الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 52 - الاختيار - الآيات المتشابهات والمحكمات ـ اتقان عمل النمل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 52 - الاختيار - الآيات المتشابهات والمحكمات ـ اتقان عمل النمل


2007-01-01

الأستاذ علاء :

تقديم وترحيب :

 أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم : الإيمان هو الخلق ، يسعدنا باسمكم جميعاً نرحب بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة .
 أهلاً بأستاذنا الكريم .
 سيدي الكريم ، تحدثنا من خلال حلقات عديدة عن مقوم من مقومات التكليف ، ألا وهو الاختيار ، بعد أن مررنا على الكون ، والعقل ، والفطرة ، والشهوة ، وأعتقد أننا في الحلقة السادسة التي نتوقف فيها عند مسألة الاختيار ، وقد شئت لهذا الأمر الاتساع والبحث ملياً حتى نستوفي معمولاته ومفهوماته بكل معنى الكلمة ، لأن الموضوع فيه إشكالية لدى عموم الناس ، ولدى غالبية الناس ، الذين يعتقدون بأن الله فرض هذا الأمر ، وهذا الواقع علينا ، لنركن إليه ، ونستسكن لهذا الأمر ، والله براء من هذا .
 فتبينت بأن الإنسان في الحلقات الماضية سيدي الكريم مخير فيما كُلف به ، وأن الاختيار يثمن العمل ، لكن يتصور الإنسان من خلال سؤالين ، لو أن الله عز وجل أجبر الإنسان على الطاعة ، أو لو أن الله عز وجل وحاشاه من ذلك أجبر الإنسان على المعصية تحت عنوان ( لو أن الاختيار ألغي )، ماذا يمكن أن يكون ؟ .
الدكتور راتب :

إلغاءُ الاختيارِ إلغاءٌ للتكليف :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ علاء جزاك الله خيراً ، إذا ألغي الاختيار ألغي التكليف ، إذا ألغي الاختيار ألغي حمل الأمانة ، إذا ألغي الاختيار ألغي الثواب والعقاب ، إذا ألغي الاختيار ألغيت الجنة والنار ، إذا ألغي الاختيار ألغيت المسؤولية ، إذا ألغي الاختيار أصبحت الحياة تمثيلية سمجة تلخصها شطر من بيت :

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له  إياك إياك أن تبتل بالماء
***

 فلذلك الاختيار مقوم أساسي من مقومات التكليف ، والاختيار يثمن العمل .
 قلت سابقاً : لو أن رئيس جامعة وزع على الطلاب أوراق الإجابة ، وقد طبعت عليها الإجابة التامة من الكتاب ، وقد وضع في حقل العلامات 100 % ، وكلف الطالب بكتابة اسمه فقط ، هكذا نفهم إلغاء الاختيار ، وهذا النجاح لا قيمة له إطلاقاً لا عند رئاسة الجامعة ، ولا عند الطلاب ، ولا عند المجتمع ، سقط الامتحان .
 فالاختيار أحد مقومات التكليف ، والإمام الحسن رضي الله عنه يقول : " إذا أجبر الله عباده على الطاعة بطل الثواب ، وإذا أجبرهم على المعصية بطل العقاب ، وإذا تركهم هملاً كان عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يعصَ مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً ، ولم ينزل الكتب عبثاً ، ولم يرسل الأنبياء لعباً " .
 يلغى الدين ، تلغى المسؤولية ، وهذا الأمر غير معقول ، وغير مقبول ، وغير مفهوم أن الإنسان أُجبر على عمل صالح فاستحق الجنة ، وإنسان أُجبر على عمل سيء فاستحق النار ، لا الجنة مستحقة لإجبار الله له ، ولا النار يقتضيها فعل العبد الذي آثر هذا الفعل .
الأستاذ علاء :
 كيف الحل مع عدل الله عز وجل ؟
الدكتور راتب :

الجبر متناقض مع عدلِ الله :

 وهذا يتناقض مع عدل الله ، الله عز وجل قال :

 

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

( سورة الإنسان )

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 148 )

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف الآية : 29 )

آيةٌ قرآنية أصلُ التكليف :

 بل إن الأصل في موضوع التكليف والاختيار هذه الآية :

 

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾

( سورة الأنعام الآية : 148 )

 هذه مقولة المشركين :

 

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 148 )

 هذا ظنكم السيئ ، وهذا وهمكم ، هذه الآية قال عنها العلماء : " هي أصل في إثبات أن الإنسان مخير . مرة ثانية :

 

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾

﴿ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

الأستاذ علاء :
 إذاً : الله خيركم ، ولكن أنتم شئتم لأنفسكم هذا الطريق ، سيدي الكريم في كتاب الله القطعي الثبوت ، كلام الله قطعي الثبوت ، هناك آيات محكمات ، وهنالك آيات متشابهات ، في آيات المشتبهات يُشتمّ من بعض هذه الآيات بأن الإنسان مجبر ، تُشتم الجبرية من المتشابهات ، كيف نحملها ؟ كيف نفسرها ؟ من يحمل على من بالنسبة للمحكمات والمتشابهات ؟ نعرف المحكمات قبل كل شيء ، والمتشابهات إذا تكرمت .
الدكتور راتب :

معنى الآيات المحكَمات والآيات المتشابهات :

 سوف أشرح للإخوة المشاهدين ، ما معنى آية محكمة أحادية المعنى ، لا يختلف على معناها اثنان في الأرض ، قطعي الدلالة ، ما معنى الآية المشتبهة احتمالية المعنى تحتمل معانٍ عدة .
 أضرب مثلا :
 لو قلت لإنسان ما : أعطِ فلاناً 1500 درهم ، هذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير ، ولا إلى تأويل ، ولا إلى تحليل ، ولا إلى خلاف ، ولا إلى اجتهاد ، كلام واضح كالشمس ، المعنى : أعطِ فلاناً 1500 درهم ، فقط لا غير .
 هذه الآيات المحكمات ، قربتها للأذهان ، أما إذا قلت : أعطِ فلاناً ألف درهم ونصفه ، هذه الهاء علام تعود ؟ إن أعدناها على الألف المبلغ 1500 ، إن أعدناها على الدرهم ألف ونصف درهم .
 هذه عبارة احتمالية ، تحتمل عدة معان ، هذه العبارة تحتاج إلى مفسر ، تحتاج إلى مجتهد ، تحتاج إلى محلل ، تحتاج إلى حوار ، تحتاج إدلاء بالأدلة ، تحتاج إلى نقد بالأدلة ، هذه آية متشابهة ، ولحكمة بالغةٍ بالغة جعل الله في القرآن آيات متشابهة ، قال تعالى :

 

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 7 )

 كأن العبارة المتشابهة فيها امتحان للإنسان ، كأن العبارة المتشابهة يفسرها الإنسان على مقتضى هواه ، وكأنها امتحان من الله ، لكن هناك معنى آخر .

بين الثوابت والمتغيرات :

 أستاذ علاء ، الإنسان فيه ثوابت ، وفيه متغيرات ، ولأن هذا التشريع يغطي حياة الإنسان بثوابه ومتغيراته ، فالقضايا الثابتة هي القضايا التي تقطعه عن الله ، محرمات نصوصها محكمة ، والآيات التي هي أصل سلامته وسعادته أيضاً محكمة ، معانيها أحادية ، الأشياء الأساسية في حياة الإنسان ، الثابتة لا تتبدل ، ولا تتغير ، ولا تعدل ، ولا تطور .
 مثلاً :
 إنسان يأكل حتى يشبع وأمه جائعة ، هذا عمل فيه جريمة في حق الأم ، بأي مكان بالعالم ، بأي نظام ، بأي ثقافة ، قديماً ، حديثاً ، الأم لها فضل على الابن ، أن يشبع الابن وتجوع الأم ؟ مستحيل .
 فلذلك في الإنسان ثوابت ، وأنا أعلق تعليقا دقيقا جداً : مِن أخطار الثقافة الغربية أنها ألغت الثوابت في حياة الإنسان ، كل شيء تابع للبيئة ، ما يعد هنا حراماً هو مقبول في مكان آخر ، هذه أخطر فكرة إيديولوجية ، جاءتنا من الغرب ، الكذب يصبح ذكاءً ، والنفاق لباقة ، والفتاة المتفلة متحضِّرة .
 أحياناً تأتيك مفهومات من الغرب تجعل الأشياء كلها نسبية ، مع أن الأديان أكدت على ثوابت في الإنسان ، الإنسان له ثوابت ، لا يسعد إلا بذكر الله .

 

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

( سورة الرعد )

 في الإنسان فراغ أستاذ علاء ، لا يملأه إلا الإيمان ، قد يملك الإنسان مليارات ، وقد يحتل أعلى المناصب ، وقد يملك زمام الأرض ، وليس سعيداً ، إن الله يعطي الصحة والذكاء ، والمال ، والجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين .

 

القرآن غطى الثوابت بآيات محكمة والمتغيِّراتِ بآيات متشابهة :

 القرآن غطى ثوابت الإنسان بآيات محكمة ، الكذب يقطعه عن الله ، الخيانة تقطعه عن الله ، العدوان على أعرض الآخرين تقطعه عن الله ، أكل المال الحرام يقطعه عن الله ، البهتان ، الكذب ، كل شيء يقطعه عن الله أحكامه في القرآن قطعية الدلالة ، لا تحتمل لا تفسير الزمخشري ، ولا الطبري ، ولا القرطبي ، ولا خلافًا بين الفقهاء ، ومعظم آيات القرآن الكريم قطعية الدلالة .
 أما هناك متغيرات ، هناك إنسان يسكن في المدينة ، وإنسان يسكن في القرية ، لو أعطيت إنسانا يسكن المدينة كيس قمح ، وهو ساكن بطابق تحت الأرض ، شمالي بحي فقير ، ماذا يفعل بهذا الكيس ؟ أين يغسله ؟ أين ينشره ؟ أين يطحنه ؟ أين يخبزه ؟ هذا عبء كبير ، هذا أعطه ألف ليرة ، أعطيه مبلغا يشتري به الخبز والطعام ، أما إنسان في الريف فعنده التنور ، عنده مستودع القمح ، هذا كيس القمح شيء ثمين جداً .
 فجاءت الآية الكريمة :

 

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

( سورة التوبة الآية : 103 )

 من دون تحديد ، هذه آية تحتمل أن تكون الزكاة نقداً ، وأن تكون عيناً ، بتبدل البيئات ، فكل شيء متغير في حياة الإنسان ، تغطيه آيات متشابهة .
 بالتعبير الدقيق : أنا كإنسان حينما أنفق بعبارة متشابهة احتمالية لضعفي في اللغة جئت بعبارة احتمالية ، مع أنني أقصد معنى واحدا ، هنا المعنى المحتمل واسع جداً ، أنا قصدت معنى محدودا جداً ، الذي فَهمَ فهِم معنى آخر ، إذاً : كل القوانين تحتاج إلى لجنة تفسير ، من ضعف الإنسان في اللغة ، وحينما يكون الإنسان ضعيفا في اللغة تأتي عبارته احتمالية ، مع أنه يقصد معنى واحدا .
 إن الإله العظيم خالق السماوات والأرض إذا جاء في قرآنه آية متشابهة ليس المقصود أنه يقصد معنى واحدا ، يقصد جميع المعاني المحتملة ، وليس ضعفاً في اللغة ، هذا معناه غنىً وسَعةً في التشريع .
 الأشياء المتبدلة في حياة الإنسان تغطيها آيات متشابهة .

 

﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾

( سورة النحل الآية : 7 )

 أنت راكب ( طائرة 777 )، على ارتفاع 43 ألف قدم ، والطعام والشراب ساخن يأتيك ، وأمامك ثلاثون قناة ، والجو رائع جداً ، ومجلات ، وصحف ، وأشياء كثيرة ، تفتح القرآن وتقول :

﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾

 لكن أنت في طائرة .

 

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة النحل )

 غطت الطائرة ، والباخرة ، والسيارة ، هذا إعجاز القرآن الكريم ،

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾

 فلذلك أستاذ علاء ، الآيات المحكمات في القرآن تغطي ثوابتها ، تغطي ثوابت الإنسان ، والثوابت لا تتبدل ولا تتغير ، ولا تطور ، ولا تعدل ، ولا تلغى ، ولا يضاف عليها ولا يحذف منها ، الإنسان هو الإنسان .

 

﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

( سورة النساء الآية : 1 )

الأستاذ علاء :
 مثلا : في اللغة الفاعل مرفوع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
الدكتور راتب :
 هناك تبديلات ، هناك مدينة ، وريف ، وعصور قديمة ، وعصور حديثة ، و تقنية حديثة ، فكل المستجدات احتواها الدين ، عظمة هذا الدين مهما تبدلت الأمور ، مهما تطورت الحياة ، مهما استجدت المستجدات ، يغطي كل شيء ، لأن تشريع خالق الإنسان .
 لذلك المحكمات المتشابهات دقيقة جداً ، في معنى آخر :
 المتشابهات أحياناً فيها ملمح للإنسان :
 آية متشابهة :

 

﴿ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾

( سورة آل عمران الآية : 130 )

 فالذي ألِف أن يأكل الربا يقول لك : لا ، النهي عن الأضعاف المضاعفة ، عند علماء الصول هذا قيد وصفي ، وليس قيداً احترازياً ، أيضاً :

 

﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾

( سورة النور الآية : 33 )

 لو فهمنا أن هذا قيد احترازي فالفتاة إن لم ترد التحصن فلك أن تجبرها على الزنا ، هذا مستحيل ، وألف ألف مستحيل ، لكن الفتاة من شأنها تريد التحصن ، وأن الربا من شأنه أضعافاً مضاعفة .
 فلذلك المتشابهات لها ملمح آخر يُمتحن بها الإنسان ، والحياة امتحان .

 

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

 حديث الإفك من المتشابهات ، لو أن الصحابة حينما حملوا الهودج ، ووجدوه خفيفاً ، فتفقدوها لألغي حديث الإفك ، لو أن عقدها لم ينفرط لألغي الحديث ، لكن أراد الله لهذا الحدث أن يكون امتحان لمن حول النبي ، فالمؤمنون الصادقون ظنوا بأنفسهم خيراً ، والمنافقون روجوا هذا الخبر .
 فكأن المتشابهات لها معنىً آخر ؛ أنها تمتحن الإنسان .
 على كلٍ نعود إلى موضوعنا .
الأستاذ علاء :
 المتشابه نحمله على المحكم ؟
الدكتور راتب :

الآيات المتشابهات تُحمَل على الآيات المحكمات :

 الآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمات مهما قلت ، وذكرت أن الأصل في أن الإنسان مخير قوله تعالى :

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ ﴾

 الآن :

 

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة فاطر الآية : 8 )

 هذه الآية ابتداءً يشم منها رائحة الجبر ، لذلك قال علماء الأصول : " الآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمات مهما قَلّت " ، سأوضح هذا :
 لو قلت : القمح مادة خطيرة ، كلمة خطيرة كلمة احتمالية المعنى ، يا ترى مادة أساسية ، أم مادة مدمّرة ، لا نعرف ، القمح مادة خطيرة ، بعد قليل قلت : القمح مادة أساسية ، إذاً : معنى خطيرة أنها أساسية .
الأستاذ علاء :
 سيدي ، كنا نود أن نكمل الموضوع ، وهو موضوع دقيق ، وإن شاء الله نتابعه في الحلقة القادمة ، الآن ماذا أعددت لنا من الفقرة العلمية ؟ .
الدكتور راتب :

الموضوع العلمي : النمل :

حياةُ النمل :

1 ـ مساكنُ النمل :

 لا زلنا في النمل ، من آيات الله الدالة على عظمته ، يمكن أن تصل أعماق مملكة النمل إلى خمسة أمتار ، ويمكن أن يصل اتساعها إلى سبعة أمتار ، تنشئ النملات فيها مئات الغرف والأنفاق ، يحفر وينقل قرابة أربعين طناً من التراب إلى الخارج ، الهندسة المعمارية للمملكة لوحدها معجزة من معجزات الخلق .\

2 ـ طعامُ النمل :

 لا تأكل النمل هذه الأوراق التي قطعتها من الأشجار لأنها لا تتغذى إلى على نوع خاص من الفطر ، إذاً : ماذا ستفعل بهذه الأوراق التي لا تؤكل ؟ الجواب مدهش حقاً :

3 ـ الزراعة عند النمل :

 ستستخدم النملات هذه الأوراق كمادة أولية للزراعة ، النمل يزرع .

 

﴿ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام الآية : الآية : 38 )

 وبفضل هذه المادة ستنتج الفطر ، ولهذه الغاية تقيم مئات المزارع للفطر داخل مملكتها .
 الآن نرى واحدة من تلك المزارع أعدت من قبل النملات بشكل خاص لزراعة الفطر ، تزرع الفطر لتأكله ، وخططت مساحة هذه المزرعة ورطوبتها وحرارتها ، تسلم النملات العاملة الأوراق التي قطعتها إلى النملات الموظفة في المزرعة ، قبل أن تبدأ النملات التي تتسلم الأوراق لمهمتها ، تقوم أولاً بتعقيمها ، وكأنها عاقلة ، ولهذا سبب مهم جداً ، لأن دخول فطر غريب أو بكتريا إلى المملكة يسبب أضراراً بالغة ، وهذا يعني خطرَ مرضٍ مُعْدٍ لمستعمرة يعيش فيها نصف مليون نملة ، إلا أن الله تعالى هيأ نظاماً خاصاً جداً لحماية النمل من هذا المرض .

4 ـ نظامُ الصحةِ عند النمل :

 تفرز النملة من جسمها مادة يرى فيها خصائص مضادات الالتهاب ، الأنت بيوتك النملة التي نراها تعقم الورقة بفمها ، ولم يبقَ في نهاية هذا العمل أي بكتريا على الورقة ، والبشر يكافحون البكتريا مثلما تكافحها النملة تماماً ، لذلك ينتجون المضاد الحيوي ( الأنتي بيوتك )في المختبرات ، إلا أن ( الأنتي بيوتك )الذي أنتجته النملة أقوى بكثير ، وتستخدمه النملة منذ ملايين السنين ، وبلا شك ليس لهذه الكائنات الصغيرة علم بالبكتريا ( الأنتي بيوتك )، التي تمنع تكاثر البكتريا ، لكن بفضل هذا النظام الرائع الذي خلقه الله تعالى لا تقدر جرثومة ضارة واحدة أن تؤوي إلى جسم النملة ، ولا إلى البيئة التي تعيش فيها ، وكأنها أعقل الأمم .

5 ـ الاكتفاءُ الذاتي عند النمل :

 بعد الانتهاء من أعمال التعقيم تبدأ النملات سوية بتقطيع الأوراق ، بعد فصل الأوراق إلى قطع صغيرة يأتي دور أصغر النملات ، هذه النملات بطول ميليمترين ، أي بحجم حبة رمل ، وتمضي طوال حياتها في الغرف الصغيرة تحت الأرض ، وتنشر الأوراق التي مضغتها جيداً ، وحولتها إلى مسحوق ، كل هذا الورق التي أخذته النمال إلى مستعمراتها تطحن بفم النملات الصغيرات ، وتصبح مسحوقاً في حقل الإنتاج ، ثم تخمر الفطر على هذا المسحوق ، ويختفي اللون الأخضر للأوراق تماماً في 24 ساعة ، وبعد يوم يغطى مسحوق الأوراق بطبقات الفطر البيضاء النامية ، وفي النهاية يبدأ الحصاد مباشرة وحصلت النملات على الغذاء الذي تتغذى عليه .

6 ـ النملةُ تعطي وتأخذ :

 تؤثر النملات التي تعمل بالحصاد زميلاتها على أنفسها ، وتجعل لها الأولوية فتحمل الفطر إلى النملات العاملات خارج غرف الحصاد ، هذه نملة حاصدة تقدم السائل المغذي الذي حصلت عليه من الفطر لنملة تعمل في مكان آخر ، النملة عندها جهاز مص وجهاز ضخ ، وفي الإنسان جهازُ مصٍّ فقط ، يأخذ ولا يعطي ، النملة تعطي وتأخذ ، إن رأت نملة جائعة تعطيها من خلاصتها الهضمية بجهاز خاص هو جهاز الضخ .
 وبهذا الأسلوب وزع الغذاء الذي تحتاجه جميع النملات من قاطعات الأوراق التي تعمل في الخرج إلى الطاحنات التي تحول الأوراق إلى مسحوق ، وهكذا تعمل 500 ألف نملة يومياً ، وعلى مدار السنة دون توقف بتعاون وتكافل رائع .

7 ـ النظافة وحماية البيئة عند النمل :

 تنظيف الخلية حالاً ، تنظف العاملات غرف الإنتاج لإزالة الفضلات قطعةً قطعة ، ثم ترمي بها في ساحة خالية خارج مملكتها ، هذه الكائنات النشيطة لا تعرف الراحة ولا التشكي ، هناك في المستعمرة نملات ذات مهمات أخرى ، على سبيل المثال :

8 ـ حفظُ الأمنِ والدفاعُ عند النمل :

 نملات تقوم على حماية المملكة ، إنها محاربة شجاعة ، وقوية مضحية ، يهرع العسكر خارجاً لأقل حركة حتى لو كانت وقع قدم إنسان يقترب منها ، هذه الأفراد المحاربة أثقل من النملات الأخريات بـ300 ضعف ، النملات المحاربة جيش على أقلّ حركة خارج المملكة ، يخرج قطيع من النمل المحارب بأجسام يزيد حجمها 300 ضعف عن النملة الصغيرة .
 كل شيء في أطراف المملكة عجيب ، تقوم هذه النملات التي أوكل إليها الدفاع بعض حذاء الإنسان أحياناً وجواربه ، أو جوارب إي إنسان يقترب من مملكتها ، وإذا أمسكت بفكيها لحم كائن غريب لا تتركه أبداً بل قد تخسر حيتها من أجل بقاء المستعمرة ، ولا تفتح فكيها حتى لو تضررت بقيت أعضاء جسمها ، هذا بلا شك مثال عظيم للتضحية .
 تعد النحلات الطنانة أكبر عدو للنملات القاطعة للأوراق ، تستطيع النملة الدفاع عن نفسها بسهولة تجاه النحلة الطنانة ، بفضل فكين قويتين ، ولكن تبقى دون دفاع تجاه أي هجوم مفاجئ ، لأنها تمسك الورقة بفكيها .
 إذاً : كيف يتحقق أمن النملة التي تحمل الورقة بفكيها ؟ الجواب : هذا السؤال يظهر مرة أخرى التكافل الاجتماعي في مستعمرة النملات ، لنرى عن قرب أكثر النملات حاملات الورق ، نلاحظ على كل ورقة واحدةً من النملات العاملات الصغيرة مهمتها حماية حاملة الورق ، ونملة أخرى مهمتها من تحمل الأوراق تجاه أي غارة جوية محتملة ،

﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ﴾

 هذه الحرس مختصر جداً ، لو تعمقنا في موضوع النمل والنحل لرأينا العجب العجاب ، ولكن هذا كله لا بأمر تكليفي كالإنسان بأمر تكويني ، هي ما لها فضل في ذلك ، لكن الله يرينا عظمة خلقه في مجتمع النمل أحياناً .
تقوم هذه النملات الحارسات للدفاع ضد هجوم بفكيها القويتين ، وتفوت على النحلة اصطياد النملة الحاملة للورق .
أستاذ علاء ،

في كل شيء له آية  تدل على أنه واحد
***

 والتفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله .
الأستاذ علاء :

خاتمة وتوديع :

 كنا نود أن الاستزادة ، لكن الوقت أدركنا باسمكم جميعاً ، أشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، ونَعِد السادة المشاهدين إن شاء الله أن نكمل موضوعنا الهام الذي توقفنا عنده في مسألة الاختيار ، عند المتشابهات والمحكمات ، والآيات التي تقيد المتشابهات ولو قلت ، ولو كثرت المتشابهات .
 شكراً سيدي ، وإلى اللقاء في الأسبوع القادم إن شاء الله .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018