الدرس : 10 - سورة التوبة - تفسير الآية 103 ، حق الفقير على الغني. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة التوبة - تفسير الآية 103 ، حق الفقير على الغني.


1994-08-21

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
 أيها الأخوة:
 الآية الثالثة بعد المائة، من سورة التوبة، وهي قوله تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

 أيها الأخوة:
 أول شيءٍ يلفت النظر في هذه الآية، أن الخطاب ليس موجهً للمؤمنين.
 كقول الله عز وجل:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾

 

( سورة البقرة: 183 )

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾

( سورة التحريم: 6 )

 هذه الآية وجهت، لا إلى المؤمنين، بل إلى النبي، ووجهت إلى النبي لا على أنه نبي، بل على أنه ولي الأمر، الحاكم.
 أحياناً يخاطب النبي، بصفة النبوة.

 

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾

 

( سورة المائدة: 67 )

 أما الآن النبي مخاطب، لا على أنه نبي على أنه ولي الأمر، الحاكم، لماذا ؟
 أيها الأخوة:
 الزكاة من حق الفقير، وكاد الفقر كفراً، وحينما ينشأ فارقٌ كبير، بين الدخول بالمجتمع، تنشأ الجرائم، والفساد، والدعارة والسرقة، والاحتيال، فالله جعل المال قوام الحياة.
 فحينما نقول للمؤمن صلي، فإن لم يصلي يأثم وحده، صُم فإن لم يصُم، يأثم وحده، أما إذا كلف أن يدفع زكاة ماله، إذا لم يؤدي الزكاة، فسد المجتمع، وانهارت قيمه.
 لذلك الزكاة لم يؤمر بها المؤمن أن يدفعها، بل أُمر منه ولي الأمر أن يأخذها منه عنوةً، لأنها حق الفقير.
 هذا سر أن الآية موجه، لا إلى المؤمنين، بل إلى النبي وليس على أنه نبي، بل على أنه ولي الأمر.

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 

 أما من تفيد التبعيض، ما في مصادرة كاملة بالإسلام.

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 بعض أموالهم، اثنان ونصف في المائة، من تفيد التبعيض أما كلمة:

﴿أَمْوَالِهِمْ﴾

 جاءت جمعاً ولم تأتي مفرداً يعني جميع الأموال تجب فيها الزكاة، لو عندك مزرعة فريز، مزرعة كرز عسل، أي مال زراعي، مال تجاري، صناعي، أي نشاطٍ في كسب المال، هذا معنى:

﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 من كل أنواع الأموال، إبل، بقر غنم، مزروعات، محاصيل، خضار، فواكه مما أنتجته الأرض معامل، صناعة، تجارة.

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 من تفيد التبعيض وأموالهم تفيد كل أنواع المال، تجب فيها الزكاة.
 أما كلمة:

 

 

﴿أَمْوَالِهِمْ﴾

 في هم ضمير الجمع، أي الزكاة تجب على مجموع المسلمين، وليس هناك واحد مستثنى من الزكاة، ما في طي ضريبة، استثناء، يستثنى فلان من أحكام المادة كذا وكذا. خذ يا محمد على أنك ولي الأمر، من خذ بعض أموالهم، دع لهم كرائم أموالهم، أموالهم جمع، تفيد الزكاة تجب في جميع أنواع الأموال، وأموالهم، هم تفيد الجمع ضمير جمع أيضاً غائب، تفيد أن كل المسلمين، مكلفون بدفع الزكاة، لا فرق بين قوي وضعيف، ولا غنيٍ وفقير.
 صدقةً: هذه آية الزكاة، فلماذا سماها الله صدقة ؟ ما سماها صدقة إلا لحكمةٍ بالغة، لأنها تؤكد صدق المؤمن، الإنسان كله حكي بحكي، لما يدفع الخمسميات زكاة ماله معناها صادق، والباقي زعبرة واحد عواطفه إسلامية، واحد تفكيره إسلامي، واحد بتابع قضايا إسلامية، واحد مشاعره إسلامية واحد بحب الإسلام ينتصروا بالبوسنة مثلاً، هذا كله زعبرة، أما حينما تخرج من مالك، مالاً تدفعه للفقير الآن أنت صادق بإيمانك.
 فما سمى الله الزكاة صدقةً، إلا لأنها تؤكد صدق الإنسان، هي خذ ومن وأموال وهم.

 

 

﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾

 أية طهارةٍ هذه ‍‍.
 قال الفقير يكفر من الحقد، الفقير المحروم حاقد، أساساً كلما انخفض الدخل، والفرق الاجتماعي أصبح كبيراً، تكثر الجرائم والسرقات والاحتيال، تسقط النساء من أجل أن يأكلن.
 فلذلك الآية الكريمة:

 

 

﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾

 

 تطهر الفقير من الحقد والغني من الشح، وتطهر المال من تعلق حق الغير به.

 الحجر المغصوب في دارٍ رهنٌ بخرابها، إذا دار فيها حجر مغصوب، ربما انهارت هذه الدار.
 وإذا مال في تعلق به حق الفقير، ربما أتلف هذا المال.
 لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( ما تلف مالٌ في برٍ أو بحرٍ إلا بحبس الزكاة.))

 

إذاً: تطهر الغني من الشح، والفقير من الحقد، وتطهر المال من تعلق حق الغير به.

 لذلك العلماء قالوا: الأموال مهما بلغت، لا تسمى كنزاً إذا أديت زكاتها، والأموال مهما قلت، إن لم تؤدى زكاتها فهي كنز:

 

﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾

 

( سورة التوبة: 35 )

 إذاً المال الذي أديت زكاته، لا يسمى كنزاً، والمال الذي لم تؤدى زكاته يسمى كنزاً، والنبي علمنا اللهم صلي عليه:

 

برء من الشح من أدى زكاة ماله.

 إذا بتقول عن واحد شحيح، وقد أدى زكاة ماله، فقد ارتكبت إثماً كبيراً، مادام أدى الزكاة ليس شحيحاً، قد يكون عنده وجهة نظر، يريد تأمين بيت لأولاده، فضغط مصروفه هذا كمال بالإنسان، إياك أن تتهم إنسان بالشح، إذا أدى زكاة ماله.
 النبي الكريم علمنا:

 

 برء من الشح من أدى زكاة ماله، وبرء من الكبر من حمل حاجته بيده، وبرء من النفاق من أكثر من ذكر الله إكثار ذكر الله براءةٌ من النفاق،، وأن تحمل الحاجة بيدك براءةٌ من الكبر، وأن تؤدي زكاة مالك براءةٌ من الشح.

 هي:

 

﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾

 طيب:

 

 

﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾

 الزكاة في اللغة النماء فالفقير حينما يعطى له زكاة الأموال، محروم، جائع، أولاده في عُري، يُطرق بابه يعطى الطعام، الشراب، الكساء، اللباس أو المال، يشعر أن مجتمعه، مهتمٌ به، ترتفع معنوياته، تنقلب ميول الحقد، إلى ميول محبة، فالغني الذي يؤدي زكاة ماله، الفقراء الذين حوله حراسٌ له، أما الغني الذي لا يؤدي زكاة ماله، الفقراء حوله لصوص، يقلبهم إلى لصوص، أما الغني الذي يؤدي زكاة ماله يجعل من حوله حراساً له، في محبة. إذاً معنى النماء، نفس الفقير تنمو، تنمو حينما تشعر، أن المجتمع مهتمٌ بالفقير. شيء ثاني: ونفس الغني تنمو، كيف تنمو ؟ حينما يشعر الغني أنه سبب لإشاعة البسمة في نفوس الفقراء، هذا شعور آخر والمال ينمو بطريقة العناية الإلهية المباشرة، هناك وسائل لنماء المال لكن هناك وسائل خفية، يكرم الله بها المؤمنين، الذين أدوا زكاة أموالهم، بمعنى.
 أن الله سبحانه وتعالى قد يصرف عن الغني المؤدي زكاة ماله صفقةً خاسرة، الله يعلم لأنه وقد يلهمه صفقةً رابحة، فهو حينما أدى زكاة ماله، ألهمه طرائق في كسب المال، لم يكن يعرفها من قبل.
 إذاً:

 

 

﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾

 تنمي نفس الفقير، حينما يشعر أن مجتمعه مهتمٌ به، وتنمي نفس الغني، حينما يشعر أنه في قلوب الآلاف والمئات، وتنمي المال ذاته، عن طريق العناية الإلهية المباشرة. يعني في وسائل لكسب المال، وفي وسائل ربنا عزوجل يدخرها للمؤمنين.
 يعني واحد أقرض قرض ربوي، على الآلة الحاسبة، هناك ربح ثابت من هذا القرض، جاء مؤمن آخر أقرض قرض حسن لوجه الله، بحسب الآلة الحاسبة في خسارة، بقلك في تضخم نقدي، كل عام سبعة عشرة بالمائة، أنا دينت هل المائة ألف، عادت لي بعد عام أقل بسبعة عشرة ألف ليرة، فأين الربح ؟.
 ربنا عز وجل بهذه المناسبة، ييسر لهذا المقرض القرض الحسن مورد رزق لم يكن يخطر على باله.
 إذاً هذه الآية:

 

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

 

 النبي عليه الصلاة والسلام حينما يرى من أصحابه كمالاً وإنفاقاً وبذلاً، وتضحيةً، حينما يرى من أصحابه سمتاً حسناً وسكينةً، ووقاراً، وحباً، وتضحيةً، يصلي عليهم بمعنى، يتوجه إليهم، هذه الصلة من النبي على أصحابه، سكينةٌ لهم.
 هذا ما قاله أحد أصحاب رسول الله، اسمه حنظلة، كان في الطريق يبكي، مر به الصديق.
 قال: مالك تبكي يا حنظلة ؟ قال: نافق حنظلة.
 قال: ولما يا أخي ؟
 قال: نكون مع رسول الله نحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، عافسنا.
 الإنسان بكون بمجلس علم يشعر بصفاء، بحال طيب، فإذا ذهب إلى البيت، الحاجة غير ميسرة، الأكل غير ناضج مثلاً، علق تعليق قاسي شوي، صار في خصومة، أين الحال الذي كان فيه بالمسجد ؟
 فإذا عافسنا الأهل ننسى.
 فما كان من هذا الصديق الجليل وهو يتمتع بأعلى درجات الكمال، إلا أن قال لحنظلة، أنا كذلك يا أخي، أنا مثلك.
 إنطلق بنا إلى رسول الله، فلما انطلقا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وحدثا النبي بهذه المشكلة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لو بقيتم على الحال، التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة. ))

 إذاً: ماذا حصل عند رسول الله ؟

 

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

 

( سورة التوبة: 103 )

 لذلك الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

 

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾

 

( سورة الكهف: 28 )

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

( سورة الكهف: 119 )

 لذلك:

 

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

 النبي الكريم يقول:

 

((لو بقيتم على الحال، التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ))

 ولزارتكم في بيوتكم، أما نحن معاشر الأنبياء، فتنام أعيننا ولا تنام قلوبنا اتصال مستمر، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة، المؤمن ساعة وساعة ليس ساعة معصية، وساعة طاعة، إياكم أن تفهموا ذلك، ساعة إقبال وساعة فتور، أما الاستقامة مستمرة.
 هذه الآية أصبحت كما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

والحمد لله رب العالمين.

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018