الخطبة : 0327 - كسب المال4 ( المال قوام الحياة ) - قرار الأرض ومهادها. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0327 - كسب المال4 ( المال قوام الحياة ) - قرار الأرض ومهادها.


1990-12-21

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا ، وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في سلسلة الخطب المتعلّقة بِكَسْب المال ، تحدَّثْنا في خُطَبٍ سابقة عن أنَّ تِسْعة أعشار المعاصي مِن كسْب المال ، وعلى أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا وَضَعَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ))

[ سنن الدارمي عن معاذ بن جبل]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ المال قِوامُ الحياة ، لابدّ من أن يتوافَر بين يدي الإنسان فإنْ لمْ يكْسِبْهُ مِن طريقٍ مشروع حُمِلَ ، أو دُفِعَ ، أو اضْطرّ أن يكْسبهُ من طريقٍ غير مَشروع ، والدّعاء النبوي الشريف : " اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبفضلك عمّن سواك ".
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول :

﴿لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

[ سورة الجاثية : 13]

 الكون كلّه مُسَخّر لهذا الإنسان تَسْخير تعريف ، وتسْخير تكريم ، الإنسان مكرَّمٌ تكريمًا شديدًا ، حينما سخَّر الله له الكون ، ولا شكّ أنّ المُسَخَّر له أرْفعُ مكانةً من المسخّر ، ماذا يُفْهم من قوله تعالى :

﴿لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية : 13]

 الكون كلّه مُسخَّر لك أيها الإنسان ، فلماذا لا تعمل ؟ لماذا تكون عالةً على الآخرين ؟ لماذا تؤثِرُ الكسَل ؟ في آيةٍ ثانيَة يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً﴾

[ سورة الملك : 15]

 جعلها ليِّنَةً ، جعلها في خِدمة الإنسان ، وقرَّب له كلّ شيء ، جعل في الأرض معايِش ، وسُبُلاً لِكَسْب الرّزق ، قال تعالى :

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾

[ سورة الملك : 15]

 قال بعض العلماء : إنَّ كلمة فامْشُوا في مناكبها هو أمْرٌ من الله عز وجل ، ولكنّه أمْرُ إباحة ، إلا أنّ الله سبحانه وتعالى حينما امْتنَّ على عباده بِأن جعَلَ لهم الأرض ذلولاً وأتْبعهُ بقوله تعالى :

﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكبِهِا﴾

 إشارةً إلى أنّه يرتفعُ أمْر الإباحة إلى أمْر النّدْب حينما قال :

﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾

[ سورة الملك : 15]

التعامل الإسلامي هو دَعْوَةٌ إلى الله مجسّدة و عمليّة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ وردَ عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّه قال فيما رواه أنس :

((ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعاً ، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة ، ولا تكونوا كلاً على الناس))

[ أخرجه ابن عساكر عن أنس ]

 بالعمل تكْسبُ المال ، والمال إذا أنفقْتهُ في سبيل الله ترتقي به إلى الله تعالى ، بالعمل تكتسبُ المحامد ، وبالمال يظهرُ معدنُ المؤمن الثمين ، ربّما كان من خلال تعاملك مع الناس وفْق الشّرْع قرَّبْت الدِّين إليهم ، حبَّبْت إليهم الإسلام ، ربّما كنت داعيةً وأنت لا تدري ، حينما تعاملْت مع الناس من خلال الصِّدْق ، والأمانة ، والإخلاص ، والوفاء بالوَعْد ، هذا التعامل الإسلامي هو دَعْوَةٌ إلى الله مجسّمة ، ودعوَةٌ مجسّدة ، ودَعوَةٌ عمليّة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ آيةٌ ثالثة ، قال تعالى :

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة الروم: 46]

 الكون كلّه ؛ بِسَمائه ، وأرضِه ، وجباله ، وبُحَيْراته ، وبحارِهِ ، وأنهاره ، ونباته، وحيوانه ، لِتَبتغوا من فضله ، وإليه النشور .
 آيةٌ خامسة ، قال تعالى :

﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة النحل : 14]

 ومن رحمته جعل الليل والنهار لتسكنوا فيه ، قال تعالى :

﴿نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾

[ سورة النبأ : 9-10]

 آياتٌ كثيرة ، أكثرُ من أن تُحصى ، مِحْورُها ومُؤَدَّاها أنَّ الإنسان في الحياة الدّنيا خُلِقَ لِيَعملَ ، لا لِيَعْملَ مِن أجل أن يكسبَ المال فَيُنفقُه على شهواته ، ومُتَعِهِ الرخيصة ، ليس هذا هو القصْد ، القصد هو أن تُقدِّم للمجتمع نموذجًا للمسلم ، المسلم الصادق ، المسلم الأمين ، المسلم الحريص على دينه ، المسلم العفيف ، المسلم المخلص ، المسلم النصوح ، لا شيءَ يؤثّر في الآخرين كأنْ يكون الإسلام مجسَّدًا في التعامل ، لا أن يبقى في الكُتب ، ولا في الخُطَب ، ولا في المقالات ، ولا في المحاضرات ، ولكنّه التعاملُ اليومي ، أُذكِّركم بِقَول سيّدنا عمر رضي الله عنه حينما قال لأحدهم : جِئْني بِمَن يعْرفك ، فجاء بِرَجلٍ ، فقال له : هل تعرفهُ ؟ قال : نعم، قال : هل سافرْت معه ؟ - والسَّفَرُ من شأنِهِ أن يُسْفِرَ عن أخلاق الرِّجال – قال : لا ، قال: هل زاوَرْتَهُ ؟ قال : لا ، قال هل حاككْتَهُ بالدِّرْهم والدِّينار ؟ قال : لا ، فقال عمر رضي الله عنه : أنت لا تعرفهُ ، ائْتنِي بِمَن يعرفكَ فهذا لا يعرفك ، إذًا هذا الدِّين العظيم لا ينتشرُ في الآفاق إلا إذا جُسِّدَ في معاملات صحيحة ، إلا إذا طُبِّق في بيوتنا ، طُبّق في أسواقنا ، في بيعنا وشرائنا وتعاملنا ، فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إن لمْ تكسِب المال من طريقٍ مشروعٍ نظيفٍ طاهر فربّما دُفِعْت بِدافِعِ الحاجة ، ربّما أوَّلْتَ أو احْتَلْتَ فَكَسِبْتَهُ من طريقٍ غير مشروع .

 

الجنة من رحمة الله و ثمنها العلم و العمل :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه النسائي عن السيّدة عائشة رضي الله عنها :

((إنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ))

[النسائي عن عائشة]

 أُذكِّركم أنَّ كلمة أطْيَب اسْمُ تفضيل ، والإمام أحمدُ في مسنده روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال :

((خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح))

[أحمد عن أبي هريرة]

((مرّ على النبي صلى اللّه عليه وسلم رجل فرأى أصحابه من جلده ونشاطه- عضلات مفتولة ، وهمّة عاليَة ، ونشاط عالٍ - ما أعجبهم ، فقالوا : يا رسول اللّه لو كان هذا في سبيل اللّه - ليْت هذه العضلات المفتولة تتحرّك في سبيل الله ، ليت هذه الهمّة العليّة تنصرفُ في سبيل الله - فقال عليه الصلاة والسلام معلِّمًا : إن كان خرج يسعى على أولادٍ صغار فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسْعى على أبوَين شَيْخَين كبيرين فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسْعى على نفسهِ يعفّها فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج رياءً ومفاخرةً فهو في سبيل الشيطان ))

[ رواه الطبراني عن كعب بن عجرة ]

 هل من بعد هذا الحديث مِن قضيّة غائمة ؟ قضيّة ضبابيّة ؟ إذا أردْت أن تكون يدك هي العليا ، وأن تكون لك مِهْنة ، صَنْعة ، اختصاص ، تفوُّق ، خِبْرة ، وأردْت أن تكسبَ المال وأنت رافع الرّأس ، وأن تنفقَ هذا المال الذي كسبْتهُ مِن تعبِك وعرق جبينك فيما يُرضي الله عز وجل ، إنّك ترْقى بهذا ، الآخرة بالعمل لا بالأمَل ، قال تعالى :

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

 قال تعالى :

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

[ سورة النحل : 32]

 أما أن تكون الجنة في حديث آخر صحيح بِرَحمة الله عز وجل ، فالحديثان صحيحان ، ولا يتناقضان ، الجنّة مَحْضُ فضْلٍ ، ولكنْ مفتاحها العمل ، قال الإمام جعفر رضي الله عنه : " يا عبادي ، اُدْخلوا الجنّة برحْمتي ، واقْتسِموها بأعمالكم " فالجنّة في الأصْل من رحمة الله عز وجل ، ولكن هذه الرحمة لها ثمَن ، ولها قاعدة ، ولها مفتاح ، مفتاحها اُدخلوا الجنّة بما كنتم تعملون ، في الحياة قُوَى كثيرة ، العِلْم قوّة ، والمال قوّة ، وأن تكون عالِيَ الشّأْن قوّة ، إنَّك إن كنْت عالِيَ الشَّأْن تستطيعُ أن تنصف المظلوم ، وإن كنت كثير المال تستطيعُ أن تمسح جراح البؤساء والمساكين ، وإن كنتَ عالمًا تستطيعُ أن تنير الطريق ، بإمكانك أن تسْلك إلى الجنّة طريق العلم ، وهو طريق سريع جدًّا ، وبإمكانك أن تجْعل من مالك طريقًا إلى الله عز وجل ، وبإمكانك أن تجْعل من جاهك طريقًا إلى الله عز وجل أما أنْ تقْعُد خاملاً ، كسُولاً ، بعيدًا عن أن تكون ذا شأْن ، وذا عملٍ ، وذا خِبْرةٍ ، وذا كسْبٍ ، فهذا ليس من أخلاق المسلم .

 

جمع الإحسان إلى الوالدَين مع عبادة الله عز وجل :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾

[ سورة المزمّل : 20]

 هؤلاء الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضْل الله تعالى هم الذين يعملون، ويكتسبون أرزاقهم بِكَدِّهم وعرق جبينهم ، هؤلاء جمعهم الله عز وجل مع الذين يقاتلون في سبيل الله تعالى ، والعطف يقتضي التجانس ، مثلاً ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

[سورة الإسراء:23]

 جمَعَ الإحسان إلى الوالدَين في آية واحدة مع عبادة الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾

[ سورة محمد : 5]

 جَمَعَ صَلاَح البال مع الهُدى ، جَمَع الإحسان إلى الوالدَين مع عبادة الله عز وجل ، جمَعَ الجهاد في سبيل الله مع الضَّرْب في الأرض ابتغاء فضْل الله تعالى .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال : ما جاءني أجَلِي في مكانٍ ما عدا الجهاد في سبيل الله أحبّ إليّ مِن أن يأْتِيَني وأنا بين شُعْبَتَين أطْلُب من فضْل الله تعالى ، وتلا قوله تعالى :

﴿وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾

[ سورة المزمّل : 20]

 إن لمْ يأتني أجَلِي ، وأنا أُقاتِلُ في سبيل الله تعالى ، أتمنَّى أن يأتِيَني أجلي ، وأنا أضربُ في سبيل الله ، أبْتغي رِزْقًا حلالاً ، أعفّ به نفسي ، وأكفي به أهلي .

 

الحكمة البالغة من جعل كسْب الحرام يسيرًا و كسْب الحلال صعبًا :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ دقيق جدًّا ؛ هو أنّ الله سبحانه وتعالى لحِكمةٍ بالغة جعَلَ كسْب الحرام يسيرًا ، وجعل كسْب الحلال صعبًا ، لماذا ؟ لو أنّ الله سبحانه وتعالى جعل كسْب الحلال يسيرًا جدًّا ، وجعل كسب الحرام صعبًا جدًّا ، لاتَّجَهَ الناس جميعًا إلى كسْب الحلال ، ولما عُرِف معدنهم ، ولما ظهرَتْ محبّتهم لِرَبِّهم ، ولا بدا ورعُهم ، ولا خوفهم ، ولا أيّ شيءٍ من هذا القبيل ، ولكن لِحِكمةٍ أرادها الله عز وجل جعل كسْب المال الحلال صعبًا ، وربّما كان كسْب المال الحرام أسْهلُ بِكَثيرٍ ، لماذا ؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال فيما رواه الإمام السيوطي عن أنس رضي الله عنه :

((من بات كالا في طلب الحلال بات مغفورا له))

[السيوطي عن أنس]

الحكمة من خلق الإنسان هلوعاً و عجولاً و ضعيفاً :

 هذا يُذَكِّرُنا بثَلاث آياتٍ وردَت في القرآن الكريم ، الأولى تقول :

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

[سورة النساء : 28]

 والثانية تقول :

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾

[ سورة الإسراء : 11]

 والثالثة قوله تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[ سورة المعارج : 19]

 إذا كان الله سبحانه وتعالى قد خلقهُ هلوعًا ، فما ذنبهُ هو ؟ وإذا كان الله جلّ وعلا قد خلقه ضعيفًا فما ذنبهُ ؟ وإذا كان الله جلّ في عُلاه قد خلقه عجولاً فما ذنْبُ الإنسان ؟ هذا ضَعْفٌ خَلقي ، وهذا الضّعْف مغروزٌ في خلق الإنسان ؛ لماذا ؟ لِنَأخذ واحدةً من هذه ، لو أنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مهولاً ، ولم يخلقهُ عَجُولاً ، لو فطره على حبّ الآجلة ، وترْك العاجلة ، لاتَّجَهَ الناس إلى الآجلة من دون جُهْدٍ ، من دون معارضةِ نفسٍ ، من دون صِراعٍ ، من دون جهادٍ ، اتَّجَهَ الناس بِحُكم خلقهم إلى الآجلة ، ما بدا اختيارهم ، وما بدا حبّهم، وما بدا ورعهم ، قد يبدو لك شيءٌ عاجل متألّق ، مغْرٍ ، تدَعُهُ من أجل الآخرة البعيدة فيما يبدو لك ، لا ترقى إلى الله عز وجل إلا إذا عاكسْت نفسك وهواك ، قال تعالى :

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾

[ سورة النازعات : 40-41]

 جعل ربّنا سبحانه وتعالى هوى الإنسان في العاجلة ، في الشيء السريع ، وفي الشيء الذي بين يديك ، في الشيء القريب ، ووعدك بالجنة بعد الموت ، ماذا تفعل ؟ إذا أحْكَمْت عقلك تختار الآجلة ، وإذا حكَّمْت هواك تختار العاجلة ، هنا يُبتلى الناس ، وهنا يُمتحنون ، هنا يَميز الله الخبيث من الطيّب ، هنا يميزُ الله المفكّر من غيره ، الذي ينظر نظرةً ثاقبة ، والذي ينظر نظرةً عاجلة ، لذلك إذا تبِعَ الإنسان هواه هوى ، فإذا اهتدى بِنُور ربّه وحكَّمَ عقلهُ ارتفعَ ، إذًا الإنسان خُلِقَ عجولاً ، إيّاك أيّها الإنسان أن تطمع في العاجلة وتذر الآجلة ، إيّاك أن تُغريك الدّنيا ، ومن أصبحَ وأكبرُ همّه الدنيا جعل الله فقرهُ بين عينيه ، وشتَّتَ عليه شملهُ ، ولم يؤتِهِ من الدّنيا إلا ما قُدِّر له ، ومن أصبح وأكبرُ همِّه الآخرة ، جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمْله ، وأتَتْهُ الدنيا وهي راغمة .
 خُلقَ الإنسان ضعيفًا ، فلو أنّ الله خلق الإنسان وقويًّا ، لا يمرض ، غنيًّا لا يفتقر ، صحيحًا لا يسقم ، متماسكًا لا يخاف ، بقيَ في ضلاله ، وفي انحرافه ، وفي اتّباعه لِشَهواته إلى أن يأتِيَهُ الموت ، ولكنّ الله سبحانه وتعالى لِحِكمةٍ أرادها جعلهُ ضعيفًا ، فإذا لاحَ له شبحُ مصيبةٍ ، يلجأُ إلى الله عز وجل ، خلقهُ ضعيفًا ، لِيَفْتقرَ في ضَعفِهِ فيسْعَدَ في افتقارهِ ، ولمْ يخلقهُ قويًّا لئلا يستغنِيَ بقوّتِهِ فيشقى باسْتِغنائِهِ ، إذًا مع أنّ الضَّعْف والفقْر والعُجالة ضَعفٌ في خَلْق الإنسان ، لكنّ هذه الثلاثة لِصالِحِ الإنسان ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 أل للجنس ، هكذا طبيعة الإنسان ، هكذا جنسُ الإنسان ، هلوعٌ جزوعٌ منوع ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[ سورة المعارج : 19]

 كلّما لاحَ له شبح مصيبة ، شبحُ مرضٍ ، شبح آفة ، شبح فقْر ، شبح قهْر ، بادَرَ إلى الله ملتجئًا ، بادرَ إلى الله داعيًا ، بادر إلى الله تائبًا ، يكون الله سبحانه وتعالى قد جعل من ضعفه طريقًا إليه ، كيف أنّ الصغير بِحاجةٍ إلى أبَويه ، وقد يستغلّ الأب العاقل حاجة ابنه إليه ليُرشده إلى الله عز وجل ، ولِيَحملهُ على طاعة الله ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 لكنّك إذا اتَّصَلتَ بالله عز وجل ، واعْتَزَزْت به ، وعرفْت أنّ الأمْر كلّه بيَدِهِ ، وأنّ الخَلْق جميعًا مصيرهم بين يديه ، وأنّ الأمْر كلّه يرجعُ إليه ، وأنّ بيدِهِ ملكوت السموات والأرض، وأنّه في السماء إلهٌ ، وفي الأرض إلهٌ ، وأنّ يدهُ فوق أيدي الناس جميعًا ، إذا شعرْت أنّ الله بيَدِهِ كلّ شيء ، وأنت على صراطه المستقيم بدَّل الله خوفك أمنًا ، وحِرْصكَ كرمًا ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 مِنْ قبيل هذا جعل الله الكسْب الحرام سهلاً ، وجعل الكسب الحلال صعبًا :

((من بات كالا في طلب الحلال بات مغفورا له))

[السيوطي عن أنس]

كسْب المال جزءٌ من الدّين :

 هناك احتيالٌ ، وهناك نصْبٌ ، وهناك مراوغةٌ ، وهناك غِشّ ، وهناك إيهامٌ ، وردَ في الجامع الصغير أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابر))

[كشف الخفاء عن أبي سلمة الحمصي]

 النهاوش الاحْتيال ، من أصابَ مالاً عن طريق الاحتيال ، أذهبهُ الله عن طريق النَّهْب والاستغلال ، فلذلك كسْب المال جزءٌ من دينك ، كسْب المال يظهر دينُك ؛ لا في صلاتك ، ولا في صيامك ، ولكن في كسْب مالك ، وإنفاق المال جزءٌ من دينك ، لذلك ربّنا سبحانه وتعالى خصّ موضوع المال يوم القيامة بسُؤالَين اثنين ؛ من أين اكْتسبه ؟ وفيم أنفقهُ ؟
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ أربعُ موضوعات قصيرة ، لماذا خُلِقَ الإنسان ضعيفًا ؟ لِيَفْتقِرَ في ضَعفه إلى الله ، فيَسْعَدَ في افتقاره ، لماذا خلق الإنسان هلوعًا ؟ لِيَلتجئ إلى الله عند كلّ مشكلة ، ليُبادِرَ إليه ، لماذا خلقهُ الله عَجولاً ؟ إذا آثرَ الآخرة على الدّنيا ارتقى إلى الله عز وجل بِمَعنى أنّه غلبَ نفسهُ وهواه ، عاكسَ مُراد نفسِهِ ، عاكسَ حُظوظ نفسه ، لذلك أيّها الأخوة المؤمن قد تُعرضُ عليه الدّنيا ، يؤثر مرضاة الله عز وجل ، يؤثر الآخرة :

((والله يا عمّ لو وضَعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمْر ما تركْتُه حتى يُظهره الله أو أهْلِكَ دونه))

 إذًا خُلِقَ الإنسان عَجولاً ، وخُلق الإنسان هلوعًا ، وخُلق الإنسان ضعيفًا ، وجعل الله كسْب الرّزق الحلال صعبًا ، وجعل كسْب الرّزق الحرام سهلاً ، لذا قال عليه الصلاة والسلام:

((من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له))

[السيوطي عن أنس]

إتقان العمل جزءٌ من الدِّين :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ موضوع أخيرٌ في كَسب المال ، يجبُ أن تعلموا عِلْم اليقين أنّ إتقان العمل جزءٌ من الدِّين ، بل هو مِن صُلْب الدِّين ، إذا قدَّمْتَ صِناعةً متقنةً ، سلعةً جيّدةً ، عملاً متقنًا ، ثوبًا جيِّدًا ، خَيطًا متينًا ، إذا قدَّمْت للمسلمين صِناعةً متقنة فاعْلَم أنَّ هذا من صُلْب الدِّين ، والدليل قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو يَعلى عن عائشة رضي الله عنها أنه قال :

((إنّ الله يُحبّ إذا عَمِلَ أحدكم عملاً أن يتقِنَهُ ))

[الجامع الصغير عن عائشة]

 أصحابُ الصَّناعات ، أصحاب الحِرَف ، أصحابُ المعامل ، أنت مسلم ، أتَرْضى أن يكون الكافر في بلادٍ بعيدة يُتقِنُ عملهُ أيّما إتقان ، يُعطيك صِناعةً من الدّرجة الأولى ، والناس يتهافتون على شراء صِناعته ، وأنت المسلم الذي تعرف الله عز وجل ، الذي تبيع هذه السّلعة لإخوانك المؤمنين ، هذا الذي اشْترى هذا الثّوْب ، واقْتَطَعَهُ من دَخله إذا هو بعد أيّام أو أسابيع قد هبط خيْطُه ، وقد توسَّعتْ فتاحتُه ، وصار شيئًا لا يُحتمل ، أهكذا المسلمون ؟ يجبُ أن تعلمَ علم يقين أنّ الإسلام يدخلُ معك في صنْعتك ، وفي مهنتك ، وفي حرفتك ، وفي معملك ، وفي دُكّانك ، وفي بيتك ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام :

((إنّ الله يُحبّ إذا عَمِلَ أحدكم عملاً أن يتقِنَهُ ))

[الجامع الصغير عن عائشة]

 وكلّكم يعلم أنّ الصّناعة المتقنة قد يزيدُ سعرها أضعافًا كثيرةً عن الصّناعة المشابهة مِن حيث المواد الأوليّة إلا في إتقانها ، فلماذا نقدِّمُ أعمالاً غير متقنةٍ ؟ لماذا نعلِنُ عن أنَّنا مسلمون بهذه الصَّنْعة التي هي في غير المستوى المطلوب ؟

((إنّ الله يُحبّ إذا عَمِلَ أحدكم عملاً أن يتقِنَهُ ))

[الجامع الصغير عن عائشة]

 هذا هو الدِّين ، الدِّين والحياة صِنْوان لا يفترقان .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

قرار الأرض و مهادها :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا أمركم الله عز وجل أن تتدبّروا آياته ، كيف التدبّر ؟ كيف أتدبَّرُ قوله تعالى :

﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً﴾

[ سورة النبأ : 6]

 الله سبحانه وتعالى يوقِظُ أفكارنا ، ينبّه عقولنا ، يلفت أنظارنا ، ألم نجعل الأرض مهادًا ؟ هذه الأرض جُهِّزَتْ لكم أيّها الناس ، وهُيِّئتْ لاسْتقبالكم هل فكَّرْتم في ذلك ؟ هل فكَّرتم أنّ هذه الأرض جعلها الله مستقِرَّة ؟ في كلّ ثانيةٍ تقطع ثلاثين كيلو متراً ، وهذه الخطبة منذ أوَّلها وحتى الآن قطَعَتْ مئات الآلاف ، هل تحرّك شيء ؟ هل اهْتزَّ جِدَار ؟ هل تشقّق سقف ؟ ألم نجعل الأرض مهاداً ؟ قال تعالى :

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[ سورة النمل : 61]

 من جعلها مستقرّة وهي متحرّكة ؟ تبني البناء ، طوابق متعدّدة ، لو أنّها تهتزّ قليلاً لانهارَ البناء ، وتهدَّم البنيان ، وتقطَّعَت الجسور ، ولَرُدِمَت التُّرَع ، من جعلها مستقرّة ؟ ولكيلا تبقى في غفلة أعطاك الزلازل نموذجًا ، زلزال يجعلُ الأرض عاليَها سافلها ، فأصبح في ثلاث ثوان ثلاثمئة ألف من دون مَأوى ، في ثوان معدودة مدينة بأكملها تُصبحُ تحت أطباق الثَّرى قال تعالى :

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[ سورة النمل : 61]

 هلّا فكّرْتُم في هذه الآية ؟ من جعلها مستقرّة وهي متحرّكة ؟ وحركتها أيّها الأخوة متبدّلة لأنّ مسارها حول الشّمس مسارٌ إهْليلجي ، ولهذا الشَّكْل البيْضَوي نصف قطر صغير ، وآخر كبير ، فإذا وصَلَت الأرض إلى نصف القطر الصغير جذَبَتْها الشّمس ، ولكيلا تنجذب تزيدُ من سرعتها زيادةً تدْريجيّة ينشأ عن هذه الزّيادة قوَّة نابذةٌ تكافئ القوّة الجاذبة، قال تعالى :

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[ سورة النمل : 61]

 أإلهٌ مع الله ؟ من يستطيعُ في الكون كلّه أن يُبقي الأرض على مسارها ؟ قال تعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾

[ سورة فاطر: 41 ]

 مَن جعل الأرض على مسارها ؟ من جعلها تزيدُ من سرعتها إذا اقتربَت من القطر الأدنى ؟ من جعل هذه الزّيادة تدريجيّة - تسارعٌ منظّم -؟ من جعلها ؟ يدُ مَنْ ؟ يدُ الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى :

﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً﴾

[ سورة النبأ : 6]

 من وفَّر في الأرض الهواء ؟
 أيها الأخوة ، الهواء مع الأرض ، ولو كان منفصِلاً عنها لنشأَتْ عواصف سُرعتها ألف وستمئة كيلو متر في الساعة ، وأشدّ أنواع الأعاصير المدمّرة لِكلّ شيءٍ على الأرض لا تزيدُ سُرعتها عن ثمانمئة كيلو متر ، وفي مئتي كيلو متر الرّياح مدمّرة ، بالثمانمئة كيلو متر لا تبقي ولا تذَر ، لا تُبقي بيتًا فوق الأرض ، لو أنّ الهواء شيء ، والأرض شيء ، والأرض تدور ، لنشأَتْ أعاصير سُرعتها ألف وستّمئة كيلو متر في الساعة ، قال تعالى :

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[ سورة النمل : 61]

 قال تعالى :

﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً﴾

[ سورة النبأ : 6]

 هواءٌ مع الأرض ، ومتحرِّك ، هناك رياحٌ لطيفة ، رياحٌ معقولة تبدّل الأجواء ، تنقّي الأجواء ، وهكذا ، من وفَّر لهذه الأرض أشعّة الشّمس الدافئة ؟ المنيرة والمعقّمة ؟ من وفَّر الطعام والشّراب ؟ من خلق النبات ؟ آية النبات آيةٌ عظمى ، هذا كلُّه من قوله تعالى :

﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً﴾

[ سورة النبأ : 6]

 من أعطى الأرض الحرارة المناسبة ؟ لو أنّها توقَّفت عن الدّوران لأصبَحَت حرارتها ثلاثمئة وخمسين درجة في النهار ، ومئتين وخمسين درجة تحت الصّفر في الليل ! مَن جعلها في درجات معتدلة تتوافق مع أجسامنا ؟ من جعل الليل والنهار بِطُول يُساوي حاجتنا إلى النوم والعمل ؟ مَن ؟

﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً﴾

[ سورة النبأ : 6]

 أيها الأخوة ؛ الأرضُ هيَّأها لنا ، وهيّأك لها ، جعل لك قدَمَين تسعى بهما ويدين تعمل بهما ، وعينين تُبصرُ بهما ، وعقلاً تدرك به الحقائق .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا قرأتم القرآن الكريم ، لا تقرؤوه هكذا ، توقَّفوا عند آياته، تأمَّلوا فيه ، ألَمْ نجعل الأرض مِهادًا ؟ كيف هيَّأها لك وهيَّأك لها ؟ كيف جعلها بِحَجمٍ وبِسُرعةٍ وباستقرار مع الهواء والماء والشّمس والنبات والحيوان والتضاريس والليل والنهار والحركة والجاذبيّة بِشَكلٍ يوافق حاجاتك ؟ وجعل لك قدَمَين ، ويدين ، وعينين ، ورئتين ، وأُذنين ، وقوّة مدركة ، وأخرى عاقلة ، ولِسان طليق يتحدّث ويبيّن .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ القرآن كونٌ ناطق ، والكون قرآن صامِت ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، تأمَّل في صُنْع الله عز وجل من أجل أن تعرف الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾

[ سورة فاطر: 28 ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018