الدرس : 06 - سورة محمد - تفسير الآية 24 . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 06 - سورة محمد - تفسير الآية 24 .


1996-02-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة والعشرون من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾

[سورة محمد]

 وفي آيةٍ ثانِيَة قوله تعالى:

 

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)﴾

 

[سورة النساء]

 ما مِن كتابٍ مِن تأليف البشَر إلا وفيه بعض التناقُضات، إلاّ أنَّ كلام الله عز وجل كلامٌ مُحْكَم، قال تعالى:

 

﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1)﴾

 

[سورة هود]

 ربُّنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)﴾

 

(سورة البقرة)

 لذلك معنى التَّدَبُّر أن تنظُر إلى نِهايَة العَمَل، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: إذا أراد أحدكم إنفاذَ أمرٍ فلْيتدبَّر عاقِبَتَه " أنا حينما أذْهَبُ إلى بِلاد الغَرب حيثُ العمل وفير، والدَّخْل كبير، والبلاد جميلة، والحاجات مَيْسورة، هلاَّ فكَّرْتَ في بناتِكَ لمَّا يَكْبُرْن، وفي أولادِكَ الذين هم قِطْعةٌ منك، حينما ينشئون على الكُفْر، والزِّنا، وشُرْب الخمر، إذا أراد أحدكم إنفاذ أمْرٍ فلْيتدبَّر عاقبتَهُ، آيات القرآن الكريم، ما معنى التَّدَبُّر ؟ أن تقول وأنت تقرأ: أين أنا من هذه الآية ؟ لو أنَّني طبّقتها ما النتيجة ؟ ولو أنَّني خالفتها ما النَّتيجة، لا يهود حينما لعنهم الله عز وجل جعلوا كتابهم المُقدَّس قراطيس ونَخْشى أن يُصاب المسلمون بِمَرض اليهود ؛ حيث يغْدو هذا القرآن للتِّلاوَة وللتّبرُّك والتَّباهي دون العمل به، وهذا هو هَجْر القرآن قال تعالى:

 

﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(30)﴾

 

[سورة الفرقان]

 هل يُعْقل لِبائِع الفلافل أن يكتُب: إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ‍! اتُّخِّذ القرآن قراطيس، فلم يبْقَ من الإسلام إلا اسْمُه، ومن القرآن إلا رسْمُه، لذلك أيُّها الإخوة، القراءة التَّعَبُّدِيَّة على العين والرَّأس ولكن لا بدَّ من القراءة التَّدَبُّرِيَّة، اِقْرأ وانْظُر أين أنت من هذه الآية ؟ حينما قال الله عز وجل:

 

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾

 

[سورة النور]

 أين أنت من هذه الآية ؟ وحينما يقول الله عز وجل:

 

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾

 

[سورة المؤمنون]

 أين أنت من هذه الآية ؟ وحينما قال الله عز وجل:

 

﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83)﴾

 

[سورة البقرة]

 أين أنت من هذه الآية ؟ وحينما قال لله عز وجل:

 

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا(19)﴾

 

[سورة النساء]

 فأين أنت من هذه الآية ؟ وحينما قال تعالى:

 

﴿ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(11)﴾

 

[سورة النساء]

 أين أنت من هذه الآية ؟ حينما تقرأ آيات الأحكام ؛ اِفْعَلْ ولا تَفْعَل ؛ أين أنت منها ؟! آيات كثيرة وكثيرة، كلَّما وقفْتَ على أمْرٍ أو نَهْيٍ، أو وَصْفٍ للمؤمنين، قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)﴾

 

[سورة الأنفال]

 أيها الإخوة، إنّك حينما تُصَلِّي، ماذا قال الله عز وجل ؟ قال تعالى:

 

﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا(43)﴾

 

[سورة النساء]

 حتَّى تعلم ما تقول، فإذا لم تكن سكْران، وكنتَ ساهِيًا في الصلاة كان لك حُكْم السَّكران، قال عليه الصلاة والسلام ليس للمرء من صلاته إلا ما عقَلَ منها، لذلك اقرأ القرآن قراءةً تدبُّرِيَّة أحدهم سأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: عِظني ولا تُطِل..." لو واحد جاء إلى مهندس لينشئ له بناية، وقال له: يُرْجى تقليل كَمِيَّة الحديد، وكمِيَّة الإسمنت، فهل يكون البناء ماكنًا ؟! مستحيل، وكذا حينما تفهم الدِّين على أنَّه حقائق وقوانين عندها تقف عند حُدود الله، أما حينما تظنّ أنَّ الدِّين تكاليف، والله عز وجل لا يُدقِّق ! والنبي يشْفعُ لك، فهذه المفاهيم الخاطئة، والتَّصوُّرات السَّخيفة، أبطلَت عمل المسلمين، وتواكلوا، وخنعوا، ونافقوا، لذلك قال تعالى:

 

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾

 

[سورة محمد]

 أيها الإخوة، هناك حقيقة تقول: الحقيقة المُرّة من الوَهْم المُريح، فكلّ إنسان يتوهَّم أنَّه مؤمن، وهو في الجنّة، فهذا وهْمٌ مُريح، أما حينما تُكشف الحقيقة يُصعق الإنسان، لذا تعامَل مع الحقائق ولا تتعامَل مع الأوهام، قال تعالى:

 

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(123)﴾

 

(سورة النساء)

 ونحن في رمضان نقرأ القرآن، ونستمع له، ونقفُ في التراويح، فإذا قال الله عز وجل آيةً تعامَل مع الله عز وجل بإخلاص، ومع الله بِوُضوح وبِجِدِيَّة، أحِلَّ ما أحلَّ الله، وحرِّم ما حرَّمَهُ، وأعْطِ كلّ ذي حقٍّ حقَّه أتْقِن عملَكَ، واضْبِط دَخْلَكَ وجوارحك،و أمر بالمعروف وانْهَ عن المنكر ولقد كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يقرؤون عشْر آيات فلا ينتقلون منها إلى غيرها إلا بعد تطبيقها، وكلُّكم يعلَم قِصَّة الذي كان له عَبْد وكان هذا العبد يتمنَّى أن يُفكَّ أَسْرُهُ، وكان سيِّدُه له شيخٌ كبير، فجاء الشيخ لِيَزور تلميذه في البيت، فسألَهُ سؤالاً أن تأمُرَ سيِّدي أن يطلِقَ سراحي ! قال الشيخ: أفْعلُ إن شاء الله، ومضى الأشْهُر ولم يُعْتَق، علمًا أنَّ العَبْدَ يوقِنُ أنَّ مكانة الشيخ كبيرة عند تلميذِهِ، وبعد أشْهرٍ عِدَّة عاد الشيخ لِيَزور تلميذهُ ثانِيَةً، فقال: رجَوتُكَ فلم تُلَبِّ طلبي، فقال الشيخ: سأفعل إن شاء الله، ومضَت الأشهر: ولم يحصل شيء، ورجع الشيخ مرَّة ثالثة: فلما سأل العبد الشيخ، قال له: الشيخ: إنِّي أجْمَعُ المال لأُعْتِقَ عبْدًا، فلا أستطيع أن آمرَ تلميذي قبل إعتاقي عبدًا ! هو أراد أن يكون قُدْوةً لِتِلْميذِهِ، فالسَّلف الصالح كانوا يُطَبِّقون، ولذلك أعزَّهم الله عز وجل، ونحن مع كلّ ما يشْكوه الناس من كساد في الأسواق لو أنَّ الإنسان عامَلَ الله معاملةً مُباشرة لوَجَد الشيء الذي لا يُصدَّق، على الرَّغم من كلّ الظروف القاسيَة، لأنَّك عامَلْتَ الله، فهو بيَدِه كلّ شيء، لا يُعْجزُهُ شيء، وعلمهُ شامِل، ورحمتُهُ كبيرة، وغِناهُ لا حُدود له، اقْرأ القرآن وتدبّرهُ، فهذا جاءه رجل يخْطب ابنتَهُ، فسأل الأب عن عمله فقال الرجل أعمل مع أبي، فقال: وهل لك بيتٌ ؟ قال: نعم، قال الأب: إئتني بالعَقد فجاء له بالعقْد، ثمَّ سألهُ عن السيارة، فقال: أمْلِكُ سيارةً، فقال الأب: إئتني بالرُّخصة، حينها وافقَ الأب عن الخِطْبة، ومرَّة كان وهو وخطيب ابنَتِهِ، فقال الأب: هذا خطيب ابنَتي، فتعجَّب الحاضرون: سبحان الله، هذا ليس مسلمًا !! فقال الأب: هل هذا صحيح ؟ فقال خطيب ابنتِه: نعم فقال الأب: ولِمَ لمْ تَقُل لي ؟! فقال خطيب ابْنَتِهِ سألتني عن كلّ شيء إلا عن دينِك !!! أين قوله تعالى:

 

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(221)﴾

 

[سورة البقرة]

 لذا أيُّها الإخوة، اقرؤوا القرآن وتدبَّرهُ، واعْمَل به، من أجل أن يكون هذا الكتاب غِنًى لنا لا فقْر بعده

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018