الدرس : 03 - سورة محمد - تفسير الآيات 4 - 10 . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 03 - سورة محمد - تفسير الآيات 4 - 10 .


1996-02-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم وهي قوله تعالى:

﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

[سورة محمد]

 نقف قليلاً عند قوله تعالى:

 

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

 

[سورة محمد]

 يقول بعض العارفين بالله: في الدُّنيا جنَّة من لم يدْخُلها لم يدخل جنَّة الآخرة ! فمساكين أهل الدُّنيا ؛ جاءوا إلى الدنيا وخرجوا منها ولم يذوقوا أجْملَ ما فيها، وهو القُرْبُ من الله عز وجل.
 الدُّنيا فيها أموال، وفيها نِساء، وفيها بيوت ومزارِع، وسفرٌ وسِياحة وفيها حفلات ولكنَّ أجْمَلَ ما في الدُّنيا كلِّها أن تتَّصِلَ بالله عز وجل، فالله تعالى يُدْخِلُهم الجنَّة عرَّفها لهم يوم القيامة، وأذاقهم نموذَجًا منها، وأذاقَهم طَعْم القُرْب فعرَفوا حقيقة الجنَّة، وأذاقهم لذَّة اللِّقاء فعرفوا حقيقة الجنَّة، وأذاقهم سِرَّ التَّوفيق الإلهي فكشَفَ لهم عن بصيرتهم، وطَمْأن قلوبهم، فالإنسان في الدُّنيا إذا قال: والله أنا أسْعَدُ الناس، إلا أن يكون أحدهم أتْقى مِنِّي، فالبشَر يتفاوَتون في طاعة الله، وتقواهم له، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾

 

[سورة الحجرات]

 أما إنسان بعيد عن الله، ومن الإقبال، والسَّعادة، وقلبهُ جافّ ؛ هذا ما ذاقَ حلاوَة الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام: من غضَّ بصره عن محارِم الله أوْرثَهُ الله حلاوةً..." و ذاق حلاوة الإيمان من آمن بالله ربًّا و بالإسلام دينا و بمحمد صلى الله عليه و سلم نبِّيًّا و رسولا.
هناك أحاديث كثيرة تتحدَّث عن حلاوة الإيمان، و أنا وقفتي هنا في قوله تعالى:

 

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

 

[سورة محمد]

 في الدنيا، المؤمن القريب من الله سعيد ولو كان بيتُه صغيرا و دخلُه قليلا و صحَّتُه معلولةً، الله عز وجل حينما يفتح رحمتَه ينقلب كلُّ شيء إلى عطاءٍ، قال تعالى:

 

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾

 

[سورة فاطر]

 إن أمسك الله رحمتَه و آتاك المالَ كان المالُ نقمةً عليك و إن أمسك رحمته و آتاك الأولادَ، الأولاد أعداءُ أولياء الله، و غن أمسك رحمته و آتاك منصبًا رفيعا، هذا المنصب سببُ شقاء، أمَّا إن أعطاك رحمته و حجب عنك المالَ تقلَّبتَ في ألوان النعيم، و لو أعطاك رحمته و حجب عنك الأولادَ كنتَ من أسعد الناس، فمع الحرمان من رحمة الله كلُّ شيء لا معنى له، و مع رحمة الله لو فقدتَ كلَّ شيءٍ لا تتأثَّر إطلاقا، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

 

[سورة محمد]

 قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)﴾

 

[سورة محمد]

 عملهم كبير و سوف يلقون جزاءه وافيا، قال تعالى:

 

﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴾

 

[سورة محمد]

 وقد ذكرتُ مرةً أن حرف العطف من خصائصه الانسجام بين المعطوفين، لا تستطيع ان تقول: اشتريتُ سيارةً و ملعقةً، لا يجتمعان، تقول بيتا و أرضا، بيتا و سيارةً، ملعقة و شوكة، فالعطفُ يقتضي التناسبَ، فربُّنا عز وجل نعمة صلاح البال رفعها إلى مستوى الهدى، قال تعالى:

 

﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴾

 

 

[سورة محمد]

 صلاح البال من نعم الله على المؤمن لأنه مستسلمٌ و متوكِّل و يعلم أن أمره بيد الله، وأن الله عادل و رحيم و قوي و غني، و كلُّ شيء بيده، استسلامه لله و توكُّله على الله يورثه طمأنينة.
قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾

 

[سورة محمد]

 هل تظنون أن الله سبحانه و تعالى بحاجة إلى أن تنصروه ؟ هو القوي العزيز، و قد قال عليه الصلاة و السلام: لو أن أولكم و آخركم و إنسكم.. أفجر...أتقى..نفسه "
فما معنى قوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾

 

[سورة محمد]

 هو غني عنا و عن نصرنا، المقصود هنا كما قال المفسِّرون: إن تنصروا دين الله ينصركم، إن عظَّمت شعائر الله ينصرك الله، و أنا سمعتُ بعضَ الدول العربية طيَّر قدَّم استقالتَه لأنه لا يطير على طائرة يُوزَّع فيها الخمرُ، فمدراءُ الشركة وازنوا بين خسارة هذا الطيَّار و أن نمنع في رحلاته توزيع الخمر فرجَّحوا أن يمنعوا في رحلاته توزيع الخمر و أن يبقوه طيَّارًا عندهم، و بعد عام صدر قرارٌ بمنع توزيع الخمر على كلِّ الرحلات و على كلِّ الطائرات، هو نصر دين الله فنصره اللهُ، قصص كثيرة، فأنت حينما تنصر دين الله ينصرك الله عز وجل، القصدُ إن تنصروا الله تنصروا دينه، جالس في اجتماع لابدَّ أن نصلي، قمتَ للصلاة و قام معك جمعٌ غفيرٌ، أنت نصرت دين الله، جلست على مائدة فيها خمرٌ، وقفتَ وخرجتَ، أنت حينما تخرج نصرتَ دين الله عز وجل.
 حدَّثني رجلٌ فقال: أنا سببُ توبتي سائق تكسي، قلت كيف ؟ قال: كنتُ أشرب الخمرَ فاشتريتُ الخمر من مكان ووضعتُه في محفظة ظاهر للناس فلما أشرتُ إلى سيارة التكسي وقفت، فلما لمح ما معي من الخمر وقف و طردني، و لحكمة بالغة بقيتُ ساعات طويلة لم أستطع أن أصل إلى بيتي، تألَّمتُ ألما شديدا، كان هذا السائقُ الذي نصر دين الله سببَ هدايتي، و هناك إنسان يعمل على خطِّ دمشق - بيروت، جاء من بيروت ومعه شابٌ و زوجته ليسافرا معه إلى الشام، قالوا له انتظر لتأتينا محفظةٌ قبل قليل، طال الانتظار حتى جاء رجلٌ عمره سبعين سنة يحمل محفظة على ظهره و قدَّمها إلى الشاب، ما كان من هذا الشاب إلا أن ضربه على رأسه لتأخُّره، ولم ينتبه السائق، ركبوا في السيارة و مشوا عشر كيلومتر فقالت له زوجته: لماذا ضربتَ أباك، فقال السائق: هذا أبوك فوقف و قال له انزِلْ، ببساطة سائق غير متعلِّم شعر أن هذا الراكب الشاب لما ضرب أباه خشي أن يصيبه حادث فأنزله، و هذا نصر دين الله عز وجل، و لو كان كلًُّ واحد منا يكون يقظا حريصا على الدين كان الباطل زهق، أما إذا كان الأمر لا يعنيني، بنت أختك لابسة لباس العُريِ ثم لا تنهاها، و ابن أخيك منحرف الأخلاق و أنت عمُّه و تنفق عليه، فإذا لم ينصر الإنسانُ دين الله لا ينصره الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾

 

[سورة الحج]

 فبقدرِ ما تستطيع انصُرْ دين الله عز وجل.
قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)﴾

 

[سورة محمد]

 هم أشقياء و أعمالهم تذهب أدراج الرياح، هذا أكبر عقاب، لا نجاح في أعمالهم و لا سعادة في أنفسهم، المؤمن سعيد في نفسه مُسدَّدٌ في عمله، سعادة مع التوفيق، هذا الكافر إخفاق في عمله و شقاء في نفسه.
أيها الإخوة الكرام لو أننا عقلنا هذه الآيةَ عقلا صحيحا، قال تعال:

 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾

 

[ سورة طه ]

 كتعليق على ما يجري الآن، إذا دخل الإنسانُ إلى مسجد فيه درس علم حرام عليه أن يلقي السلام، لأنه تشويشٌ، فأرجو الله تعالى أن نُلهَم أن لا نصلي جماعة بهذا الصوت المرتفع.
هؤلاء الذين تعسوا في الدنيا وذاقوا ألوان الشقاء، و هؤلاء الذين حبطتْ أعمالُهم لم يُوفَّقوا إلى أهدافهم، ما سببُ ذلك ؟ قال تعالى:

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)﴾

 

[سورة محمد]

 المنافق يرى أن الدين عِبئًا عليه، قال تعالى:

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)﴾

 

[سورة محمد]

 كلُّ إنسان يكره أحكام الشرع هو منافق، بينما الصحابة الكرام يفرحون بما أُنزل إليهم، كلما جاء أمرٌ تشريعي يفرحون به، و علامة فرحهم هي علامة إيمانهم، فالمؤمن نفسُه متوافقة مع شرع الله، و المنافق يرى حدود الشرع قيودُا و ليست حدودًا، و الصحيح أنَّك إذا كنت في حقل تمشي و رأيت لوحةً كُتِب عليها: اِنتبِهْ لا تتجاوز حقل الألغام، هل تحقد على من وضع هذه اللوحةَ ؟ أم تشكره ؟ هل هذه اللوحةُ قيدٌ لحرِّيتك أم ضمان لسلامتك ؟ هي ضمانٌ، جاءني رجلٌ أوَّلَ ما خطبتُ في سنة 1974 بعد الخطبة قال لي: علي عندك سؤالٌ، زوجتي تخونني منذ خمس سنوات و أنا لا أدري، البارحة ضبطْتُها بالجرم المشهود و في بيتي، قلت له: مع منْ ؟ قال مع جارنا، قلتُ كيف عرفها ؟ قال: مرة كان في زيارتي قلت لزوجتي: تعالي اجلسي معنا فإنه مثل أخوك، قلت له: لو حضرت مجلس علم و عرفت أمر الله عز وجل و شرعه و حدوده لما وقعتَ فيما وقعت فيه الآن، هذا جزاء جهلك، فالشرع ليس قيودا و لكنه حدود، فلما تفلّت من قيود الشرع خانته زوجتُه، و عنده منها خمسة أولاد
 أيها الإخوة الكرام، من علامة الفقه أن تشعر أن كلَّ أمر إلهيٍّ وكلَّنيٍ إلهيٍّ و كلَّ أمر نبوي و نهي نبوي من أجل سعادتك و من أجل راحة بالك و من أجل تقدُّمك و من أجل أن تكون من أهل الجنة، فلذلك قال تعالى:

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)﴾

 

[سورة محمد]

 يكره تطبيق الشرع و يكره أن يكون ملتزما و يرى الحرِّية أريحَ له، فلذلك أيها الإخوة، علامة إيمانك أن تفرح بما أُنزِل على نبيِّك، و أن تفرح بالقيود التي هي حدود.
الآية الأخيرة قال تعال:

 

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)﴾

 

[سورة محمد]

 الدنيا ساعة اجعلها طاعة، في النهاية المنحرف و الكافر سوف يُدمَّر مالُه وسوف يُحبط عمله و سوف يشقى في الدنيا و الآخرة.\

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018