الدرس : 09 - سورة محمد - تفسير الآيتان 22 - 23 . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 09 - سورة محمد - تفسير الآيتان 22 - 23 .


1996-02-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية والعشرون من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى:

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾

[ سورة محمد ]

 وقْفتُنا في هذه الآية عند قوله تعالى:

 

﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)﴾

 

[ سورة محمد ]

 أجمع العلماء على أن الأرحام هم الأقرباء من جهة الأب أو من جهة الأم، و النظام الإسلامي يقيم تكافلا اجتماعيا على مستوى الأسرة، فالإنسان مكفَّل بمَن يلوذ به، بوالديه و أولاده و زوجته على إجماع الفقهاء، فالإنسان مكلَّف أن ينفق على أبيه و جده مهما علَوْا، و على ابنه و ابن ابنه مهما نزلوا، و على زوجته، بإجماع الفقهاء، فربُّنا عز وجل جعل التكافلَ الاجتماعي أحدَ أنظمة الإسلام الاقتصادية، وكل أسرة مُتكفِّلة بأفرادها إلا أنَّ صِلَة الرَّحِم ورَدَتْ فيها أحاديث كثيرة صحيحة، مُفادُها أنَّ كلّ إنسانٍ عليه أنْ يصِلَ رحِمَهُ ؛ كيف ؟ نبدأ بالزِّيارة، لا تعلم وَقع الزِّيارة عند نفسي هؤلاء الذين ينْتمون إليك، فالواحد إذا زارَ أُخْتهُ رفَعَ مَعْنويّاتها، ولو على مُسْتوى اتِّصال هاتفي، والصِّلة الأعلى أن تتفقَّدَ أحْوالها ؛ هل هي بِحاجة إلى مُساعدة ماليَّة أو اجْتِماعِيَّة أو زوْجِيَّة، فالزِّيارة وسيلة والهَدَف هو التَّفَقُّد، والدليل أنَّ الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن ندْفع الزّكاة والصَّدقات لا إلى الذين يُلِحُّون في الطَّلَب، بل إلى الذين يحسَبهم الجاهل أغنِياء مِن التَّعَفُّف، وتعرفهم بِسيماهم، والأقربون أولى بالمعروف، فالإنسان إذا زار أهْله وأقرباءَهُ ينبغي أن يقفَ عند وضْعِهم المعاشي، والتَّعليمي، والصِّحي، والاجْتِماعي، فالزِّيارة وسيلة والهدف هو التَّفقُّد، فلو أنَّكَ حلَلْتَ قضاياهم الاجْتِماعِيَّة، وفي حلّ خِلاف زوْجي وقدَّمْتَ لهم بعض الدَّعْم، وقدَّمتَ لهم بعض المال، تأتي المرحلة الثالثة، وهي الأخذ بيَدِهم إلى الله عز وجل، وأن تدْعوهم إلى الصلاة، وحُضور مجالس العِلم، وإلى الحِجاب، فَكُلّ واحِد له طريق إلى الله من خلال رحمه، والطرائق إلى الخالق بعَدَدِ أنفاس الخلائق، فلو فرضنا أنَّ إنسانًا عظيمًا لا تستطيع أن تصِلَ إليه ماذا تسْتفيد منه، هناك أشْخاص أقوياء، وأغنياء، فإن وصَلْتَ إليه أعْطاكَ مِمَّا عندهُ، ولكن الطُّرُق إليه كلّها مسْدودة، لا يُوجد أملٌ، إلا أن الله جل جلاله مؤمنٌ بذاته أنه يُسعِد خلقَه و أن الأمر بيده وأنه إذا تجلَّى على عبدٍ أسعده، هو المغني وهو المعطي ولكنه جعل لك آلافَ الوسائل كي تصل إليه، منها صلةُ الأرحام، الزيارة أوَّلا و التفقُّد ثانيا و الدعوةُ ثالثا، وهذا الشهر شهر الأرحام، و العيد أكبر مناسبة لزيارة الأقارب و الإحسان إليهم و إسداء النصح لهم.
 فيا أيها الإخوة الكرام، باب صلة الأرحام من أكبر الأبواب التي تقرِّب إلى الله، و الرحم تقول: يا رب من وصلني وصلتَه و من قطعني قطعتَه قال تعالى:

 

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾

 

[ سورة محمد ]

الإنسان أحيانا يتسلَّى بعمل مهمٍّ، و يتنكَّر لأهله و ينساهم، و هناك إنسان أصيلٌ لا ينسى الذين كانوا حوله قبل أن يصل إلى هذا المكان الدقيق.
 موضوع الدرس اليوم هو صلةُ الأرحام، مَن هم الأرحام ؟ هم الأقرباء قاطبةً من جهة الأب و من جهة الأم، بل إن النبيَّ عليه الصلاة و السلام سأله أحدُ أصحابه: ماذا بقيَ عليَّ من برِّ والديَّ بعد موتهما ؟ فقال عليه الصلاة و السلام: أن تصلي عليهما الجنازة و أن تدعوَ لهما عقب الصلوات الخمس و أن تصل الرحم التي لم يكن لها صلةٌ إلا بهما.."
 واحد له خالٌ تُوفِّيت والدتُه، السبب هي والدتُه، فينبغي أن يصل أخواله بعد موت أمه، و له أعمام ينبغي أن يصل أعمامه بعد موت أبيه، له أولاد أخت و تُوفِّيت أختُه عليه أن يصل أولاد أخته بعد موت أخته، و أن تصل الرحم التي لم يكن لها صلة إلا بهما، و في رواية: أن تصل صديقهما " و أن تنفذ عهدهما، فالأرحام الأقارب مطلقا، ذكورا و إناثا من جهة الأب و من جهة الأم، هم و أولادهم، و الشيء الثاني الصلة، و الزيارة وسيلة، نبدأ بالاتصال ؛ رسالة، زيارة، و تفقد وضع معاشي و اجتماعي و صحي و تعليمي، فإن كان ثمة نقص قدمنا المساعدة، و إذا انتهينا من تقديم المساعدة ندعوهم إلى المسجد و إلى طاعة الله و إلى الحجاب و إلى إقامة الصلوات في البيت، هذا باب كبير من أبواب الجنة.
 و لو أن كلَّ إنسان تفقَّد أهله و إخوته و أخواته و عمَّاته و خالاته و أقرباءه لكنا في حال غير هذه الحال، قال تعالى:

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾

[ سورة محمد ]

 مرَّةً كانت هناك مشكلة تُحلُّ عن طريق إنسان يحتلُّ منصبا رفيعا، والدُه يحضر عندنا، فقلتُ له سأذهب معك إلى فلان لنحلَّ هذه المشكلة، فأجاب و لكنَّه كان متردِّدا، فما إن دخلتُ على ابنه حتى قال لأبيه: أبو فلان اجلسْ هناك، و ما أشعر أحدا من الحاضرين أنه أبوه و تنكَّر له، لذلك قال تعالى:

 

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾

 

[ سورة محمد ]

 الإنسان الأصيلُ الذي يعرف الله عز وجل كلما أكرمه الله يزداد غراما لأهله الأقربين، وهذه الرحم يصل اللهُ من وصلها و يقطع من قطعها، و قد حدَّثني أخٌ كان بألمانيا أنه نزل في بيت، و صاحبة البيت امرأة مسِنَّة عندها حديقة، أقسمَ لي بالله أنه لم يرَ مثلها في حياته، هذه الحديقة تعتني بها هذه العناية رجاء أن يتكرَّم أولادُها الخمسةُ أن يزوروها في العام يومًا واحدا، و كان من المفروض أن يأتوا في عيد الميلاد، و كان هذا الصديق مستأجِرا غرفةً عندها في عيد الميلاد، و هيّأتْ كلَّ أنواع الحلويات و الورود، و نظَّمت الحدائق، ثم لم يأتِ أحدٌ، هذا الذي يعيشه الناس في الغرب نحن مُعافَون منه والحمد لله.
شَخصٌ قال لي: أسْكُن بِغرفة بِبِناء في لندن طابق أوَّل، وفي الطابق السادس إنسان، في أيَّام الشِّتاء القارصة تُوُفِّي وبقِيَ في غرفتِهِ بعد وفاتِهِ سِتَّة أشْهر ! إلى أن خرَجَتْ رائحة من الغرفة لا تُحْتَمَل، والغريب أنَّ له سِتَّة أولاد مُقيمين في لندن، لم يُفكِّر ولا واحد منهم ان يزور أباه في هذه المدَّة الطويلة ؛ هكذا يعيشون هناك، وعندنا الأب مُقدَّس، فَصِلَةُ الرَّحِم باب كبير جدًّا للقُرْب من الله عز وجل، ومرَّةً ثانِيَة رسالة اتِّصال زيارة وتفقُّد ومساعدة، ثمَّ الأخْذ بيَدِهم إلى الله عز وجل، وعندها تكون كلّ أسرة قد تكفَّلَتْ بأفرادها اقْتِصادِيًّا واجْتِماعيًّا وطِبِيًّا، أما أن توزر لا زِّيارة التي لا تتفقّد بها المزور، ولا تُلبِّي له حاجاته، ثمَّ تدَّعي زيارة الرَّحِم فأنت إن لم تُقدِّم يد المساعدة، وتحلّ المشاكل فلا تُعْتبر زيارةً، وقد ورَدَ عند الفقهاء: لا تُقْبَلُ زكاة إنسانٍ، وفي أقْربائِهِ محاويج ! ابْدأ بالأقرَبْ فالأقرب، الأقربُ إليكَ نسبًا، ثمّ الأقرب إلى الإيمان.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018