الخطبة : 0331 - التكافل الإجتماعي ( الإنفاق على الأقارب ). - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0331 - التكافل الإجتماعي ( الإنفاق على الأقارب ).


1991-01-18

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإنفاق على الأقارب :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ وعدتكم في الخطبة السابقة أن أتابع الحديث في موضوع التكافل الاجتماعي الذي هو جزءٌ من نظام الإسلام .
 انطلاقاً من أن المجتمع المسلم وحدةٌ متكاملة ، وأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه . .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ بينت لكم في الخطبة السابقة كيف أن الإنسان مُلزمٌ بالإنفاق على قريبه من ذوي الحاجة ، ولكن السؤال اليوم : ما نوع هذا الإنفاق ؟ وما حجم هذا الإنفاق ؟ وأية حاجةٍ يمكن أن تلبى ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ أجمع العلماء على أن الإنفاق على الأقارب يجب أن يُلبي الحاجات الأساسية ، أن تلقي في كفّ قريبك بضع وريقات ، أو بضع عشرات ، لا تفعل معه شيئاً ، ليس هذا هو إيتاء ذوي القربى ، الذي أمر الله به الموسر أن يكفيَ أقرباءه ، فما معنى يكفي أقرباءه ؟
 يا أخوة الإيمان ، الحاجات الأساسية هي المطعم ، والمشرب ، والمسكن ، والعلاج ، والنكاح حصراً ، مما يجب على الموسرين أن يطعموا أقرباءهم المساكين ، والفقراء ، وأن يكسوهم ، وأن يسكنوهم ، و أن يزوجوهم ، وأن يعالجوهم ، فقد تتعطل بعض أجهزة الإنسان ويحتاج للعلاج ، إلى مالٍ كثير ، لابد من الأقرباء الموسرين أن يبادروا إلى معالجة قريبهم ، هذا من صلب الدين ، ومن أساسيات النظام الإسلامي .
 الطعام ، والشراب ، والملبس ، والمسكن ، والعلاج ، والزواج ، هذه هي الحاجات الأساسية التي ينبغي أن تلبى . السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تقول :" ما رأيت أزهد من عمر كان إذا أطعم أشبع ، وإذا قال أسمع ، وإذا سار أسرع ، وإذا ضرب أوجع " هناك تفصيلاتٌ لابد من ذكرها أيها الأخوة الأكارم .
 الابن الغني يجب أن يعفّ والده بتزويجه إذا كان معسراً ، إذا توفيت زوجة الأب، وكان الأب معسراً فعلى الابن الغني الموسر أن يعفّ أباه بتزويجه ، وعليه أن يزوجه ، وأن ينفق عليه ، وعلى زوجته . والمؤمن الموسر عليه أن يعف ابنه بتزويجه ، والإنفاق عليه .

 

إجبار المسلم المتواني في الإنفاق على أقربائه أن ينفق عليهم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ في الإنفاق دقيقٌ جداً يشبه الزكاة . ماذا قال الله عز وجل في موضوع الزكاة ؟ خاطب النبي عليه الصلاة والسلام فقال :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾

[سورة التوبة : 103]

 لم يأمر المؤمنين أن يدفعوا زكاة أموالهم ، إنهم إن أُمروا قد يدفعون وقد لا يدفعون، ولكن في دفع زكاة المال صلاحاً للمجتمع ، إذاً الأمر لم يتوجه إلى المؤمنين بدفع زكاة أموالهم ، بل وُجه إلى النبي عليه والسلام لا على أنه نبي بل على أنه إمام الأمة ، وعلى أنه وليّ الأمة :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾

[سورة التوبة : 103]

 وهذا الحكم في إجبار الغني على دفع زكاة ماله عن طريق أولي الأمر ينسحب هذا الحكم نفسه على الأقارب في موضوع الإنفاق على ذوي القربى ، فعلى الإمام ، وعلى ولي الأمر أن يُجبر المسلم المتواني في الإنفاق على أقربائه ، أن ينفق على أقربائه .
 وقد فعل هذا سيدنا عمر رضي الله عنه إذ أجبر أحد المسلمين في عهده بالإنفاق على ذوي القربى من أقاربه .
 قد نواجه مشكلةً أن هذه الأم ، أو أن هذا الأب لا يملك قوت يومه ، وله ابنٌ قويّ البنية ، بإمكانه أن يكسب المال ، ولكن لا مال له ، ماذا يفعل الإمام وماذا يفعل وليّ المسلمين؟ هنا الإجبار لا على الإنفاق ، لأن هذا الذي عليه الإنفاق لا مال له ، هنا الإجبار على هذا الشاب القوي القادر على الكسب ، نجبره على أن يكسب المال ، لينفق على أمه ، وأبيه ، فوليّ المسلمين ، وإمام المسلمين إما أن يُجبِر على الإنفاق ، وإما أن يجبر على الكسب، وإذا توانى في الإنفاق على ذوي القربى ينسحب عليه حكم من عليه دين ، لأن الإنفاق في حكم الدَين ، تباع بعض حاجاته ، لينفق على من يلزمه الإنفاق عليهم .

 

الأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هل في هذا الدين ثغرةٌ ؟ هل في الأنظمة الوضعية نظامٌ يجبر أتباعه على التكافل فيما بينهم كهذا النظام ؟ يجبر على الإنفاق كما يجبر على إنفاق الزكاة ، وليّ المؤمنين ، ولي المسلمين يجبر المسلم على الإنفاق كما يجبره على أخذ الزكاة ، ويجبره على الكسب إذا كان قادراً على الكسب ، ولا مال له ، وإن لم يفعل يحِقّ لولي المسلمين أن يبيع بعض حاجاته الأساسية لينفق على أقربائه ، هذا حكم الشرع .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما قال الله عز وجل:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

[ سورة النحل : 90]

 أليس إيتاء ذوي القربى إحساناً ؟ ما معنى أن يُعطَف الشيء على مثله ، أو أن يعطف الخاص على العام ؟ أليس إيتاء القربى إحساناً ؟ ألم يقل الله عز وجل :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

[ سورة النحل: 90]

 قال علماء الأصول : إن عطف الخاص على العام من أجل إبراز أهميته .

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

[ سورة النحل: 90]

 ومن أبرز ما في الإحسان

﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾

  هكذا أمر الله عز وجل .

 

الإنفاق على ذوي القربى ليس دعوة إلى التكاسل :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قد يسأل سائل : أليس في إجبار الناس على الإنفاق على أقربائهم دعوةٌ إلى البطالة ؟ هذا الإنسان ، ما دام فلان أو علان مجبراً بالإنفاق عليه ، أليس في هذا دعوةٌ إلى البطالة ؟
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان الغنيّ الذي يملك قوت يومه لا يجوز أن ينفق عليه ، والإنسان الفقير الذي لا مال له ، وهو قادرٌ على الكسب لا ينفق عليه ، لأنك إذا أعطيت شاباً قادراً على الكسب فقد دعوته إلى التكاسل ، إذاً ليس في هذا الإنفاق على ذوي القربى دعوة إلى البطالة ، لأن الإنسان لا يواسى بالمال إلا في حالة كونه فقيراً لا مال له ، أو في حالة كونه مسكيناً لا يستطيع أن يكسب المال .

المسلم أخو المسلم :

 يا أيها الأخوة المؤمنون: كلما عرفنا أحكام الشرع في التكافل الاجتماعي أصبح هذا المجتمع كما صوره النبي عليه الصلاة والسلام مجتمعاً متماسكاً متكاتفاً:

((المسلم أخو المسلم))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 له حق عليه .
 و عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّم :

((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))

[ مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ]

 هكذا وجه النبي علي الصلاة والسلام .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا تفقدتم أقرباءكم ، وأنفقتم عليهم النفقة الأساسية التي تغنيهم عن سؤال الناس ، فقد حققتم أمر الله عز وجل وأمر النبي عليه الصلاة والسلام ، ولهذا الموضوع تتمةٌ نشرحها في خطبةٍ قادمة إن شاء الله تعالى .

 

معية الله معيتان ؛ عامة و خاصة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لو أن إنساناً طَمِح أن يكون الله معه ، ينصره ، يوفقه، يتولّى أمره ، ما ثمن هذه المعيّة ؟ كلكم يعلم أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز :

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

[سورة الحديد : 4]

 هو مع كل مخلوق على وجه الأرض ، قال علماء التفسير : هذه المعية هي معيةٌ عامة ، ولكن حينما يقول الله عز وجل:

﴿إن الله مع المتقين﴾

[ سورة البقرة : 194]

﴿إن الله مع الصابرين﴾

[ سورة البقرة : 153]

 هذه معيةٌ خاصة ، ما معنى هذه المعية الخاصة ؟ معناها أن الله جلّ في علاه مع هذا الإنسان مؤيداً ، وحافظاً ، وموفقاً ، وناصراً ، هذه المعية الخاصة التي نطمح لها .
 ولكن من السذاجة وضيق الأفق والجهل أن نظن هذه المعية بلا ثمن ، أن نكسب هذه المعية بلا ثمن ، ماذا يقول الله عز وجل ؟ في سورة المائدة في الآية الثانية عشرة يقول الله عز وجل:

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾

[سورة المائدة : 12]

 إني معكم ناصراً ، ومؤيداً ، وموفقاً ، وحافظاً .

 

معية الله من لوازمها الاستقامة على أمره :

 ولكن هيهات أن نظن أن هذه المعية بلا ثمن ، إن ثمنها كبير :

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾

[ سورة المائدة : 12 ]

 ومن لوازم إقامة الصلاة الاستقامة على أمر الله ، الوقوف عند حدود الله ، الائتمار بأمر الله ، الانتهاء عما عنه نهى الله :

﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾

[ سورة المائدة : 12 ]

 ولن يقيم الصلاة إذا كان لله عاصياً ، إن كل معصيةٍ أيها الأخوة تقف بين العبد وبين ربه حجاباً كثيفاً :

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾

[ سورة المائدة : 12 ]

 إذا تعرّفتم إليّ ، وتعرفتم إلى أمري ، وطبقتم أمري ، وانتهيتم عن المعاصي ، وتقربتم إلي ، وكنتم كما أريد عندئذٍ أكن لكم كما تريدون :

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ﴾

[ سورة المائدة : 12 ]

 كنتم محسنين ، ذكر الزكاة ، وأراد مطلق الإحسان ، اتصلتم بي ، وأحسنتم إلى خلقي ، وهذا هو الدين .

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾

[سورة مريم : 31]

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾

[ سورة المائدة : 12 ]

 نصرتم دين الله ، أقمتم حدوده ، أزلتم المنكرات ، أحييتم الطاعات ، أعنتم على إقامة الصلوات ، عظمتم أمر الله ، عظمتم شعائر الله ، عظمتم من يدعو إلى الله .
 وقال الله:

﴿اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

[ سورة المائدة : 12 ]

 فعلتم الخيرات ، إذا آمنتم ، وتعرفتم إلى أمر الله ، وطبقتم أمر الله ، وأقمتم الصلاة كما أمر الله عز وجل ، وآتيتم الزكاة ، وآمنتم برسلي وعزرتموهم ، وأقرضتم الله قرضاً حسناً ، عندئذٍ أنا معكم ، معكم بالتوفيق ، معكم بالحفظ ، معكم بالتأييد ، معكم بالنصر ، هذا أمر الله .
 وقد يقول قائل : هذه الآية وردت في خطاب أهل الكتاب ، اسمعوا الجواب : العبرة في القرآن الكريم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، أما أن يدّعيَ الإنسان أنه يحب الله .

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[ سورة المائدة : 18 ]

التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب ليكون الله معنا :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا موضوع ، موضوعٌ آخر له أهميةٌ كبرى ، ما من إنسانٍ على وجه الأرض يستحق أن يحفظه الله ، وأن يؤيده الله ، وأن ينصره الله كرسول الله ، ومع ذلك حينما أُمر بالهجرة ، أخذ بكل الأسباب ، الأخذ بالأسباب عبوديةٌ لله عز وجل ، لكنه اعتمد على الله عز وجل . هناك شرطان أساسيان حتى يكون الله معك:
 • الشرط الأول : أن تؤمن به ، وأن تستقيم على أمره ، وأن تتصل به ، وأن تحسن إلى خلقه ، وأن تؤمن برسله ، وأن تعظم شعائره .
 • الشرط الثاني : يتشعب إلى شعبتين .
 الأول : أن تأخذ بالأسباب ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بكل الأسباب ، ثم توكل على ربّ الأرباب . مما يأخذ علينا أعداؤنا تواكلنا ، ما التواكل ؟ هو ألا نأخذ بالأسباب ونتوكل على رب الأرباب ، هذا تواكل .
 الثاني : ألاّ نعتمد عليها ، إذا اعتمدنا عليها لا نستحق أن يكون الله معنا ، لذلك أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم في حنين ، وقد كانوا كثرةً كثيرة ، وقوةً عظيمة ، فتحوا مكة آخر معقلٍ من معاقل الكفر ، ودانت لهم الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها ، إلاّ أنهم قالوا في أنفسهم : لن نُغلب اليوم من قلّة ، أخذوا بالأسباب ، واعتمدوا عليها .

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾

[سورة التوبة: 25]

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 وأنتم مفتقرون إلى الله عز وجل . إذاً حينما تعتمد على الأسباب لا تستحق معية الله ، وحينما تعتمد على الله ، ولا تأخذ بالأسباب لا تستحق معية الله .
 هذه حقائق في القرآن أضعها بين أيديكم ، حينما تعتمد على الله ، ولا تأخذ بالأسباب إنك خالفت منهجه ، خالفت سنة نبيّك ، خالفت النظام العام الذي جاء به النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، وإذا أخذت بالأسباب ، واعتمدت عليها ، فقد أشركت .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه الحقائق نحن في أمسّ الحاجة إليها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ..

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018