موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 113 - خلق الأنعام والإنسان متشابهان جنينياً. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1موضوعات علمية من الخطب
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 113 - خلق الأنعام والإنسان متشابهان جنينياً.


1988-09-16

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما هي الحكمة الربانية بأن جعل أصل الخلق بين الإنسان والحيوان متشابه ؟

أيها الأخوة المؤمنون, من الآيات الدالة على عظمة الله عزَّ وجل، هذه الآية القرآنية التي تشير إلى حقيقةٍ علمية، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ ﴾

[سورة الزمر الآية: 6]

أي أنتم والأنعام, قال تعالى:

﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾

[سورة الزمر الآية: 6]

أيها الأخوة المؤمنون, يستفاد من هذه الآية؛ أن خلق الأنعام من الوجهة الجنينية يشبه خلق الإنسان، ففي هذه الآية إشارةٌ إلى وحدانية الخالق، وإشارةٌ إلى تكريم الإنسان على الحيوان، فما أبعد الفرق بين الإنسان والحيوان، خلق الأنعام كخلق الإنسان من الوجهة الجنينية؛

image

خلق الأنعام كخلق الإنسان من الوجهة الجنينية لكن شتان بين الإنسان والحيوان

ولكن شتَّان بين الإنسان والحيوان، هذا مكرمٌ أودع الله فيه فكراً, وأودع الله فيه تكليفاً ، وسخَّر له ما في السموات والأرض، وهذا الحيوان مسخرٌ للإنسان، فشتان ما بين النوعين مع أن البنية واحدة .

 

ما هي المغزى من كلمة (الظلمات) في هذه الآية ؟

الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾

[سورة الزمر الآية: 6]

شيءٌ آخر، لماذا أشار الله سبحانه وتعالى إلى الظلمات الثلاث؟ بعض المفسرين قال: هي ظلمة البطن، وظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، ويقول الإمام القرطبي في تفسيره: الظلمات الثلاث هي ظلمة بطن المرأة، وظلمة صلب الرجل، وظلمة الرحم, وفسِّر بعضهم هذه الظلمات بأنها؛ ظلمة الخصية، وظلمة المبيض، وظلمة الرحم, ظلماتٌ ثلاث، لماذا الظلمات؟ ما مغزى كلمة الظلمات في هذه الآية؟ .

image

لا تتخلق الخلية في بدايتها إلا في ظلام تام

أيها الأخوة الأكارم, لا يمكن أن تتخلَّق الخلية في بدايتها إلا في ظلامٍ تام، فإذا ظهر لهذه الخلية بصيصٌ من ضوءٍ كوني تَلِفَت وماتت، وكأن الله سبحانه وتعالى يشير إلى أن تَخَلُّقَ الخلية لا يتم إلا في ظلام دامس .

 

شيءٌ آخر، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾

[سورة الزمر الآية: 6]

أي يتخلَّق الإنسان من تلقيح الحوين المنوي للبويضة، وتتولى عناية الله سبحانه وتعالى تخليق البويضة الملقحة في الرحم، ولا بدَّ لهذه البيضة الملقحة التي هي من خلق الله، من أن تخلق سابقاً في المبيض، وأن يخلق الحوين المنوي في الخصية، خلِّقت الحوينات، وخلقت البويضات، ثم لقِّحت هذه البويضة، ثم خلقت ليكون الإنسان, فالآية الكريمة:

﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾

[سورة الزمر الآية: 6]

فالذي خلق الحوين، والذي خلق البويضة، هو الذي خلق الإنسان من بويضةٍ, والآن الزرع الجنيني لا يتم إلا في الظلام الدامس، وهذا من الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، (في ظلماتٍ ثلاث) قال تعالى:

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾

[سورة الزمر الآية: 6]

الذي خلق الأنعام هو الذي خلق الإنسان، والذي خلق الحوين هو الذي خلق البويضة ، والذي خلق البويضة والحوين هو الذي خلَّق البويضة الملقحة:

﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾

[سورة الزمر الآية: 6]

انتبه إلى ما يقوله القرآن لك :

يا أيها الأخوة المؤمنون, في خلق الإنسان آياتٌ مذهلة، آياتٌ لو تأمَّلها الإنسان لخرَّ خاشعاً لله عزَّ وجل:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾

[سورة الطور الآية: 35]

من خلق الإنسان في بطن أمه؟ من شقَّ له سمعه؟ من شق له بصره؟ من أودع فيه القلب؟ من أودع فيه الدماغ؟

image

الله خلق الإنسان في بطن أمه وشق سمعه وبصره

من جعل له هذه الأجهزة التي يتحرك بها؟ قال تعالى:

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾

[سورة الزمر الآية: 6]

إلى متى أنت باللذات مشغولُ
وأنت عن كل ما قدمت مسؤولُ
***
أيا غافل تبدي الإساءة والجهل
متى تشكر المولى على كل ما أولى

عليك أياديه الكرام وأنت لا
تراها كأن العين حولاء أو عميا

لأنت كمزكومٍ حوى المسك
جيبه ولكنه المحروم ما شمَّه أصلاً

يا أيها الأخوة المؤمنون, يأمرنا الله سبحانه وتعالى، وأمر الله في القرآن يقتضي الوجوب, قال تعالى:

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

( سورة يونس الآية: 101)

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

( سورة الذاريات الآية: 21)

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾

( سورة الطارق الآية: 5-8)

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾

( سورة عبس الآية: 24-32)

يا أيها الأخوة المؤمنون, ما خلق الله السموات والأرض إلا كي نفكر في عظيم خلقه، وبديع صنعته، فإذا عرفنا ذلك خشعت قلوبنا، لقول الله عز وجل:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾

( سورة فاطر الآية: 28)

أيها الأخوة الأكارم, لا عبادة كالتفكُّر، تفكُّر ساعة خيرٌ من عبادة ستين عاماً، وإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018