الدرس : 10 - سورة النحل - تفسير الآية 43 ، السؤال والاستشارة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة النحل - تفسير الآية 43 ، السؤال والاستشارة


1995-02-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام:
 الآية الثالثة والأربعون من سورة النحل وهي قوله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

 نقف عند شطر هذه الآية:

 

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

 

 الإنسان أحياناً يجد في نفسه حاجة، إلى أن يبقى في الكليات، وأحياناً يشعر بحاجة إلى أن يعرف التفصيلات، من كليات هذه الآية، أن الإنسان مخلوقٌ لسعادة أبدية في الجنة، هذه السعادة الأبدية تحتاج إلى تأهيل، والتأهيل في الدنيا، وقوام هذا التأهيل العمل الصالح، لكن العمل الصالح لا يصح إلا بالعلم.
 علم، عمل، سعادة وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

( سورة الذاريات: 56 )

 في بالعبادة سلوك أساسه معرفة، نهايته سعادة، سلوك، انضباط أساسه علم، نتيجته سعادة.
 العلم: ما دام الإنسان خلق لجنة عرضها السماوات والأرض هذه الجنة:

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾

( سورة النحل: 32 )

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾

(سورة الكهف: 110 )

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

( سورة المؤمنون: 99 ـ 100 )

 معناها أنت في الدنيا من أجل أن تعمل صالحاً، لكنك لا تستطيع أن تعمل صالحاً، إلا إذا علمت، العلم سبب العمل، لأنه حركة من دون علم، دمار، أما حركة مع علم، نجاح، الله عز وجل قال:

 

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)﴾

 

( سورة النحل: 78 )

 معناها العلم كسبي، وليس العلم فطرياً، ما دام الله عز وجل خلق الإنسان لا يعلم شيئاً على الإطلاق، إلا أن العلماء اكتشفوا أنه يعلم شيئاً واحداً ؛ هو المص، هذا ليس علماً، هذه غريزة، منعكس المص الطفل الآن يلد، يضع فمه على ثدي أمه، يحكم إغلاق شفتيه على حلمة ثدي أمه، ويسحب الهواء، الآن ولد، هذا منكس معقد جداً، لو هذا المنعكس، لما كنا في هذا المكان، ما عاش إنسان على وجه الأرض لأن الإنسان كيف يأكل، عن طريق الرضاعة، الرضاعة لو ما عرف يسحب الهواء، صار له نفس يموت من جوعه، لو ما أحكم شفتيه على حلمة الثدي بيجي هواء ما بسحب حليب.

 

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾

 

 طبعاً هذا منعكس، وليس علم، إذاً العلم كسبي، العلم نوعان: بحث ذاتي، وسؤال.

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

( سورة الملك: 10 )

 أما أن تطبخ أنت، وأما أن تأكل أكلاً جاهزاً، على كلٍ كلاهما غذاء، أما أن تعقل، وأما أن تسمع، إذاً شطر العلم السؤال، نصف العلم أن تسأل، الله عز وجل في آيتين اثنتين، الأولى هذه:

 

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

 

 والآية الثانية:

﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

( سورة الفرقان: 59 )

 العلماء قالوا: في شأن الدنيا.

 

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾

 

 في شأن الآخرة.

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

 أنت بحاجة إلى رجلين، رجل مختص في اختصاص في الدنيا مؤمن، وورع، ورحيم، اجعله مستشار في أمور الدنيا، لا تخبص لحالك، لك تجارة، انتقي من بين تجار هذه المصلحة أقربهم إلى الله، وأكثرهم خبرة، واجعله مستشاراً لك، ورد في الحديث الشريف:

(( ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار ))

 أنت لما تستشير تستعير خبرة سبعين سنة، متراكمة، سؤال، ما بكلفك إلا سؤال، من استشار الرجال استعار عقولهم، فالله عز وجل في القرآن آيتين اثنتين، أمرنا أن نستشير أهل الذكر إن كنا لا نعلم، وأمرنا أن نسأل به خبيرا، فما الذي يمنع الإنسان أن يسأل، مع أن الإجابات الدينية مبذولة بلا مقابل، بلا ثمن، ما في رسم دخول، ما في أجرة معاينة، ما في قيمة أتعاب، ما في تعقيدات:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

 قال أهل الذكر الذين يذكرون، والذين يذكرون إذا سئلوا، ويذكرون العلم لغيرهم من دون بخل، يعلم ولا يبخل، تعني شيئين: تعني أنه يعلم فإذا سئلت يذكر الجواب، وتعني أنه يذكر ولا يبخل بهذا العلم.

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

 من أنت ؟ أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أمر أن يستشير.

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

( سورة آل عمران: 159 )

 والله عز وجل، نبيه عليه الصلاة والسلام، لعلو مقامه، ولعصمته التي عصمه بها من أن يخطئ، وللوحي الذي يتنزل عليه، غني على أن يستشير، ومع ذلك، أمر أن يستشير، ليكون قدوة لأمته من بعده، وكان سيدنا عمر يستشير الصغار أحياناً، قال لحدة ذكائهم، كان يستشير النساء، هذا حديث، شاورهن وخالفهن، هذا ليس حديث، ولا أصل له، النبي الكريم استشار أم سلمة، في الحديبة، سيدنا عمر استشار السيدة عائشة، في كل أمور النساء، وفي أمور حياة رسول الله البيتية، سيدنا عمر استشار ابنته حفصة في المدة التي تصبر بها المرأة عن زوجها، النبي عليه الصلاة والسلام على علو مقامه، وعلى عصمته، وعلى أن الوحي يوحى إليه، أمر أن يستشير، قال له:

 

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 

 ووصف المؤمنين.

﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)﴾

( سورة الشورى: 38 )

 بأن فلماذا لا تستشير ؟ والقرآن يأمرك، ويقول:

 

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

 

 هي الآية متعلق بخبرات أهل الدنيا، أما:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

 هذه متعلق بالله عز وجل، أنت يجوز تذهب لبلد أجنبي فرضاً، تعمل عقد زواج شرعي مائة بالمائة، إيجاب وقبول، وشاهدان، ومهر، وكل شيء، لكن في نيتك أن إذا نهيت دراستك، تطلقها، وتأتي إلى الشام وحدك، القضية انتهت.

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

 إن سألت به خبيرا، ينبئك أن هذا الزواج باطل، لو نجوت من أحكام الفقهاء، فقيه ما له عليك سلطة، ما دام في إيجاب، وقبول، ومهر وشاهدين، انتهى، الزواج شرعي مائة بالمائة، لكن اسأل به خبيرا، بقلك لو أنها أختك هل تقبل لها زواجاً موقتاً، لا تقبل، لن تنجوا من عذاب الله، النقطة الدقيقة، لو أنك انتزعت حكم من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 الآن في عنا قاعدة، لو أن إنسان رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأباح له بعض المحرمات، ترد الرؤية، ويكذب الرائي، ويسكت الشرع، نحنا ديننا مو دين منامات، دين شرع، دين منهج، لو قال أقسم بالله العظيم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباح لي هذه المعصية، نقول له كذبت ورب الكعبة، والنبي لا يقول هذا الكلام، و يثبت الشرع.
 الآن أبلغ من ذلك، لو كنت في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسألته في موضوع، أو في خلاف بينك وبين أخيك، وكنت أنت طليق اللسان، قوي الحجة والبرهان، فأقتنع النبي بقولك وحكم لك لا تنجو من عذاب الله، لا تستفيد شيء، النبي حكم لك، ما تستفيد.

((عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا.))

[ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن ]

 إذا كان رسول الله بنفسه، وسمعت الحكم بأذنك من فمه الشريف، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله، علقتك مع مين إذاً، مع الله عز وجل، هذا التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

 

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

 

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

 من تزوج امرأة على صداقٍ، بالإيجاب، والقبول، والصداق، وفي نيته إلا يؤديه لها لقي الله زانياً، ومن أخذ أموال الناس وفي نيته ألا يؤدي لهم هذه الأموال، لقي الله سارقاً، الله بحاسب على النوايا، يجوز لا يقدر عالم فقهي دينك، أنا أخي أدينت، وهي توقيع، وهي سند، بس هذا غني وأنا فقير ما راح أعطيه، بماطلوه حتى أمللهوه، لقيت الله سارقاً أما هو القرض مشروع بالإسلام، والوصل جيد، شغلتك مع الله عز وجل.

 

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

 

 لا تقتنع أنه والله فلان أخي إمام مسجد فتى لي إياها، لو أفتالك إياها رسول الله ما تنفد، أكثر الناس برتاح بشوف شي هيك مسجد متطرف وله إمام، على سلامته الإمام بس قد لا يكون متعمق بالعلم، يسأله سؤال كبير بالبنوك أو بالذكاء، يقول له ماشي الحال، هذا بدو يخلص منه، خلص أخذ الفتوى وارتاح، ما بتنفد لو أخذت الفتوى من فم رسول الله، ما تنفد، هذا الدين، لما الصحابة حاسبوا أنفسهم حساباً شديداً، نصرهم الله عز وجل، وأيدهم، ورفع ذكرهم، وحفظهم، وأعلى مقامهم، أما حينما فهم الناس الدين عبادات شعائرية فارغة، أداؤها، ولم يلتزموا بالعبادات التعاملية، خذلهم الله عز وجل، " كنا قوم أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ونقطع الرحم، حتى بعث الله فينا رجلاً، نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، ونخلع ما كان يعبد آبائنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والكف عن المحارم والدماء "، هذا هو الدين، الدين صدق وأمانة، واستقامة، ووفاء، ورحمة، والشريعة رحمة كلها وعدل كلها، ومصلحة كلها، وأية قضية خرجت من الرحمة إلى القسوة ابن لا يضرب بالحطبة من أجل الصلاة، ينصح، يضرب ضرباً رفيقاً أما أيام إذا كان الأب قاسي جداً، لدرجة غير معقولة، بصلي الابن من غير وضوء بصير، وإذا مات أبوه يفلت، أنا بعرف رجل عنيف جداً حجب كل بناته في حياته، ثم مات لبسوا في الطريق بنطلونات، لا تكن قمعياً، كن مربياً، فهم ولا تلقن، يسر ولا تعسر، سدد وقارب، بشر ولا تنفر، الشريعة رحمة كلها، مصلحة كلها، عدل كلها، أية قضية خرجت من الرحمة إلى القسوة، أو من العدل إلى الظلم، أو من المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمن ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018