الدرس : 43 - سورة النساء - تفسير الآيتان 92-93 القتل الخطأ في الإسلام - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 43 - سورة النساء - تفسير الآيتان 92-93 القتل الخطأ في الإسلام


2003-01-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

نفي الشأن هي أشد صيغ النفي في اللغة العربية :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث والأربعين من دروس سورة النساء ومع الآية الثانية والتسعين، وهي قوله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾

 أيها الأخوة الكرام، ما من صيغة في اللغة العربية من صيغ النفي أشد من هذه الصيغة:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ﴾

 هذا شيء مستحيل على أهل الإيمان، مستحيل على من آمن بالواحد الديان، مستحيل على من آمن بالجنة والنار، مستحيل على من آمن بالله الواحد القهار، مستحيل!

 

ينبغي أن يكون عدو المؤمنين عدواً لله أما أن يكون عدوهم ولياً لله فهذا مستحيل :

 ليس هناك صيغة للنفي أشد من هذه الصيغة، وهذه اسمها في اللغة العربية نفي الشأن، ليس من شأن المؤمن ولا من طبيعته، ولا يرضى، ولا يقر، ولا يسمح، ولا يتصور، ولا يتخيل، لك أن تستخدم عشرات الأفعال بل بضع عشرات الأفعال في تحميل هذه الصيغة.

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً ﴾

 لذلك يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، ما دام لم يسفك دماً فهو بخير، لأن هذا الدم المسفوح لا بد من جهة تتحمله، ترون وتسمعون كيف أن الألوف تقتل، يظن المتوهم أن القضية هكذا، قتل وانتهى الأمر، ما من دم مسفوح إلا وتتحمله جهة، الإنسان المقتول بحد شرعي يتحمله الله لكن ما سوى هذا الحد لا بد من جهة تتحمل هذا الدم، لذلك الله عز وجل حينما قال:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

 أي أيها المؤمنون ينبغي أن يكون عدوكم عدواً لله، أما أن يكون عدوكم ولياً لله هذا مستحيل أن يكون، لأنه:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً ﴾

 مستحيل.

 

الموت والقتل والفرق بينهما :

 أيها الأخوة، القتل عدوان على العضوية، هذا الجسم فيه نفس هي ذات الإنسان، هي المعني بالخطاب، هي المكلفة، هي المشرفة، هي التي تؤمن، هي التي تكفر، هي التي تسمو، هي التي تسفل، هذه النفس هي ذات الإنسان، هي الإنسان، هذه لا تموت ولكنها تذوق الموت.

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

[ سورة آل عمران: 185 ]

 هي التي تخلد في النار أو في الجنة، هي التي تعاقب أو تكافئ، هي التي ترتقي إلى الله، هذه النفس في الدنيا في وعاء هو الجسد، الجسد يستقبل الروح، القوة الإلهية المحركة، فإذا اعتديت على بنية الجسد لم يبقى الجسد صالحاً لاستقبال الروح فيموت الإنسان، هذا هو القتل. ولكن الموت شيء آخر، هذه القوة التي تمد هذا الجسم تتوقف، فالموت أن تتوقف القوة الممدة لهذا الجسم، أما القتل أن تعتدي على بنية هذا الجسم فلا يبقى مؤهلاً لاستقبال قوة الله.
 مصباح كهربائي متألق لو كسرته لا يعود المصباح مؤهلاً لاستقبال التيار الكهربائي فينطفئ، أما لو منعت عنه التيار الكهربائي ينطفئ أيضاً، ينطفئ إذا منعت عنه التيار الكهربائي، أو إذا كسرت زجاجته، في الحالتين ينطفئ، لكن في حالة واحدة أن تعتدي على بنيته المادية فلا يصلح لاستقبال القوة الكهربائية فينطفئ، أما في الحالة الثانية القوة الكهربائية التي تمده بالنور قطعتها عنه.

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ﴾

 أي الخطأ كحوادث السير، الذي يتسبب بقتل إنسان لا ينوي قتله إطلاقاً، ولا يتمنى، ولا يفكر، ولا يتصور، لكن خطأ في القيادة، أو طفلاً ارتمى أمام مركبة، أو سرعة زائدة، حصل ما حصل.
 أيها الأخوة هذا القتل الخطأ، مع القتل الخطأ ينتفي العمد، وينتفي التصور، وينتفي التصميم، وينتفي القصد، أبداً، هذا يقع بين المؤمنين.

 

الناس رجلان مؤمن يقوم كيانه على العطاءوكافر يقوم كيانه على الأخذ :

 قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ﴾

 لأنه المؤمن هذا من أولياء الله، أي كيف الإنسان إذا كان منتمياً إلى جهة قوية، وهذه الجهة القوية عادلة، كيف أن العدوان عليه له عقوبات كبيرة جداً، هكذا الحال، هذا مؤمن، هذا عنصر صالح، هذا عنصر خير، هذا عنصر معطاء، هذا عنصر منصف، هذا عنصر يعيش للناس لا يعيش الناس له، هذا عنصر صالح وليس مفسداً، أي الناس رجلان صالح ومفسد، رجل يعيش للناس ورجل يعيش الناس له، رجل يعيش لشهواته ورجل يعيش لمبادئه، رجل معطاء ورجل مغتصب، رجل يأخذ ورجل يعطي، إنسان ينصح وإنسان يغش، إنسان يخلص وإنسان يخون، إنسان ينصف وإنسان يظلم، فالمؤمن مظنة صلاح، مظنة عدالة، مظنة صلاح، مظنة إنصاف، مظنة رحمة، مظنة خير، المؤمن يقوم كيانه على العطاء، بدليل قول الله عز وجل:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 5-6 ]

 والطرف الآخر يقوم كيانه على الأخذ، يأخذ أموال الناس بالحق أو بالباطل، يغتصب أموالهم، يحتال عليهم، يعتدي على أعراضهم، أن يعيش على أنقاض الناس هو الكافر، أن يغتني على إفقار الناس، أن يصلح أحواله على إفساد الناس، أن يبني حياته على موت الناس، فالكافر عبء على الحياة، لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المؤمن إذا مات استراح من عناء الدنيا مرت جنازة فقال عليه الصلاة والسلام:

(( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، فَقَالُوا: مَا المُسْتَرِيحُ وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدّنْيَا وَأَذَاهَا وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ ـ كما ترون في الطغاة الذين يبنون مجد أممهم على أنقاض الشعوب ـ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ وَالشّجَرُ وَالدّوَاب))

[ متفق عليه عن أبي قتادة]

 كل شيء يستريح منه، لأنه عبء على المخلوقات، يعيش على مص ما عندها.

 

تصنيف الناس عند الله بحسب رقعة تأثيرهم :

 قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً ﴾

 الآن مؤمن، الحد الأدنى رب أسرة ينفق عليها، يربيها، يأخذ بيدها إلى الله ورسوله، نفعه متعلق بأسرته، وإن كان متعلماً نفعه متعلق بتلاميذه، وإن كان تاجراً نفعه متعلق بمن كان يبيعهم، فالمؤمن خير وخيره متعدد، قد يكون الخير محصوراً في أسرتك، وقد يكون محصوراً فيمن يتعاملون معك، وقد يكون في أهل بلدتك، وقد يكون في أمتك، وقد يكون في البشرية جمعاء، نبينا عليه الصلاة والسلام أرسله الله إلى الناس كافة، أرسله الله رحمة للعالمين، وكلما اتسعت الدائرة التي ينتفع بها الإنسان ارتقى عند الله، وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

[ سورة النحل: 120 ]

 اسأل نفسك هذا السؤال: أنت في قلوب من؟ في قلوب أولادك؟ والعياذ بالله قد تجد أباً أقرب الناس إليه لا يحبونه، لأنهم يعيشون له ولا يعيش لهم، كلما اتسعت الدائرة التي تنتفع منك كنت أقرب إلى الله عز وجل، كلما عم خيرك كلما ارتقيت عند الله عز وجل، فهذا المؤمن في الحد الأدنى أسرته، في الحد الأوسع أهله الأقربون، والحد الأوسع من يتعامل معه، في الحد الأوسع من ينتفع بدعوته، في الحد الأوسع أهل بلدته، في الحد الأوسع أمته، في الحد الأوسع البشرية جمعاء، فالناس مصنفون عند الله بحسب رقعة تأثيرهم، لذلك الذي ألَّف كتاباً وعنونه بالمئة الأوائل جعل النبي عليه الصلاة والسلام والمؤلف ليس مسلماً، وليس منحازاً إلى الإسلام إطلاقاً، لكن بالمقاييس الموضوعية التي وضعها وجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمق الأبطال الأوائل في البشرية أثراً، أعمقهم أثراً، وأطولهم أمداً، وأوسعهم رقعةً، يعني أثر النبي عليه الصلاة والسلام كان على رقعة واسعة جداً، وأثر النبي عليه الصلاة والسلام كان بألف وخمسمئة عام تقريباً، وأما تغلغل دعوته في أعماق الإنسان فقد وصلت إلى بُعد لم يستطعه أحد من البشر، أي يأتي تشريع تحريم الخمر وينتهي الناس، ودولة عظيمة ألقت بكل ثقلها، وبكل إمكاناتها، وبكل ما عندها من قوة، وبكل ما عندها من إغراء، حرمت الخمر فلم تفلح.

 

الحكمة من تحرير رقبة مؤمنة في حال القتل الخطأ :

 أيها الأخوة، لعمق التأثير، ولامتداد أمد التأثير، ولاتساع رقعة التأثير، كان عليه الصلاة والسلام على رأس المئة الأوائل، فلذلك هذا الذي يقتل مؤمناً أي قتل عنصراً نافعاً، الكافر ضال، ضال مضل، فاسد مفسد، ظالم يدعو إلى الظلم، فاجر يدعو إلى الفجور، يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني حياته على موتهم، يبني غناه على فقرهم، يبني أمنه على خوفهم، أفسد الطبيعة، أفسد الحياة، أفسد النفس البشرية، أفسد الصغار، أفسد الكبار، هذا هو الكافر، الخلاص من الكافر راحة، بينما ذهاب المؤمن مصيبة، من هنا قال:

﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً ﴾

 هذا المؤمن إنسان خيّر، إنسان معطاء، إنسان منصف، إنسان عادل، إنسان رحيم:

﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً ﴾

 كما أفقدت المجتمع الإسلامي عنصراً طيباً معطاءً خيراً رحيماً أن تدخل في هذا المجتمع الإسلامي عنصراً مكانه طيباً رحيماً.

﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾

 العبد حركته مقيدة بسيده فإذا أطلقت حريته نفع المسلمين، أصبحت حركته من تلقاء ذاته، فلذلك إذا حررت رقبة مؤمنة فقد عوضت عن الذي أخذته من المجتمع بعنصر جديد:

﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾

الحق الشخصي والحق العام :

 هذا حق المجموع، هذا الحق العام، هذا حق الأمة، معمل، أو مؤسسة، أو مدرسة، أو مستشفى، مجتمع، في مئة طبيب، قتل طبيب خطأ، هذا الطبيب ضعف أداء المستشفى، قتل معلم خطأ، هذا المعلم الذي قُتل خطأ ضعف أداء هذه المدرسة، معمل فيه موظف مهم جداً قتل خطأ، ضعف أداء هذا المعمل، لا بد من أن تضيف إلى هذه المدرسة، أو إلى هذه المستشفى، أو إلى هذا المعمل عنصراً جديداً يحل محله، هذا الحق العام، هذا حق المجموع، هذا الحق الجماعي:

﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾

 صار هناك تعويض، أزهقت روح مؤمن فأدخل إلى المجتمع إنساناً أصبح حر الحركة، وما دام مؤمناً حركته في خدمة المجموع، قال:

﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴾

 هذا معيل، عنده أولاد ينفق عليهم، عنده زوجة، قُتِل فقدت هذه الأسرة المعين الذي يعطف على أفراد أسرته، ينفق عليها، يربيها، لا بد من تعويض، الحق الشخصي هو الدية، والحق العام هو تحرير رقبة مؤمنة، لكن في شيء بالإسلام رائع جداً، أن هذه الدية من يدفعها؟ يدفعها عاقلة قومه، من هم العاقلة؟ قومه الأقوياء الأغنياء، فالدية تدفع من قبل عاقلة القوم، يعني أيها القريب أي واحد من أفراد أسرتك إذا قتل مؤمناً خطأ أنت متكفل أن تدفع جزء من الدية، ما معنى هذا التشريع؟ معنى هذا التشريع أن كل أسرة ينبغي أن تتفقد شبابها، فإذا كان في شبابها شاب طائش أرعن ينبغي أن يهذبوه، أن يوجهوه، أن يكونوا معه، أن يرقوا به، أن يدلوه على الطريق الصحيح، فإن أهملوه وقتل مؤمناً فعليهم دية هذا المقتول، وهذا نوع من التضامن الجماعي، الآن يقول لك: أنا لا علاقة لي، ليس لك علاقة بابن أخيك الطائش الأرعن؟ الذي يأخذ سيارة أبيه ليلاً، وينطلق بها في الشوارع بسرعة كبيرة، لا علاقة لك؟ إن لم تبادر لتنبيهه، وتنبيه أبيه، ونصحه، والقسوة عليه أحياناً فسوف تتحمل جزءاً من المسؤولية.

 

القصاص من حق ولي المقتول لكن الحدود من حق الله وحده :

 ما في أروع من هذا التشريع الذي يعطي المجتمع هذا التضامن إذا قتل هذا الشاب مؤمناً خطأ بحادث سير مثلاً فلا بد من أن تتحمل عائلته وأقرباؤه الأدنون هذه الدية:

﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴾

 الدية مئة ناقة، الناقة ثمنها مئة ألف، يعني عشرة ملايين، معين أسرة، قد يكون طبيباً، قد يكون مهندساً، قد يكون مدرساً، قد يكون تاجراً له دخل جيد، ينفق زكاة ماله، ينتفع المسلمون بماله، يرعى أهله، ينفق على الفقراء والمساكين، أنت قتلته خطأ، أنت جعلت من حوله بلا شيء، بلا معين، بلا منفق، فلا بد من دية تعوض ما فعلت:

﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴾

 طبعاً هذا البحث لا علاقة له بقوله تعالى:

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾

[ سورة البقرة: 179 ]

 الآية الثانية تعني القتل العمد، القتل عن سابق تصور وتصميم، لأن هذا القاتل فكر في قتل هذا المقتول قبل أن يقتله، رسم خطة محكمة ثم نفذها، وكان في هذه الفترة غائباً عن الله عز وجل، لو كان مع الله لما فكر في إزهاق روح إنسان مؤمن، مستحيل، مادام قد غابت عنه فكرة الإله، ومحاسبة الله عز وجل فليدفع الثمن:

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾

[ سورة البقرة: 179 ]

 فلذلك قضية القصاص من حق ولي المقتول، لكن الحدود من حق الله وحده، أما القصاص فمن حق ولي المقتول، لأنه قد يعفو ولي المقتول، ويقبل الدية.

 

القتل العمد و القتل الخطأ :

 موضوع آخر: لو كان هناك قتل عمد، فالجزاء أن يُقتَل القاتل، هنا لا يُقتَل، هنا الذي يقتل خطأ لم يفكر بالقتل أبداً، ولم يخطر على باله، ولم يتصوره، لكن القاتل العمد قتل عن سابق إصرار وتصميم، والقتل العمد جزاؤه القتل، والقتل من حق ولي المقتول، إلا أن يعفو، إذا عفا، وقبل الدية فهذا شأنه، لكن حينما يقتل المؤمن مؤمناً خطأً لا نعاقبه بالقتل أبداً، لأنه ما فكر بالقتل إطلاقاً، ولكن نؤدبه بدفع الدية، ونؤدبه بتحرير رقبة مؤمنة، هكذا الحق العام والحق الخاص.

﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾

 هناك حالات، طفل قفز أمام المركبة، والسائق منضبط إلى أعلى درجة، ومات الطفل، والسائق فقير، وأهله فقراء، وولي الطفل ميسور الحال، فبدافع من رحمته وخطأ ابنه عفا، ولم يقبل أن يأخذ الدية، هذا شأنه، وهذا مثاب عليه، وهذا أرقى عند الله عز وجل.

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى: 40 ]

 فإذا وجد العفو يقرب المعفو عنه إلى الله عز وجل، يصلحه فأجره على الله:

﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾

إذا عفوت عن حق لك فكأنما كتبت لك صدقة :

 الآن هناك معنى رائع جداً، الصدقة أن تدفع المال، دفعت مئة ألف فهذه صدقة، لكن لو أن لك مئة ألف من حقك تستحقها، وعفوت عن الذي ينبغي أن يدفعها لك كأنك تصدقت بمئة ألف، كيف لو أنك فتحت صندوقك الحديدي وأخرجت مئة ألف، ودفعتها لإنسان فقير هذه عند الله صدقة من دون استثناء، من دون شك، لو عفوت عن من قتل إنساناً خطأ، وأنت وليه، لو عفوت عنه فأعفيته من أخذ الدية فكأنك تصدقت بمئة ألف، بالضبط قال: (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا)، كان من الممكن أن تكون الآية: إلا أن يعفوا:

﴿ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾

 معنى إذا عفوت عن حق لك فكأنما كتبت لك صدقة:

﴿ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ﴾

 هذا مؤمن مقيم مع أعداء للمؤمنين، وقتل خطأ:

﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾

 لأن المال إذا أدي إلى قوم هذا المؤمن وهم كفار فهذا المال يقويهم على المؤمنين، فلذلك إذا كان المؤمن مقيماً مع قومه الكفار، وقتل خطأ فالعقاب تحرير رقبة مؤمنة فقط:

﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ﴾

 أي في حالة حرب بينكم وبين قوم، وفيهم مؤمن قتل خطأ فهذا المؤمن الذي قتل خطأ. أولاً: لأنه أقام مع قوم كفار، وهو ليس على صواب. ثانياً: لو أعطينا الدية إلى أهله لتقووا بها على محاربة المسلمين، إذاً لا يعطون الدية، لكن الذي قتل خطأ ينبغي أن يحرر رقبة مؤمنة.

 

حكم من لم يجد عبداً رقيقاً ليعتقه :

 قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾

 أي دولة معاهدة، فيها تمثيل دبلوماسي بينهما، في معاهدات.

﴿ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾

 الدولة المعاهدة لن تستخدم هذا المال لإيقاع أذى بالمسلمين.

﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴾

 ما قال الله عز وجل: فمن لم يستطع:

﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴾

 كأن الله أشار في هذه الآية إلى أنه سيأتي يوم لا تجد عبداً رقيقاً تعتقه، هذه مرحلة وانتهت الآن عبودية الأمم للأفراد، هذه المرحلة قال: فإن لم يجد، أي أنه سيأتي زمان لا تجد رقبة تعتقها.

﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾

 صيام شهرين متتابعين، هذا تأديب لهذا الذي قاد مركبة وأسرع، وقتل مؤمناً خطأ، الإنسان شيء ثمين جداً عند الله أن تزهق روحه، فما بالكم من الذي يقتل الألوف المؤلَّفة والملايين عمداً، لا لذنب ارتكبوه إلا لأنهم مسلمون، ما قولكم؟!!

 

إذا جاءت التوبة من الله فلها معنيان أن الله شرَّعها وأن الله قَبِل التوبة :

 قال تعالى:

﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾

 الله عز وجل جعل هذه الدية وجعل تحرير الرقبة، أو صيام الشهرين المتتابعين تشريعاً للتوبة، وكأن الإنسان إذا فعل هذا تاب الله عليه، (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ)، إذا جاءت التوبة من الله فلها معنيان: أن الله شرعها، وأن الله قبل التوبة، وإن عزيت إلى العبد معنى ذلك أنه تاب إلى الله:

﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ﴾

 عن سابق تصور وتصميم، عاش فكرة القتل قبل أن يقتل، وهو يعيش فكرة القتل، ويخطط، وهو غائب عن الله كلياً، غائب عن أن الله موجود وسينتقم منه، وهذا عبد من عبيده، والإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، هذا الذي يقتل متعمداً مقطوع عن الله كلياً لم يدخل مفهوم الألوهية في حسابه إطلاقاً، ولا مفهوم العقاب، ولا مفهوم الجزاء، ولا مفهوم الثواب ولا العقاب، ولا الجنة ولا النار إطلاقاً.

﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾

الجنة أن تعيش النعيم المقيم وتنظر إلى وجه الله الكريم وتنعم برضوان من الله أكبر:

 إنسان يحكم بالسجن، يتوهم الناس أن العقوبة هي السجن، قد يكون مع السجن أشغال شاقة، وقد يكون مع السجن إذلال، إرهاق فلذلك هنا:

﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾

 كيف أن الإنسان في الجنة، الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفيها فوق ذلك نظر إلى وجه الله الكريم.

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

[ سورة القيامة: 22-23]

 وفوق ذلك: ورضوان من الله أكبر، أي أنت في مكان جميل جداً فيه ما لذ وطاب من الطعام، والشراب، والمناظر، والفواكه، وصاحب البيت جميل الصورة إلى درجة لا تصدق، وفوق كل ذلك: صاحب البيت يرحب بك ترحيباً لا حدود له، لعل أعظم شيء في هذا الإكرام ترحيبه، فالجنة أن تعيش هذا النعيم المقيم، وأن تنظر إلى وجه الله الكريم، وأن تنعم برضوان من الله أكبر، هنا:

﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ﴾

 أبعده:

﴿ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾

 وهو في النار.

 

بعض التعليق على الخلود والخلود مع الأبد :

 كيف أن الإنسان يعاقب بالسجن ثم يعاقب بالأشغال الشاقة:

﴿ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾

 وهو في النار، أما أن هذا الخلود في النار موضوع خلاف، وثمة ملمح أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول:

﴿ خَالِدينَ فِيهَا أَبَدَاً ﴾

[سورة الطلاق: 11]

 وحينما يقول:

﴿ خَالِداً فِيهَا﴾

 فبين الآيتين معنىً دقيق، سيدنا ابن عباس مرة سئل في مجمع من الصحابة: هل لقاتل المؤمن خلود في النار؟ قال: نعم، ثم سئل هذا السؤال فقال: لا، فقالوا: عجبنا لك يا ابن عباس، تجيب مرة بنعم، ومرة بلا، فقال: السائل الأول لم يقتل بعد، أما السائل الثاني فقد وقع في هذه المعصية الكبيرة، فيبدو كلمة " خالداً فيها أبداً " أي الأبدية، أما الخلود تعني أن يكون في النار إلى مسافة طويلة جداً، هذا بعض التعليق على الخلود والخلود مع الأبد. على كلٍ أعاذنا الله وإياكم من أن يكون الإنسان مشمولاً بهذه الآية:

﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾

يظل المؤمن بخير ما لم يسفك دماً :

 أيها الأخوة:

((عذبت امرأة في هرة حبستها))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

 في هرة ليس إنساناً مؤمناً، له أولاد، له أهل.

((في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا سقتها حين حبستها، ولا أرسلتها فأكلت من خشاش الأرض))

 فما قولكم فيما فوق الهرة؟ وقولكم فيما فوق الهرة إذا كان مؤمناً؟ أعود وأقول: يظل المؤمن بخير ما لم يسفك دماً، واللغة العربية دقيقة جداً، بعضهم تفاصح، وقال:

ولستُ أبالي حين أََقتُُل مسلماً  على أي جنب كان في الله مصرعي
* * *

 هو في جهنم، الشاعر ما قال هذا، بل قال:

ولست أبالي حينما أُقتَل مسلماًً على أي جنب كان في الله مصرعي
* * *

 حركة واحدة نقلته من الجنة إلى النار، هذه دقة اللغة العربية، حركة واحد نقلته من الجنة إلى النار. أيها الأخوة، في درس قادم إن شاء الله نتابع:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018