الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 53 - الاختيار - الآيات المتشابهات والمحكمات2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 53 - الاختيار - الآيات المتشابهات والمحكمات2


2007-01-08

الأستاذ علاء :

تقديم وترحيب :

 أيها السادة المشاهدون ، أهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة ، من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، وباسمكم نرحب بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة .
 أهلاً سيدي الأستاذ .
الدكتور راتب :
 أهلا بكم أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ علاء :
 سيدي الكريم ، بدأنا في الحلقة الماضية بتناول موضوع هام ، هذا الموضوع جاء في سياق مبحث الاختيار كمقوم من مقومات التكليف ، أو أحد مكونات التكليف الأساسية والتي عليها الاتكال ، وهي مسألة الاختيار ، تبيَّنا لو أنه ألغي الاختيار ، وكان الله عز وجل قد فرض الطاعة فرضا لأمر تكويني على العباد ، ماذا يمكن أن يكون ؟ ولو فرض المعصية بأمر تكويني ، ماذا يمكن أن يكون ؟ وأن ذلك يتنافى مع عدل الله عز وجل ، وأن لا قيمة للثواب في ذلك ، ولا قيمة للعقاب والحساب في ذلك .
 بدأنا وشرحتَ لنا أن في القرآن الكريم آيات محكمات ، وآيات متشابهات ، نعلم أن نسبة المحكمات المتشابهات المطلقات 80% محكمات ، و20% من آيات القرآن الكريم متشابهات ، لكن في مسألة الاختيار تكثر المتشبهات وتقلّ الآيات المحكمات في الاختيار وأُذكِّر السادة المشاهدين بالقاعدة المعروفة : " الآيات المتشابهات تحمل مهما كثرت على الآيات المحكمات مهما قلَّت " .
 نعود معكم سيدي الأستاذ ، ونعرف ماذا نعني بالمحكم ؟ وماذا نعني بالمتشابه ؟ حتى نذكر الذين انضموا إلينا في هذه الحلقة ، وما معنى أن المتشابه يحمل على المحكم من الآيات ؟
الدكتور راتب :

معنى الآيات المحكَمات والآيات المتشابهات :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 الآيات المحكمات أحادية المعنى ، لا تحتمل معنيين يختلف عليها اثنان في الأرض ، ولا تحتاج لا إلى تفسير ، ولا إلى تحليل ، ولا إلى حوار ، ولا إلى أدلة ، ولا إلى نقد الأدلة لأن المعنى أحادي ، هذا شأن الله عز وجل ، لكن لحكمة بالغةٍ بالغة جعل الله في قرآنه آيات متشابهة ذات معاني متعددة احتمالية المعنى .
 وقلت في حلقة سابقة : إن المحكمات تغطي ثوابت الإنسان ، فأُسس سلامته وسعادته مغطاة بأوامر قرآنية ، وأوامر نبوية محكَمة ، لا تحتمل معاني متعددة ، بينما المتغيرات قد تحتمل معاني متعددة ، ولأن الله هو الذي ترك هذه الآيات المتشابهات ، أي أنه أراد كل المعاني ، وهذا يسمى غنى في التشريع ، تعدد غنى لا تعدد ضيق .
الأستاذ علاء :
 من هنا كان : " اختلاف أراء أمتي رحمة " في آرائها ، وفي مدارسها .
الدكتور راتب :

الإضلال الجزائي من الله مبنيٌّ على ضلال اختياري من العبد :

 أستاذ علاء ، نحن الآن أمام آية يُشم منها رائحة الجبر ، أي أنك إذا عزوت الضلال إلى الله فهذا هو الإضلال الجزائي ، المبني على ضلال اختياري ، كيف ؟ يحتاج الأمر إلى مثل :
 هناك طالب انتسب في الجامعة ، لم يداوم إطلاقاً ، لم يقدم امتحانا ، لم يشترِ كتباً ، جاءه إنذار تلوى الإنذار ، خمسة إنذارات ، أصر على ترك الجامعة ، وعدم الالتفات لكل هذه الإنذارات ، الآن صدر قرار من رئاسة الجامعة بترقين قيده ، هل هذا القرار هو الذي أجبره على ترك الدراسة ، أما أنه تجسيد لاختياره ؟
 هذا هو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري ، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى :

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

( سورة الصف الآية : 5 )

 هذا الإضلال الجزائي مبني على ضلال اختياري ، الله قال :

 

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف الآية : 29 )

 اختار الكفر ، إنسان اختار ألا يؤمن ، إنسان اختار الدنيا ولم يعبأ ، اختار الشهوة ، ولم يعبأ بالمبادئ والقيم ، اختار العاجل ، ولا يعبأ بالآجل ، هذا اختياره ، فلما أصر على هذا الاختيار عملياً شاء الله له ذلك ، لأنه مخير ، بناءه مخير ، تخيير غير تكليفه ، لأن الإنسان ركب من عقل بلا شهوة ، ركب الملَك من عقل بلا شهوة ، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، أما الإنسان فمن عقل وشهوة ، الحيوان غير مكلف ، والملَك غير مكلف ، الملَك العقل بلا تكليف ، والحيوان شهوة بلا تكليف ، الإنسان حينما قال الله عز وجل :

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 قال : أنا لها ، فإذا لم يقم بواجبه ، ولم يرعَ هذه الأمانة :

 

﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

( سورة الأحزاب )

 أما إذا قام بواجبه ، ورعى هذه الأمانة ، وتفوق على كل الخلق :

﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

 حينما اختار ذلك ، صار معنى استفهامي .
الأستاذ علاء :
 هنا المعنى الاستفهامي رائع جداً ، يا ترى اختياره كان فيه ظلم ، وجهل ؟ لا ، وإنما اختار لأنه اختار الأمانة ، وحملها حملاً مقتدرا .
الدكتور راتب :

 

إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً

 هناك أب عنده عشرة أولاد ، عنده معمل ، خيَّرهم بين أن يبقوا في البلد ولكل واحد بيت ، وسيارة ، ودخل ثابت ، والذي يأتيه بدكتوراه من بلد بعيد يعطيه كل المعمل ، أو نصف المعمل ، قال ولد منهم : أنا لها ، فذهب إلى هناك ، وجاء بالدكتوراه ، فأخذ نصف المعمل ، وهذا مقابل شديد .
 أو نتصور حالة أخرى أن الولد لم يأت بالدكتوراه ، بل كانت أيامه في لهو ولعب هناك ، فرجع بلا زواج ، ولا بيت ولا سيارة ، ولا دخل :

﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )

 على الإطلاق ، أما الذين كفروا :

 

﴿ أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )

 يعني شر ما برأ الله ، والإنسان ما عنده حل وسط ، إما أنه فوق الملائكة ، أو دون أحقر حيوان .
 هناك إضلال جزائي مبني على ضلال اختياري ، لكن في هذا اللقاء الطيب أذكر الإخوة المشاهدين أنه في قوله تعالى :

 

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

( سورة السجدة الآية : 13 )

كيف نفهم هذه الآية ومثيلاتها : وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا

 أنتم حينما تخطئون تتوهمون أن هذا الخطأ من قِبلي ، أجبرتكم عليه ، أنتم واهمون ، لو أنني أردت أن ألغي اختياركم ، وأن ألغي تكليفكم ، وأن ألغي ما أعددت لكم من نعيم مقيم ، وأجبرتكم على شيءٍ ما لما أجبرتكم إلا على الهدى ، ولو شئنا أن نلغي اختياركم ، أن نلغي هويتكم ، فلا تكليف ، أن يلغى حمل الأمانة ، أن تلغى الجنة ، أن تلغى النار ، أردت أن أجبركم على شيء ما ، ما أجبرتكم إلا على الهدى :

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

 ولكن هوية الإنسان مخير ، وتتعلق مشيئة الله بمشيئة العبد ، كمثل موضح :
 أنا في صيدلية فرضاً ، وأريد إنسانا يساعدني بعد الظهر ، أحب أن يكون على إلمام بالأدوية ، فامتحنته ، جمعت له مجموعة أدوية على الطاولة ، قلت له : هنا سموم ، هنا مضادات حيوية ، هنا الفيتامينات ، هنا المسكنات ، وزِّع هذه الأدوية في أماكنها ، إذا أمسك دواء الفيتامين ليضعه مع السموم ومنعته ألغي الاختبار ، لا بد من أن أسمح له من أن يكون مخيرًا ، لا بد من أن أحاسبه على خطئه ، هذا معنى قول : تعلقت مشيئة الله بمشيئة العبد .
 فلذلك آيات كثيرة يُشم منها رائحة الجبر ، لكن لها معان عميقة جداً :

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

( سورة الإنسان الآية : 30 )

 إذا شئتم الهداية ، وإذا عملتم لجنة ، وإذا سعدتم بها إلى أبد الآبدين ، لولا أن الله شاء لكم أن تشاءوا لما شئتم ، هذا ليس ربط جبر ، بل ربط فضل ، وبينهما فرق كبير ، قدر علينا من اختيار لما اخترنا الصواب ، هناك فرق كبير بين أن أربط مشيئة العبد بمشيئة الله ربط جبر ، وبين أن أربط مشيئة العبد بمشيئة الله ربط فضل .
 بالمناسبة :

 

﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ

 لو أن هذا القرآن نزل على إنسان غير عربي ، يتكلم لغة أخرى ، وقرأه على أهل مكة ، وهم عرب أقحاح ، ما فهموا منه شيئاً .

﴿ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

 الآن :

 

﴿ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

( سورة الحجر )

 هذا القرآن بعظمته يستحيل على إنسان غارق في الشرك ، غارق في عقيدة سيئة ، غارق في حظوظ نفسه ، يعتدي على الآخرين ، هذا الإنسان مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يفهم كلام الله .
 أحيانا آية يرقص إنسان لها طرباً ، والآية نفسها إنسان غافل عن الله ، غارق في شهواته ، معتدٍ على الآخرين يفهمها فهماً آخر ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾

( سورة فصلت الآية : 44 )

 لذلك :

 

﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾

( سورة الإسراء )

 الفرق كبير ، فلذلك هذا القرآن :

 

﴿ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾

( سورة الواقعة )

لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ : أمرٌ تكويني :

 قضية اللغة إخواننا المشاهدين مَن على إلمام منهم باللغة يفهمها تماماً : الفعل المضارع المضعَّف إذا سبقه حرف جازم يجب أن يُفَكّ تضعيفُه ، لم يمسس ، لا يمسسه ، لو أن ( لا )ناهية جازمة لوجب الفعل أن يكون : لا يمسسه ، أما الفعل فجاء :

﴿ لَا يَمَسُّهُ ﴾

 ـ هذه ( لا )نافية ، والنافية تعني فعل الله ، أما الناهية فتعني أمره التكليفي .
 أنت في طريق مكتوب عليه : ممنوع المرور ، هذا أمر تكليفي ، لكن الطريق سالك ، يمكن للمواطن أن يخالف هذا الأمر ، فيدفع الثمن ، أما إذا كان على الطريق مكعبات إسمنتية فلا يمكن أن تخترق الطريق ، فهناك فرق بين أمره التكويني وأمره التكليفي :

﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾

 هذا أمر تكويني ، وليس أمراً تكليفياً فيه نهي .
 هذا دليل واضح على أن الله خلقها ، ووهبها هذه الخصائص التي هي عليها ، وتظهر قدرة الله جل جلاله ، وإتقانه لخلقه في الكائنات ، والنمل أيضاً واحد من تجليات صنعة الله التي لا حد لها في الأرض ، قال تعالى :

 

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 الحقيقة أن التفكر في خلق السماوات والأرض كما قلت في حلقة سابقة أقصر طريق إلى الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله ، لأنه يضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله .
الأستاذ علاء :
 إذا انتقلنا من هذا العالم المحكم في هذا الكائن الصغير إلى عقل الإنسان المبدع كما قال الشاعر :

أيجوز عقلاً أن عقلاً مبدعاً  قد أبدعته طبيعة بلهاء
الله أحيا الكائنات بسـره  وبسره تتفاعل الأشياء

 لا يسعنا إلا أن نشكر أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة على كل ما قدمت ، ونلتقي إن شاء الله في الحلقة القادمة .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018