الدرس : 45 - سورة البقرة - تفسير الآيات 128 - 130، المؤمن والعمل الصالح - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 45 - سورة البقرة - تفسير الآيات 128 - 130، المؤمن والعمل الصالح


1999-06-25

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الخامس والأربعين من دروس سورة البقرة .

العبرة في العمل قبوله لا حدوثه :

 مع الآية الثامنة والعشرين بعد المئة، وهي قوله تعالى :

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) ﴾

 وقبلها يقول تعالى :

﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) ﴾

 العبرة في العمل قبوله لا حدوثه، لأن العمل قد لا يُقبل:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23) ﴾

( سورة الفرقان)

ثلاث علامات تؤكد الإخلاص:

 أصل الإخلاص قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى )) .

[البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]

 فالعمل عند بعض العلماء لا يُقبل إلا بشرطين ـ وهذا كلام دقيق وخطير ـ لا يقبل إلا إذا كان صواباً، أي ما وافق السنة، وخالصاً أي ما ابتغي به وجه الله . وهناك تخليطٌ كثير بين عملٍ وافق السنة ولم يبتغَ به وجه الله، أو عملٍ ابتغي به وجه الله ولم يوافق السنة، العبرة أن يأتي عملك موافقاً للسنة مبتغياً به وجه الله حتى يُقبل:

﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا (127) ﴾

 العمل حينما يُقبل يمتلئ قلب صاحبه ثقةً بالله عزَّ وجل، وسكينةً، وسعادةً، وإن العمل إذا قُبل ألقى الله في روع المؤمن أنه قد قُبل عملك يا عبدي:

﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) ﴾

 عملٌ قليلٌ مع الإخلاص خيرٌ من عملٍ كثيرٍ من دون إخلاص، وذكرت مرَّةً ـ وهنا موضع الإشارة أو موضعٌ مناسبٌ لشرح هذه القضيَّة ـ ثلاث علامات تؤكِّد لك إخلاصك:

 

1ـ أنْ يستوي عندك الجهر والسر:

 العلامة الأولى: أنْ يستوي عندك الجهر والسر، أيْ الجلوة والخلوة، والباطن والظاهر، والسريرة والعلانية، فإذا استوى الداخل والخارج، أو المعلن والمخبَّأ، والسريرة والعلانية، أيْ إذا استوى ظاهرك مع باطنك، وخلوتك مع جلوتك فهذه إشارة من إشارات الإخلاص لله عزَّ وجل .

 

 

2ـ استواء استحسان العمل أو عدم استحسانه:

 الشيء الثاني: ألا يتأثر الإنسان المؤمن المخلص أبداً لرد فعلٍ سيئ لعمله الصالح، وهو لا يبتغي مديح الناس، ولا ثناءهم، ولا استحسانهم، ولا يستجدي عطفهم، بل هو يبتغي بعمله وجه الله عزَّ وجل، والإنسان حينما يبتغي بعمله وجه الله ينبغي له أن لا يعبأ بأحد، الحديث الصحيح:

 

((إِذَا لَمْ تَسْتَحِْ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ))

[البخاري عن أبي مسعود رضي الله عنه ]

 أيْ إذا لم تستحِ من الله، وإذا كان الله عزَّ وجل قصدك، وأنت تُرضي الله عزَّ وجل، وأنت واثقٌ من أن هذا العمل مطابقٌ للسنة، وأنك تبتغي به وجه الله فلا تعبأ بأحد .

 

3ـ السكينة في القلب:

 الحالة الثالثة من علامات الإخلاص: أن العمل الصالح إذا كان خالصاً ارتفع إلى السماء وعادت منه سكينةٌ على قلبك . فالسكينة في القلب، واستواء السر والعلانية، واستواء استحسان العمل أو عدم استحسانه، ثلاث علاماتٍ تؤكِّد أن العبد مخلصٌ لله عزَّ وجل .

 

﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) ﴾

علة وجودك على وجه الأرض بعد أن تؤمن بالله هو العمل الصالح:

 الناحية الثانية أيها الأخوة، منهج الله عزَّ وجل فيه ترك وفيه بذل، فإنسان ترك الغيبة، وترك النميمة، وابتعد عن الكذب والاحتيال فسلم، لقد بذل من ماله، وبذل من وقته وجهده وإمكاناته وخبرته فسعد، وأنت بالاستقامة على أمر الله تسلم، وبالعمل الصالح تسعد، وأوضح دليل:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾

( سورة الكهف )

 بل إن علة وجودك على وجه الأرض بعد أن تؤمن بالله هو العمل الصالح، لأنه حينما يأتي ملك الموت لا يندم الإنسان إلا على عمل صالحٍ فاته:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

(سورة المؤمنون)

 العمل الذي ينتهي عند الموت من أعمال الدنيا، والذي يستمر بعد الموت من أعمال الآخرة، فلو حسَّن الإنسان بيته هذا عمل مباح، لكن هذا العمل ينتهي عند الموت عندما يغادر الإنسان البيت إلى القبر، فهذه الزينة لا يمكن أن تنتقل معه أبداً، بل تبقى في البيت، أما حينما يدعو إلى الله، ويعمل عملاً صالحاً، ويدعْ ولداً صالحاً من بعده هذا العمل يستمر بعد الموت، فهذا مقياس دقيق دائماً وأبداً، عند كل عمل اسأل نفسك: هل ينتقل معي هذا العمل إلى القبر أم يبقى في البيت ؟ فالذي يبقى لا تحفل به كثيراً، والذي ينتقل معك إلى القبر احرص عليه . " يا قيس إن لك قريناً يُدفن معك وأنت ميت وتدفن معه وهو حي، إن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك ألا وهو عملك " .

المسلم الحق ينطلق إلى تطبيق الأمر لعلةٍ واحدة هي أنه أمر إلهي:

 يُؤتى بأناسٍ يوم القيامة لهم أعمالٌ كجبال تهامة، ولكن الله يجعل هذه الأعمال هباءً منثوراً، فقلق الصحابة الكرام قلقاً كبيراً، وقالوا: " يا رسول الله جلِّهم لنا، أي صفهم لنا " . قال:

(( إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

 كل شيء معلن موافق للشرع أما في السر فليس هناك خوفٌ من الله عزَّ وجل .

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)﴾

 بشكل مختصر المسلم إنسان مستسلم لله عزَّ وجل، مستسلم في طاعته لله عزَّ وجل، وفي عباداته، والإنسان الذي يفعل ما يراه لصالحه، ويعلِّق تطبيق أي أمرٍ على ما إذا كان هذا الأمر نافعاً له أو ضاراً هذا لا يعبد الله إنما يعبد ذاته، فالمسلم الحق ينطلق إلى تطبيق الأمر لعلةٍ واحدة هي أنه أمر إلهي، وما دام الله قد أمر ينبغي له أن يُطاع، والآمر جلَّ جلاله هو خالق الكون .
 عندما يكون الإنسان مع طبيب يثق بشهاداته العالية، وخبراته المتراكمة، وورعه إذا قال له توجيهاً، لا يفكر أن يسأله لأنه إنسان متفوق، فكيف مع الواحد الديان ؟‍! فنحن نبحث عن علَّة الأمر، ونبحث عن حكمة الأمر وهذا الشيء يقوي الدعوة، فإن أردت أن تكون داعيةً ينبغي لك أن تعلم حِكَمَ الأمور، ولكن المسلم الصادق حينما يثبت له أن هذا أمر الله عزَّ وجل لا يتردَّد ثانيةً في تطبيقه، ولا يعلِّق تطبيق هذا الأمر على معرفة حكمته .

 

الحكم الإلهي المقطوع به مجرَّد التفكير في فعله أو عدم فعله ضعفٌ في الإيمان:

 شاع الآن منهج جديد بين المسلمين، منهجٌ ليس من صُلب هذا الدين، وهو أنه لماذا أمرنا الله بكذا ؟ أقنعني !! أليس هذا الأمر في آيةٍ قرآنيةٍ ؟ ألا تؤمن أنت أن هذا القرآن كلام الله عزَّ وجل ؟ وأن هذا القرآن قطعي الثبوت ؟ وهذه الآية قطعيَّة الدلالة ؟ فأنت عليك أن تطبِّق، لكن الله جلَّ جلاله إكراماً لمن كان عبداً له، طائعاً، منصاعاً، مستسلماً، يكشف له حكمة هذا الأمر، فيجمع العبد عندئذٍ بين فضل العابد الذي استسلم لأمر الله، وعلم العالم الذي فقه حكم الله عزَّ وجل:

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ (128)﴾

 وقال:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 36 )

 إن خيارك في المباحات، أسافر أو لا أسافر، أشتري هذا البيت أو لا أشتري هذا البيت، أعمل في التجارة أو في الوظيفة، أوافق على هذه الفتاة أن أتزوجها أو لا أوافق، أما إذا كان هناك حكم إلهي مقطوعٌ به مجرَّد التفكير في فعله أو عدم فعله ضعفٌ في الإيمان.

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 36 )

 هذا المؤمن الصادق:

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ (128)﴾

حينما ينحرف الإنسان عن منهج الله يدفع الثمن باهظاً:

 الله جلَّ جلاله هو الحكيم، وهو العليم، وهو الرحيم، وأسماؤه كلُّها مُطلقة ؛ فالحكمة مطلقة، والعلم مطلق، والرحمة مطلقة، فأوامره لا بد من أن تنطوي على حكمةٍ، وعلى رحمةٍ، وعلى عدلٍ . وحينما ينحرف الإنسان عن منهج الله يدفع الثمن باهظاً .
 بلد من بلاد آسيا فيه كثافة سكانيَّة عالية جداً، فاتخذوا قراراً بعيداً عن منهج الله أنه ينبغي أن يكون لكل أسرة طفلٌ واحد، فما الذي حدث ؟ إن جاءت البنت قتلوها خِفيةً، إن جاء الذكر سجَّلوه، ففي السجلات ولد واحد . تواجه الصين الآن مشكلةً وهي أن هناك خمسين مليون شاباً لا فتاة لهم، فصار هناك أزمة فتيات، فنشأت عصابات لخطف الفتيات في سن الزواج، لأن هذا القانون خلاف منهج الله عزَّ وجل .
 اقترح في بلد آخر أنه إذا طلَّق الإنسان زوجته تتملَّك نصف ثروته فوراً، كاد الزواج أن يُلغى في هذا البلد، فصار الأب يقدِّم لخاطب ابنته سند أمانة بمبلغ فلكي يقول له: إن طالبناك بنصف ثروتك تطالبنا بهذا الثمن، تعال تزوَّج .
 أُلغي الزواج الآن في بلاد الغرب كليّاً، فألغي الزواج الكنسي والمدني، وصار هناك مساكنة . حينما نشرِّع بخلاف منهج الله تنشأ مشكلات لا تنتهي، ملأ هذا الاكتشاف العالم صياحاً وضجيجاً لهذه النعجة، التي كانت عن طريق الاستنساخ، وكأن هؤلاء العلماء تحدوا قدرة الله عزَّ وجل، مع أن بُنية الخليَّة لا تزال سراً، والذي حدث الآن أن أعراض الشيخوخة ظهرت في وقت مبكر جداً جِداً على هذه النعجة، قال الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً(2)﴾

( سورة الإنسان )

 خلقُ الله هو الكامل، ومنهجه هو الكامل، وأنا انتقلت من أشياء تشريعيَّة إلى أشياء خلقيَّة .
 الآن بعد أن تفنَّن العالم في هذه المبيدات الكيماويَّة، وجد أن المشكلات لا تنتهي فمن هذه المُبيدات ؛ ملوحة التربة، وأكثر المواد مُسَرطن . عادوا الآن إلى السماد الطبيعي الذي صمَّمه الله عزَّ وجل للنبات، السماد الطبيعي هو الأول الآن، ولكن بعدما دُفع الثمن باهظاً . المكافحة الحيويَّة هي الأولى الآن، وبعد أن ارتفعت نِسَب السرطان إلى عشرين ضعفاً تقريباً، وجدوا أن التصميم الإلهي هو المكافحة الحيويَّة والسماد الطبيعي، والإنسان كلَّما غيَّر خلق الله عزَّ وجل وقع في سوء عمله .

 

أخطر شيء ينبغي للمسلمين أن يعالجوه تربية أولادهم :

 قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾

 الله هو الصانع، والصانع هو الجهة الوحيدة التي ينبغي لها أن تتبع تعليماتها، فأنت أعقد آلة في الكون، والله عزَّ وجل هو الصانع الحكيم، وهذا المنهج تعليمات الصانع، وينبغي أن يتبع الإنسان تعليمات الصانع حرصاً على سلامته وعلى سعادته:

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾

 هل من الممكن أن يسعد إنسان وابنه شقي ؟ مستحيل . كنت أقول مرَّةً في بلدٍ غربي: لو وصلت إلى أعلى منصبٍ في العالم، وإلى أكبر ثروةٍ وأعلى شهادةٍ في العالم، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس .
 فأخطر شيء ينبغي للمسلمين أن يعالجوه تربية أولادهم، فأنت تجد أحياناً امرأة محجَّبة وابنتها متفلِّتة في الطريق، وتجد الأب يصلي والابن لا يعتقد بهذا الدين إطلاقاً، فحينما يرى الأب ابنه منحرفاً شارداً يشقى بانحرافه، وحينما ترى الأم ابنتها تائهةً ضالَّةً تشقى بشقائها، الأب يشقى بشقاء ابنه، والأم تشقى بشقاء ابنتها، فلذلك دائماً:

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا (128)﴾

تربية الأولاد من أولويات الحياة:

 قال تعالى :

﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي (124)﴾

( سورة البقرة)

 تربية الأولاد من أولويات الحياة وينبغي لنا أن يكون هذا العمل في المرتبة الأولى في حياة المسلمين اليوم والسبب أن هناك صوارف لا تنتهي ؛ تصرف ابنك عن دينه، وعن قيَمه، وعن ماضي أُمَّته، وعن سبيل سلامته، وعن سبيل سعادته . صوارف كثيرة جداً، وعقبات كثيرة، عقبات وصوارف، ونحن في آخر الزمان ؛ والفتن مستعرة، والضلالات منتشرة، والشُبهات تملأ الجوانح، والمُغريات قد لا يحتملها ضعيف الإيمان:

(( الْمُتَمَسِّكُ يَوْمَئِذٍ بِدِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))

[أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 شمَّة واحدة الآن تجعل هذا الفتى مدمن مخدرات، فيلم واحد يصرفه من الدين إلى الزنا، فهناك صوارف كثيرة، وعقبات كثيرة، وضغوط هائلة، فنحن الآن في أمس الحاجة إلى تربية أولادنا، إلى أن يأتوا إلى المساجد، فرحِّبوا بالصغار في المساجد واعتنوا بهم، فإن الصغير سبب سعادة الكبير، ولا يمكن أن يسعد الإنسان وابنه شقي، هذا تعليق:

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾

 أنا أرى أن أي أب يرى ابنه صالحاً مستقيماً، يعرف الله ويخاف الله يدخل إلى قلبه سعادة واللهِ لا يعرفها إلا من ذاقها .

الولد الصالح ثروة لا تقدر بثمن:

 أب قد لا يملك من حطام الدنيا شيئاً لكنه يملك ولداً صالحاً، وهذا الولد الصالح لا يقدَّر بثروة الدنيا كلها، والإنسان حينما يموت ينقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، وعلمٍ ينتفع به، وولدٍ صالحٍ يدعو له .
 قرأت مرَّة تفسير آية فوجدت فيها دقَّة بالغة، فجعلتها محور لخطبة، خطبت هذه الخُطبة وفق تفسير هذه الآية، فوجدت لهذه الخطبة صدى طيِّباً جداً، وتأثَّر الأخوة الكرام بها تأثراً بالغاً، وأنا انتبهت أن هذا الذي ألَّف هذا التفسير قبل ألف عام أين هو الآن ؟ لعلَّه عظام في قبره، ولكن إلى متى يستمر تأثير هذا العمل الذي فعله ؟ إلى يوم القيامة . فهؤلاء الذين تركوا مؤلَّفات راقية جداً، إذ هذه الكتب العملاقة التي أُلِّفت وتنتقل الآن من جيل إلى جيل إلى جيل، وهذه صدقة جارية، فهذا علم ينتفع به . أو ولد صالح يدعو له، فهناك ولد لا يقدَّر بثمن وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

( سورة الفرقان )

 وقال:

﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾

 ما شعور إنسان ذهب إلى بلاد الغرب فوجد حياة ناعمة جداً، حياة كل شيء فيها ميسَّر، لكن أمامه خطر أنه قد يخسر ابنه . وقد يجد ابنه ليس مسلماً، ولا ينتمي إلى أمته، وهذا أكبر ثمن يدفعه من أراد أن يعيش مع هؤلاء:

﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

 الآن:

﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا (128)﴾

 الله عزَّ وجل جعل إليه ألف سبيلٍ وسبيل من رحمته بنا، فقد تجد إنساناً قوياً جداً بيده مقاليد الأمور ولكن لا سبيل إليه، ولا تستطيع أن تتصل به، ولا أن تقابله، ولا أن تعرض له، ولا أن تسأله، لكن الله عزَّ وجل جعل إليه ألف سبيلٍ وسبيل ؛ فالصلاة سبيل، والصيام سبيل، وغض البصر سبيل، وأنت في البيت لك إليه عشرات السُبل، فالزواج الصالح سبيل إلى الله، والأبوَّة الكاملة سبيل إلى الله، والأمومة الكاملة كذلك سبيل إلى الله، والبنوَّة الطيبة أيضاً، وهناك ضمن الأسرة آلاف الطُرق إلى الله عزَّ وجل، وهناك ضمن العمل آلاف الطرق، فأن تنصح المسلمين، وأن تكون صادقاً معهم، وأن ترحمهم، وأن تقدِّم لهم خدمةً سبل إلى الله، والآن أن تكف شهواتك عما لا يرضي الله سبيل إلى الله .
 فهذه سبل الطاعة العامَّة، وهناك مناسك مكثَّفة ؛ فالصلاة، والزكاة، والحج، كلها مناسك، تذهب إلى بيت الله الحرام، وتطوف حول البيت، وتسعى بين الصفا والمروة، وتذهب إلى جبل عرفات فتشعر بسعادة لا توصف، فهذا سبيل إلى الله .
 الله عزَّ وجل جعل لك مناسك، فقال لك: صَلِّ خمس مرات، أيْ أن عندك خمس شحنات في اليوم، وصلِّ يوم الجمعة في المسجد واستمع إلى الخطبة، فهذه شحنة أسبوعيَّة ووجبة دسمة، تعالَ في العام صم ثلاثين يوماً فهي دورة مكثَّفة، وفي العمر حجَّ إلى بيت الله الحرام، فهذه المناسك طرق إلى الله سالكة، جعل الله عزَّ وجل الطرائق إليه بعدد أنفاس الخلائق، قال بعضهم: " الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق " .
 إذا أنقذ الإنسان نملة وهو يتوضَّأ فهذا سبيل إلى الله، وإذا أطعم هرَّة جائعة فهذا سبيل إلى الله، وإذا وضع على السطح طعاماً للطيور فهو سبيل إلى الله، وإذا نصح مسلماً فأيضاً سبيل إلى الله، وإذا كفَّ أذاه عن إنسان فإنه سبيل إلى الله، ففي كل لحظة هناك آلاف السبل إلى الله عزَّ وجل، وإذا رحم زوجته أو أمه وأباه وإذا أخلص في عمله وإذا نصح المسلمين فكلها سبيل إلى الله .

 

أجمل ما في القرآن أنك حينما تصطلح مع الله يطوى الماضي بكلمة " تب علينا ":

 المناسك بمعناها العام هو أي عمل يرضي الله، بمعناها الخاص الضيق العبادات المكثَّفة التي أُمرنا بها، والمنسك هو الطريق، أيْ يا رب أرني الطريق إليك، فهناك طريق قد يكون إلى جهنَّم ؛ أو إلى النار، وإلى الدمار والعقاب، ونحن في الحياة المدنية إذا هرَّب الإنسان مُخَدِّرات فهذا طريق إلى السجن ثلاثين سنة، وإذا قتل فطريق إلى الإعدام، وإذا نال شهادة عُليا ونفع بها أمته تحتفل به أحياناً، فصار طريقاً للسمو بالحياة المدنية، والله عزَّ وجل قال:

﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا (128)﴾

 يا رب دلَّنا على الطريق الذي نصل به إليك، وبعضهم يقول: يا رب دلني على ما يدلني إليك، والآية الكريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (35) ﴾

( سورة المائدة)

 هذه مُطلقة، فالعمل الصالح وسيلة، والاستقامة وسيلة، وأن تلتقي بأهل الحق وسيلة، وأن تؤاخي أخاً صالحاً في الله يعينك على أمر دينك وسيلة . " لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله "، يجب أن يكون لك أخ مؤمن تثق بعلمه، وورعه، واستقامته وذلك وسيلة:

﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا (128)﴾

 أجمل ما في القرآن أنك حينما تصطلح مع الله يطوى الماضي بكلمة: تب علينا، وانتهى الأمر .

 

(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خايا غفرتها لك ولا أبالي ))

 

[ حديث قدسي ] .

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

( سورة الزمر الآية: 53 )

التوبة شيء لا يقدَّر بثمن:

 تصوَّر لو لم يكن هناك توبةٌ في هذا الدين، فما الذي يحصل ؟ قد يتضاعف الفجَّار والفسَّاق والعصاة إلى مليار ضعف، غلط غلطة فلم يجد توبة، فلا يوجد أمل، بل يستمر في غلطه، وأساء فلا توجد توبة فيستمر في الإساءة، عَق أمه وأباه فلا توجد توبة فيستمر في العقوق، وأكل مالاً حراماً فليس هناك توبة فيستمر، فلو ألغينا التوبة من هذا الدين لرأيت الفجَّار والعصاة والهلكى ومن يستحق النار ملايين مملينة، بل أرقاماً فلكيَّة:

(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))

[ حديث قدسي ]

 وانتهى الأمر، والصلحة بلمحة، والذي أكرمه الله عزَّ وجل بتوبة يعلم ما سأقول، التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فالتائب يشعر أن جبالاً قد أُزيحت عن كاهله . الآن بالحياة المدنية إذا كان بيت الإنسان مصادراً، أو محجوزاً، ومحلُّه التجاري محجوز، وسيَّارته محجوزة، وعنده أراضٍ محجوزة، وعنده مستودعات كلها محجوزة، وعليه ثمانون مليوناً مثلاً، وكل شيء يملكه محجوز، فلو أتيح له أن يلغي هذا الحجز وأن يعود إلى تملُّك كل أمواله بكلمة، فهل يتردَّد ثانية واحدة فيها ؟ كل ما عليك ينزاح من عن كاهلك بكلمةٍ واحدة: يا رب لقد تبت إليك . فيقول الله: عبدي وأنا قد قَبِلت . التوبة شيء لا يقدَّر بثمن:

﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ (128)﴾

 توَّاب صيغة مبالغة، أي يتوب عليك مهما كبرت ذنوبك، ومهما كثرت، فلو كان عليك مليار ذنب، أو أكبر ذنب نوعاً، وأكبر كَمٍ من الذنوب فإذا قلت: يا رب أنا تبت . يقول لك: يا عبدِ وأنا قد قبلت .

التوبة علم وحال وعمل:

 لكن التوبة علم وحال وعمل ؛ علم، لا يمكن أن تتوب إلا إذا علمت أنك مذنب، ولا تعلم أنك مذنب إلا إذا طلبت العلم، وأوضح مثل: لو أن إنساناً لا يقرأ ولا يكتب، وقرأ إنسان أمامه نصف صفحة، لم يقرأ كلمة واحدة بشكل صحيح، وهذا لا يعرف، فيقول: ما شاء الله ما هذه القراءة ! أما لو كان لديه علم باللغة العربية لعد له ثمانين غلطة بالصفحة، فأنت لا تعلم الذنب إلا إذا طلبت العلم، أساس الصحَّة العلم، فأنت لا يمكن أن تعالج ضغطك العالي إلا بحالة واحدة هي أن تعرف أنك مصاب بضغط عالٍ، فإن لم تقس ضغطك فكيف تعالج هذا الضغط المرتفع ؟ إنك لا تعرف . فلا بد من طلب العلم كي تعلم أنك مذنب، وإن علمت أنك مذنب وعرفت ما ينتظر هذا المذنب من عقاب فالآن تتوب، والتوبة إقلاع فوري وعزم أن لا تعود وإصلاح للماضي، فهذه التوبة، عمل متعلِّق بإصلاح الماضي:

﴿ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا (160)﴾

( سورة البقرة )

 هناك عمل متعلِّق بالسابق إنه إصلاح، عمل متعلِّق بالحاضر إنه إقلاع، وعمل متعلِّق بالمستقبل هو عزيمة، أنا أعزم أن لا أعود، وأقلع من تَوِّي، وأصلح ما مضى فهذا السلوك . والحال شعور بالندم على ما اقترف من ذنب، وهذا الحال . وحينما يطلب الإنسان العلم يعلم موقعه من هذا الدين:

﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)﴾

 لذلك قال تعالى :

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )

طموح سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يبقى الحق مستمراً:

 قال:

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ (129)﴾

 هو أبو الأنبياء عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، طموح هذا النبي أن يبقى الحق مستمراً:

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)﴾

 قال عليه الصلاة والسلام: " أنا بشارة أخي عيسى ودعوة أبي إبراهيم " . فسيدنا إبراهيم دعا أن يبعث الله في هذه الأمة التي من نسله ـ نحن من نسل إسماعيل ـ رسولاً:

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ (129)﴾

 الآية العلامة، يتلو عليهم ما يدلُّ عليك، والكون كله يدل على الله عزَّ وجل . لذلك الآيات أنواع ثلاثة: آيات كونيَّة، وآيات قرآنيَّة، وآيات تكوينيَّة . فيُعرف الله عزَّ وجل من آياته الكونيَّة أي من خلقه، ومن آياته التكوينيَّة أي من أفعاله، ومن آياته القرآنيَّة أي من كلامه، فكلامه يدل عليه، وأفعاله تدل عليه، وخلقه يدل عليه .
 قرية في بلد في شمال إفريقيا على الساحل الأطلسي يأتيها السُياح من كل حدبٍ وصوب، فيها من الفسق والفجور ما لا يوصف، ففيها نوادي العُراة، وفنادق فسق وفجور، وخمور، ونساء، وزنا، وكل شيء فيها، أصبحت بثلاث ثوانٍ أثراً بعدَ عين، وعندي صورة لفندق ارتفاعه ثلاثون طابقاً، غاص في الأرض وبقي منه الطابق الأخير، وعلى الطابق الأخير اسم الفندق، فكأن هذا الطابق الأخير هو الشاهدة على هذا القبر، وهذه من أفعال الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

( سورة البروج )

خلق الله يدل عليه وأفعاله تدل عليه وكلامه يدل عليه :

 أفعال الله تدل عليه، وأنت أحياناً تستمع إلى مجموعة قصص ترى أن الله كبير، وأن الله يحاسب حساباً دقيقاً جداً، وأن الله مُطَّلع على النيَّات، فهذه أفعاله، وهذا كلامه، وهذا الكون خلقه .
 قال لي أخ طبيب البارحة: نحن في بلد ـ في أمريكا ـ قريب من شيكاغو، تصل الحرارة إلى سبعين تحت الصفر . إنه رقم دقيق، فقلت له: في هذا المكان برد لا يحتمل، يرتدي الإنسان ثياباً صوفيَّة داخليَّة مضاعفة، ومعاطف فرو، ويرتدي قفَّازات، ويرتدي جوارب صوف، وحذاء مبطَّناً بالفرو، وقبعة، كل شيء بإمكانه أن يغطيه، ولكن كيف يمشي في الطريق ؟ لا بد من أن يكشف عينيه، وحرارة الهواء سبعون تحت الصفر، فيوجد ماء في العين، والماء يتجمَّد بالدرجة صفر، ونحن نعلم أن درجة حرارة الفريزر تكون عشرين تحت الصفر، أما سبعون ؟!! فالمفروض أن يتجمَّد ماء العين فجأةً، ومعنى هذا يجب أن يفقد كل سكان هذه البلاد أبصارهم !! فمن أودع في ماء العين مادةً مضادةً للتجمُّد ؟ الله عزَّ وجل، وهذه حكمة بالغة .
 الماء شأنه كشأن أي عنصر ينكمش بالتبريد، إلا أن الماء له ميزة على كل عناصر الأرض، إذ يزداد حجمه في الدرجة زائد أربعة، ولولا هذه الخاصَّة في الماء لما كنا في هذا المجلس، ولما رأيت أحداً على سطح الأرض، وقد لا تصدقون ذلك، لا يمكن أن تقوم حياة في الأرض إذا استمر الماء في انكماشه عند التبريد، لأنه كلَّما تجمَّد الماء تزداد كثافته، ويقل حجمه، والوزن ثابت، تزداد كثافته فيغوص إلى الأعماق، وبعد حين تصبح جميع البحار متجمِّدة، وإذا تجمَّدت انعدم البحر، إذا انعدم البحر انقطعت الأمطار، وإذا انقطعت الأمطار مات النبات، وإذا مات النبات مات الحيوان، وإذا مات النبات والحيوان مات الإنسان، فبهذا القانون البسيط تستمر الحياة على وجه الأرض . فخلقه يدل عليه، وأفعاله تدل عليه، وكلامه يدل عليه .

لولا أن الرسول بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيِّد البشر :

 قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ (129)﴾

 معنى

﴿ مِنْهُمْ ﴾

 لو جاء الرسول مَلَكاً وقال: يا أيها الناس غضوا أبصاركم . فيجيبوه: أنت تقدر عليها لأنك مَلَك، ونحن لسنا بمَلائكة بل نحن بشر . أما النبي فبشر مثلنا، ولولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيِّد البشر، فالرسول بشر يجوع كما نجوع، ويخاف كما نخاف، ويشتهي كما نشتهي، ولولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيِّد البشر قال:

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))

[أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان عَنْ أَنَسٍ]

 حجَّة قائمة:

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ (128)﴾

( سورة البروج ) .

 وقال:

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ (129)﴾

 حدَّثني أخ فقال لي: يوجد في كل مصلحة، وفي كل حرفة أناس مستقيمون وهؤلاء حجَّة على غيرهم، تجد حرفة أغلب أهلها منحرفون إلا عدداً قليلاً متمسِّكون بالأمر والنهي، فهؤلاء حجَّة:

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ (129)﴾

 الدالَّة عليك .

حينما نقصِّر في معرفة الله من خلال آياته ينعكس هذا التقصير على الطاعة:

 أيها الأخوة، حينما نقصِّر في معرفة الله من خلال آياته ينعكس هذا التقصير على الطاعة، أي أنك إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر ـ دقق ـ تفنَّنت في مخالفة الأمر، وإذا عرفت الأمر وعرفت الآمر ذبت في طاعة الآمر، فلا بد من أن تعرف الله قبل أن تعرف أمره:

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ (129)﴾

 كي يعرفوك:

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ (129)﴾

 الأمر والنهي كي يعبدوك:

﴿ وَالْحِكْمَةَ (129)﴾

 منه التفسير، الإمام الشافعي قال: الحكمة هي السُّنة . لأن النبي فسَّر القرآن وبيَّنه:

﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (44) ﴾

( سورة النحل )

 فالكتاب هو القرآن، والحكمة السُنَّة المبيِّنة .

 

صفات المؤمن:

 مثلاً قال الله تعالى:

﴿ وَآتُوا الزَّكَاةَ (13)﴾.

( سورة المجادلة) .

 لكن الله لم يفصل زكاة الإبل، وزكاة البقر، وزكاة الركاز، وزكاة الأموال، وزكاة العروض والتجارة، ونصاب الزكاة، وعلى من تجب الزكاة، ومصارف الزكاة، فهذه فسَّرها النبي كلها . فالسنة مفسِّرة للقرآن الكريم، فأنت بالكون تعرفه، وبالقرآن والسنة تعبده، والدين كله أن تعرفه وأن تعبده، أن تعرفه موجوداً واحداً كاملاً، وأن تعبده:

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ (129)﴾

 تلا عليهم آياته فعرفوه، وعلَّمهم الكتاب والحكمة فعبدوه، فلما عبدوه اتصلوا به، ولما اتصلوا به زكت نفوسهم وصار لديهم طهر، وصار عندهم عفاف، وحصل هناك تواضع، وتحول هناك رحمة، وعاد إنصافاً، وغدا تجَمُّلاً، وأصبح حكمة، فتجد المؤمن يُشتهى، وتجده لطيفاً، دقيق الشعور، دقيق الكلام، حاد النَّظر، حكيماً في تصرُّفاته، صادقاً في أقواله، شديداً في أفعاله وهذا من تأديب الله له .

(( أدَّبني ربي فأحسن تأديبي ))

[الجامع الصغير عن ابن مسعود رضي الله عنه ]

 مثل للتوضيح: أنا شاهدت جوهرة بمتحف في استنبول ـ ماسةً ـ مكتوباً بجانبها ثمنها مئة وخمسون مليون دولار، فلو ضرب هذا الرقم بخمسين فالناتج مبلغ فلكي، فلو أتينا بقطعةً من الفحم بالحجم نفسه من سوق الفحامة من بائع للفحم، فكم ثمنها ؟ أساس الماس فحم، فالمؤمن ماسة وغير المؤمن فحم، وهو إنسان ؛ رأس، وجسم، ويدان، ورجلان، وسمع، وبصر ولكنه فحمة، لا شيء منه إطلاقاً، لأنه ليس على شيء ؛ ولا على خُلُق، ولا قيَم، ولا ورع، ولا إحسان، ولا منطق أبداً، فبين المؤمن والكافر مسافة كبيرة جداً، وقد قال النبي:

(( مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ))

[ صحيح عن أبي موسى ]

 الإنسان الحي يتقد حيويَّة وشباباً، ولكن الذي يجثم على الأرض بدون حراك فموضوع آخر، هل العينان اللتان تبرقان مثل عين الميت الجامدة ؟ هل قطعة لحم مشوية ولها رائحة عَبقة وأنت جائع كقطعة لحم متفسِّخ ؟ الاثنتان لحم ولكن هناك مسافة كبيرة جداً، ذُكر للنبي الكريم شخص وشخص فقال: هذا يعدل ملء الأرض من هذا .

 

الفرق بين المؤمن وغير المؤمن:

 إنه كلام دقيق، فلو حسبنا حجم الأرض وحسبنا حجم إنسان معتدل، وقسَّمنا حجم الأرض على حجم هذا الإنسان، الأرض بأكملها، الكرة الأرضيَّة بمحيطاتها الخمس، لو أنها مجوفة كم عدد الناس الذين تتسع لهم ؟ كلام النبي لا ينطق عن الهوى، وهناك إنسان واحد يساوي عند الله ما يعادل الأرض ممتلئة بالأشخاص، المؤمن عند الله كبير، حينما يموت الكافر، قال عنه تعالى:

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ﴾

( سورة الدخان )

 المعنى المخالف أن المؤمن حينما يموت تبكي عليه السماء والأرض وكله خير، وكله إنصاف، وأدب، وانضباط، ورحمة، وذوق، ولطف، هذا هو المؤمن . وغير المؤمن بالتعبير الذي يحلو لي أن أصفه به " دابَّة متفلتة "، جنَّ البقر في أوروبا، فاضطروا أن يحرقوا خمسة عشر مليون بقرة، ثمن البقرة مئات الألوف، فكيف تُحرق ؟ لأنها جُنَّت . وحينما أطعموها طحين اللحم اختل نسيجها، وصار لها سلوك طائش ومخيف، وهناك حدَّثني أخ من أخواننا فقال لي: إن صديقاً له عنده بقرة جنَّت ـ في ريف دمشق ـ فقتلت رجلين وكادت تقضي على الثالث، فأطلق عليها النار وقتلها. إذا جُنَّت البقرة تقتلها، وإذا انحرف الإنسان تجده وحشاً . تسمع أحياناً عن أعمال وحشيَّة فيما نسمع من أخبار لا يصدقها العقل ؛ قتل، واغتصاب، وتعذيب، وإذلال، ونهب، وسلب، وليس له ذنب ولكن لأنه مسلم فقط، هم وحوش، إذا عرف الإنسان الله عزَّ وجل تجده مَلَكاً، وإذا لم يعرفه فهو وحش، واللهِ قد يعترض الوحوش علينا والله لأن الوحش يأكل ليشبع فقط، وحشيَّته ليشبع فقط، أما الإنسان فقد يدمِّر بلا سبب .

 

معنى التزكية:

 قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾

 هذه التزكية، بالقرآن الكريم:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

( سورة الشمس )

 إله خالق الكون يقول :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

( سورة الشمس )

 أن تكون زكي النفس، النبي الكريم وصفه ربه فقال:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾

( سورة القلم )

 كان فصيحاً، وكان متكلِّماً، ومجتهداً، وقائداً، وخطيباً، وعالماً، فما أثنى الله عليه إلا بخُلقه العظيم ـ وتقريب للتوضيح ـ أب اشترى لابنه سيارة، ثم عمل حفلة ضخمة تكريماً لابنه لأنه صار يملك سيارة، فهذا كلام مضحك، وهذه ليست منه ولكنها منك، أما إذا نجح وكان الأول، فعمل له حفل تكريم، فهذا كلام طيب لأن النجاح بتفوُّق هو من جهده، فأي ميِّزة تأخذها من الله فهذه منه وليست منك، جعلك وسيم الصورة، وقوي البُنية، وابن رجل غني فصرت تملك أموالاً طائلة فهذا ليس منك، أما الخُلُق العظيم فهو منك فقط:

 

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾

( سورة القلم )

 هذه ويزكيهم:

﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)﴾

إذا رفض الإنسان الدين فهو يحتقر نفسه:

 أيها الأخوة، هناك نقطة مهمَّة جداً، يرفض الإنسان في الأعم الأغلب شيئاً احتقاراً له، عرضوا عليك بيتاً سعره غالٍ ومساحته صغيرة ترفضه، إنك احتقرت هذه المساحة الصغيرة على السعر المُرتفع، وعرضوا عليك تجارة ربحها ضئيل جداً ترفضها، وعرضوا عليك وظيفة راتبها قليل جداً فلا ترضاها، والإنسان في الأعم الأغلب يعاف ما يحتقره إلا في حالة واحدة ؛ إذا رفض الدين فهو يحتقر نفسه .
 إنسان لديه إمكانيات عالية جداً عرضوا عليه دراسة جامعيَّة عُليا تنتهي له بمنصب مرموق عجيب، ولكنه فضل أن يشتغل مثلاً كانس قمامة في الطرقات، عندما رفض دخول الجامعة، والوصول إلى مرتبة علمية عالية جداً، واختار أن يكنس القمامة مع أنه يملك إمكانات عالية جداً، علماً أن أي عمل شريف لو كانت عنده إمكانات عالية وهناك عرض مغرٍ، وتعويضات، وضمانة لكل مصروفه في الدراسة الجامعيَّة، وعنده إمكانيات ورفض، وقبل أن يشتغل كانس قمامة، فمعنى هذا احتقر نفسه، واحتقر إمكاناته، وانصرف عن مؤهَّلاته، وهناك أشياء إذا رفضها الإنسان يكون قد احتقر ذاته، قال:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾

 أنت مخلوق لله فرفضت هذا العرض وقبلت أن تكون محسوباً على إنسان عادي، مُجَيَّراً لإنسان أو لجهة وأداة قذرة بيد جهة وليست أداة عاديَّة، ارتضيت لنفسك لتكون أداة لإيقاع الأذى بالناس، وأنت خلقك الله عزَّ وجل لتكون له نقياً، طاهراً، قوياً، عزيزاً، كريماً:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾

 خلقك الله عزَّ وجل لتكون له، ففي الأثر القدسي:

(( خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيى بخلقهن أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كل حين ؟ لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزَّتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلِّطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ورد في الأثر]

 

خلقنا الله عز وجل لنكون في جنة عرضها السماوات والأرض:

 كلام دقيق يا أخوان، خلقك الله عزَّ وجل لتكون له، لتكون عزيزاً، وكريماً، وطاهراً، وفي جنةٍ عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأنت أردت أن تكون أداةً قذرةً طَيِّعَةً بيد جهةٍ منحرفةٍ، قد توقع الأذى بالناس وليس لك مصلحة إلا تنفيذ رغبة إنسان، فهل هذا ممكن ؟ قد يكون في عملك إيقاع الأذى بالآخرين، ولكن المؤمن محسوبٌ على الله . يقول لك البعض: نعيش لنأكل، وفي كلام أرقى: نأكل لنعيش، وفي أرقى: نعيش لنعرف الله، ونحيا لنعرفه، ونسمو إليه، ونسعد بقربه، لندخل جنَّته، فالإنسان حينما يرضى أن يكون لغير الله فقد احتقر نفسه .
 ضربت مثلاً سابقاً: لدينا قطرميز بلور كبير، ثمنه عشرون ليرة، وكأس كريستال، ثمنها ألف ليرة، وجوهرة ثمينة، ثمنها مئة وخمسون مليون دولار وقلنا لإنسان: اختر واحدة . فاختار أكبر شيء وأخذه، فهو جاهل ومحتقر لذاته، فالذي اختار القطرميز وترك التي ثمنها مئة وخمسون مليون دولار محتقر لنفسه:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾

 إذا قبلت العرض أن تكون بالجنة، وتكون مع الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

( سورة مريم )

 فليس وداً مع شخص عادي جداً، لا، مع خالق الكون، هو أكبر بكثير، وأنت في الجنة، فإذا رفض الإنسان عرض الإله أن يكون في الجنة، وأن تكون له، واختار أن تكون لغيره، وأن يكون أداة قذرة بيد إنسان منحرف فهذا منتهى الحقارة في الإنسان:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) ﴾

 لعطائنا، في الدنيا اصطفيناه، وفي الآخرين من الصالحين لعطائنا .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018