الدرس : 42 - سورة النساء - تفسير الآيات 89-91 ، النفاق وأخلاق الجهاد - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 42 - سورة النساء - تفسير الآيات 89-91 ، النفاق وأخلاق الجهاد


2002-12-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

النفاق نوعان :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والأربعين من دروس سورة النساء، ومع الآية التاسعة والثمانين، وهي قوله تعالى:

﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾

 أيها الأخوة الكرام، كما قلت سابقاً المؤمن واضح، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ قَالَ:

((وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..... قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا...))

[الإمام أحمد عن الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ]

 والكافر واضح، أنكر وجود الله، أنكر شرعه، أنكر الوحي، أنكر البعث، أنكر النشور، وسلك سلوكاً ينسجم مع ما يعتقد، فالكافر خطر بقوته على المسلمين، لكن ليس خطراً بأفكاره على المسلمين، لأن المسلم معه الحق، من هو الخطر؟ المنافق!! الذي يتكلم بما يتكلم به المسلمون ويفعل بخلاف ذلك، هؤلاء المنافقون كما قلت من قبل نوعان؛ نوع هو كافر يقيناً، بل هو في الدرك الأسفل من النار، هو كافر لكنه أراد أن يجمع بين ميزات المسلمين وبين تفلته من شرع الله فكان في الدرك الأسفل من النار، النوع الآخر من النفاق ضعف إما في العقيدة أو أمام الشهوة، إما أن الشبهات تراكمت في عقله، أو أن الشهوات غلبته على يقينه، النوع الثاني من المنافقين يرجى لهم النجاة إذا تابوا، ورجعوا، وانضموا تحت لواء المؤمنين، لكن النوع الأول هم أكفر الكفار، بل إنهم أخطر من الكفار، لأنهم ليسوا واضحين.

 

المنافقون لا يقيَّمون عند الله بما يقولون بل يقيَّمون بما يفعلون :

 قال تعالى:

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾

[سورة البقرة: 14]

 يقول الله عز وجل: إن هؤلاء المنافقين لا يقيَّمون عند الله بما يقولون بل يقيَّمون بما يفعلون، وهذه حقيقة، الإنسان لا يقيَّم عند الله بما يقول بل يقيَّم بما يفعل، لو قيَّمنا فرعون بما يقول:

﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

[سورة غافر: 29]

 هذه أقواله، ينبغي أن تقيّمه بأفعاله، كيف أنه ذبح أبناء بني إسرائيل، واستحيا نساءهم، يجب أن يقيَّم الإنسان بأفعاله، فلذلك هؤلاء المنافقون:

﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾

 ماذا حصل؟ المودة من فعل القلب، رغبة، طموح، يطمح المنافق الكافر أن يكون المؤمن كافراً مثله، لماذا؟ هذا الدين أيها الأخوة هو دين الفطرة، تطابق أحكام الدين مع تطابق بنود الفطرة تام كامل، أي أن النفس ترتاح لما يأمر به الدين، وتضطرب إذا فعلت ما نهى عنه، أعلمت أم لم تعلم، لمجرد أن تخرج عن مبادئ الدين أنت في الوقت نفسه خرجت عن مبادئ فطرتك، في الوقت الذي تخرج فيه عن مبادئ الشرع تخرج فيه عن مبادئ الفطرة، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾

[سورة الروم: 30 ]

الكآبة مرض المعصية :

 أن تقم وجهك للدين حنيفاً أي أن تهتم، أن تشد النظر إليه، أن تميل إلى هذا الدين هو نفسه فطرتك.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[سورة الروم: 30 ]

 أنت حينما تطبق تعاليم الدين تشعر أن جبالاً قد أزيحت عن كاهلك، حينما تكون صادقاً تنام آمناً، حينما تكون أميناً تنام مطمئناً، حينما تنام عفيفاً تنام آمناً، حينما تعطي بالحق تكون مرتاحاً، حينما تأخذ الذي لك فقط تكون مرتاحاً، حينما تنصف تكون علماً دون أن تشعر، لمجرد أن تكون مطبقاً لتعاليم هذا الدين تنعكس عليك راحة كبيرة، أي بمثل بسيط جداً، مركبة غالية جداً، فاخرة جداً، حديثة جداً، إلا أنها مصممة للطرق المعبدة، إن سرت فيها في طرق وعرة فيها صخور وأكمات وانهدامات تنزعج أشد الانزعاج، تستمع إلى أصوات لا عهد لك بها، ترى السرعة بطيئة جداً، أصوات مزعجة، تعثر في السير، الذي يصمم لهذا الطريق المدرعات والمجنزرات، أما هذه المركبة مصممة للطريق المعبد، فلمجرد أن تسير بها على طريق معبد تختفي كل الأصوات، وتنطلق السرعة بأعلى درجة، وتشعر بقيمتها، هذه في أصل تصميمها للطرق المعبدة، فلمجرد أن تخرج عن الطريق المعبد، قرأت تعليمات الصانع أم لم تقرأ تنزعج، لو أنك عالم بتعليمات الصانع تنزعج، ولو أنك جاهل بتعليمات الصانع تنزعج، أي أن هذه المركبة خرجت على أصل تصميمها، فلذلك كثيراً ما نستمع اليوم إلى مرض الكآبة، مرض الكآبة هو أي إنسان خرج على مبادئ فطرته، لم يؤمن بالدين، ولم يعبأ بالدين، فعل ما يشتهي، فلما فعل ما يشتهي عاقبته نفسه، وقع بالكآبة، لما أكل ما له وما ليس له وكان قوياً، كإنسان وصي على مال أيتام، وله مكانة كبيرة، ولا يجرؤ أحد أن يحاسبه، فأكل أموالهم بالباطل، لم يحاسبه أحد، لا قانون، ولا دولة، ولا أولاد، لكنه يقع في انهيار داخلي، وتعذبه نفسه، تؤنبه، وينهار داخلياً، يسقط من عين نفسه، يصاب بالكآبة، الكآبة مرض المعصية، أنت حينما تعصي الله!! هذه المركبة أزعجتك حينما سرت بها على الطريق الوعر، أعلمت تعليمات الصانع أم لم تعلمها، كلاهما واحد، مصممة على الطريق المعبد، فالإنسان حينما يأكل أموال الناس بالباطل، حينما يعتدي على أعراضهم، حينما يحتال، حينما يغش المسلمين، حينما يبني مصلحته على أنقاض الناس، حينما يبني غناه على فقرهم، لو لم يحاسبه أحد، لو لم يسائله أحد، هو منهار أمام نفسه، لذلك انعكاس هذا الانهيار كآبة، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[سورة طه: 124]

الإسلام دين الفطرة :

 والله أيها الأخوة، يوجد في نفس العاصي أو الشارد عن منهج الله من الكآبة ما لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، هذه الكآبة تقود إلى الانتحار أحياناً، هذه الكآبة تقود إلى ردود فعل قاسية جداً، هذه الكآبة تقود هذا المكتئب إلى أن يشقى ويشقي، بيته جحيم، عمله فيه مفارقات حادة، فهذا المنافق يوم نافق استغل طيب المؤمنين، ولم يعبأ بتعاليم الدين، وقع في نفسه خلل، انهيار داخلي، مثال: أنت طبيب، والمريض بين يديك مفتوح البطن، مفتوح الصدر، وضعت له دسام من أسوأ الأنواع، وسجلت عليه دساماً من أغلى الأسعار، هل يمكن لهذا المريض أن يحاسبك؟ تـركب الدسام في قلبه، والقلب مفتوح، ثم خيط الجرح، ولا أحد يطلع على ما فعله الطبيب، مثلاً، ينبغي أن يشعر هذا الطبيب بكآبة، لا أحد يمكن أن يحاسبه، لكن فطرته تحاسبه، إن أردت الراحة النفسية، إن أردت أن تكون أسعد الناس، إن أردت أن تنام مطمئناً، إن أردت أن تكون متفائلاً، إن أردت أن تكون حراً، إن أردت أن ترى أنك أسعد الناس في الدنيا، إن أردت أن ترى أن الدنيا شيء رائع جداً، فانسجم مع قوانين فطرتك، وقوانين فطرتك مطابقة لقوانين الله عز وجل، لذلك قالوا: الإسلام دين الفطرة، وكان أصحاب النبي عليهم رضوان الله كما وصفهم القرآن يفرحون بما أنزل الله إليهم، نفوسهم على فطرتها السليمة، فلما كان أمر لم ينزل فيه تشريع يتناقض مع فطرتهم يتألمون، فلما جاء التشريع يحرمه يفرحون، وعلامة أن فطرتك قد بقيت سليمة، الفطرة قد تنطمس أيها الأخوة، علامة أن فطرتك قد بقيت سليمة أنها تنسجم مع أوامر الله، فإن لم تنسجم صف نفسك بأنك لا سمح الله مطموس الفطرة، إذا حافظ الإنسان على سلامة فطرته هذا من نعم الله عز وجل، أي أن ينكر المنكر. الدليل: لماذا سمى الله المعصية منكراً؟ ولماذا سمى الله الطاعة معروفاً؟ ولماذا أمرنا أن ننكر المنكر، وأن نأمر بالمعروف؟ ذلك أن المعصية تنكرها النفوس السليمة بحسب فطرتها، وأن الطاعة تحبذها الفطر السليمة بحسب فطرتها، بل لماذا في بعض البلدان يأتون بالمحلفين؟ المحلف إنسان من قارعة الطريق، تعرض عليه جريمة فبحسب الفطرة يدلي برأيه، هذا المحلف ليس قاضياً ولا مختصاً، ولا متبحراً في الحقوق، بل هو إنسان عادي، لكن بحسب فطرته قد يكشف الحقيقة.

الله يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين :

 هذا التمهيد أيها الأخوة، لمنافق خرج عن شرع الله، عـن علم أو عن غير علم، فلما خرج عن علم أو عن غير علم اختلت فطرته، ألا تلاحظ الهرة حينما تطعمها قطعة لحم تأكلها أمامك؟ لأنها تفعل شيئاً مشروعاً، أما حينما تخطف لحمة أين تأكلها؟ بعيدة عنك، لأن فطرتها سليمة، أكلت ما ليس لها، فابتعدت عنك، وهربت بها، فأنت بالعقل تعرف الله، وبالفطرة تعرف خطأك، فالمنافق لما خرج عن قوانين الله، وعن أحكام الشرع، ومبادئ فطرته اختل توازنه، الحالة المرضية سمها كآبة، سمها اختلال توازن، سمها انهياراً داخلياً، حالة مرضية، كيف تعالج؟ أي إنسان في بلد من البلدان، جريمة قتل، لكنها ذكية جداً، أي بشكل سم بطيء، ومات الإنسان، وجاء الطبيب، وعرف الحقيقة، لكن دفع له الملايين، فأفاد أن هذا الموت موت طبيعي، هل تراه مرتاحاً؟ لا أحد كشفه إطلاقاً، لو أن محامياً عرض عليه موكل قضية خاسرة مئة بالمئة، وأوهمه أنها تنجح في خلال هذه السنوات ماذا يشعر هذا المحامي؟ لو أن مدرساً أعطى أسئلة فوق مستوى الطلاب جميعاً، كي ينالوا درجات متدنية جداً، وكي يلجؤوا إليه في دروس خصوصية مثلاً، أتراه مرتاحاً؟ كنت أقول مرة: إن فندقاً في ألمانيا كتب على السرير: إن لم تنم، وتقلبت طول الليل فالعلة لا في فرشنا، بل في ذنوبك.
 الإنسان المؤمن المستقيم الذي لم يبنِ مكانته على أنقاض الآخرين، ولم يبنِ غناه على فقرهم ينام مطمئناً، هذه السكينة، هذه السعادة، هذه الطمأنينة، إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين.
 هذا المنافق خرج عن مبادئ الدين أو عن مبادئ فطرته، وقع في الكآبة، وقع في انهيار داخلي، وقع في خلل مع نفسه، فرد الفعل الطبيعي أن يتمنى أن يكون الناس جميعاً كذلك، شيء طبيعي، أين وظيفتك؟ أستاذ لم نكتب!! أنت كم واحد؟ أستاذ لم نكتب!! يتمنى الكسول أن يوسع دائرة التقصير، حتى يكون طبيعياً، أحياناً يكون في المنزل يستقيم شاب، ويغض بصره، ويصلي، ويكون دقيقاً في معاملته مع الآخرين، فيكشف من حوله فيحاربونه، يحاربونه حرباً شعواء، لأنه قد كشفهم، كان عندهم خلل، لكن الخلل قد صار واضحاً، موظف مستقيم لا يرتشي، يُحارَب من كل من حوله لأنهم قد انكشفوا، واختل توازنهم.

الإنسان حينما يختل توازنه فهناك ثلاثة ردود فعل يفعلها دون أن يشعر :

 الإنسان حينما يختل توازنه أيها الأخوة فهناك ثلاثة ردود فعل يفعلها دون أن يشعر، رد الفعل الصحيح أن يتوب إلى الله، رد الفعل الكامل أن يتوب إلى الله، لكن الذي يحصل أنه يحاول أن يفسد من حولـه كما كان فاسداً، متوهماً أنها تقوم الحجة على الله، لا يوجد أحد جيد، دائماً المنافق لا يرتاح لمديح مؤمن، لا تصدق، أنت لا تعلم كل شيء عنه، المنافق لا يرتاح لمديح مؤمن، لأنه منافق ومنهار أمام نفسه، لأنه لو كان أحد ما مستقيم يكشفه، فيحاول بشكل أو بآخر أن يطعن بالآخرين، تجد المنافق بشكل أو بآخر يطعن بالآخرين، كي يرتاح، لأنه قلق، هل يوجد إنسان مستقيم؟ يوجد! لا أصدق!! هو لا يصدق أن في الأرض إنساناً مستقيماً، لا يصدق ذلك، الحالة الثانية أن يطعن بالمحسنين الجيدين الملتزمين، الطعن وسيلة، وتوسيع الباطل والفساد وسيلة، والتوبة وسيلة، أكمل شيء لمن اختلت فطرته، أكمل شيء لمن سقط من عين نفسه، لمن اختل توازنه، لمن نافق، أن يتوب إلى الله، لكن الذي يفعله معظم المنافقين أنهم يتهمون الطيبين أنهم ليسوا طيبين، إن هو إلا رجل يريد أن يتفضل علينا، هذه تهمة اتهم بها نبي، أو أن يغري الناس بالفسق.
 أوضح مثال المرأة المصابة بالإيدز، تبيع نفسها بلا ثمن، من أجل توسيع دائرة المصابين بهذا المرض، تعاني حالة نفسية، أنها تنقل المرض للمئات بل للألوف، من أجل أن تتسع هذه الدائرة، وكل إنسان واقع في انحراف يتمنى الناس جميعاً أن يكونوا منحرفين، وكل إنسان واقع في الفساد يتمنى أن يكون الناس جميعاً فاسـدين، وكل إنسان مبتلى بمعصية يقول لك: هذا هو الأصل، هناك مشكلة لا تحل، لا يصدق أن هناك إنساناً من هؤلاء الناس قد نجاه الله من هذه المعصية، لذلك هؤلاء المنافقون الآن بدأ المعنى الدقيق لهذه الآية:

﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا ﴾

 بأعماق أعماق المنافق يتمنى أن يكون الناس جميعاً مثله:

﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾

القرآن الكريم نهى المسلمين عن اتخاذ الكفار والمنافقين أولياء من دون الله عز وجل :

 هذا المنافق العدو الذي يتمنى أن تكفر كما كفر، لا يعقل، ولا يقبل، ولا يجوز أن تتخذهم أولياء، ما معنى أن تتخذ إنساناً ولياً؟ أن ترجع إليه، أن تستشيره، أن تهتدي بأفكاره، أن تحاوره، أن تعتمد عليه بشأن مادي، تحتمي به، ينبغي أن لا تتخذه ولياً، لا استشارة، ولا اعتماداً، لأنه يتمنى أن تكون مثله، إن رأى في حياتك ثغرة شمت بك ووبخك وأغراك أن تكون مثله في المعصية:

﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾

 نهي، فكل نهي في القرآن ينبغي الترك، فلا تتخذوا منهم أولياء، لا ترجع إليهم في مشكلاتك، لا تستشرهم، لا تصغي إلى نصائحهم، هم منقطعون عن الله عز وجل.
 أخواننا الكرام، أقول لكم كلمة، والله من أعماق نفسي أتمنى أن تكون واضحة عندكم: هذه العين التي وهبنا الله إياها، ترى كل شيء حولك، لولا الضوء لا قيمة لها إطلاقاً، لو وضعنا إنسانين في غرفة مظلمة ظلاماً دامساً، أحدهما بصير، والآخر كفيف البصر، إنهما سواء، كيف أن العين لا يمكن أن ترى الأشياء إلا بنور الشمس، بضوء ما، كذلك العقل لا يمكن أن يعرف الحقيقة إلا من خلال الوحي، فالوحي للعقل كالنور للعين، فالإنسان حينما ينقطع عن الله عز وجل يصبح أعمى، هل يستشار الأعمى؟ إن رأيت أعمى غريب تقول له: أين المكان الفلاني؟ أعمى غريب!! فاقد الشيء لا يعطيه، إذاً ينبغي أن لا تتخذه ولياً، أي مستشاراً، مرجعاً، ألاّ تصغي إلى اقتراحاته، اقتراحاته كلها مخالفة للوحيين الكتاب والسنة.

﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾

 لا ينبغي أن تستعين به، ولا ينبغي أن تسترشده لأنه لن يرشدك، وهذه مشكلة المسلمين في العالم، يريدون أن يعتمدوا على الطرف الآخر، والطرف الآخر أكبر عدو لهم، لن يمدهم لا بفكر، ولا بعلم، ولا بقوة، يريد أن يستغلهم، يريد أن يستثمرهم، نهي إلهي:

﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾

أعلى أنواع الطاعة أن تهاجر :

 أنت منهي عن أن تتخذ منافقاً ولياً، فلأن تكون منهياً عن أن تتخذ كافراً فأن تتخذه ولياً من باب أولى، لكن هذا المنافق هل أغلق باب التوبة أمامه؟ لا! لو أنه تاب، ما علامة توبته؟ السلوك، مئات الأشخاص يعلنون إسلامهم وهم على ما هم عليه، معنى ذلك أن هناك مصلحة يرجونها، أما لو أن امرأة أعلنت إسلامها فينبغي أن تتحجب، لو أن إنساناً أعلن إسلامه فينبغي أن يصدق، أن يقلع عن أكل الربا، لا قيمة للإسلام إلا بالطاعة، فلذلك أعلى أنواع الطاعة أن تهاجر، الهجرة حركة:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[سورة الأنفال: 72 ]

 فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله، أي ترك أرض الكفر، وانتقل إلى أرض الإيمان، ترك صحبة الكفار وصحب المؤمنين، ترك المال الحرام وكسب المال الحلال، الهجرة انتقال جذري، انتقال نوعي، من مكان إلى مكان، من قوم إلى قوم، من علاقات إلى علاقات، من ولاء إلى ولاء:

﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 إذاً أي منافق، ولو كان من أصعب أنواع النفاق إذا تاب إلى الله، ورجع إليه، وهاجر، وانتقل من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، انتقل من صحبة الكفار إلى صحبة المسلمين، من الولاء للكفار إلى الولاء للمؤمنين، هذا أصبح من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم.

 

في القرآن أخلاق الجهاد وأخلاق الدعوة :

 قال تعالى:

﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾

 إن أصروا على كفرهم وعلى نفاقهم:

﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ ﴾

 أي إن كنتم في حرب معهم، فخذوهم أسرى:

﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾

 عندنا في القرآن أخلاق الجهاد، وأخلاق الدعوة، أخلاق الدعوة:

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[سورة فصلت: 34]

 هذه أخلاق الدعوة، أما أخلاق الجهاد:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

[سورة التوبة: 73]

الآية التالية متعلقة بالجهاد :

 هذه الآية هنا متعلقة بالجهاد:

﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ ﴾

 أسرى.

﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾

 لا تستهدوا بهديهم، أو لا تستهدوا بفكرهم، ولا تعتمدوا عليهم، لكن هناك حالات دقيقة جداً، يوجد إنسان له وضع خاص، هو ينتمي إلى قوم بينكم وبين القوم معاهدة، قال:

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾

 فالمسلمون عند شروطهم، والمسلمون يحافظون على عهودهم ومواثيقهم، لو أن هذا الإنسان ينتمي إلى قوم بينه وبين المسلمين معاهدة ينبغي أن تكف عنه:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾

 هناك حالة ثانية، كشخص هو في الحقيقة مؤمن لكنه لا يستطيع في قومه أن يبوح بإيمانه، كما أنه لا يستطيع أن يحارب قومه، يوجد حالات كثيرة جداً، لا تستطيع أن تكون مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، هو في الظاهر ينتمي إلى قوم غير مسلمين، لا يقوى على أن يبوح بإيمانه، كما أنه لا يقوى على محاربة قومه، ضعيف، ضعيف عند قومه وعند المسلمين، فهذا مع أنه لم يهاجر ينبغي أن لا تقاتله وأن لا تأخذه، إما إنسان منافق لكنه ينتمي إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو جاءوكم وأباحوا لكم.

 

في التوحيد حقيقة خطيرة جداً هي حقيقة التسليط :

 قال تعالى:

﴿ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾

 لا يستطيع أن يواجه قومه كما لا يستطيع أن يواجهكم، هذا أيضاً دعوه، ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم، فالله عز وجل هو القوي، هو الذي ينصر وهو الذي لا ينصر، ولو شاء الله لسلطهم عليكم، نفهم من هذه الكلمة حقيقة في التوحيد خطيرة جداً، هي حقيقة التسليط، حينما تضعف أمام كافر ولست موحداً تظن أنه قهرك، ولكن إذا كنت موحداً تعتقد أنه سلط عليك، سلط عليك لسبب منك، الكرة بملعبك، سلط عليك لسبب منك، والمسلمون اليوم في أمس الحاجة لهذا المعنى، هذا الذي يرونه من أعدائهم ليس قهراً بل هو تسليط، والتسليط بيد الله عز وجل، وحينما يصلح الإنسان يزاح عنه هذا التسليط.

﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾

 إذا قال: نحن لا نقاتلكم، ولسنا نقوى على مقاتلة قومنا فاعذرونا، هذا ينبغي ألاّ تقاتله:

﴿ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ ﴾

 أي وعدوكم ألا يقاتلوكم.

﴿ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾

ادعاء بعض الفئات السلم و هم كاذبون :

 وقوم آخرون:

﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾

 أي الفئة الثانية يريدون أن يأمنوكم، ويأمنوا قومهم، لكن إذا أتيحت لهم الفرصة انقضوا عليكم، هؤلاء كاذبون في ادعائهم السلم.

﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾

 أي سقطوا فيها، وتآمروا عليكم:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ ﴾

 هؤلاء قاتلوهم في الحرب:

﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018