الدرس : 4 - سورة المائدة - تفسير الآية 66 ، أبواب الرزق - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 4 - سورة المائدة - تفسير الآية 66 ، أبواب الرزق


1994-05-15

أبواب الرزق....

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

 

الآية الأولى....

 أيها الإخوة الكرام؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾

[ سورة المائدة الآية: 66]

الآية الثانية....

 هذه الآية تؤكدها آية أخرى:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾

[ سورة الجن الآيات: 16-17]

الآية الثالثة....

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 96]

الوسائل التي تزيد في الرزق:

 العلماء استنبطوا من الكتاب والسنة الوسائلَ التي تزيد في الرزق .

أول وسيلة الاستغفار ...

 قال تعالى :

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾

[ سورة نوح الآيات: 10-12]

 الاستغفار يجلب الرزق
الذي يستغفر الله من ذنوبه يجلب له ولأهله الرزق بالاستغفار، هذه واحدة، فمن شكا من ضيق الرزق فعليه بالاستغفار، هذا قرآن، وهو كلام خالق الكون.

 

ثاني وسيلة الصلاة...

 فقال تعالى:

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾

[ سورة طه الآية: 132]

 فالبيت الذي تقام فيه الصلوات، يتلى فيه القرآن، تقام فيه حدود الله عز وجل، فهذا بيت مرزوق، فالرزق بيد الله عز وجل، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
 العامل الأول ... هو الاستغفار .
 العامل الثاني ... إقامة الصلوات وشعائر الله في البيت .

 

ثالث وسيلة الأمانة...

 مستنبط من الحديث الشريف ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( الأمانة غنى ))

[ هكذا ورد بالأثر]

 الأمين موثوق، فإذاً أنت أثمن شيءٍ تملكه ثقة الناس، وإذا ملكت ثقة الناس فأنت أغنى الناس، وأكبر خسارة تحيط بك أن تفقد ثقة الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول : "الأمانة غنى ".
 إذًا: وسائل الرزق هي :
 الاستغفار أوّلاً، وإقامة الصلوات والشعائر الدينية في البيوت ثانياً، والأمانة ثالثاً.

 

رابع وسيلة صلة الرحم...

 قيل: صلة الرحم تزيد في الرزق.

(( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[ البخاري، مسلم، أبو داود، أحمد عن أَنَس بْن مَالِكٍ ]

 إذاً أنْ تصل رحمك، وصلة الرحم تعني أشياء ثلاثة:
 أن تزورهم أولاً ، وأن تتفقد أحوالهم تمهيداً لمساعدتهم ثانياً ، وأن تدلهم على الله ثالثاً.
 هذا ما تعنيه صلة الرحم، وهو العاملُ الرابع.
 الاستغفار وإقامة الصلاة والأمانة وصلة الرحم.

 

خامس وسيلة صلة الإتقان...

 اتقان العمل جزء من الدين وسبب من أسباب الرزق
إتقان العمل جزء من الدين ، إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ، وهذه حقيقة ، فالشركات المصنعة المتقنة ، بضاعتها محجوزة لسنوات ، وصاحب الحرفة المتقن محجوز لسنوات ، وإذا كسدت البضائع وبارت الأعمال فالمتقنون لا يتعطلون أبداً.
 فالإتقان عامل ، وصلة الرحم عامل ، والاستغفار عامل ، وإقامة الصلوات والأمر بها عامل، وإقامة القرآن الكريم عامل.

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾

[ سورة المائدة الآية: 66]

 

سادس وسيلة صلة الصدقة...

 

 وهناك عامل سادس وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( استمطروا الرزق بالصدقة))

[الجامع الصغير عن جبير بن مطعم]

 صدقة السر تطفئ غضب الرب، بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها.

 

سابع وسيلة الاستقامة...

 فالإنسان المستقيم على أمر الله.

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

[ سورة الجن الآيات: 16-17]

 المستقيم على أمر الله، والمقيم للصلوات، وهو يأمر بها أهله ومن يلوذ به، والمستغفر، والواصل لرحمه، والمتقن لعمله، والأمين، هؤلاء جمعياً أرزاقهم وفيرة، وهي قوانين ربنا عز وجل.

 

مثال للتوضيح:

 لابد للإنسان أن يتحرى أسباب قلة الرزق ويتلافاها
فلما يكون الإنسان راكبًا مركبة في سفر، وفجأة تتوقف المركبة! ويطالعك هنا سلوكان؛ فأيهما السلوك الذكي؟
 أول سلوك: يصيح المسافر ويبكي ويزعبر!!!؟؟؟
 السلوك الثاني: يفتح غطاء المحرك ، ويبحث لماذا وقفت المركبة، هذا هو السلوك العلمي.
 فإذا شعر الإنسان أن رزقه ضيق، فإنّه يتساءل :
 يا ترى هل مِن سبب؟
 عدم إتقان، أو عدم أمانة، أو تفريط في أوامر الله عز وجل، أم مِن قلَّة الاستغفار، أم من في قطيعة رحم مثلاً، إذًا هناك أسباب.

 

الخلاصة:

 

 لذلك فالإنسان حينما يشعر أن رزقه أقل مما ينبغي، فليبحث عن السبب، وربنا عز وجل قال :

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 66]

 وبعد هذا يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾

[ سورة المائدة الآية: 68]

 ونحن كمسلمين، واللهِ الذي لا إله إلا هو لسنا على شيء حتى نقيم القرآن الكريم في بيوتنا ، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 33]

 قال علماء التفسير: أنت فيهم، أي سنتك قائمة في بيوتهم، وفي أعمالهم، ما دامت سنة النبي علية الصلاة والسلام فينا، وفي علاقاتنا، وفي كسبنا للمال، وفي إنفاقنا للمال، وفي نشاطاتنا، وفي بيوتنا، فالله لا يعذبنا.

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 33]

 وإذا عرفنا أغلاطنا، وتبنا منها أيضاً فنحن في بحبوحة، فنحن في بحبوحة مرتين، إذا أذنبنا واستغفرنا، أو إذا تبنا واصطلحنا، فإذا كنا في أحد هذين الحالين، فنحن في بحبوحة، ونحن في سلام، وفي أمْنٍ من الله عز وجل.

 

الخاتمة:

 أيها الإخوة الكرام؛ هاتان الآيتان مع أنهما موجهتان لأهل الكتاب إلا أن الله سبحانه وتعالى خاطبنا بأسلوب تربوي، فأحياناً الإنسان يخاطب شخصًا، وهو يعني شخصاً آخر، فالشخص الآخر لا يأتيه الكلام مباشراً، قال تعالى :

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 66]

 هذا كلام خالق الكون ، ولا شيء يمنع أن تكون هذه الآية قانوناً.

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 68]

 لذلك أداء الصلوات والصيام والحج، أو أداء العبادات الشعائرية، إذا لم يرافقه التزام بإنفاق المال وكسبه، و لم يرافقه التزام بالجوراح، وتطبيق للشرع الإلهي في بيوتنا وأعمالنا، فهذه الشعائر لا تقدم ولا تؤخر، وسأسمعكم بسرعة.

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 45]

 فإن لم تنهَهُ فصلاته لا قيمة لها.
 ومَن لم يدع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
 هذا مع الصيام.
 أمّا الحج:
 فإذا حج الإنسان بمال حرام، وقال: لبيك اللهم لبيك، يقول الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك.
 وإذا أنفق من مال حرام ، أو لم يكن مستقيمًا ، قال تعالى :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة الآية: 53]

 هذه آيات قرآنية، فالصلاة والصوم والحج والزكاة، إذا لم رافقها استقامة تامة فلا تُقبَل، وحتى لا يضيع وقته، وحتى لا يتوهم أنه يصلي كما قلت سابقًا، بل أقم الصلاة، فإقامةُ الصلاة التزامٌ بقواعد الشرع الذي يسبق الصلاة، حتى إذا دخلت في الصلاة شعرتَ بهذه الصلة التي بينك وبين الله عز وجل.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018