الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 35 - الشهوة - الشهوة الجنسية - صور المشيمة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 35 - الشهوة - الشهوة الجنسية - صور المشيمة


2006-08-28

الأستاذ علاء :

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، أهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة ، من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، وزلنا في معية الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق .
أهلاً وسهلاً بأستاذنا الكريم .
الدكتور راتب :
أهلاً بكم أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ علاء :

تذكير بما سبق :

بدأنا منذ حلقات نتحدث عن موضوع الشهوة كمقوم من مقومات التكليف ، وتعرفنا من خلال بحثكم ، ومن خلال تدقيقكم في هذه القضية أن الشهوة قوة كامنة ، إذا أُحسن استخدامها صار الإنسان بقوة دفع أعطت المعجزات ضمن أطر ، وقانون ، وحدود ، وضمن غرز ، وإذا تفلتت خارج غرز ، أو خارج حد ، أو خارج أُطُر تحولت الشهوة إلى قوة مدمرة تفني الإنسان ، وتفني معه مجتمعه الذي يعيش بين جوانحه .
تبينا أيضاً أن الشهوة في رأسها ترتكز على مسألتين : الجنس والمال ، وكل الفضائح ، وكل القضايا على هذه البسيطة ، على الكرة الأرضية تتلخص في قضيتين اثنتين : قضايا جنسية ، والثانية قضايا المال ، وقضايا الفساد ، وقضايا الاختلاس ، وكم من قضية أذهبت بصاحبها ، وبمركزه ، وبسلطانه ، إما من قضية اختلاس ، قضية مال ، أو من قضية جنس ، وقضية فساد .
تحدثنا في مسألة الجنس ، وتحدثنا عن العفة والإعفاف ، وعن غض البصر ، وعن سد الذريعة ، وعن الاحتشام ، وعن كل المسائل التي تمنع الوصول إلى الفاحشة ، وتحدثنا عن رفع السوية الروحية للفرد ، وتحدثنا عن الصيام الذي أوصى به النبي عليه الصلاة والسلام ، هنالك الكثير من القضايا التي تحدثنا عنها إذا ما تبعها المرء سار سيراً حسناً ، كمن يمشي على الموجة الخضراء الذي ولا يقف عند الإشارة الحمراء ، يمشي على موجة خضراء لسرعة معينة ، يسلك هذه السابلة ، وهذا الطريق دون عوائق ، لكن إذا انحرف الإنسان ، أو زلت قدمه في متاهة ، وارتكب المعصية ، أو اقترب منها ، كانت التوبة وكان هنالك رجوع ، ماذا بقي في موضوع الجنس لننتقل إلى المال سيدي ؟
الدكتور راتب :

من معاني الرب : تربية العباد ببعض العقوبات في الدنيا :

رب أي المربي
أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً ، بقي في الموضوع أن الله سبحانه وتعالى رب العالمين ، وماذا تعني كلمة رب ؟ أي هو المربي ، كان من الممكن أن ترجئ العقوبات إلى يوم القيامة ، وفي الأعم الأغلب سيتورط معظم الناس في المعاصي والآثام ، والمعاصي محببة إليهم ، ويغفلون عن ساعة الحساب .
شاءت حكمة الله أن يكون هناك عقاب دنيوي رادع ، لأن الله عز وجل رحيم بعباده ، يمكن أن يذيق الله عباده بعض الذي عملوه :

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة الروم )

والآية واضحة جداً :

 

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

( سورة الروم الآية : 41 )

يمكن أن يضاف الآن الجو :

 

﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾

( سورة الروم الآية : 41 )

ظهر الفساد في البر والبحر
الفساد من صنع البشر ، لأن كل الخلائق عدا الإنس والجن مسيرون لصالحهم ، إلا أن الإنسان قبِل حمل الأمانة ، وتصدى لها ، وقال : أنا أهل لها يا رب .

 

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

فلما قبِل الإنسانُ حملَ الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض تسخير تعريف وتكريم ، فالكون مسخر له تسخير تعريف وتكريم ، وأعطاه العقل ، وقد تحدثنا عنه ملياً ، أعطاه الشهوة ، أعطاه الفطرة ، أعطاه الحرية ، أعطاه الشرع ، نحن في طور الحديث عن الشهوة ، هذه الشهوة كما تفضلتم في تقديم هذا اللقاء الطيب قوة دافعة إلى الله ، أو قوة مدمرة ، فلو أن الإنسان غفل عن ربه ، وغفل عن منهج ربه ، وغفل عن مصيره ، واتبع شهوته بلا ضابط ، وبلا رادع ، وبلا منهج ، وأراد أن يستمتع بالحياة ، ولا يعبأ بما بعد الموت ، لو أن هذا الإنسان ترك على ما يريد وجاءه الموت استحق العذاب الأبدي ، لكن لأن الله رب العالمين ، ولأنه رحمن رحيم ، يعالجه في الدنيا لعله يتوب ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

مراحل المعالجة الربانية للعبد :

الهدي البياني أول مرحلة
وتحدثت في لقاءات سابقة أن الله سبحانه وتعالى من حكمته البالغة أنه يبدأ مع الإنسان بالهدى البياني ، يسمع خطبة ، درسا ، شريطا ، محاضرة ، ندوة ، هدى بياني ، وهو في كامل صحته ، والله ينتظر منه أن يستجيب .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 24 )

فإذا لم يستجيب قال تعالى :

 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

المعنى المعاكس المخالف الرائع : الذي يتبع هواه وفق هدى الله فلا شيء عليه ، أودع الله في الإنسان حب المرأة ، ففتح له قناة الزواج ، أودع الله في الإنسان حب المال ففتح له قناة الكسب المشروع .
إذاً : ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، وليس في الإسلام حرمان ، ولكن لأن الله رب العالمين ، ولأنه رحمن رحيم ، ولأنه خلق الإنسان ليسعد في الدنيا والآخرة يربِّيه ، فكيف يربِّيه ؟ يسوق له من الشدائد ما يردعه بها عن انغماسه بالشهوات المحرمة .

 

العلاقة العلمية والعلاقة الوضعية :

لكن الشيء الذي أتمنى أن يكون واضحاً لدى الإخوة المشاهدين أن هناك علاقة وضعية ، وعلاقة علمية ، ما الفرق بينهما ؟ العلاقة الوضعية أنا اخترعت علاقة ، وفرضتها بحكم قوتي ، أقول لابني : اخرج من هذا الباب ، ولا تخرج من هذا الباب ، البابان معدَّان للخروج ، أنا أردت أن أنظم الحياة في البيت ، البيت له بابان ، واحد للدخول وواحد للخروج ، فرضاً ، هذه العلاقة اخترعها الأب ، فهي وضعية ، أما حينما يضع الطفل يده على المدفأة المشتعلة تحترق يده ، هذه علاقة علمية ، لأن وضع اليد فيه بذور الاحتراق ، فالعلاقة علمية .
حينما أفهم أن كل أوامر الله ، وكل النواهي بينهما وبين النتائج علاقة علمية ، علاقة سبب بنتيجة ، فهذه أخطر فكرة أقولها .
حينما أقرأ لوحة كتب عليها : " حقل ألغام " ، لا أحقد أبداً على واضع اللوحة ، بل أشكره من أعماق نفسي ، لا أرى اللوحة حداً لحريتي ، بل أراها ضماناً لسلامتي .
الشرع هو لضمان سلامتك وليس للحد من حريتك
حينما أقرأ لوحة : " ممنوع الاقتراب من التيار " ، القضية ليست مع الشرطة ، وليست مع القوانين ، وليست مع المخالفات ، وليست مع المساءلة القانونية ، وليست مع العقاب البشري ، التيار نفسه يعاقب الذي اقترب منه ، يجعله فحمة سوداء .
حينما أصل مع الإخوة المشاهدين إلى أن يعتقدوا اعتقاداً جازماً أن العلاقة بين الأوامر والنواهي علاقة علمية علاقة سبب بنتيجة فقد وصلنا إلى نتيجة كبيرة .
تصور إنسانًا اقترب من منطقة خطر لتيار توتره عالٍ ، ورأى لوحة الكهرباء : " ممنوع الاقتراب من التيار " ، حينما تراه يتلفت يمنة ويسرى ، ويقول : هل هناك شرطي يحاسبني ؟ فهو في حضيض الغباء ، ليس الموضوع موضوع شرطة ، ولا ضبط ، ولا مساءلة ، التيار يعاقبك .
لحكمة بالغةٍ الله عز وجل توعد كل العصاة بنتائج من جنس عملهم .
الأستاذ علاء :
مرة سقت لنا مثالاً للجسر الذي يتحمل أوزانًا معينة ، وجاءت شاحنة تفوق في حملها استطاعة ذلك الجسر ، وتلفت السائق : هل هنالك شرطي ؟
الدكتور راتب :

حبُّ السلامة واستمرارُها مطلب كلِّ إنسان :

ليس الموضوع موضوع شرطي ، إذا هُدم الجسر يسقط في النهر ، هذه الفكرة التي أتمنى أن تكون واضحة لدى الإخوة المشاهدين ، أما المعاصي التي نهى الله عنها فيها بذور نتائجها ، وأن العلاقة بين المعاصي ونتائجها علاقة علمية ، أي علاقة سبب بنتيجة .
التعليمات التي ينبغي أن تتبع هي تعليمات الصانع الخبير
حينما يحب الإنسان نفسَه ، حينما يكون بالتعبير الدارج أنانياً ، حينما يحرص على سلامته ، حينما يحرص على وجوده ، حينما يحرص على سلامة وجوده ، حينما يحرص على كمال وجوده ، حينما يحرص على استمرار وجوده يطيع الله عز وجل ، وحينما يطيع الله عز وجل يطيعه بدافع حب لسلامته ، لأن الله هو الصانع ، وتعليماته هي التعليمات الوحيدة التي ينبغي أن تتبع ، وما من تعليمات يجب أن تتبع إلا تعليمات الصانع الخبير .
كل إخواننا الكرام الذين اقتنوا سيارات ، كل متاعبهم لأنهم لم يقرؤوا تعليمات المعمل .
إن الإنسان بدافع من حبه لذاته ، من أنانيته ، ينبغي أن يطيع الله عز وجل ليضمن سلامته وسعادته ، وأنا أصر وأقول : في القارات الخمس 6 آلاف مليون إنسان ، ما من إنسان واحد إلا وهو يتمنى سلامته وسعادته .
الأستاذ علاء :
هنالك كما تفضلت ارتباط بين المعصية كسبب ، وبين النتيجة ، النتيجة العلمية الارتباط ، أو العلاقة السببية العلمية ، فكلُّ معصية يرتكبها الإنسان بالعلاقة العلمية تؤدي إلى نتائج وخيمة تهدد حياة الإنسان ، هل من شروح لهذا الأمر ؟
الدكتور راتب :

العاقل يحكمه النص ، وغير العاقل يحكمه الواقع :

أنا أضرب هذا المثل دائماً : العاقل يحكمه النص ، بينما الدابة يحكمها الواقع .
حين يحكمني الواقع أهبط عن مستوى انسانيتي
مثلاً : أنا لي مبلغ كبير جداً في مدينة حمص ، والأيام أيام شتاء ، وركبت مركبتي ، وتوجهت إلى حمص ، فإذا لوحة صغيرة جداً كتب عليها : " الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في مدينة النبك ، أنا أرجع من ظاهر دمشق ، ولا يمكن لعاقل واحد قرأ هذا النص أن يتابع السير ، لكن لو أن دابة تمشي على هذا الطريق أين تقف ؟ تقف في النبك ، عند انقطاع الطريق بالثلج .
حينما يحكمني الواقع أنا أهبط عن مستوى إنسانيتي ، وحينما يحكمني النص أنا أرقى إلى مستوى إنسانيتي .
مثل أقرب : هذا الذي يدخن ، ويدخن ، إلى أن فوجئ أن ورماً خبيثاً في رئتيه ، لا شك أن عندئذٍ يمتنع عن التدخين ، لكن هذا ليس عاقلاً أبداً ، ينبغي أن تمتنع عن التدخين بعد أن تقرأ بحثاً علمياً مخيفاً عن آثار التدخين ، أو بعد أن تقرأ حكماً شرعياً يردع المدخنين ، أما حينما يصاب الإنسان بمرض عضال ، ويمتنع فهذا أمرٌ عادي جداً ، هو كالدابة حكمها الواقع .
الأستاذ علاء :
السعيد لا يحكم بالواقع ، يحكم بالنص ، والسعيد من اتعظ بغيره .
الدكتور راتب :

العاقل يحب ويكره بعقله :

العاقل من يحب بعقله وليس بشهواته
بكلام الخبير ، السعيد لا يتعلق بالنتائج المادية ، بالمتوقعات العقلية ، لذلك قالوا : من هو العاقل ؟ الذي لا يندم ، هو استمرأ شهوة ، استمرأ معصية أحبَّها ، ركن إليها ، نسي الوعيد ، مهمة الشيطان أن يعطيك إيجابيات المعصية ، تُسر ، الحياة سرور ، أنت شاب فعِشْ شبابك ، يزيِّن له إيجابيات المعصية ، والمعصية لها إيجابيات لا تصدق ، المعصية محببة للناس جميعاً ، يزين له إيجابيات المعصية ، ويغيِّب عنه نتائجها الوبيلة ، فمَن هو العاقل ؟ هو الذي يحب بعقله ، ويكره بعقله ، أما الذي يحب بأحاسيسه وشهواته فليس عاقلا .
دعك من كل الأمثلة : الطعام والشراب ، مَن هو الذي يتمتع بصحة رائعة لأمد طويل ؟ هو الذي يعتني بطعامه ، وشرابه ، ولا يساق وراء شهوته ، الطعام طيب ، وهناك طعام يميت .
القضية أن نحب بعقولنا ، وأن نكره بعقولنا ، أما إذا وضعنا الأحاسيس مكان العقول نتفلت من كل منهج وضعه الله لنا .
الأستاذ علاء :
الله عز وجل أنزل هذا المنهج ليعمل المرءُ عقلَه ، هذه الجوهرة التي منحه وأعطاه الله إياها ، هذه الوديعة أن يُعمِلها ، وألاّ يعطِّلها ، وأن يُعمِلها في كل شؤون حياته .
الدكتور راتب :

ابدأْ من النهاية :

وأنا أصر وأقول : هناك خطان لا ثالث لهما ، فإما أن تكون على الخط الأول ، وإلا فأنت حتماً على الخط الثاني ، والدليل :

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ﴾

ـ يا محمد ـ

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ﴾

أخطر حدث في حياة الإنسان مغادرة الدنيا
العبرة أستاذ علاء من يضحك آخراً ، الذي يضحك أولاً يضحك قليلاً ، ويبكي كثيراً ، والذي يضحك آخراً يضحك كثيراً ولا يبكي أبداً .
فلذلك البطولة أن أعيش المستقبل ، أنا أقول : الأغبياء وحدهم يعيشون الماضي ، ويتغنون بالماضي ، والأقلّ غباءً يعيشون الواقع ، بينما العقلاء يعيشون المستقبل ، ما هو أخطر حدث مستقبلي في حياة كل إنسان ؟ مغادرة الدنيا .
تصور بيتًا ثمنه ثمانون مليونًا سيغادر إلى قبر ، الصالونات ، الغرف ، الثريات ، السجاد الأصفهاني ، الأجهزة الحديثة ، سوف يغادر هذت كله إلى القبر ، لذلك في البرمجة العصبية اللغوية يقولون : " ابدأ من النهاية " .
أنا أرى بطولة الإنسان حينما يبدأ من الموت ، إذا تفكر في الموت يأخذ الدكتوراه ، ويؤسس معملا ، ويتزوج ، يكون بأعلى درجة من الإيجابية والعطاء في مجتمعه ، لكن التفكر بالموت يمنعه أن يعصي الله .
الأستاذ علاء :
لا ينسى الامتحان ؟
الدكتور راتب :

 

لابد من الامتحان لإظهار الفائز والخاسر :

الامتحان لا يُنسَى أبدا ، التفكر بالموت يمنعه أن ينزلق ، بل يسرع الخُطى إلى الله عز وجل .
أريد في هذا اللقاء الطيب أن أؤكد على هذه النقطة ، أن الله رب العالمين ، ومعنى أنه رب العالمين ، أي أنه يعاقب العصاة عقاباً دنيوياً لعلهم يرتدعون :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾

﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾

( سورة الروم )

والآن في العالم أربعون مليون إنسان مصاب بالإيدز ، وقد مات في العقدين الماضين 22 مليونا ، والرقم المخيف ، والرقم الحقيقي عشرة أضعاف ، هذا الذي يصدر من قِبَل الدولة ، وكلُّ إنسان جاء إلى البلد يُجبَر على تقديم فحص ، هذا الرقم مأخوذ من هذه الضبوط فقط ، وقد يكون الإنسان الذي يحمل هذا الفيروس خمسة عشر عاماً ، وهو ينقله لمئات الناس دون أن يشعر ، ولو شعر الناس ماذا يصنعون ؟
لذلك سافر إنسان إلى إيطاليا ، والتقى بامرأة بغي ، وفي الصباح غادرت قبل أن يستيقظ ، كتبت له على مرآة المرحاض : " مرحباً بك في نادي الإيدز " ، فانتحر فوراً .
حينما يعرف الإنسان أن الله عز وجل جعل للمعاصي نتائج ردع كبيرة جداً يراقب نفسه .
مرة سألني واحد : هل على العسل زكاة ؟ قلت له : طبعاً ، قال لي : والدي لا يفعل ، فقلت له كلمة لطيفة : عندنا حشرة اسمها قراد النحل ، لا تبقي ولا تذر ، إن دفعت الزكاة فقد دفعت القراد ، وإلا فهو جاهز .
قضية الردع قضية مهمة جداً ، هناك إنسان يستخدم عقله فيرتدع ، وإنسان يحكمه النص فيرتدع ، وإنسان تحكمه محبة الله ، يطيعه ، هذه أرقى شيء ، لا يعصي الله ، لا لأنه يخاف نتائج المعصية ، بل لأنه يحب الله ، ولا يحب أن يعصيه .
الأستاذ علاء :
المعصية مع المحبة لا تلتصقان .
الدكتور راتب :

 

لو كان حبُّك صادقاً لأطعته :

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه إن المحب لـمن يحب يطيع

حرصك على اتصالك بالله يدفعك إلى طاعته
مرة شاب التزم ببعض الدروس ، وسمع من شيخه أن لكل معصية عقاباً ، يبدو أنه زلت قدمُه ، فانتظر كما قال شيخه العقابَ من الله ، مضى أسبوع ، وأسبوعان ، ما حدث شيء ، صحته ، بيته ، سيارته ، دخله ، أولاده كلها في العافية ، في أثناء المناجاة قال : يا رب ، لقد عصيتك ولم تعاقبنِي ! فوقع في قلبه كما يقول بعض علماء القلوب : أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟
أستاذ علاء ، أنا أقول لك كلاماً : أكبر دافع للطاعة أنك حريص على صلتك بالله ، فلا تضحِّ بها من أجل معصية طارئة ، حرصك على اتصالك بالله يدفعك إلى طاعته ، هذه مستويات عالية جداً .
لذلك مرة أجرى علماء النفس استبيانا على ألف زوج ، السؤال كان : لماذا لا تخون زوجتك ؟ فالجواب صنف تصنيفاً أخلاقياً ، قسم كبير أجاب : لا أستطيع ، لأنها معه ، ملازمة له دائماً ، وقسم قال : لأنني لا أتحمل الشعور بالذنب ، أما أرقى من هذا فقال : لا أحب الخيانة .
أنا أقول : العقاب الذي وضعه الله في الدنيا للعصاة مهمته الأولى ردع الباقين ، لذلك أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا ، إلا اسم العدل فمحقق جزئياً ، الله يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين ، ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين ، أما الردع فمؤلم جداً .

 

حتى لا نفكِّر في الفاحشة :

الإيدز مرض مستعص
أستاذ علاء ، نحن نستسمح الإخوة المشاهدين عذراً بأن نريهم بعض الصور المزعجة ، لكن والله أرى منها فائدة كبيرة جداً لكل مَن تحدثه نفسه أن يعصي الله عز وجل الله عز وجل ، كأن مرض الإيدز مرض مخيف ، هو من سهولة الوقاية منه بشكل غير معقول ، يكفي أن تكون عفيفاً ، أما إذا جاء المرض فهو مرض مستعصٍ ، والخطأ الاستراتيجي عند الغربيين يريدون أن يتابعوا إباحيتهم ، لكن يبحثون عن مصول مضادة لهذا المرض ، كما لو أن مدينة تشرب ماء ملوثًا ، والأمراض انتشرت فيها ، الموقف العقلاني أن أوقف أنواع الممارسة ، أنا أريد أن أتابع التلوث ، وأن أستخدم أطباء ، وأن ابحث عن مصول ، وعن علاجات ، هذا خطأ كبير جداً ، لذلك :

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾

مرض خبيث في الفم
سيرى الإخوة المشاهدون بعض الصور المخيفة من أمراض جنسية تأتي بعد الزنا ، الصورة الأولى : هذا ورم أصاب اللسان ، صورة ثانية : أصاب الوجه ، تشوه أصاب الوجه ، صورة ثالثة : فطور ظهرت على جلد إنسان ، صورة رابعة : مرض خبيث في الفم ، وورم خبيث في الشفتين ، سقف الحلق قد ثقب ، اليدان ، الأرجل ، وهكذا ، هذه كلها صور تردع الإنسان عن أن يقترف معصية ، ينبغي أن يردعه عقله ، وينبغي أن يردعه صلته بالله عز وجل .
فلذلك نحن نريد من هذا اللقاء الطيب أن نؤكد للإخوة الكرام أن كل معصية وراءها عقاب في الدنيا ، فالذي يحرص على سلامته ينبغي ألا يتورط في هذه المعاصي والآثام .
إن الإنسان إذا أراد أن يقوم بعمل فليتدبر عاقبته ، وهذا هو العقل ، وإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أرادت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً ، لذلك طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، أعود إلى ما بدأت به ، بأن علاقة منهيات الله عز وجل بالنتائج إذا اقترفها الإنسان ، إذا نهى الله في قرآنه ، والنبي في السنة عن الإتيان بالمعاصي فالعلاقة بين المعصية ونتيجتها علاقة علمية ، وليست وضعية .
الدكتور راتب :
علاقة سبب بنتيجة ، فالذي يحب ذاته حريص على سلامته ، وسعادته يطيع الله عز وجل ، إن الله هو الصانع ، وتعليماته ينبغي أن تتبع ، وهو الخبير .

 

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

( سورة فاطر )

الأستاذ علاء :

 

الموضوع العلمي : الجنين :

الفقرة العلمية في هذه الحلقة ، لا زلنا عند الجنين ؟
الدكتور :
لا زلنا عند الجنين الآن الفقرة قبل الأخيرة ، وفي لقاء آخر نأخذ خاتمة الموضوع وهو الولادة .

1 – المشيمة :

المشيمة تصميم خارق يؤمن حياة الجنين والأم معا
الجهاز الذي نراه على الشاشة واحد من أجهزة الطفل ، وهو أحدث تقنية في العالم ، هذه وحدة دعم الحياة اللازمة للمرضى في العناية المشددة ، إلا أنه في أثناء مقارنة هذه التقنية التي تملأ غرفة بجهاز فائق آخر سنرى الفرق بينهما ، هذا الجهاز الفائق هو المشيمة التي تحيط بالجنين من الجهات كلها ، وتسد حاجته ، المشيمة وحدها تعمل كوحدة غسيل الكلية والقلب والرئة والكبد الاصطناعي ، وجهاز الهضم ، والدوران ، تقوم بجمع هذه المهمات في وقت واحد ، إنه تصميم خارق يؤمِّن حياة الطفل والأم معاً .

2 – دور المشيمة :

ما هي المكونة للمشيمة ؟ تعرف من بين ملايين الخلايا في بطن الأم ، هذه المشيمة تعرف بالضبط كم يحتاجه الجنين من الغذاء ، تأخذ الأوكسجين من دم الأم تطرحه في دم الجنين ، تأخذ الأنسولين تطرحه في دم الجنين ، تأخذ السكر تطرحه في دم الجنين تأخذ عوامل المناعة من الأم تطرحها في دم الجنين ، والآن تعرف ماذا يحتاجه الجنين من مقومات الغذاء ، من بروتينات ، والشحوم ، والفيتامينات ، والمعادن ، لا يستطيع أطباء الأرض مجتمعين القيام بهذه المهمة ، ولو تركت مهمة المشيمة لأطباء الأرض مجتمعين لمات الجنين في ساعة واحدة .
إنه شيء لا يصدق ، بل حينما تعطي الجنين السكر ، والأنسولين ، والأوكسجين يحترق السكر ، والفضلات تعيدها إلى دم الأم لتطرحها في أثناء تنفسها ، وحينما تأخذ البروتينات والمواد المرممة من الجنين يكون الاستقلاب في دم الجنين الناتج حمض البول ، تعيدها إلى الأم ، كي تطرحها مع جهازها البولي .

image

دورة الأم الدموية ودورة الجنين لا تختلطان

وحينما ينقص الجنين مادة معينة كيف يخبر أمه ؟ تشتهي الأم طعاماً فيه هذه المادة ، شيء لا يصدق ، هذا كله في هذه المشيمة ، والمشيمة فيها دورة دم الأم ، ودورة دم الجنين ، وكل دم له زمرة ولا يختلطان ، ولمجرد أن يختلط دم الأم بدم الجنين تموت الأم والجنين معاً ، ولا يختلطان ، بينهما هذا الغشاء العاقل ، شيء لا يصدق .
نحن نعطي معلومات بسيطة جداً يأخذها طلاب الطب في أول مراحل دراستهم ، أما الأمر فهو أعقد بكثير ، هذا يسميه العامة الخلاّص ، هذه المشيمة فيها من آيات الله الدالة على عظمته ما لا يصدق .
تنقل عوامل المناعة ، تنقل المادة الغذائية ، تعيد حمض البول ، تعيد ثاني أوكسيد الكربون ، جهاز اسمه غشاء المشيمة العاقل ، سماه الأطباء غشاء المشيمة العاقل ، لأنه يقوم بأعمال تعجز عنها العقلاء ، نحن ماذا نفعل عد الولادة ؟ نرميه في المهملات ، هذا القرص اللحمي يسميه العوام الخلاص هو عند الأطباء المشيمة ، وبين دورة دم الأم ، ودورة دم الجنين هذا الغشاء العاقل يقوم بمهمات يعجز عنها الأطباء ، والله الذي لا إله إلا هو قراءة تفاصيل هذا الموضوع يبعث في النفس إيماناً لا حدود له .
الأستاذ علاء :

 

خاتمة وتوديع :

كنا نتمنى أن نستمر ، لكن الوقت يداهمنا دائماً ، ولا يسعني إلا أن أشكر باسم السادة المشاهدين الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، ولنا متابعة إن شاء الله في هذا الموضوع .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018