الدرس : 01 - سورة النحل - تفسير الآيتان 1 - 2 ، وقوع أمر الله محقق - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 01 - سورة النحل - تفسير الآيتان 1 - 2 ، وقوع أمر الله محقق


1995-01-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام:
 الآية الأولى في سورة النحل، وهي قوله تعالى:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)﴾

 مما يلفت النظر في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾

 يعني أتى وانتهى، ثم يقول:

 

 

﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

 

 إذاً هو لم يأتِ، كلمة:

﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

 يعني أنه لم يأتي وكلمة:

 

﴿أَتَى﴾

 تعني أنه أتى، فهل هناك تناقض في هذه الآية ؟
 القرآن الكريم من أساليبه البلاغية، أنه يعبر عن المستقبل بالفعل الماضي، تحقيقاً لوقوعه، وكأنه وقع، يعني هذا الذي وعد الله به، كأنه وقع، لذلك لما الله عز وجل يعد المرابي بمحق المال، المحق وقع مع وقف التنفيذ، حينما يعد المؤمن بحياة طيبة، الحياة الطيبة آتية لا محالة، حينما يعد المعرض عن الله عز وجل بمعيشة ضنك، المعيشة الضنك آتية لا محالة، حينما يعدنا ربنا أن نقف بين يديه لنحاسب عن كل أعمالنا، هذا الوقوف وقع لا محالة، فالتعبير عن المستقبل بالفعل الماضي إشارة إلى أنه محقق الوقوع.
 لذلك الزمن من خلق الله عز وجل، الله جل جلاله، لا يسأل عنه بما كان، لأنه خالق الزمان، ولا أين هو، لأنه خالق المكان، يعني الذي سيكون يعلمه الله عز وجل، علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهذه الآية:

 

 

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

 يشبهها قوله تعالى:

 

 

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾

 

( سورة المائدة: 116 ـ 117 ـ 118 )

 يوم القيامة " إذ قال " فعل ماض، هذا الكلام سيكون يوم القيامة ربنا عز وجل يقول:

 

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾

 ما هو أمر الله عز وجل ؟ أي وعد في القرآن، أو أي وعيد هو أمر الله، مما يفهم من قوله تعالى:

 

﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22)﴾

( سورة الفجر: 22 )

 الله عز وجل لا يأتي، ليس مكانٌ يحويه حتى يأتي، لكن العلماء أولوا هذه الآية أنه جاء أمر ربك، لما الإنسان يستقيم، الله وعده بالإكرام، فإذا بدأ الإكرام معناه جاء أمر ربك، لما الإنسان ينحرف، الله وعده بالدمار، فإذا جاء الدمار، جاء أمر ربك، فأمر الله عز وجل، وعده ووعيده، والساعة من أمر الله، كل واحد منا له أجل، يعتبر حاله الأجل جاء مع وقف التنفيذ، يعني له أيام معدودة، قد يكون سنوات، قد يكون خمس سنوات، الإمام مالك رأى ملك الموت في المنام قال: " يا ملك الموت كم بقي لي من عمري ؟ فقال له ملك الموت هكذا "، فازداد هذا الإمام الجليل حيرةً، يا ترى خمس سنوات ؟ لما خمس أشهر ؟ لما خمس أسابيع، لما خمس أيام ؟ لما خمس ساعات ؟ لما خمس دقائق، فلما سأل الإمام ابن سيرين، " قال له يا إمام: ما تفسير هذه الرؤية ؟ سألت ملك الموت فقال لي هكذا، قال له: إن ملك الموت يقول لك إن سؤالك من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله ".
 فكل واحد منا له أجل، هو الأجل وقع، لكن مع وقف التنفيذ.

 

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

 

 يقول سيدنا علي: " كل متوقع آت وكل آتٍ قريب " لو أحدنا ينتظر الامتحان يبدأ بأيلول فتح غمض جاء حزيران، إذا ينتظر انتهاء الشتاء ينتهي الشتاء، إذا ينتظر قدوم الصيف يأتي الصيف، إذا كان سافر سيبقى أسبوعين، بقلك أسبوعين، بطولهن بمد الأسبوعين، بيمضو، فتح غمض لقى انتهوا الأسبوعين، إذا الإنسان استأجر بيت أجار سياحي بقلك ست أشهر جيدين، بعده ما فكر انتهوا الستة أشهر، هذا معنى:

﴿أَتَى﴾

 الزمن يمضي، ومع مضي الزمن يستهلك الإنسان، لذلك قالوا النقطة إذا حركت رسمت خطاً، والخط إذا حرك رسم سطحاً، والسطح إذا حرك رسم حجماً، والحجم إذا حرك شكل زمناً، ما هو الزمن ؟ هو البعد الرابع للأشياء، هذا رأي أنشتاين، في عنا البعد أول، الطول، العرض، العمق أو الارتفاع، الرابع هو الحركة، فنحن نتحرك، وفي نهاية محددة، فكل دقيقة بالساعة، وكل ثانية تقربنا إلى نهايتنا، لذلك قالوا أنفاس الإنسان خطواته إلى أجله، كل نفس، استنشق الهواء، وزفر الهواء، أنفاس الإنسان خطواته إلى أجله، كل هذا الكلام من قوله تعالى:

﴿أَتَى﴾

 لم يأتِ بعد.

﴿أَتَى﴾

 أيام الواحد لا سمح الله ولا قدر، إذا راكب سيارة ونازل بنزلة وهذا النزول ينتهي بمنعطف حاد، وقبل كيلو متر، شعر ما في معه مكابح، ما في مكبح إطلاقاً، والانحدار شديد، والمنعطف حاد، بقلك رحنا، بعدك ما رحت، كثير من الأشخاص يعبروا عن المستقبل بالفعل الماضي، بتحقق الوقوع، بقلك انتهينا.
 لو فرضنا واحد بالامتحان ما كتب بشكل جيد، بقلك رسبت بأثناء الامتحان، وباقي للنتائج ثلاثة أشهر، من حزيران لنصف أيلول نتائج، بقلك رسبت، بالفعل الماضي، ربنا عز وجل، هذا أسلوب بلاغي أن يعبر عن المستقبل بالفعل الماضي.

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

 إذا الإنسان يلاقي الدنيا طويلة، غلطان، الدنيا قصيرة، ولا يدري إلا وقد جاء الأجل، إلا وقد جاء الحساب.
 أخوانا الكرام:
 في نقطة مهمة جداً، اللذائذ مع المعاصي ما الذي يحصل ؟ ينقضي اللذائذ، وتبقى التبعات، لو واحد آكل شي ثلاثين عزيمة درجة أولى، وليلة من الليالي ما نام من وجع ضرسه، إذا حاول أن يستقدم طعوم الأكلات السابقة، تنسيه وجع ضرسه ؟ شوف طعمة الكبة الحميص، الآن شو في بعد الآن ؟ في آلام بالضرس، الصور الماضية ما لها قيمة، لذلك الإنسان الماضي، إذا واحد أمضى حياته بالمعاصي، ومع المعاصي كان في لذائذ، لا شك المعصية محببة لدى الكفار، يقول لك سررنا، تنقضي اللذائذ وتبقى التبعات، وإذا الإنسان جاهد نفسه وهواه، صلى الفجر في المسجد، في جماعة، غض بصره أنفق ماله، طلب العلم، اقتطع من وقته وقت ثمين في طلب العلم، كظم غيظه، عاكس نفسه، هذا الجهد المبذول طبعاً في مشقة، حينما ينتهي الأجل، تنتهي المشقة، ويبقى الأجر، مثل الطلاب تماماً، يلي ما ذهب ولا سيران طوال السنة، ونجح الأولي ينسى كل تعبه، وتبقى المباهج التفوق، والطالب يلي أمضى كل العام الدراسي مع أصدقائه، والسهرات للساعة الواحدة بالليل، وقام رسب صار في وضع الخزي المستمر، لذلك:

 

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)﴾

 

 هذا الدين كله، أن تؤمن أن لا إله إلا هو، وأن تتقي ربك، إذا أمنت أنه لا إله إلا الله، واتقيت أن تعصيه فقد حققت المراد.
 أخوانا الكرام:
 الأمر أخطر من أنه الدرس لطيف مثلاً، كان الدرس لطيف، والأستاذ مرح مثلاً، درسه محبب، الأمر أخطر من هذا، أخطر بكثير قضية مصير، قضية مصير أبدي، يعني الواحد لا يأخذ الكلام على أنه ممتع، يعني والله واضح، مرتب، دقيق، فيه أمثلة، القضية أخطر بكثير، قضية مصير، الإنسان بحياته في أشياء عادية، لكن في أشياء مصيرية، الواحد إذا كان فقد عمله شغلة مصيرية، إذا كان فقد ساعة، تعوض، أما فقد عمله ؟ يلي عايش منه ؟ دخله منه، فقد العمل قضية مصيرية، طيب إذا كان معه مرض عضال، هذه قضية مصيرية، ففي أشياء بحياة الإنسان كبيرة جداً، يعني أخطر شيء بالحياة هو الدين، " ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم "، أخطر شيء بحياة الإنسان عقيدته، إن صحت عقيدته صح عمله، وإن صح عمله سعد في الدنيا والآخرة، وإن فسدت عقيدته، فسد عمله، وإن فسد عمله شقي في الدنيا والآخرة.

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمن ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018