الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 50 - الاختيار - الأدلة النقلية والعقلية والحسية ـ مجتمع النمل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 50 - الاختيار - الأدلة النقلية والعقلية والحسية ـ مجتمع النمل


2006-12-18

تقديم وترحيب :

 أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق .
 يسعدنا أن نكون مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق .
 أهلاً وسهلاً سيدي الكريم .
 بكم أستاذ علاء جزاكم الله خيراً .
الأستاذ علاء :

تذكير بالسابق :

 سيدي الكريم ، نود في كل حلقة أن نلخص عناوين بارزة ارتكز عليها برنامجنا ، كنا قد تحدثنا في مقومات التكليف ، وبدأنا بالكون ، ثم العقل ، ثم الفطرة ، ثم الشهوة ، ووضعنا رحالنا عند الاختيار ، وتكلمنا عن الاختيار ، وتبينا بأن الإنسان مخير فيما كلف به تخييراً كاملاً ، وهذا الفهم يتساير ويتسق مع مفهوم العدالة الإلهية ، وإلا كيف يجبَر الإنسانُ على تصرف ، ثم يعاقب عليه ؟
دكتور راتب :
 هذا مستحيل .
الأستاذ علاء :
 وهذا يتنافى مع العدل الإلهي والكمال الإلهي ، تبينا من خلال أدلة نقلية من خلال الكتاب والسنة بأن الإنسان مخير ، ليسأل عن عمله ، وليثمن عمله في الاختيار ، وإلا إذا كان الإنسان مجبرا على الصلاة أتوماتيكياً ، أو على الزكاة ، أو على فعل الخيرات فلا قيمة لهذا العمل ، وإنما القيمة في الاختيار ، أن يختار الشيء المستقيم ، وأن يمشي في الطريق المستقيم ، وأن يدع الطريق المنحرف ، هنا التثمين في هذا العمل ، قال تعالى :

 

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف : 29)

 مررت سيدي على الكثير من الأدلة النقلية من الكتاب والسنة ، ولكن بالإضافة إلى الأدلة النقلية هكذا علّمنا أهل العقيدة يقولون في الأدلة النقلية والأدلة العقلية ، الأدلة العقلية وكذلك بالمحسوسات ، والأمثلة الواقعية التي جرت في تاريخنا العربي والإسلامي .
الدكتور راتب :

الأدلة النقلية والعقلية والحسية :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

1 ـ النقل الصحيح :

 أستاذ علاء ، من فضل الله علينا أن الأدلة على أحقية هذا الدين العظيم متنوعة ، فحينما تخاطب إنساناً يؤمن بالقرآن الكريم كوحي من السماء تأتيه بأدلة نقلية ، لكن لو أردت أن تقنع إنساناً ، القرآن الكريم يحتاج إلى دليل على إنه من عند الله عز وجل ، هناك أدلة عقلية ، أنا أرى أستاذ علاء ، وأرجو أن أكون مصيباً أن الله هو الحق ، الحق ما جاء به النقل الصحيح ، وأركز على كلمة صحيح ، لأن هناك نقلا غير صحيح .
الأستاذ علاء :
 يعني قطعي الثبوت قطعي الدلالة .
الدكتور راتب :

2 ـ العقل الصحيح :

 وما قبِله العقل الصريح ، وأركز على العقل الصريح ، لأن هناك عقلاً تبريرياً ساقطاً عند الناس جميعاً .

3 ـ الفطرة السليمة :

 وما ارتاحت إليه الفطرة السليمة ، وأركز على كلمة سليمة ، لأن هناك فطرة منطمسة ، قال تعالى :

 

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة المطففين)

4 ـ الواقع الموضوعي :

 وما أقره الواقع الموضوعي ، وأركز على كلمة موضوعي ، لأن هناك واقعاً مزوراً .
 مثلاً : الآن كل عمل عنيف في العالم يعزَى إلى المسلمين .
 لي صديق يحتل مكانة رفيعة في بلاد الغرب ، هو رئيس الجالية الإسلامية كلها ، أجرى دراسة لسنة أو أكثر ، النتيجة أن أعمال العنف في ذاك البلد الغربي البعيد نسبة المسلمين من المتسببين بهذه الأعمال ثلاثة بالمئة فقط ، إذاً هناك واقع مزور ، وهناك فطرة منطمسة ، وهناك نقل غير صحيح ، وهناك عقل تبريري ، فالذي أراه ، وأرجو أن أكون مصيباً أن الحق دائرة تتقاطع فيها خطوط أربعة خط النقل الصحيح بالتأويل الصحيح ، وخط العقل الصريح المبتعد عن العقل التبريري النفعي ، وخط الفطرة السليمة التي تتناقض مع الفطرة المنطمسة ، وخط الواقع الموضوعي .
 فنحن في حلقات سابقة أكرمنا الله عز وجل ببيان الأدلة النقلية في القرآن والسنة ، والأدلة الصحيحة ، لأنه كما تفضلت قيمة الدليل أن يكون قطعي الثبوت ، وقيمة الدليل الحاسم أن يكون قطعي الدلالة ، فإذا كان الدليل قطعي الثبوت ، وقطعي الدلالة فهو الدليل الكافي لإقرار قضية في الدين ، أما وقد أردنا في هذه الحلقة المباركة إن شاء الله أن ننتقل إلى أدلة أخرى ، ولنأخذ الدليل العقلي .

وجودُ الأمرِ والنهي دليلٌ على اختيار الإنسان :

 أستاذ علاء ، لو بنينا جدارين بعرض منكب إنسان ، القضية افتراضية ، حيث لو مشى بينهما لمس الجدار الأيمن كتفه الأيمن ، ولمس الجدار الأيسر كتفه الأيسر ، ثم أمرنا هذا الإنسان أن يأخذ اليمين ، أيّ يمين هذا ؟ الإنسان إذا كان مسيّراً فمن السذاجة أن تأمره بشيء ما ، أو بالتعبير المادي إذا كان يمشي في طريق إجباري ، في طريق لا يستطيع أن يحيد عنه يمنة ولا يسرى ، فمن السذاجة ومن الحمق أن تعطيه أمراً ، لا معنى لهذا الأمر ، كلمة خذ اليمين لمن يمشي في طريق بعرض منكبيه كلام فارغ ، ليس له معنى إطلاقاً ، وبما أن القرآن الكريم طافح بالأوامر والنواهي ، ولأن السنة النبوية الصحيحة الشريفة طافحة بالأوامر والنواهي ، معنى ذلك أن الإنسان مخير عقلاً ، لوجود الأوامر والنواهي .
الأستاذ علاء :
 طالما هناك أوامر ونواهٍ فهو مخير ، ليس هو بين جدارين وبينهما فراغ بعرض كتفه .
الدكتور راتب :
 حينما يكون ابنك معك في المركبة ، وأنت تقود المركبة ، وسوف تعود إلى البيت الساعة الثامنة ، فلا معنى أن تقول لابنك : إياك أن تتأخر ، هو معك ، وفي المركبة ، أما إذا أرسلته إلى مكان ما فتوصيه ألا يتأخر ، لأنه هو حينما خرج من البيت حر توصيه ألا يتأخر ، إذاً : لمجرد وجود الأمر والنهي في الكتاب والسنة ، ولأن هذه الأدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة ، إذاً : يستنتج منها أنه مخير .

عظمةُ الدين انتفاعُ الإنسان العالم والجاهلُ به :

 لكن هناك نقطة دقيقة في موضوع ، عظمة هذا الدين أن الإنسان غير المتعلم يتفاعل معه أعلى تفاعل ، وأن الإنسان المثقف في أعلى درجة يتفاعل أيضاً من قاعدة أصولية دقيقة ، وهي أن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به ، كيف ؟
 أنا أجلس في غرفة ، وأحمل دكتوراه في التكييف ، وعندي مكيف ، أضع يدي على مفتاح التشغيل ، يأتي الهواء البارد ، أنا أعلم بالتفاصيل المملة ، ماذا يجري في هذا المكيف ، فيه غاز مضغوط له خصائص خاصة ، إلى آخر ذلك ، ويأتي إنسان أمي لا يقرأ ولا يكتب ، وهو في غرفة ، وفيها مكيف ، يشعر بالحر ، يضغط يده على مفتاح التشغيل فيأتيه الهواء البارد .
الأستاذ علاء :
 تساوى الاثنان في النفع .
الدكتور راتب :
 لذلك عظمة هذا الدين أنك لو لم تفهم حكمة الأمر قطفت كل ثماره ، ولو لم تفهم حكمة النهي قطفت كل ثماره ، لكن الدعاة إلى الله يحتاجون إلى التعليل ، والشرح وبيان الحكمة ، فيقنع الناس بأحقية هذا الدين ، بينما أيّ إنسان لم يصب شيئاً من علم لمجرد أن يكون صادقاً فهو محترم في المجتمع ، إذا كان أميناً يغنيه الله عز وجل ، فينال ثقة الناس ، إذا كان عادلاً فهو محبوب إذا كان زوجاً مستقيماً فعنده سعادة زوجية ، إذا كان أباً مربياً في أولاد أبرار .
 إذا طبق الإنسان قواعد الدين ، لمجرد أنه طبقها يقطف كل ثمارها ، ولو طبق هذا الدين عن علم وعن فهم ، أو عن غير علم وفهم ، لأن الانتفاع بالشيء في الدين ليس أحد فروع العلم به ، لكن الدعاة يحتاجون إلى علم وإلى توضيح ، وإلى بيان وإلى إقناع ، لحمل الناس على طاعة الله .

فضلُ العلم :

 هذا ينقلنا إلى أن في حياة الناس صنفين ، صنف يعبد الله ، ويقطف كل ثمار الدين ، لكن خيره محدود ، وصنف آخر يدعو إلى الله بعلم وحكمة ، وتفاصيل وأدلة ، وبيانات ، ويرد على الشبه والضلالات ، هذا نفعه عميم ، لذلك عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( فَقِيهٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ ))

[ الترمذي ]

 عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ))

[ الترمذي ]

 وهناك مسافة كبيرة ، وأنا أقول دائماً : ما من عطاء أعظم عند الله من العلم .
 كنت أقول دائماً : طفل صغير قال : معي مبلغ عظيم ، قدّره بمئتي ليرة ، وإنسان مسؤول كبير يقول : أعدننا لحرب العراق مبلغاً عظيماً ، نقدره بثلاثمئة مليار ، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك :

 

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

( سورة النساء)

 لذلك قال العلماء : أعظم كرامة على الإطلاق كرامة العلم ، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، وإذا ظن أنه قد علم فقد جهل !
 طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، ولأن الإنسان يحب وجوده ، ويحب سلامة وجدوه ، ويحب كمال وجوده ، ويحب استمرار وجوده ، إذاً : يشقى حينما يجهل ، فالجهل أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، بل إن أزمة أهل النار في النار هي العلم ، قال تعالى :

 

﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

( سورة الملك : الآية 10)

العقل يدل على أن الإنسان مسيَّرٌ :

 الأدلة التي تؤكد أن الإنسان مخير منها ما هو عقلي ، لا يعقل أن تسير في طريق إجباري ، وحول الطريق جداران بحجم عرض منكبي الإنسان ، ثم يؤمر أن يتجه نحو اليمين أو نحو اليسار ، ولأن في القرآن الكريم مئات الأوامر والنواهي ، ولأن في السنة الصحيحة مئات الأوامر والنواهي ، فهذا يقتضي أن يكون الإنسان مخيراً ، والشيء الذي لا يصدق أنه لا يعقل ولا يقبل أن يكون في كلام الله كلاماً ليس له معنى ، فإذا كان الأمر والنهي ، والإنسان مسير ، فهذا كلام ليس له معنى .
 حينما أجمع الطلاب في أول يوم من العام الدراسي ، وأتلو عليهم أسماء الناجحين في آخر العام والراسبين ، فلا معنى من قولي لهم : ادرسوا ، واجتهدوا ، وضاعفوا جهودكم ، هذا كلام مضحك .

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له  إيّاك إِيّاك أن تبتل بالماء
***

 في الدليل الواقعي ليس ممكنًا أن تكون مدير مؤسسة ، وترسل إنسانًا بمهمة إلى مكان ، وفي اليوم التالي ترفع إليك جدول الدوام ، فإذا على اسمه غين ، أنت أرسلته بمهمة ، هل يعقل أن تعاقبه ؟
الأستاذ علاء :
 وإذا تمت العقوبة يكون الخلل .
الدكتور راتب :

العقلُ لا يحيط بالله :

 قال تعالى :

 

﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾

( سورة الفتح : 6)

 لذلك ورد في بعض الأحاديث حسن الظن بالله ثمن الجنة .
 إله عظيم أستاذ علاء قال :

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

( سورة الزلزلة )

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

( سورة سبأ)

 ولكن الناس أحياناً يتمنون أن يعملوا عقولهم في عدل الله ، هناك يحبطون ، لماذا ؟ لأنك لا تستطيع أن تكتشف عدله بعقلك إلا في حالة مستحيلة أشد الاستحالة ، أن يكون لك علمٌ كعلم الله ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾

( سورة الكهف)

 حينما خرق السفينة قال :

 

﴿ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ﴾

( سورة الكهف)

الأستاذ علاء :
 وهذا سيدنا موسى سيدي .
الدكتور راتب :
 لكن الله عز وجل آتى الخضر علماً لدنّياً ، أن هناك مَلكاً يأخذ كل سفينة غصبا ، فلذلك أنا لا أستطيع بعقلي المحدود أن أكشف عدل الله ، هناك مليون سؤال ، هذا ينقلنا إلى أن لله آيات ، لله آيات كونية ، وآيات تكوينية ، وآيات قرآنية ، الكون كله آياته الكونية ، الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي الكريم قرآن يمشي ، فحينما أتفكر في خلق السماوات والأرض أرى العلم والحكمة ، والرحمة والحلم ، والعدالة المطلقة في الكون ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( تفكروا في مخلوقات الله ، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

[ ورد في الأثر ]

 وحينما أضيف إلى الآيات الكونية الآيات القرآنية يعني :

 

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾

( سورة آل عمران : 165)

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

( سورة محمد : 19)

 فإذا جاءك ما تكره استغفر لذنبك ، الله غني عن تعذيبنا ، قال تعالى :

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

( سورة النساء : 147)

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

( سورة سبأ )

 أن نتصور إنسانًا أُجبِر على عمل ، ثم يحاسب عليه ، هذه فكرة مضحكة ، والله ، وفكرة تدعو إلى الشلل ، وما أقعد الأمة الإسلامية عن العمل إلا عقيدة الجبر .
الأستاذ علاء :
 سيدي ، عقيدة الجبر كما تفضلت أن الإنسان مجبر على هذا التصرف ، هل هذه العقيدة نبتت وولدت في الثقافة العربية والإسلامية ، أم أنها جاءت دالفة ، وجاءت بشكل مرسوم ، لكي تقعد الأمة عن العمل ، ولكي تتخلف الأمة عن ركب الحضارة ؟
الدكتور راتب :

عقيد الجبرِ دخيلة على الإسلام مكدِّرة لصفوِه :

 أنا أتصور أن الإسلام العظيم يشبه نهراً ، مثلاً نهر بردى ، لو ذهبنا إلى منبعه لرأينا ماء عذباً فراتاً سائغاً للشاربين ، فإذا ذهبنا إلى مصبه ، وقد أتته الروافد والمياه المالحة لرأينا ماءً أسود اللون ، أنا أتمنى أن نرجع إلى الينابيع ، إلى أصول الدين ، أن أحكم الكتاب والسنة في حياتنا ، هذا الدين دين الله .
 أستاذ علاء ، لا يكون هذا الدين إلا متناسباً مع كمال الله ، حتى إن بعض العلماء قال : من دعا إلى الله بمضمون سطحي بمضمون غير متماسك ، بأسلوب غير تربوي بأسلوب ، غير علمي ، المدعو بهذا المضمون السطحي ، وبهذا الأسلوب غير العلمي والتربوي لا يعد عند الله مبلغاً ، لأن هذا الإنسان بفطرته يعتقد أن الله عظيم ، وينبغي أن يكون دينه عظيماً ، لا يمكن أن نقزم هذا الدين إلى أساطير ، وإلى منامات ، وإلى شطحات أحياناً ، وإلى كرامات ، وإلى أشياء غير معللة ، وأشياء تتناقض مع العلم .

حقائق العلم لا تتناقض مع العلم :

 عندنا قاعدة ، أن حقائق العلم القطعية يجب أن تتوافق مع الدين العظيم ، لماذا ؟ لكنني أتحفظ ، أنا لا أثني إطلاقاً على الدين إذا وافق العلم ، إنما أثني على العلم إذا وافق الدين ، الدين هو الأصل ، هو وحي السماء ، لكن الشيء الذي لا يختلف عليه اثنان أن توافق العلم مع الدين حتمي ، السبب : العلم مجموعة قوانين قننها الله عز وجل و الدين وحي السماء و المصدر هو الإله فهل يعقل أن يكون فرعان من مصدر واحد متناقضان ؟
 مثل آخر : أنا أبيع أقمشة فرضاً ، أعطيك مئة ثوب ، على كل ثوب رقم طول الثوب ، أعطيك متراً ، إن شككت فهذا المتر ، أيعقل أن أعطيك متراً يكشف أن هذه اللصاقة غير صحيحة ؟ مستحيل ، الله عز وجل الآيات التي تتحدث عن العقل والتفكر تقترب من ألف آية .
الأستاذ علاء :
 سيدي ، نحن كنا نتمنى أن نكمل في مسألة الأدلة العقلية ، والأمثلة العملية الحقيقة ، لكن الوقت حان وإن شاء الله في الحلقة ، ماذا اخترت لنا من فقرات العلمية ؟
الدكتور راتب :
 والله :

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام :38)

الموضوع العلمي : مجتمع النمل مجتمع التكافل :

 أستاذ علاء ، موضوع النمل شيء لا يصدق ، مجتمع من أرقى المجتمعات ، لكن هذا المجتمع غير عاقل ، تعيش مئات الآلاف ، وأحياناً ملايين من أفراد النمل تشكل مستعمرة متكاملة ، يقوم كل فرد من هذه المستعمرة بواجبه الذي عليه دون إخلال ، لا يتبرم ، أي فرد من موقعه وطبيعة عمله ، بل المهم هو استمرار المستعمرة التي يعيش فيها ، لهذا يضحي بحياته من دون تردد ، هذا موقف الاستشهادي عند النمل ، لن تصادف فرداً واحداً جائعاً أو دون مأوى في هذا المجتمع ، لما بين النمل من تكافل وتعاون وتضحية وإيثار ، كما رأينا تتقاسم النمل حتى قطرة الماء ، والطعام الذي يُجمع ويدخر في مملكتها أيضاً يكون متاحاً للجميع ، لا يرى من بينها من تتصف بالأنانية ، وليس بينها واحدة مشردة كل نملة جزء حي من منظومة هائلة .
 كل نملة تقوم بواجبها ، وتؤدي مهمتها بقوة في مملكتها ، النمل بمنظماته الجماعية وحياته الاجتماعية التي تفوق البشر آية من دلائل صنع الله عز وجل في الأرض .

أنواع النمل من حيث وظيفتها :

 لنبحث الآن في بعض أنواع النمل ، لنرى معاً معجزة الخلق التي تجلت في هذه الكائنات الصغيرة .

1 ـ النملة الخيّاطةُ :

 نبدأ بالنملة الخياطة ، هنا الغابات المطيرة في أستراليا ، هذه الأشجار تؤوي أكبر مستعمرات في العالم للنملة الخياطة .
 تبني النملة الخياطة التي يبلغ طولها ستة ميليمترات مملكتها بنفسها ، يتم بناء المملكة بفضل التعاون المعجز ، المواد الأساسية التي تستخدم في بناء هذه المملكة هي الأوراق .
 المرحلة الأولى تُجَمع الأوراق في مكان واحد ، وذلك لإمكانية لصقها ببعضها ، ولأجل ذلك تُكَون النملات العاملة فيما بينها سلسلة حية ، يمسك بعضها ببعض ، وتشد لجهتها في الطرف الآخر ، وتستخدم فيها أعجب التقنيات ، النملة التي تشاهدونها تحمل دودة ، أختها التي لم تخرج إلى الحياة بعد ، المكان الذي أتت بها إليه هو بالضبط قسم لصق الأوراق ببعضها ، وتبدأ الدودة مباشرة بإفراز حرير لاصق ، هذه النملة العاملة كما نشاهدها تنسج الأوراق بمسدسها اللاصق بشكل مكوكي ، وتلحم بعضها ببعض ، النملات البالغة غير قادرة على إنتاج الحرير المستخدم كلاصق ، وحرصاً على مستقبل المملكة تضحي الدودة الصغيرة بكل الحرير الذي تحتاجه لنفسها ، مما يتسبب ذلك في نقص نموها ، ولن تبقى نملة كاملةً ، غير أن هذه التضحية لا تذهب أدراج الرياح ، فإن النملات العاملة ترعى هذه الدودة داخل مملكتها على آخر حياتها .
 كما نرعى أبناء الشهداء ، قال تعالى :

 

﴿ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾

( سورة الأنعام : 38)

 بالضبط ، عملية نسج الأوراق تستلزم تعاوناً كبيراً ، ولذلك تعمل بعض العاملات من الداخل ، وبعضها الآخر من الخارج ، وبهذا تلتحم الأوراق ببعضها إلى أقصى درجات المتانة ، البناء الذي أنشئ معجزة هندسية من ناحية سهولة الاستخدام والمتانة وتقنية الإنشاء .
 تعرف النملات بشكل ملهم في أي موضع تشد الأوراق ، ومن أين تربط خيوط الحرير دون حاجة إلى أي إدارة أو مراقبة ، ولهذا يصف العلماء تصرفات هذه الكائنات الصغيرة التي تعمل معاً كدماغ واحد بأنها معجزة كبيرة .
 إن اشتغال هذه الكائنات الصغيرة التي لا تملك عقلاً ، وليس لها قائد يقودها ، ويحركها وفق خطط تصل إلى أقصى درجات الذكاء للوصول معاً إلى غاية مشتركة .

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

( سورة الطلاق : 12)

الأستاذ علاء :
 عندما يتفكر الإنسان في هذه المخلوقات صغيرة الحجم كيف تفكر ، وكيف تجعل من نفسها مجتمعاً كبيراً له نظامه ، وله أسسه ، وله مبادئه ، ونواميسه ، ويعيش حياة كلها تعامل ، وكلها تآزر ، لمواجهة الأخطار ، وفي بسط الراحة وحاضنة العيش تسبق الإنسان .
الدكتور راتب :

نظام النمل بأمرٍ تكويني :

 لكن لا بد من تعليق ، هذا النظام الرائع بأمر تكويني ، بينما الإنسان إذا تفوق في أخلاقه بأمر تكليفي له أجر مقابل ذلك .
الأستاذ علاء :

خاتمة وتوديع :

 الحقيقة كنا نتمنى أن يكون الوقت أكثر من ذلك لنستزيد من هذا العطاء الجميل ، ونحن في هذه الواحة الطيبة لا يسعنا أعزائي المشاهدين إلا أن نشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، إن شاء الله نلتقي في الحلقة القادمة ، شكراً ، وإلى اللقاء .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018