الإيمان هو الخلق- العقيدة والتوحيد - الندوة : 57 - لوازم التوحيد ـ العينان عند الدلافين - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق- العقيدة والتوحيد - الندوة : 57 - لوازم التوحيد ـ العينان عند الدلافين


2007-02-05

تقديم وترحيب :

 أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق .
 يسعدنا أن نكمل ما كنا قد بدأناه في الحلقة الماضية مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق .
 أهلاً وسهلاً سيدي الكريم .
 بكم أستاذ علاء ، جزاكم الله خيراً .
الأستاذ علاء :

ربطٌ وتذكيرٌ :

 سيدي الكريم ، كنا قد بدأنا في الحلقة الماضية عن حقيقة التوحيد ، وأن الله عز وجل في مقوم الاختيار جعل الإنسان مخيراً فيما كلف ، وثمن عمله بالاختيار ، وجعله باعتباره أعطاه العقل أن يختار ، وأن يمتنع فيما كلف فيه ، وتبينا بأن كل هذه الأشياء حتى الإضلالات التي مررنا عليها الجزائي والحكمي ، وعن الشركيات ، كل ذلك ليوجه العبد إلى قمة التوحيد ، وإلى ألاّ يشرك بالله شيئاً ، وأن لا تكون علاقته إلا مع الله عز وجل ، لكن في شرح حقيقة التوحيد تبين معنا بأن كل شيء وقع أراده الله ، بمعنى سمح به ، وكل شيء أراده الله وقع ، وقلت لنا في الحلقة الماضية : أن نأخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، وأن نتوكل على الله ، وكأن الأسباب ليست بشيء ، هنا عملية التوازن التي نريد أن نفهمها جيداً حتى لا يفهم من حديثنا ، أو يشتم منه التواكل ، أو يشتم منه العجز ، وأن يستسلم الإنسان فيما جرى له ، كما يقول : هكذا أراد الله ، وأن يخلد إلى النوم ، وأن يتراجع ، بل وأن يتخاذل ، نقف عند هذه المسألة في التوازن ، وقد قيل : اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً ، وحديث النبي لابن عباس :

(( وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ))

[ الترمذي عن ابن عباس ]

 كتب أي سمح .
الدكتور راتب :

ليس الاستسلامُ السلبي من مفهومات التوحيد :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ علاء ، جزك الله خيراً ، كأننا وضعنا أيدينا معاً على أخطر مشكلة تجتاح المسلمين ، أنهم حينما يرون قدراً من الله عز وجل قد أتعبهم ، فماذا يفعلون ؟ هذا الاستسلام الساذج ، وأن تقول : هذا قدر الله أصابني ولا حيلة لي الحديث الذي ذكرته في اللقاء السابق ، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ : حَسْبِيَ اللَّهُ ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

[أخرجه أبو داود]

الفهم السلبي للتوحيد سببُ تأخُّرِ المسلمين وانهزامِهم :

 ولعل من أسباب تخلف المسلمين في الأرض هو فهمهم للتوحيد فهماً سلبياً ، الفهم التوحيدي إيجابي ، هو حركة ، هو أخذ بالأسباب ، هو معالجة الأمور ، هو التدبير ، هو النهوض ، هو الاستعانة بالله ، هو الثقة بالله ، هذا التوحيد بفهمه الصحيح ، فلذلك لئلا يقع الإنسان في يأس وإحباط نقول له : كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، بمعنى أنك حينما تثق بحكمة حكيم ، وبرحمة رحيم ، وبعدل عادل ، وهذا الشيء وافق عليه ، أنت إذا كنت في مؤسسة وصدر قرار لن تستوعب أبعاده ، لكنك وجدت هذا القرار قد وقعه مدير تثق بحكمته ، وبرحمته ، وبإنصافه ، تقول : لعل من هذا القرار حكمة ، لعل الآن لا أعرفها ، وستكشف بعد حين ، هذا الذي أريده لئلا يقع الإنسان في الإحباط واليأس والخمول والشعور بالقهر ، هذا الشعور خطير جداً ، يمكن أن نهزم في ساحة المعركة ، أما أن نهزم من الداخل فهذا شيء خطير ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

 بالمناسبة ما دام قد تحدثنا عن النصر والهزيمة ، ففي غزوة أُحُدٍ كان هناك مخالفة لتعليمات النبي صلى الله عليه وسلم ، لو أن الصحابة انتصروا لسقطت طاعة النبي ، وفي حنين هناك خطأ في التوحيد ، قالوا : لن نغلب من قلة ، لو أنهم انتصروا لسقط التوحيد ، لو دققت أستاذ علاء لوجدت لكل حادث سببا ، لذلك البطولة أن تحلل ما وقع وفق منهج الله .

لابد من تحليل الأحداث بالمنظور الشرعي :

 إن المصائب التي تحل بالمسلمين لا تعد ولا تحصى ، والتحليلات لهذه المصائب الأرضية والشركية لا تعد ولا تحصى ، بطولتنا أن نفهم على الله مرادَه من هذه المصائب ، أن نحلل تحليلات صحيحة .
 حينما يتألق ضوء أحمر في مركبتي ، إذا فهمت هذه الضوء ضوءًا تزيينياً أحرقت المحرك ، أما إذا فهمت هذا التألق تألق تحذيرياً فإني أوقف المركبة ، وأضيف الزيت ، فيسلم المحرك ، وأتابع السير لأحقق الهدف ، فالخطأ كبير جداً حينما يكون التحليل خاطئا ، فهناك تحليل قرآني ، تحليل عُلْوِي ، وتحليل سماوي ، تحليل توحيدي ، تحليل من عند الخبير ، من عند الخالق ، قال تعالى :

 

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾

( سورة آل عمران :165)

 ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفع إلا بتوبة ، والله غني عن تعذيبنا ، قال تعالى :

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

( سورة النساء : 147)

 ما من عثرة ، أو اختلاج عرق ، ولا خدش عود ، إلا بما قدمت أيديكم ، وما يعفوا الله أكثر .

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ

 فاعلم أنه لا إليه إلا الله ، ولا مسير ، ولا معطي ، ولا مانع ، ولا رافع ، ولا خافض ، ولا معز ، ولا مذل إلا الله ، فإذا جاءك ما تكره فقد قال تعالى :

 

﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾

( سورة غافر : 55)

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

( سورة محمد 19)

 هنا قال العلماء : لا يمكن للعقيدة أن تكون تقليداً ، لأنه لو قبلنا العقيدة تقليداً لعذر كل من اتبعوا أهوائهم ، أو أهواء من يقودونهم إلى الهلاك ، العقيدة لا تقبل إلا تحقيقاً ، قال تعالى :

 

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة محمد 19]

 لكن إذا جاءك ما تكره ، قال تعالى :

 

﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾

( سورة غافر : 55)

 عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :

(( يَا عِبَادِي ، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلَا تَظَالَمُوا ، يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ، يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ ، يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي ، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلُونِي ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[مسلم]

قوّةُ أعدائنا بسببِ ضعفِنا :

 أستاذ علاء ، من السهل جدا أن أعزو أخطائي للآخرين ، وعلى شكل أوسع للاستعمار ، للصهيونية ، نحن مخطئون ، أستاذ علاء ، قوة أعدائنا من ضعفنا ، قوة أعدائنا من تفرقنا ، أخطاءنا قوت أعدائنا ، لو كنا متماسكين متعاونين لم يذلونا ، لذلك أقول دائماً : هناك ورقة رابحة بيد أعدائنا ، هي الفتن الطائفية ، هذه ورقة رابحة ، ونحن باستقامتنا على أمر الله ، وبعودتنا إليه ، وبوعينا ، وبإخلاصنا ، وبتماسكنا نسقط هذه الورقة الرابحة من يدهم ، لأن الطغاة هذا شأنهم بدءاً من فرعون موسى ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾

( سورة القصص :4)

 إذاً : قوة أعدائنا من ضعفنا ، قوة أعدائنا من ضعف تماسكنا ، من ضعف محبتنا لبعضنا ، من كسلنا .

بين فَقر الكسل وفقر العجز :

 كلمة( فقر )يرددها بعض الفقراء ، هذا قدري ، لا ، ليس قدرك ، هذا فقر الكسل ، هناك فقر القدر ، لعاهة ، عنده عاهة خلقية تمنعه أن يكسب المال ، هذا صاحبه معذور ، لكن المشكلة الكبيرة في فقر الكسل ، مهمل ، لا يتقن عمله ، يرجئ ، لا يدقق ، لا يصدق ، لا يفعل الشيء الذي يروج به عمله ، هذا فقر الكسل ، إذاً : نحن نريد أن نقول : إن كل شيء وقع أراده الله ، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً .

يجب أن نفهم على الله رسائله :

 أستاذ علاء ، كل ما يصيب الإنسان من الله رسالة لطيفة جداً ، والدليل ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة القصص : 47)

 للتقريب ، لو أن أبا قال له ابنه في الصف الخامس : أحب ألا أتابع الدراسي ، هذا مثل افتراضي ، قال له أبوه : كما تريد يا بني ، لأول كلمة ، نام إلى الظهر ، أكل ما يشتهي ، لعب في الطريق ، كل أصدقائه في المدارس ، ووظائف ، ودوام ، ومتابعة ، وعقاب أحياناً ، والأب يتابعه ، هو مرتاح ، ظن أنه أسعد الناس ، فلما كبر سنه وجد نفسه بلا عمل ، ولا وظيفة ، ولا علم ، ولا حرفة ، ولا مهنة ، نقم على أبيه ، نقم عليه أشد النقمة ، قال له : يا أبي ، حينما قلت لك : أحب ألا أدرس لمَ لمْ تضربني لمَ لمْ تعنّفني ؟

 

﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾

( سورة طه)

 في آية ثانية :

 

﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾

( سورة الأنعام)

 يجب أن نفهم على الله رسالاته ، يجب أن نفهم على الله هذه الرسائل التي يسوقها لنا ، الله عز وجل رحيم وعادل ، ولا يمكن أن يسوق لنا شيئاً من دون سبب ، لذلك اتهام النفس نوع من الذكاء والعقل ، أما المحاباة ، أنا أبرئ نفسي ، وأتهم الآخرين ، أقول : هذه مؤامرة علي ، أنت ضعيف ، أنت غير متماسك ، أنت مقصر ، أنت مهمل دائماً وأبداً ، هذه حال المقصرين ، وهذا دعوى الكسالى .
الأستاذ علاء :
 ويريد أن يجد لنفسه عموداً ليتعلق عليه ، سيدي حادثة الجمال والقطران ، كيف نقرأها في هذا السياق ؟
الدكتور راتب :

اتخاذ الأسباب والعمل والحركة : هلاّ جعلتَ مع الدعاء قطراناً :

 سيدنا عمر رأى أعرابياً معه جمل أجرب ، قال : يا أخا العرب ، ماذا تفعل بهذا الجمل الأجرب ؟ قال : أدعو الله أن يشفيه ، قال : هلاّ جعلت مع الدعاء قطراناً .
 بشكل أو بآخر الإنسان وهو راكب مركبته ، وتوقفت في الطريق خرج من المركبة ، يا رب ، يا رب لا إله غيرك ، هذا كلام طيب ، ولكن ليس هكذا ، افتح الغطاء ، انظر ، هناك خلل ، يا رب ألهمني الصواب ، دلني على الصواب ، هناك دعاء يعد سذاجة في الإنسان ، وسوء أدب ، الدعاء يجب أن يقترن بالسعي والعمل ، أمة تعمل ليلاً ونهاراً لا يمكن أن توازن مع أمة لا تعمل .
 معي إحصاءات دقيقة جداً ، في بعض البلاد المتخلفة المواطن يعمل سبعًا وعشرين دقيقة في اليوم ، الدول القوية تعمل ثماني ساعات كاملة ، أنا لا أصدق دولة تعمل ثماني ساعات تنهزم ، وأمة تعمل سبعا وعشرين دقيقة ، طبعاً يقسمون الدخل القومي على عدد المواطنين على الساعات ، حسابات دقيقة في إدارة الأعمال ، فلا بد من العمل ، لذلك :

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز ))

 هكذا تستسلم ، ماذا أفعل ، هكذا الله يريد ، كله ترتيب سيدك ، هذا كلام العوام ،

(( ولكن عليكَ بالكَيْس ، فإِذا غَلَبَك أَمر ، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))

 يمكن لإنسان أن يُغلَب ، قد يأتي مرض عضال ، يكون كتلة نشاط ، كتلة حركة حتى لا ييئس يقول : حسبي الله ونعم الوكيل .
الأستاذ علاء :
 سيدي ، نفهم موقف سيدنا عمر من مسألة الطاعون ، والذي ذهب به سيدنا عبيدة .
الدكتور راتب :

من مواقف سيدنا عمر منه :

1 ـ موقفه من مرض الطاعون :

 أخذ بالأسباب ، وجاء من يعترض ، قال : << أرأيت لو أن هناك أرضين ، أرضًا معشبة ، وأرضًا مجدبة ، لو رعينا المعشبة رعيناها بقضاء الله وقدره ، وإن رعينا المجدبة رعيناها بقضاء الله وقدره ، فنحن خرجنا من قضاء الله إلى قضاء الله >> .

 

2 ـ موقفه من شارب الخمر :

 جيء بشارب خمر إلى سيدنا عمر ، فقال : << أقيموا عليه الحد ، قال : والله يا أمير المؤمنين ، إن الله قدر علي ذلك ، قال : أقيموا عليه الحد مرتين مرة ، لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، قال : ويحك يا هذا ، إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >> ، أنت مخير .
الأستاذ علاء :
 سيدي لو سمحت لي ، عندما ينظر الإنسان فيما حوله ، ويعمل ، ويسعى ، ولكن تأتي قضايا لا تكون على هواه ، يعلم من وراء ذلك حكمة ، قد يفهم هذه الحكمة ، وقد لا يفهم هذه الحكمة ، لكن حتى في الأحكام الشرعية هنالك المقاصد ، وكان سيد المقاصد سيدنا عمر ، عندما علل وفتح هذه المسألة ، هل نعتبر بأن علم المقاصد جاء من التفكر في الحكمة من أوامر ورسالات الله عز وجل ؟
الدكتور راتب :

 

بين المحبة العقلية والمحبة الحسية :

 طبعاً ، دائماً أنا أقول كلمة دقيقة : عندنا محبة حسية ، ومحبة عقلية ، الإنسان يحب الراحة ، يحب أن يأكل ، يحب أن يسترخي ، عقله يأمره بأن يدرس ، ويسهر الليل ، يأكل أكلا خفيفا ، يعتني بصحته ، يمارس الرياضة ، أنا أحب الأشياء المتعبة حباً عقلياً ، أحب الأشياء الحسية حباً حسياً ، حباً ساذجاً ، فالأبطال يحبون بعقولهم ، والتوافه من البشر يحبون بأحاسيسهم ، فرُبّ أكلة منعت أكلات .

(( ألا يا رُبّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ))

[ الجامع الصغير عن أبي البحير بسند ضعيف ]

 مرة التقيت مع طبيب قلب قُدّم له طعام نفيس ، لكنه يتعب الشرايين ، اعتذر ، وقال : والله إنني أشد منكم حباً لهذا الطعام ، ولكن لكثرة ما أرى الشرايين مسدودة في أثناء العمل الجراحي أكره هذا الطعام ، هو يكرهه بعقله ، لكن يحبه بأحاسيسه ، كلما ارتقى الإنسان يحب بعقله ، ويكره بعقله ، إذاً : كل شيء وقع أراده الله ، أي سمح به ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة .
 أستاذ علاء ، في البشر أشياء نسبية ، مع الإله ليس هناك شيء نسبي ، كقاض حكم ألف حكم ، تسعمئة وخمسون حكما صحيحة مئة في المئة ، هذا قاض عادل ، وعنده خمسون حكما فيها خطأ ، لكن مقام الألوهية لا يقبل واحدا بالمليار من الخطأ ، مستحيل أن يقع في ملكه ما لا يريد ، مستحيل أن يقع في ملكه ما يتناقض مع الحكمة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق .
 هنا نقطة دقيقة جداً ، وهي أن الشر المطلق لا وجود له في الكون ،مستحيل وألف أَلف مستحيل ، الشر المطلق لا وجود له في الكون ، هناك شر نسبي موظف للخير المطلق ، وحسن الظن بالله ، ثم الجنة ، قال تعالى :

 

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

( سورة الأنعام : 65)

 هي الصواعق والصواريخ ، أو من تحت أرجلكم الزلازل والألغام ، أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ، التفرقة ، وهي من مصائب الكبرى في المجتمع ، الأمر بيد الله ، ونحن ينبغي أن نعود إلى الله ، وأن نصطلح معه ، وأن نعود إلى منهجه ، ونطبق تعليمات الصانع ، تعليمات التشغيل والصيانة ، نحن أعقد آلة في الكون ، ولنا صانع حكيم ، الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، قال تعالى :

 

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران : 26)

الشر ناتج عن الجهل والهوى :

 بالمناسبة أستاذ علاء ، هناك نقطة دقيقة جداً ، الشر لا وجود له ، هناك شر نسبي ، الشر لا يحتاج إلى خالق ، كيف ؟ سيارة من أرقى الأنواع التي ثمنها خمسة وعشرون مليونا ، بأجمل منظر ، بأحلى خطوط انسيابية ، بأجمل فرش ، بأقوى قوة محرك ، بأعلى درجات الرفاه ، التكييف ، والتدفئة ، والمقاعد المتحركة ، هذه لو قادها شارب خمر ، ونزل في الوادي ، وأصبحت عجينة ، هل تحتاج هذه المركبة بهذه الحالة إلى مصمم ؟ إلى صانع ؟ إلى قالب ؟ لا تحتاج لا إلى مصنع ، ولا قالب ، فالشر سلبي ، الشر ناتج من الجهل ، الشر ناتج من إنسان أودعت فيه الشهوات ، وتحرك بلا منهج الله ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص : 50)

 معنى ذلك الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه ، اشتهى المرأة فتزوج ، أنجب أولادا ، ربى أولاده ، بنوا الوطن ، مثلاً ، اشتهى المال ، عمل بكسب مشروع ، خدم الأمة ، وكسب مالا ، ليس في الإسلام حرمان ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، الشهوات كلها حيادية ، لذلك والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق .
 مرة ثانية ، قال تعالى :

 

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران : 26)

 الخير فقط ، شر مطلق لا وجود له .
 قلت مرة : إن أمة قوية مثلاً حينما تخطط لبناء مجدها ورخائها ، وغناها وأمنها على إفقار الشعوب ، وإضلال الشعوب ، وإذلال الشعوب ، أن تنجح خططها على المدى البعيد هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب ، بل مع وجود الله ، ما من شر مطلق ، لكن ما الذي يحصل ؟ الإنسان لضعف تفكيره ، لقصور عقله يرى على الشبكية الشر ، هذا الشر قد ينتهي إلى الخير .
 الأب الشديد على ابنه ، أتعبه في الدراسة ، مضت الأيام فصار طبيباً يحمل أعلى شهادة ومركزا اجتماعيا ، ودخلا كبيرا ، وبيتا فخما ، مثلاً ، هذه الشدة وقتها سببت هذه النتائج ، والطفل يراها شدة ، وهي ليس كذلك .
 والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، ولكل واقع حكمة ، لمجرد أن الذي وقع قد وقع ففيه حكمة ، وقد يكون الموقع مجرماً .
الأستاذ علاء :
 نقف عند هذا الحد ، ونكمل إن شاء الله في الحلقة القادمة ، والآن جاء دور الفقرة العلمية ، نتابع معاً الدلفين .
الدكتور راتب :

الموضوع العلمي : العينان عند الدلافين :

 ولكن ننتقل إلى موضع آخر في الدلفين ، خلق الله تعالى لكل كائن حي نظام رؤيةٍ يفي باحتياجاته على أكمل وجه ، فخلق للإنسان عيوناً تمكنه من الرؤية فوق الأرض ، ولكنها لا تبدو كذلك تحت الماء ، إذ تبدو ناقصةً أو معدومة أحياناً ، وذلك لعدم وجود طبقة هوائية أمام العين ، وتحت الماء ، ولحل هذه المشكلة يستخدم الغواص نظارة خاصة حلت له هذه المشكلة ، كذلك استخدم آلات التصوير ذات التقنية الخاصة لالتقاط الصور تحت الماء ، إذا كان هذا شأن الإنسان ، فكيف هي عند الدلفين ؟
 طبعاً الأمر يختلف هنا فعيناه أقوى بكثير من عيني الإنسان إذ تمكناه النظر تحت الماء وفوقه ، كيف يتم ذلك ؟ في عين الدلفين عدسة ذات تصميم خاص تؤمن له هذه الميزات فيرى الأشياء بوضوح ، ويتم ذلك عن طريق تضييق العدسة ، أو توسيعها بحسب الحاجة ، وعندما تخرج الدلافين إلى سطح الماء تجتمع أسراب الطيور القريبة من المكان بتوقيت سليم ، لأنه إذا اجتمعت طيور البحر في مكان ما فيعني هذا وجود مجموعات أسماك في ذلك المكان ، وتعرف الدلافين هذا جيداً إذا جاء الوقت المناسب لاصطياد الأسماك دون عناء أو تعب .
 هذا التصميم الخاص الموجود في عيون الدلافين يحميها من ملوحة مياه البحر أيضاً ، فلا يسبب لها أي أذى ، هناك ميزة أخرى في عيني الدلافين ، إذ كل عين تركز النظر في جهة تختلف عن الأخرى .
 أنا لا أستطيع أن أرى بعين أمامي ، وبعين ورائي ، أنا لا أستطيع أن أرى منظرين في آن واحد ، العينان تتطابقان على منظر واحد ، أما عند الدلافين فيمكن أن يرى بالعينين منظرين مختلفين ، وهذا شيء نادر وغريب .
 لذلك هناك ميزة أخرى في عيني الدلافين ، إذ كل عين تركز النظر في جهة تختلف عن الأخرى ، وكل عين لها مهمة ، عين هنا وعين هناك ، وفي وقت واحد ، فمثلاً : عندما تنظر عين إلى الجهة التي يسبح فيها فإن العين الأخرى تراقب الأخطار المحيطة بها ، كخطر سمك القرش ، ينظر إلى شيئين بآن واحد ، ويستطيع الدلفين عند الحاجة أن يغمض عيناً واحدة ، ويريح قسماً من دماغه ، ثم يغمض عينه الأخرى ، ويريح القسم الآخر ، وهكذا لا ينام الدلفين كلياً ، ويبقى حذراً تجاه الأخطار المحيطة به .
 شيء غريب ، يبقى يقظاً بنصفه ، عين مبصرة ، وعين مستريحة ، والمدافعون عن نظرية التطور يدّعون أن الكائنات كلها وأنظمتها المحكمة ظهرت مصادفة ، بمعنى أن الدلافين بما فيها من أنظمة استكشاف رائعة وآلية رؤية فائقة خلقت مصادفة ، لكن هذا الادعاء لا يصدقه العقل ، ولا يمكن لعاقل أن يدعي وجود آليات رؤية كهذه ، ونظام استكشاف كهذا مصادفة ، فادعاؤهم أن ظهور العيون التي تفوق أحدث الكاميرات في الدلافين تطوراً ، والتصميم المتقن في النظام الاستكشافي مصادفة ادعاء غير منطقي أبداً .
 إن وجود هذه الأنظمة التقنية المتقنة في هذا الحيوان الأليف يضعنا أمام عظمة الله في خلقه ودقة تقديره لما وهبه لمخلوقاته من نعم لا تحصى .
 أستاذ علاء ، يمكن أن يكون الكون كله مظهراً لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، لأن أسماء الله الحسنى كالعليم والقدير ، والجليل والحكيم ، كلها ترى من خلال هذه المشاهد التي نراها كل يوم .
الأستاذ علاء :
 ومن خلال بديع صنعه ودقة صنعه .
الدكتور راتب :

وفي كل شيء له آية  تدل على أنه واحد
***

الأستاذ علاء :

خاتمة وتوديع :

 لا يسعنا أعزائي المشاهدين إلا أن نشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، إن شاء الله نكمل هذه الموضوعات التي أثرتها ، والتي هي الحقيقة يجب أن يتفهما الكل ، وأن يعلمها الكل ، ويجب أن ننفض غبار فهمِ سقيمٍ ودخيل على عقيدتنا ، وعلى شرعنا ، لأنه يثبط الهمم ، وتتقاعس الأمة ، ولا تنجز تنميتها ، ولا تقدمها ، ولا ازدهارها .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018