الدرس : 44 - سورة النساء - تفسيرالآية 94، عَرض الدنيا وجوهرها - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 44 - سورة النساء - تفسيرالآية 94، عَرض الدنيا وجوهرها


2003-01-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العقد الإيماني :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع والأربعين من دروس سورة النساء ومع الآية الرابعة والتسعين، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾

 أيها الأخوة الكرام، لا بد من وقفة متأنية عند قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 هذا هو العقد الإيماني، أنا حينما آمنت أن الله سبحانه وتعالى خالق ورب ومسير، وأنت حينما آمنت أن أسماء الله كلها حسنى، وحينما آمنت أن منهجه منهج لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا هو العقد الإيماني، فعليك أن تتحرك لطاعة الله مبدئياً من دون أن تبحث عن علة الأمر وعن حكمته، لو بحثت عن حكمته وأنت موقن أنه أمر لا شيء عليك، لكن حينما تعلق تطبيق هذا الأمر على معرفة حكمته أنت عندئذٍ لا تعبد الله، ولكن تعبد مصلحتك.

 

علة أي أمر أنه أمر :

 أضرب لكم مثلاً: إنسان يشرب الخمر، ثم اكتشف أن التشمع قد تفشى في كبده، وأنه على وشك الموت، وأنه لا بد من استئصال ثلثي كبده، وأنه إذا امتنع عن شرب الخمر فوراً لعل الكبد ينمو، ويعيد بناء نفسه، ويعيش حياة سليمة، الآن هذا الشارب يمتنع عن شرب الخمر، هل يمتنع تعبداً لله عز وجل؟ إطلاقاً، هو يعبد مصلحته، لما أيقن أن بقاءه متوقف على الامتناع عن شرب الخمر ترك الخمر.
 يجب أن تفرق بين إنسان لا يأتمر ولا ينتهي إلا إذا وجد أن مصلحته محققة فيما أمر أو فيما نهى، أنا لست ضد من يبحث عن حكمة الأمر، لا ما في مانع، لكن حينما تتجه إلى تعليق التطبيق على معرفة الحكمة أنت عندئذٍ لا تعبد الله أنت تعبد مصلحتك، وتعبد ذاتك، فلذلك قال علماء الأصول: علة أي أمر أنه أمر وكفى، أي هناك مثلاً من يتعمق في موضوع تحريم لحم الخنزير، شيء جيد، ولكن يبني التحريم على علل علمية، يبنيها، فيناقش إنسان، يقول لك هذا الإنسان: الدودة الشريطية انتهت، عقمنا اللحم، كلما جئته بعلة لتحريم هذا اللحم يأتيك بالحل، فلو جاءت الحلول مناقضة للعلل ألغى التحريم، ينبغي أن تقول له بملء فمك: لا آكل هذا اللحم لأن الله حرمه، لأن الخالق حرمه، لأن العليم حرمه، لأن الحكيم حرمه، لأن الخبير حرمه، هكذا ينبغي أن نفهم أوامر الله عز وجل، علة أي أمر أنه أمر.
 وأعيد على أسماعكم قصة أرويها كثيراً، أن عالماً من الشرق يحاور عالماً في أمريكا حول تحريم لحم الخنزير، بعد أن شرح له ساعات وساعات عن مضار أكل لحم الخنزير قال له هذا العالم المسلم حديثاً ـ وكأنه أشد فقهاً ممن يحاوره ـ قال له: كان يكفيك أن تقول لي إن الله حرمه، وكفى.
 أنت مع طبيب تثق بعلمه، يقول لك: دع الملح، تترك الملح، حينما يعطيك أمراً من تثق بعلمه، من تثق بخبرته، فهنا:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 ما كان الله عز وجل ليوجه الخطاب بالأمر أو النهي إلا للمؤمنين، أما الذي لم يؤمن بالله، ولا بحكمته، ولا بعلمه، ولا بخبرته، أنى له أن يستجيب؟ لذلك الله عز وجل يخاطب عموم البشر بكليات الدين، أما دقائق التشريع الأمر والنهي، وتفاصيل المحرمات، يخاطب الذين آمنوا، أي هذا مؤمن.

 

لا بدّ من أن يتلازم التعريف بالله مع التعريف بأمره :

 أيها الأخوة، هذا الكلام ينقلنا إلى شيء يعانيه الدعاة إلى الله، قد تعرض أمر تعبدي، أو أمر تشريعي على إنسان ثقته بهذا الدين ضعيفة، مفهوم الألوهية عنده مهتز، إيمانه بالله عز وجل ضعيف، فيعرض هذا الأمر على مقاييس العصر، يقول لك: أنا لست قانعاً أن أقرض إنساناً قرضاً بلا فائدة، هذا المال له قيمة والوقت له قيمة، أتريدني أن أخسر؟ هذا القرض الحسن ليس موجهاً لشخص عادي، هذا موجه لمؤمن، يعرف ما عند الله من ثواب كبير في الآخرة لو أنه أقرض قرضاً حسناً، هذا الأمر موجه إلى مؤمن يعرف ما عند الله من عذاب شديد إذا هو عصى الأمر، هذا الأمر موجه للذين آمنوا، لذلك الخطأ الكبير أن توجه أمراً إلهياً تفصيلياً لمن كان إيمانه بالله ضعيفاً، أن توجه نهياً إلهياً لمن كان إيمانه بالله ضعيفاً، عندئذٍ يعرض هذا الأمر بعيداً عن إيمانه بالله، بعيداً عن وعد الله، بعيداً عن وعيد الله، يجد أن الطريق الآخر أكثر راحة له، وأكثر تحقيقاً لمصالحه من منهج الله عز وجل، لذلك هذه المشكلة الكبرى لا بد من أن يتلازم التعريف بالله مع التعريف بأمره، أما إذا اكتفينا بالتعريف بأمر الله عز وجل فإنك سوف تجد تقصيراً وتردداً في تطبيق الأمر، كل هذه المعاني ينبغي أن تستحضرها حينما تقرأ قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 يا من آمنتم بي، يا من أمنتم بجنتي، يا من آمنتم بالنار التي أعددتها للعصاة، يا من آمنتم بعلمي المطلق، يا من آمنتم بحكمتي المطلقة، يا من آمنتم بخبرتي، يا من آمنتم بمحبتي لكم، إيمانك بوجود الله، وإيمانك بوحدانيته، وإيمانك بكماله، وإيمانك بوعيده، وإيمانك بوعده، وإيمانك بعلمه، وبخبرته، وبحكمته، تقتضي أن تتحرك نحو تنفيذ الأمر بشكل مباشر دون تردد، ودون أن تعلق التطبيق على معرفة الحكمة، أنا مع معرفة حكمة الأمر، ولكن بعد أن تستسلم للأمر.

 

أعلى مرتبة في الدين أن تستسلم لرب العالمين :

 عندنا أشخاص ثلاثة؛ شخص لا يطبق أمر الله إلا إذا انكشفت له حكمته، إذاً هو الآن يتحرك نحو مصلحته، كهذا الذي ترك الخمر بعد تشمع كبده، ترك الخمر لا طاعة لله، ولا عبادة له، ولكن اتباعاً لمصلحته، وإنسان آخر، والموقف الكامل أنه يبادر إلى طاعة الله، لأنه أمر، ولأن الله أمره، أو لأن الله نهاه من دون أن يعلق تطبيق الأمر أو ترك النهي على معرفة الحكمة، هذا نموذج آخر. النموذج الثالث هو ينصاع على طاعة الله دون أن يلقي بالاً لحكمة الأمر، لكن الله يكرمه بكشف حكمة هذا الأمر فيغدو عالماً، يحقق مرتبة العبودية لله بانسياقه لأمر الله، ثم يحقق مرتبة العلم بكشف حقيقة هذا الأمر لذلك بادر إلى طاعة، وتأكد أن الله سبحانه وتعالى سيكشف لك حكمة الأمر، تجمع بين مرتبة العبادة، وتجمع بين مرتبة العلم، ولا شك أن الله عز وجل حينما قال:

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 14 ]

 لكن في آية أخرى يبين الله عز وجل أن أعلى مرتبة في الدين أن تستسلم لرب العالمين.

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سور البقرة: 131 ]

 ولا يخفى أيها الأخوة، أن في القرآن الكريم ومضات تؤكد هذا المعنى، فالأمر الذي لا يمكن أن يقبل، والأمر الذي لا يمكن أن يفهم، والأمر الذي يتناقض مع طبيعة الإنسان، ومع إنسانيته، ومع أبوته أن يقول الله عز وجل لنبي كريم اذبح ابنك.

﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾

[ سورة الصافات: 102 ]

 أعلى درجة من الانصياع لله عز وجل أن يأتيك أمر لا يقبل، ولا يعقل، ولا ينطلق من طبيعة إنسانية، فهذا النبي الكريم يعد قمة في الانصياع لأمر الله، نحن في حياتنا هذه كل الأوامر معقولة واضحة بينة حكمتها، والناس مقصرون، فكيف إذا كان الأمر غير معقول، وغير مقبول، لكن الذي وجه إليه هذا الأمر يعرف من هو الله، يعرف ما عنده، يعرف فضل الاستسلام له، يعرف فضل طاعته.

 

ينبغي أن تأخذ أمر الله بعيداً عن كل منفعة :

 أيها الأخوة، أتمنى من كل قلبي أنكم كلما قرأتم في القرآن الكريم:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 أن تعتقدوا اعتقاداً جازماً أن هذا عقد إيماني بينك وبين الله، أي أنا آمرك بتنفيذ هذه الأمور بناء على معرفتك بي، بناء على إيمانك بي، بناء على استسلامك لي:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 الآن توسع الناس في اعتقادهم أن الصلاة رياضة، وأن الوضوء منشط، وأن الصيام صحة، هذا كلام طيب، ولكن حينما تنطلق لتصلي من أجل تدريب جسمك على الحركات اللينة، وحينما تنطلق للتوضؤ كي تحس بالنشاط، وحينما تنطلق لتصوم من أجل أن تصح أجهزتك، أنت والله لا تعبد الله، ينبغي أن تأخذ أمر الله بعيداً عن كل منفعة، وعن اتقاء كل مضرة، أن تأخذ أمر الله على أنه أمر، ولا مانع أن تأتيك الفوائد المادية من تطبيق هذا الأمر، لكن المنطلق هو أنك تعبد الله، المنطلق هو أنك تأتمر بأمر الله، المنطلق هو أنك تنتهي عما نهى الله عنه.

 

الضرب في سبيل الله :

 قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾

 الحقيقة: (إذا) كما تعلمون تفيد تحقق الوقوع، بينما (إن) تفيد احتمال الوقوع، أي إذا جاءت (إذا) قبل جملة يعني هذا الذي سيأتي بعدها لا بد واقع لا محالة، لأن هناك معركة بين الحق والباطل أزلية أبدية، كما ترون وتسمعون، معركة الحق والباطل قديمة قدم الإنسان، وأبدية إلى أن ينتهي الدوران، فشيء طبيعي وقد يقول قائل: كان من الممكن افتراضاً وكل ما سوى الله ممكن، الله عز وجل واجب الوجود، لكن ما سواه ممكن الوجود، ممكن الوجود وممكن عدم الوجود، ممكن الوجود وممكن أن يوجد على غير ما هو كائن، كان من الممكن أن يجمع الله الكفار جميعاً في قارة بعيدة، وأن يأتي النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الرسالة الفريدة، وحوله مؤمنون صادقون، طيبون، أتقياء، صالحون، يسارعون إلى الإيمان به وهم معه، وليس هناك معركة بدر، ولا معركة أحد، ولا معركة الخندق، ولا صلح الحديبية، وليس هناك مكر اليهود، ولا شيء من هذا، ما الذي يحصل؟ أين ثمن الجنة؟ شاءت حكمة الله أن يكون حق وباطل، وخير وشر، شاءت حكمة الله أن يصطرع الحق بالباطل كي يرقى أهل الحق، وكي يرتدع أهل الباطل، أو كي يهتدي أهل الباطل حينما يحتكون مع أهل الحق:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾

 أيها الأخوة، الضرب حركة عنيفة، هناك من يضرب في سبيل الرزق، يسافر يتجشم المشاق، ينام في غرفته وحيداً في البلد الذي سافر إليه، يأكل أخشن الطعام، يعمل طول النهار من أجل أن يجمع مالاً ليشتري به بيتاً، فالضرب حركة عنيفة، حركة فيها نشاط، حركة فيها فعل قوي:

﴿ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾

 فالضرب في سبيل الرزق ممكن وفي سبيل الله ممكن، ممكن أن تسافر من أجل أن ترتزق، وهذا سفر مشروع، ويمكن أن تسافر من أجل أن تنشر الحق، وهذا سفر جهادي، هنا الحديث عن الضرب في سبيل الله.

 

الجهاد رسالة :

 قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾

 أي هذا الجهاد لا يمكن أن يكون مقبولاً عند الله عز وجل إلا إذا كان في سبيل الله، في سبيل إعلاء كلمة الله.

﴿ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾

[ سورة البقرة: 193 ]

 لو أن الطرف الآخر بيده أزمة الأمور لنشر الفساد في الأرض كما يجري الآن، حينما تُحتَل دولة إسلامية أول شيء يشاع فيها الفساد، والفجور، والاختلاط، والسفور، والأفلام، والبرامج التي تدعو إلى المعاصي والآثام، الجهاد:

﴿ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾

[ سورة البقرة: 193 ]

 الجهاد من أجل أن يخضعوا الناس لله عز وجل، الجهاد رسالة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ﴾

 أنت حينما تنطلق لتحارب أخاك بعد أن تعرض عليه الإسلام فيرفض، وبعد أن تعرض عليه الجزية فيرفض، وبعد أن يصر على مقاتلتك، وعلى إطفاء نور الله عز وجل هنا شرع القتال، فأنت لا تقاتل من أجل أن تكره الناس على أن يكونوا مسلمين، هذا مستحيل، وهذا غير موجود في القرآن إطلاقاً.

 

لا يجب القتال من أجل إكراه الناس على الإسلام بل من أجل توفير الحرية للإنسان

 قال تعالى:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة: 256 ]

 أنت لا تقاتل من أجل أن تكره الناس على أن يكونوا مسلمين، لكنك تقاتل لتمنع طاغية يحول بين الدين وبين أتباعه، أنت تقاتل لتوفر الحرية للإنسان:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ﴾

 أي الذي تحاربه لو أنه شهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله عصم دمه منك، لا تستطيع أن تقاتله لأنه أسلم، إنما نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، لمجرد أن يعلن هذا الذي تقاتله يعلن الشهادة ينبغي أن تكف عن قتاله، لأن هذا الذي تقاتله إذا دخل في الإسلام، وأصبح واحداً منكم، له ما لكم، وعليه ما عليكم.

﴿ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾

[ سورة آل عمران: 20 ]

 فإن أسلموا فأخوانكم في الدين، وانتهى الأمر، فلمجرد أن ينطق هذا الذي تقاتله بالشهادة ينبغي أن تكف عنه فوراً.

 

معنى القتال :

 وقعت بعض الأخطاء من أصحاب رسول الله، وهم كما تعلمون ليسوا معصومين، هم معصومون في نقلهم عن النبي، في هذا كلهم عدول، ثقات، ولكنهم ليسوا معصومين في سلوكهم، النبي وحده معصوم بمفرده، بينما أمته معصومة بمجموعها، وفرق كبير بين العصمة وبين الحفظ، الولي محفوظ، بمعنى أنه لا تضره معصية، لأنه سريعاً ما يتوب منها، ولا تضره معصية، لأنه لا يصر عليها، ولا تضره معصية، لأنها لن تكون أبداً في أشياء كبيرة، في أشياء طفيفة غير مقصودة، إذاً الولي محفوظ بينما النبي معصوم، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، بينما أمته معصومة بمجموعها.

((لا يجمع أمتي على ضلالة))

[ أخرجه الترمذي عن ابن عمر ]

 لذلك هذا معنى الإجماع، والإجماع نوعان؛ إجماع إعلاني، وإجماع سكوتي، قد يلقي إنسان كلمة في جمع غفير من المسلمين، والكل معجبون بهذا الكلام، ولا أحد يتكلم بكلمة اعتراض، سكوتهم إجماع، ما قال كلاماً يفتقر إلى دليل، أو يعاكس آية قرآنية، أو حديثاً صحيحاً، فهناك إجماع سكوتي، وهناك إجماع بياني، إذا أجريت استفتاء فهذا إجماع بياني، أما إذا سكت المسلمون على دعوة صادقة فسكوتهم إجماع سكوتي:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 أي إذا كنتم في الجهاد القتالي، وكما تعلمون هناك جهاد النفس والهوى، وهو الأساس، كيف أن للبناء أساساً، كيف أن للبناء هيكلاً إسمنتياً، هذا الأساس والهيكل جهاد النفس والهوى، يبنى على جهاد النفس والهوى الجهاد الدعوي.

﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان: 52]

 ويبنى على الجهاد الدعوي الجهاد القتالي، إن حالت قوة غاشمة طاغية بينك وبين الدعوة إلى الله هذه القوة الطاغية الغاشمة أجبرت الناس على الكفر، وحملتهم على الشرك، وحالت بينهم وبين التوحيد، أنت تقاتل هذه القوة الطاغية من أجل أن توفر للإنسان حرية التدين، هذا هو القتال.

 

قصة سيدنا نعيم بن مسعود :

 الجهاد يحتاج إلى ولي أمر، ويحتاج إلى كيان وله شروط كثيرة ليس هذا الوقت مجال الحديث عنها:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ﴾

 الحرب مستعرة، وكل ما وقف أمامك تقتله، هذا ليس سلوك المؤمنين، تبينوا، لعل هذا الذي تقاتله في لحظة سريعة فكر فأسلم.
 كلكم يعلم قصة سيدنا نعيم بن مسعود، كان زعيم غطفان، وجاء لقتال النبي عليه الصلاة والسلام، وكان قائد فرقته، زعيم غطفان، وهو في خيمته عشية معركة الخندق، جرى حوار بينه وبين نفسه، قال: يا نعيم أنت ذو عقل، لمَ جئت إلى هذا المكان لتقاتل هذا الإنسان الكريم؟ هل سفك دماً؟ هل انتهك عرضاً؟ هل أخذ مالاً؟ لمَ تقاتله؟ أنت ذو عقلٍ يا نعيم، لحظة تفكير صادقة وسريعة، نهض من فراشه وتوجه إلى معسكر النبي عليه الصلاة والسلام، دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجئ النبي به، قال له: نعيم! قال: نعيم، قال له: يا نعيم ما الذي جاء بك، قال: جئتك مسلماً، زعيم الطرف الآخر، قال: أنت واحد نعيم، قال: لم يعلموا بإسلامي، فأمرني بما تريد، قال: أنت واحد، خبر عنا ما استطعت.
 هذا الإنسان الكريم الذي في لحظة تفكير صادقة واضحة وجد أن الحق يقتضي أن يتبع، وأن سلامته وسعادته في إتباع الحق، وأن هذا الإنسان الكريم نبي كريم جاء يدعو إلى السلام، إلى حقن الدماء، إلى حفظ الأموال، إلى حرمة الأعراض، فدخل عليه مسلماً، هل تصدقون أن هذا الصحابي الجليل وحده استطاع أن ينهي هذه المعركة، لم يعلموا بإسلامه، فأوغر صدر اليهود على قريش، وأوغر صدر قريش على اليهود، واستطاع بذكاء ما بعده ذكاء أن يشق صفوفهم، وأن يلغي اجتماعهم على رسول الله، وجاءت الرياح العاتية قلبت قدورهم، واقتلعت خيامهم، وأطفأت نيرانهم.

﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾

[ سورة الأحزاب: 25 ]

 في لحظة تفكير واحدة واضحة مخلصة صادقة انتقل من الكفر إلى الإيمان.

علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر :

 أنت حينما تقاتل، ثم قال أحد الذين تقاتلهم: أشهد أن لا إله إلا الله انتهى الأمر، ينبغي أن تقبل منه هذه الشهادة، ولست مسؤولاً عما إذا كانت منطبقة عما في نفسه، أو غير منطبقة، لست مكلفاً أن تشق عن صدره، فلذلك غضب النبي أشد الغضب من أحد أصحابه من الذين قتلوا رجلاً أعلن الشهادة في ساحة المعركة، ثم تبين للنبي عليه الصلاة والسلام أن بينهما بغضاء وشحناء، فما كان من موقف هذا الذي يقاتل إلا أن قتله على الرغم من إعلان الشهادة، فلذلك أبى النبي أن يستغفر له، ومات بعد أيام، وقال بعض علماء التفسير: إن هذه القصة سبب نزول هذه الآية، أي أنت تقاتل لتمثل دين، تمثل مبدأ إسلامي، أنت تقاتل لا تشفياً لأحقاد سابقة، لا تقاتل انتقاماً، لا تقاتل استعلاء، إنما تقاتل الفئة الباغية، تقاتل من حال بين الناس وبين التدين الصحيح، تقاتل الذي منع حرية التدين، أما الذي قبل هذا الدين فهو منا ونحن منه، وهذه عظمة الإسلام:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾

 أشققتم على صدره؟ علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، قال بعض العلماء: نجاة ألف كافر خير من قتل مؤمن ظلماً، ولئن تخطئ في العفو أفضل ألف مرة من أن تخطأ في الحكم:

﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 الدنيا فيها شيء عرض، وشيء جوهر، الجوهر باقي، أي أحياناً عندك جوهرة تضعها في صندوق، تضعها في كيس، تضعها في علبة، العلبة شيء زائل، أما الجوهرة فهي الثابتة، الإنسان قد يرتدي ثوباً شتوياً، قد يرتدي ثوباً صيفياً، قد يرتدي ثوباً خفيفاً، ثوباً غالياً فالأثواب أعراض، والإنسان هو الجوهر، أما الإنسان أمام الجبل فعرض والجبل هو الجوهر، الجبل وجوده طويل جداً، فالعرض الشيء الزائل، والجوهر الشيء الباقي، فمال الدنيا عرض يأتي ويذهب، ومتع الدنيا عرض، بينما معرفة الله في الدنيا جوهر، والأعمال الصالحة جوهر لأنها تبقى.

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء: 88 ـ 89 ]

الذي يبقى بعد الموت هو جوهر الحياة الدنيا والذي يزول هو من أعراض الدنيا :

 إذاً:

﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 كل شيء زائل في الدنيا من عرضها، ما الذي يبقى؟

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة الكهف: 46 ]

 لكن لا تبقى.

﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾

[ سورة الكهف: 46 ]

 معنى ذلك الشيء الذي يبقى بعد الموت هو جوهر الحياة الدنيا، والذي يزول عند الموت هو من أعراض الدنيا، بيتك الفخم عرض بدليل أنك تتركه عند الموت، التحف التي في بيتك، الأموال التي بحوزتك، المركبة التي تمتلكها، كل شيء تتركه عند الموت من عرض الدنيا، ولا قيمة له، ولا يمكن أن تكون الدنيا عقاباً لمؤمن، ولا إكراماً لإنسان، إنها أقل من ذلك، لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء.

 

جوهر الحياة الدنيا في العمل الصالح :

 قال تعالى:

﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 تبتغون شيئاً زائلاً لا قيمة له، تبتغون مالاً، تبتغون جاهاً، تبتغون متعة، الشيء العرض الزائل الذي لا يبقى، ما الذي يبقى؟ تبقى معرفة الله، تبقى الأعمال الصالحة، تبقى طاعة الله عز وجل، يبقى بر الوالدين، يبقى تربية الأولاد، الشيء الذي يبقى بعد موتك هو جوهر الحياة الدنيا، جوهرها في العمل الصالح.

((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾

 كل ما عند الله شيء لا يصدق، عند الله جنات تجري من تحتها الأنهار، عند الله في الآخرة نظر إلى وجهه الكريم، عند الله في الآخرة رضوان من الله أكبر، هذا الذي ينبغي أن نبحث عنه:

﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾

 هذا الذي تقتله وقد نطق بالشهادة، ألم تكن يا من فعلت هذا مشركاً مثله قبل أن يأت محمد عليه الصلاة والسلام؟ منَّ الله عليك بالهدى، فما دام قد اهتدى ينبغي أن تكف عنه، إنك بهذا تخرج عن حكمة القتال.

 

أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله يعلم :

 قال تعالى:

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾

 فإذا خضع إلى الله ولو شكلاً ولو صورة ينبغي أن تكف عنه:

﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾

 كلام دقيق، هذا الذي نطق بالشهادة أمامك فلم تقبلها منه بدعوة أنه قالها تقية، هل أنت متأكد؟ لكن لعلك تبتغي أن تأخذ الغنائم منه، إذاً الله عز وجل خبير بنيتك من هذا القتل، الله عز وجل خبير بينك وبينه شحناء في الماضي، وأحقاد فتشفيت منه، ولم تقبل شهادته، هذا يعلمه الله عز وجل. على كلٍ أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله يعلم، حينما تعلم أن الله يعلم تكف عن معصيته:

﴿ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾

 خبير بالذي تفعله، خبير بالبواعث، خبير بالخلفية، إنسان تبرع بمسجد، والله شيء رائع جداً! ما شاء الله! بارك الله به! هل تصدقون أن بعض الذين لا يصلون عندهم أراض إذا تبرع بمسجد لا بد من تنظيمها، وإذا نظمت ارتفع سعرها، من يعلم ذلك؟ الله وحده يعلم ذلك.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

[ سورة غافر: 19]

 لا تخفى عليه خافية.

 

الحكمة من القتال توفير جو الحرية في التدين :

 كأن هذه الآية تهديد:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 أي بعد أن تعرضوا الإسلام على الناس، فإن رفضوا أن يسلموا تعرضوا عليهم الجزية، فإن رفضوا أن يدفعوا وأصروا على قتالكم، وعلى إطفاء نور الله تقاتلونهم، لا لتجبروا الناس على أن يسلموا، لا، لتحولوا بين الناس وبين من يمنعهم أن يسلموا، لتوفروا جو الحرية في التدين:

﴿ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ﴾

 في أثناء القتال أحد من الناس نطق بالشهادة، انتهى، عصم بهذه الكلمة دمه منك:

﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 إما تشفي صدرك منه أو تأخذ ماله غنيمة:

﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018