الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 32 - الشهوة - خيرة الأمة والدعوة البيانية والتأديب التربوي ـ خلق الإنسان المورثات - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 32 - الشهوة - خيرة الأمة والدعوة البيانية والتأديب التربوي ـ خلق الإنسان المورثات


2006-06-19

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة من برنامجكم الإيمان هو الخلق .
ونستمر إن شاء الله في رحلتنا المديدة مع الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق .
أهلاً وسهلاً سيدي الكريم .
بكم أستاذ علاء جزاكم الله خيراً .
الأستاذ علاء :
في الحلقة الماضية توقفنا عند مسألة كنا قد أشبعنا منها هي مسألة الشهوة كمقوم من مقومات التكليف ، وقلنا : إن الإنسان الله عز وجل أعطاه من العقل ، أعطاه من الاختيار أعطاه ، لكن آثر الإنسان أن يتبع طريق الشهوة لعدم انضباطيتها ، وبجنوح الشهوة وبارتكاب المعاصي .
الله عز وجل تبنى في الكثير من الآيات الهدى المبسوط أمام الناس الله عز وجل ، قدم الهدى البياني للناس ، وأملأ هذه المساحة بكل البيانات أمام الإنسان ، ومع ذلك جاء الإنسان لينحرف ، وليتبع الشهوة ، هل من مرحلة أخرى لتربية القرآن في تربية الله عز وجل لتنبيه هذا العبد ، وللعودة به إلى الصراط ؟
الدكتور راتب :

تعقيب على مرحلة الدعوة البيانية : علّةُ خيرية الأمة :

هناك مرحلة أخرى ، ولكن لا بد من تعقيب على المرحلة الأولى ، الحقيقة أن الإنسان في المرحلة الأولى مرحلة الهدى البياني ينبغي أن يستجيب ، فإن لم يستجب ، أو فإن لم تستجب الأمة بأكملها خرجت من قوله تعالى :

 

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 110 )

لا يصبح المسلمون خير أمة إلا إذا طبقوا منهج الله وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر
هذه الخيرية مقيدة بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والإيمان بالله ، لذلك العلماء قسموا أمة الله إلى أمتين ، أمة الاستجابة التي هي بفضل هذه الدعوة السماوية خير أمة أخرجت للناس ، والذين لم يستجيبوا سموا أمة التبليغ ، وليس لها آية ميزة إطلاقاً .
لذلك هؤلاء الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباءه دعوة رد الله عليهم :

 

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

( سورة المائدة الآية : 18 )

وإذا ادعى المسلمون أنهم خير أمة ، ولم يطبقوا منهج الله إطلاقاً ، ولم يعبئوا بهذا الوحي العظيم ، إذاً : أصبح الجواب لهم كالجواب الأول : قل فلم نعذب بذنوبنا ، بل نحن بشر ممن خلق الله عز وجل .
ودائماً وأبداً الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح .
الأستاذ علاء :
اسمح لي سيدي بالنسبة ،

﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾

هل هذه الآية تخص المجتمع النبوي ، أم هذه مستمرة ؟
الدكتور راتب :

هل هذه الآية خاصة بالمجتمع النبوي أم عامة للمسلمين ؟

بل مستمرة ، لأن في الحديث :

(( مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ ))

[ رواه الترمذي عن أنس ]

(( الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة ))

[ ورد في الأثر ]

هذه الأمة اختارها الله لتكون أمة وسطا ، أي وسيطة بين الله وبين خلقه ، فإن أدت هذه المهمة كانت خير أمة ، وإن قصرت ، وتولى أقوام آخرون أن يؤدوا هذه المهمة كانوا خيراً منهم ، العلماء قالوا عنها : كنتم بمعنى أصبحتم ، يعني بهذه الرسالة السماوية التي خص بها العرب أصبح العرب خيرة أمة أخرجت للناس يشرط أن يستجيبوا ـ بالمقيدات ـ فإن لم يستجيبوا أصبحوا أمة كأية أمة شردت عن الله عز وجل ، وتعامل كأية أمة أخرى .
الآن إما أن نستجيب ، وإما أننا فقدنا خيريتنا ، فلا داعي أن يقول المسلم الذي لا يطبق منهج الله : نحن أمة عظيمة ، هذا كلام فارغ ، نحن أمة كأية أمة خلقها الله عز وجل ، أما إذا طبقنا منهج الله ، وحملنا هم الأمم والشعوب ، وسمح الله لنا أن نكون قادة للأمم ، بعد أن كنا رعاة للغنم ، يمكن أن نستعيد الآن دورنا ، بأن نلتفت إلى منهج ربنا ، وإلى هذين الوحيين الذين ارتقينا بهما ، لذلك سيدنا عمر قال :
<< الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله >> .

الموقف الكامل من مرحلة الدعوة البيانية :

هذه المرحلة الموقف الكامل منها أن نستجيب لله عز وجل ، فإن لم نستجب فلا قيمة لهذه الميزة .
الآن :

﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

الاستجابة هي الموقف الكامل من دعوة الله لنا لأنه بها نحيا الحياة التي خلقنا لها
الحياة التي تليق بكم ، الحياة التي خلقتم لها ، حياة القلب حياة المبادئ ، حياة القيم ، حياة أداء الرسالة ، حياة أداء التكليف ، حياة أن يخرج الإنسان من ذاته لخدمة الآخرين ، حياة أن يكون بطلاً .
بالضبط كإنسان مريض معه التهاب معدة حاد ، زار طبيب من أشهر الأطباء ، قال له : هناك طريقان للشفاء ، إما أن تلتزم حمية قاسية ، وأنا أعدك أن هذه القرحة تشفى ، وإلا لا بد من عمل جراحي .
فالله عز وجل بدأ بالهدى البياني ، دعوة هادئة ، دعوة سليمة ، أنت صحيح معافى ، مرتاح ، دخلك يكفيك ، عندك زوجة وأولاد ، كل شيء عندك ، وأنت ما عندك ولا مشكلة ، لكن بحثت عن الحقيقة ووصلت إليها .
لذلك عندنا ملاحظة دقيقة : أن العبيد غير العباد ، العبيد جمع عبد ، والعباد جمع عبد ، لكن العبيد جمع عبد القهر ، بينما العباد جمع عبد الشكر .
من عرف الله وهو مقهور فهو عبد القهر
فكل إنسان ولو كان أكفر كفار الأرض متعلق بقاءه بعناية الله به ، القلب يقف فجأة ، خثرة في الدماغ تسد بعض الشرايين ، يفقد الإنسان سمعه أو بصره ، أو ذاكرته ، أو حركته ، فالإنسان تحت رحمة الله ، والإنسان كل مكانته منوطة بشريان قلبه التاجي ، ميلي وربع ، الشريان الذي يغذي القلب ، وكل حركته ، ومكانته ، وهيمنته ، وقوته ، وفرعنته ، كما تكلمنا في الحلقة السابقة سببها سيولة دمه ، فإذا تجمد الدم فقد معظم حركته ، وكل مكانته نمو خلايا إذا نمت نمواً عشوائياً أصيب بالسرطان ، الإنسان ضعيف أمام الله عز وجل ، فالمقهور اسمه عبد القهر ، جمع عبد القهر عبيد .

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

( سورة فصلت )

من عرف الله وهو معافى وسليم بمبادرة منه هذا عبد الشكر
أما الذي عرف الله وهو معافى وسليم ، بمبادرة منه ، بإقبال منه ، بمحبة لربه هذا عبد الشكر ، جمعه عباد .

 

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

( سورة الفرقان الآية : 63 )

الأستاذ علاء :
يعني هذا الذي استجاب للهدى البياني .
الدكتور راتب :
وأكمل موقف أن نستجيب للهدى البياني .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

( سورة التوبة )

يقول الله عز وجل :

 

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء الآية : 77 )

إذاً :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

ما استجاب .

من مراحل معالجة الله للعبد المخالف لشرعه :

المرحلة الثانية : التأديب التربوي :

يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

لأن الإنسان حينما لا يستجيب لا بد من الشدة .

(( عجبت لأقوام يساقون إلى الجنة في السلاسل ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة أبو نعيم ، عن أبي هريرة ]

تأتيه الشدائد ، تأتيه المكاره ، يُضيق عليه ، يصاب بهم ، بحزن ، بقلق ، هذا كله دفع إلى الله عز وجل .
إما أن نأتيه طائعين بمبادرة منا أو أن يسوقنا الله إلى بابه سوقاً
إذاًً : إما أن نأتيه طائعين بمبادرة منا ، بمحبة عالية جداً ، أو أن يسوقنا الله إلى بابه سوقاً ، ونحن إذا استجبنا أيضاً فائزون ، لكن الموقف الأول أكمل ، الصفوة يأتون إلى الله طواعية .

(( نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ : لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ ، لَمْ يَعْصِهِ ))

[ ورد في الأثر ]

هؤلاء بأعلى مستوى :

 

﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾

( سورة الواقعة )

لكن الإنسان أحياناً يضعف ، فيخضعه الله لمعالجة قد تكون مؤلمة ، الدواء مر دائماً .
المرحلة الثانية مرحلة التأديب التربوي ،

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

الأستاذ علاء :
العذاب الأدنى هل هو المقصود هو عذاب الدنيا ؟
الدكتور راتب :

معنى : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى

طبعاً المقصود عذاب الحياة الدنيا ، لأن الإنسان في الدنيا ، في الدنيا مرحلة دراسة ، مرحلة إعداد للآخرة ، فإذا قصر .
يقول لك طالب : أنا لا أؤذي أحدًا ، لكن لا تدرس ، هناك مقولة شائعة ، أنا لا أؤذي أحدًا ، طبعاً لا يلتزم بشيء من الدين ، وقد يكون عنده عقيدة سيئة جداً ، لكن يدعي أنه لا يؤذي أحداً ، هذا كلام غير مقبول ، الأب لا يقبل من ابنه ألا يؤذي إخوته ، وهو كسول ، لا بد من أن يسوق له بعض الشدائد ، كي تدفعه إلى طاعة الله عز وجل ، كي تدفعه إلى باب الله ، كي يذوق طعم القرب من الله .
كل ما يجري في الحياة له إشارة في القرآن الكريم
الإنسان عدو ما يجهل ، إنسان ما أكل في حياته إلا الدبس ، فإذا أقسم أنه أطيب أكلة على الإطلاق فهو صادق ، لو أنه ذاق العسل يغير موقفه .

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾

( سورة هود الآية : 88 )

الأمور واضحة جداً ، في الإيمان ميزة قد لا ننتبه إليها ، ما عندك مشكلة إيديولوجية .
هناك رجل أذكر قصته دائماً ، رئيس وزارة فرنسي انتحر ، مئة صحفي حاولوا أن يحللوا سبب انتحاره ، من أرقى عوائل باريس ، لم يرتكب أي مخالفة ، لا مالية ، ولا أخلاقية ، وانتحر ، إلا صحفي واحد كشف السر ، هو كان يعتقد أنه لا إله ، في السبعين رأى أنه أمضى حياته في عقيدة غير صحيحة ، احتقر نفسه ، وأنهى حياته بهذه الطريقة .
المؤمن قدم الله له تفسيرا عميقا ودقيقا ومتناسقا لحقيقة الكون ، والحياة والإنسان ، عنده جواب لكل سؤال ، عنده عقيدة منسقة عميقة دقيقة ، فما عنده مفاجئات ، بل المؤمن وقد قرأ القرآن الكريم ما عنده حدث لا يفسر ، كل ما يجري في الحياة له إشارة في القرآن الكريم .

الموقف الكامل من التأديب التربوي : التوبة :

إذاً هذه مرحلة أكمل موقف فيها التوبة ، أكمل موقف بالأولى الاستجابة ، الآن دخل أخضعه الله لمرحلة أقسى ، في تأديب تربوي ، في خوف ، في قلق ، في مرض أحياناً والآية الكريمة واضحة جداً :

 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة )

إذاً : هذه مرحلة ثانية أكمل شيء فيها التوبة ، لذلك في إشارة دقيقة بالقرآن الكريم بعد أن ذكر الله لنا قصة أصحاب الجنة الذين منعوا حق الفقير :

 

﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾

( سورة القلم )

يقول الله في نهاية القصة :

 

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ ﴾

( سورة القلم الآية : 33 )

التوبة هي أكمل موقف من التأديب الإلهي
يا عبادي ، أي عذاب أسوقه لكم في الدنيا من هذا النوع ، عذاب تربية ، عذاب دفع إلى بابي ، عذاب دفع إلى التوبة ، عذاب دفع إلى أسباب السعادة والسلامة ،

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ ﴾

أستاذ علاء ، إذا حميت المكواة تمتحن حرارتها ، تضع شيئًا من اللعاب على أقل مساحة بالإصبع ، وتضع الإصبع بأقل زمن ، هذا المس .
نحن في الدنيا العذاب يمسنا مساً ، بهذه الطريقة ، أقل مساحة ، وأقصر وقت ، هذا المس ، وهو شيء لا يحتمل ، فكيف إذا كان الشيء كبيراً ؟!!!
أنا أذكر في بلد عربي حدث زلزال ، لي قريب هناك ، المرأة من شدة الخوف حملت ابنها الوحيد الوليد ، وانطلقت به إلى خارج البيت ، اكتشفت في الطريق أنه ليس وليدها ، بل حذاء زوجها .

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

( سورة الحج )

إذاً : في الدنيا العذاب يمسنا مساً ، تنبيهاً لنا ، تذكيراً ، بل إن الله عز وجل يقول :

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة القصص الآية : 47 )

﴿ لَقَالُوا ﴾

يوم القيامة :

 

﴿ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

( سورة طه )

معنى ذلك المصائب رسالات من الله عز وجل ، ولولا أن هذه المصائب لم تكن لكان الله ملوماً يوم القيامة .

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾

﴿ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

هذه المرحلة الثانية ، وفيها إطار :

 

﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 156 )

هؤلاء نجحوا ، إذاً المرحلة الثانية التأديب التربوي .

المرحلة الثالثة : الإكرام الاستدراجي :

أما الثالثة هي الإكرام الاستدراجي ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 95 )

الآن عندنا معالجة ثالثة ، هي سهلة ، لكنها خطيرة ، يعطينا الدنيا ، خذوا من الدنيا ما شئتم ، خذوا الأموال ، والأولاد ، والمكانة ، والشهوات ، واللذائذ ، إن لم نشكر فقد رسبنا في هذه المرحلة ، انزلقنا إلى الكفر ، أخطر شيء أن يمدك الله بكل شيء ، وأنت في معصية ، هذا أخطر شيء ، هذه الثالثة ، لا بالدعوة البيانية استجاب ، ولا بالتأديب التربوي تاب ، ليكن المعالجة الثالثة إكرام استدراجي .

الموقف الكامل من الإكرام الاستدراجي :

عندما يمد الله الإنسان بما يشتهيه فعليه أن يشكر وإلا فليرتقب قصماً من الله عز وجل
في هذه الحالة الإنسان عليه أن يشكر ، وأن يستحي من الله .

(( عبدي كبرت سنك ، وضعف بصرك ، وانحنى ظهرك ، وشاب شعرك فاستحي مني فأنا استحي منك ))

إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيــع
***

فالإكرام الاستدراجي خطير جداً ، هو خفيف على النفس ، لكن وراءه عقوبة كبيرة جداً .
فالإنسان إذا كان الله يمده بما يشتهي ، وهو على معصيته ، وهو يجاهر في معصيته ، فليرتقب قصماً من الله عز وجل ، هذه المرحلة الثالثة .

المرحلة الرابعة : القصم :

أما الرابعة : هي القصم ، قال تعالى :

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 44 )

أستاذ علاء ـ دقق ـ :

 

﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ ﴾

جمع :

 

﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 44 )

أنا ما أظن أن آية في القرآن أكثر شمولًا من هذه الآية ، بلاد جميلة ، دخل فلكي ، انغماس بالمعاصي ، شذوذ ، تطاول ، غطرسة ، عدوان ، أبنية جميلة ، رفاه منقطع النظير .

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا ﴾

في قمة نشوتهم ، وفي قمة غطرستهم ، وفي قمة استمتاعهم بالحياة :

﴿ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

أكبر بطولة للإنسان أنْ يصل إلى القبر وهو طاهر ، أمامه الجنة ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، وأخطر إنسان الذي يمد بما يشتهي والله غاضب عليه ، الآية الكريمة
:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

الإنسان في قبضة الله بثانية يفقد حركته ، ولا يموت .
الأستاذ علاء :
لذلك هل نستطيع الرد على من يسأل من الذين تعثروا ، أنه يا أخي ، فلان يعصي الله ، وفلان أخذ يجاهر ، وفلان فعل فعلة فرعون ، والله أعطاه مالا ، والله أعطاه جاهًا ، والله أعطاه سلطانًا ، والله أعطاه كلمة ، كيف هذه تتسق مع عدل الله ؟ .

شبهة مردودة ، وطريق الاحتجاجِ بها مسدودة :

الدكتور راتب :
شعوب تقتل وتنهب وتقهر وتظلم وهم مرتاحون
أستاذ علاء ، بربك لو أن إنسانًا معه التهاب معدة حاد والطبيب أقام عليه الدنيا إذا أكل قطعة من الشيء الذي يؤذيه ، وأعطاه تعليمات مشددة ، شرب الحليب فقط ، وأكل التفاح ، وعناية فائقة ، وإنسان معه سرطان من الدرجة الخامسة ، فلما سأل طبيبه : ماذا أكل ؟ قال له : كل ما شئت ، أيهما أفضل ؟ أن نكون في العانية المشددة أفضل ألف مرة من أن نكون أعطينا كل شيء ، لأن أمرنا انتهى إلى لا شيء ، الآية دقيقة جداً :

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

شعوب تقتل ، ثروات تنهب ، قهر ، ظلم ، وهم مرتاحون ، وبراءة الأطفال في أعينهم ، ويُقتَلون بدم بارد .

قتل امرئ في بلدة جريمة لا تغتفر
وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر
***

لذلك أنا أقول : إذا كان الشعب المؤمن الطاهر المستقيم يعاني ما يعاني أفضل عند الله مليار مرة من شعب غارق في الانحراف .
بلدة في مدينة ضخمة في العالم الغربي 75 من سكانها شاذون جنسياً ، انحراف ، لا يعبؤون بشيء ، شهوتهم إلههم ، هؤلاء خارج العناية المشددة ، فإذا كنا نحن في عناية مشددة فالحمد لله ، لأن هناك شيء من الأمل ، أننا نلقى الله على شيء من الطاعة الله عز وجل .
الأستاذ علاء :
الآن سيدي الكريم ، هل لدينا وقت يا ترى ؟ لنتابع الفيلم :
الدكتور راتب :

خَلقُ الإنسان :

1 – المورِّثاتُ :

 الآن ترون على الشاشة نطفة الرجل التي اتحدت قبل قليل مع البويضة

تتحد النطفة مع البويضة

 المعلومة الوراثية للنطفة والبويضة بعضها إلى جانب بعض ، هنا الآن ستتحقق واحدة من أكبر المعجزات على وجه الأرض ، حيث يتم اجتماع وانسجام معلومتين وراثيتين لتكوين إنسان جديد

المعلومة الوراثية للنطفة والبويضة بعضها إلى جانب بعض

  وتحقق اللقاء ربما يكون تصديق الأمر أمراً صعباً
 إلا أن داخل هذه الخلية جميع المعلومات العائدة للإنسان الذي لم يولد بعد ، عين الطفل الذي سيولد ، بشرته ، لون شعره ، شكل وجهه ، خصائصه الفيزيائية

كل الخصائص الفيزيائية للإنسان شفرتها داخل الخلية

 جميعها مشفرة هنا ، إلا أن الأمر ليس مقصوراً على مظهره الخارجي فقط ، بل حدد هيكله وأعضاءه الداخلية ، عروقه ، وحتى أشكال خلايا الدم ، التي تدور في عروقه ، وعددها ، إلى التفاصيل جميعها ، وخصائص الإنسان .
 في سن السابعة وحتى خصائصه في سن السبعين كل شيء وضح ، وكتب داخل هذه الخلايا .

2 – انقسام الخلية :

 تقوم الخلية بعد التلقيح بمدة قصيرة بتصرف آخر محير جداً ، تنقسم وتكون خليتين حديثتين ، ثم تنقسم هذه الخلايا مرة أخرى ، وتصبح أربعة ، فقد بدأ الآن تكوّن إنسان جديد

تنقسم الخلية بعد التلقيح

 ولكن لماذا تتخذ الخلية قرار الانقسام هذا ، ولماذا تكلف نفسها عناء تكوين الإنسان

 هذه الأسئلة ترشدنا إلى عظمة الله تعالى بالعلم الكامل ، والقدرة اللامتناهية ، خالق الخلية والإنسان الموجود داخلها ، والعالم الذي يوجد فيه الإنسان ، والكون كله خالقهم من العدم هو الله جل جلاله .

3 – تمايز الخلايا :

 في هذه اللحظة نشاهد رحلة الخلايا التي تنقسم ، وتتكاثر باستمرار داخل قناة فالوب

تتابع البيضة الملقحة الانقسام بينما تعبر قناة فالوب

 أي البويضة الملقحة ، كتلة الخلايا هذه يطلق عليها منذ الآن البويضة الملقحة ، في أثناء انقسام الخلايا وتكاثرها داخل البويضة الملقحة تتحقق حادثة أخرى محيرة أيضاً ، تبدأ بعض الخلايا بالتمايز ، التمايز أكبر دليل على وجود الله عز وجل ، لو امتنع تمايز الجنين لأصبح قطعة عظم ، أو قطعة لحم

تمايز الخلايا أكبر دليل على وجود الله

 تتمايز مجموعة خلايا عن الأخرى بشكل ملفت للنظر ، فالخلايا المتمايزة تحيط بها ، وبعد مدة قصيرة ستكون مجموعة الخلايا المركزية الجديدة التي هي الإنسان

تتشكل المشيمة في الرحم

 ثم تكون مجموعة خلايا أخرى بشكل مشيمة ، الطفل ، ثم المشيمة ، هناك أمر مخفي يعمل في هذه الخلايا ، تصل البويضة الملقحة بعد أربعة أيام من تلقيحها إلى المكان الذي جهز وخصص لأجلها ، الآن البويضة تمشي في قناة فالوب ، كي تنتهي رحلتها إلى الرحم

تعشش البيضة الملقحة في الرحم

 لكن المشكلة أن هذه الخلية الملحقة البويضة ليس لها نتوءات تتمسك بها في الرحم ، ما الذي يحصل ؟

4 – ثبوت البويضة في جدار الرحم :

 شيء لا يصدق ، لا بد من أن تثبت هذه البويضة في جدار الرحم كي لا تسقط خراج الجسم وينتهي الحمل ، إلا أن البويضة الملقحة ليست إلا كتلة دائرية مكونة من الخلايا الشبيهة ببعضها ، ولكن ليس لها أي نتوء يؤمن لها التعلق بمكان ما ، هذه البويضة على جدار الرحم ، فإذاً : كيف تستطيع التمسك بجدار الرحم ؟ هذا أيضاً قد حسب حسابه عند وصول البويضة الملقحة إلى الرحم .
 إذا دخل نظام آخر ، هذا المشهد الملتقط بمجهر إلكتروني يظهر البويضة الملقحة التي وصلت من اللحظة إلى رحم الأم تفرز الخلايا الموجودة في السطح الخارجي للبويضة أنزيمات خاصة تذيب جدار الرحم ، وبذلك تتمسك البيضة الملقحة بالرحم بشدة

تفرز البيضة الملقحة أنزيم يذيب جدار الرحم كي تلتصق به

 وتنجو من سقوطها خارج الرحم ، وجود الخلايا على سطح البويضة الملقحة في المكان اللازم ، وإفرازها الأنزيم اللازم يوضح مرة أخرى كمال خلقها ، بفضل هذا الخلقة الكاملة تغرز هذه البويضة الملقحة في جدار الرحم .

5 – وصولُ مرحلة خلق الإنسان إلى العلقة :

 هذا المخلوق الجديد الذي يكبر في أثناء تمسكه بالرحم يسمى منذ الآن بالجنين

يبدأ تشكل الجنين بالعلقة كما ورد في القرآن الكريم

 هذه الحقيقة اكتشفتها البيولوجيا الحديثة ، ذكرت في القرآن الكريم عندما يذكر الله عز وجل أول مرحلة للطفل في رحم الأم يستخدم كلمة العلق ، علقت :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

( سورة العلق )

خاتمة وتوديع :

الأستاذ علاء :
شكراً جزيلاً لكل ما قدمت ، ولكل ما شرحت ، ونعد السادة المشاهدين إن شاء الله أن نكمل في الحلقة القادمة بإذن الله .
شكراً لك وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018