسمدة الكيماوية ، استخدام الهرمونات للدجاج ، هذه كلها تسبب أمراضًا خبيثة وبيلة ، وقد ارتفعت هذه النسب إلى عشرة أضعاف .

2 ـ هذا خلْقُ الله :

قطعاً تصميم جلد الدلفين تصميم رائع كهذا يدل هذا الجلد على هذه الروعة ، ويدل على عظمة الخالق الذي وضع تصميماً في أحد مخلوقاته ، فكانت حقيقة علمية جديدة أبدعها الخالق من ملايين السنين ، واكتشفها الإنسان الآن .
إن هذا التصميم الذي رأيناه في الدلفين نموذج من خلق الرحمن الذي لا تفاوت فيه ، فكل كائن في الطبيعة جُهز بصفات مدهشة يراها الذين يتفكرون في خلق الله تعالى ، وفي صنعته الرائعة ، حيث قال تعالى :

 

﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾

( سورة ق : 8)

أستاذ علاء ، الكون مائدة ، الكون معرض ، لذلك قالوا : الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي .
الأستاذ علاء :

 

﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾

( سورة ق : 8)

خاتمة وتوديع :

كنا نتمنى أن نستمر في الحديث ، والوقت أدركنا ، لا يسعنا أعزائي المشاهدين إلا أن نشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، إن شاء الله نلتقي في الحلقة القادمة ، شكراً لك ، وسلام الله عليك ورحمته وبركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018