الدرس : 42 - سورة البقرة - تفسير الآيات 112 - 120، خُلُق المؤمن لا يتغير - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 42 - سورة البقرة - تفسير الآيات 112 - 120، خُلُق المؤمن لا يتغير


1999-06-04

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الثاني والأربعين من دروس سورة البقرة .

أن تحكم على نفسك أنك على حق وأن الجنة لك وحدك فهذا من باب التألِّي على الله:

 مع الآية الحادية عشرَة بعد المئة وهي قوله تعالى :

﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) ﴾

 هذا هو ما قال عنه العلماء: التألِّي على الله، كان النبي عليه الصلاة والسلام في بيت أحد أصحابه الذين توفَّاهم الله عزَّ وجل، فقالت امرأةٌ: هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله فقال عليه الصلاة والسلام:

((وما يدريك أن الله أكرمه ؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم ))

[أخرج أحمد والبخاري والنسائي وابن مردويه عن أم العلاء رضي الله عنها ]

 هذا هو موقف العبوديَّة مع الله عزَّ وجل، أما أن تحكم على نفسك أنك على حق وحدك، وأن الجنة لك وحدك، فهذا من باب التألِّي على الله .

 

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ (49) ﴾

( سورة النساء الآية: 49 )

 كأن الله ذمَّهم حينما وصف فِعْلَهُم بأنهم يزكُّون أنفسهم، هذا في النصوص الإسلاميَّة:

﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى (111) ﴾

 أي إن اليهود قالت: لن يدخل الجنَّة إلا من كان يهودياً، وأن النصارى قالت: لن يدخل الجنَّة إلا من كان نصرانياً، والمقصِّرون من المسلمين يقولون مثل قولهم: الجنَّة للمسلمين وحدهم، هذا افتراءٌ على الله، أو تألٍّ على الله عزَّ وجل، ردَّ الله عزَّ وجل عليهم فقال :

﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ (111) ﴾

 الأماني بضاعة الحمقى، تمنَّ ما شئت .

رَبَطَ الله جلَّ جلاله الرجاء بالسعي أما التمني فلا يقدِّم ولا يؤخِّر:

 قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا (19) ﴾

( سورة الإسراء )

 رَبَطَ الله جلَّ جلاله الرجاء بالسعي، أما التمني فلا يقدِّم ولا يؤخِّر ولا يرقى بالإنسان عند الله أبداً، بل إن كل إنسانٍ كائناً من كان يتمنَّى أن يكون غنياً جداً، وكل طالبٍ كائناً من كان يتمنى أن يكون ناجحاً، إذا تمنى النجاح ولم يدرس، وإذا تمنى الغنى ولم يعمل، وإذا تمنى أن يكون عالماً ولم يطلب العلم، فهذه بضاعة الحمقى:

﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ (111) ﴾

 الله جلَّ جلاله لا يتعامل مع التمنِّيات، بل إن الله عز وجل ذم الذي يتمنَّى فقط، المؤمن يطلب ويسعى وسعيُه علامة صدقه في طلبه، وعملُه الطيِّب علامة صدقه في طلبه، وإخلاصه علامة صدقه في عمله .

 

تقييم الناس من أقوالهم هو تقويمٌ باطل لأن الإنسان لا يقيَّم إلا من أعماله:

 قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى (111) ﴾

 دمج ربنا عزَّ وجل القولين في قولٍ واحد، لأن أساسها وقالت اليهود: لن يدخل الجنَّة إلا من كان يهودياً، وقالت النصارى: لن يدخل الجنَّة إلا من كان نصرانياً، فدمج القولين في قولٍ واحد:

﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى (111) ﴾

 كل إنسان يتوهَّم أنه على حق وحده وما سواه على باطل، وأن الجنَّة له وحده وأن ما سواه إلى جهنَّم، فهذا ضيقٌ في الأفق، وهذا تحجيرٌ لرحمة الله عزَّ وجل:

﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) ﴾

 إذا قال الإنسان: أنا مؤمن . عليه أن يقدِّم بُرهاناً، إذا قال: أنا ملتزم، أين التزامك ؟ أنا ورع، أين ورعك ؟ أنا مسلم، أين إسلامك ؟ أنا تقي، أين تقواك ؟ أنا محسن أين إحسانك ؟
 بالمناسبة من السهل جداً أن يقيَّم الناس من أقوالهم، فهذا تقويمٌ باطل، الإنسان حقيقةً لا يقيَّم إلا من أعماله، فقد يكون له كلامٌ كالعسل وفعلٌ كالأثل وكالصبر، فهذه الازدواجيَّة تجدها عند معظم الناس، إذا حدَّثك تُعجب بكلامه فإذا عاملك يسقط كلامه عندك، وحينما يكون الناس ذوو كلام طَيِّب وفعل قبيح يسقطون من عين الله، اجلس الآن في أي مجلس تجد فيه تبادل مديح، فإذا تفرَّق هؤلاء من المجلس طعن بعضهم ببعض إنه نفاق، هذا الذي تمدحه في وجهه لماذا تذمُّه في غيبته ؟ ولماذا تمدحه وأنت تعلم أنه ليس على حق ؟ لماذا تمدحه وتعلم أنه فاسق ؟

(( إن الله ليغضب إذا مدح ))

[أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عدي وأبو يعلى والبيهقي من حديث أنس بسند ضعيف ]

 من وقَّر مبتدعاً فقد أعان على هدم الدين .

الازدواجية والنفاق من أمراض المسلمين اليوم:

 إنسان مبتدع جاء بشيء ليس من الدين لماذا تبجِّله وتعظِّمه وتبدي أعلى درجات الاحترام له ؟ فأنت بهذا كنت مِعْوَلاً هدم الدين، فهذه الازدواجية وهذا النفاق من أمراض المسلمين اليوم:

﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) ﴾

 أنا أُصَدِّق طبيباً إذا نصحني أن أدع الملح مثلاً منعاً لارتفاع الضغط ، لمَ لا تنصاعُ لنصيحة خالق الأكوان ؟ قال الإمام الغزالي: "يا نفسُ لو أن طبيباً منعكِ من أكلةٍ تحبينها لا شكَّ أنكِ تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله ؟ إذاً ما أكفركِ، أيكون وعيد الطبيب أشد عندكِ من وعيد الله ؟ إذاً ما أجهلكِ ".
 كأن الله عزَّ وجل يقول: هذه دعوى فأين البرهان ؟ تدَّعون أن الجنَّة لكم وحدكم ولكن ما برهانكم على ذلك ؟ وما العمل الذي إذا فعلتموه ارتقيتم عند الله عزَّ وجل ؟ وأنت لاحظ عندما يكون إنسان شارداً تائهاً غافلاً عن الله يناقش مؤمناً، يقول له: أنا إيماني أقوى من إيمانك، أنا إيماني بقلبي ! لكنه في سلوكه ليس منضبطاً أبداً، ثم يدعي أن إيمانه بقلبه، أخرج ديناً جديداً، يقول: العبرة بالقلب، والمرأة الساقطة تقول كذلك، فلا يوجد إنسان ساقط بسلوكه إلا ويدعي أن إيمانه بقلبه هذه دعوى، كأن لسان حال هؤلاء يقول: يا رب ألا يدخل الجنة أحد ؟ هؤلاء تمنوا دخولها ولا يدخلونها، ألا يدخل الجنَّة أحد ؟ قال الله عزَّ وجل:

﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾

 أي طبَّق أمر الله مخلصاً، الوجه يعبَّر به عن الذات، أنا أبتغي بهذا العمل وجه الله، أي أبتغي ذات الله عزَّ وجل، أشرف شيء بالإنسان وجهه، فأنت تقول: أبتغي وجه الله عزَّ وجل، أي أبتغي ذات الله عزَّ وجل .

خُلُقُ المؤمن:

 قال تعالى:

 

﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾

 أي وجدته مطيعاً لله، وجدته وقَّافاً عند كلام الله، وجدته مؤتمراً بما أمر الله منتهياً عما نهى الله عنه، يرتاد بيوت الله، يبتعد عن أماكن اللهو، ويجعل دخله حلالاً، ويبتعد عن الدخل الحرام، ويُقيم الإسلام في بيته، أي أنه من فرقه إلى قدمه ينطق بإسلامه، إذا حدَّثك فبالقرآن والسنة، وإن نظر ضبط بصره وغَضَّه عن محارم الله، وإن استمع لا يستمع إلى منكر، إن نطق لا ينطق إلا بالحق، إن تكلَّم ذكر الله وإن سكت فكَّر في خلق الله، وإن رأى أدرك العبرة مما يرى .
 أحياناً يقول لك إنسان: والله مؤمن ورب الكعبة ؛ بكلامه، وجلسته، ومشيته، ونظرته، وحديثه، ومواقفه، وعلاقاته، ومعاملاته، وبيته، وعمله هو مسلم إسلاماً خالصاً فقد سُئلت السيدة عائشة عن خلق رسول الله فقالت:

(( كان خُلُقُه القرآن ))

[مسلم عن عائشة رضي الله عنها]

 قال بعضهم: " القرآن كونٌ ناطق، والكون قرآنٌ صامت والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي " . المؤمن وقَّاف عند كتاب الله، يأتمر بما أمر، وينتهي عما عنه نهى وزجر، ولا يفعل إلا ما يرضي الله:

 

﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (112) ﴾

﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾

 هذه الكلمة مطلقة، محسن في كل شيء ؛ محسن في عمله المهني، محسن في بيته، محسن في أفراحه، الفرح لا يستخفُّه، محسن في أحزانه، الحزن لا يسحقه، إنفاقه ولو كان غنياً ينفق الدرهم في مكانه الصحيح، محسن في كسب ماله لا يُخادع الناس، ولا يغشُّهم، ولا يحتال عليهم، ولا يأكل المال الحرام، ولا يأكل المال بالخِداع، فكلمة

﴿ مُحْسِنٌ ﴾

 مطلقة . لذلك حينما يموت المؤمن تبكي عليه السماء والأرض، والكافر إذا مات لا تبكي عليه السماء ولا الأرض .

الاستسلام لأمر الله هو الاستقامة والإحسان هو العطاء:

 قال تعالى:

 

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ (29) ﴾

(سورة الدخان الآية: 29 )

 إنه محسن، متقن بعمله، صادق بكلامه، إذا وعد وفى، إذا حدَّث صدق، وإذا عامل أنصف، قال: هذا الذي أسلم وجهه لله وهو محسن هذا الذي يدخل الجنَّة، الجنَّة لمثل هؤلاء . وهذا درس لنا، أخلص لله عزَّ وجل، وطبِّق أمره، وأحسن .
 يوجد في هذه الآية شيء تطبيقي وشيء إنشائي، أنت مستسلم لأمر الله، طبَّقت أمر الله وأنت محسن أي أن هناك عطاء، أنت قدَّمت شيئاً معنى محسن أي أنك قدَّمت شيئاً، فالاستسلام هو الاستقامة، والإحسان هو العطاء، وكل واحد منا لو سأل نفسه هذا السؤال: يا نفس ماذا قدَّمتِ ليوم القيامة ؟ ماذا قدَّمت للمسلمين ؟ ما العمل الذي يمكن أن تعرضيه على الله عزَّ وجل ؟ هذا سؤال دقيق . هناك إنسان يعيش لذاته، وهناك إنسان يعيش للآخرين، فقيمتك عند الله تساوي عملك الصادق، وأنت في الدنيا هنا من أجل العمل الصالح .

﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾

 استقام على أمر الله، نفَّذ الأمر وانتهى عما عنه نهى الله عزَّ وجل، هذه الاستقامة، وهو محسن أعطى ؛ أعطى من ماله، أعطى من وقته، أعطى من علمه، أعطى من جهده، أعطى من خبرته، أعطى المسلمين، نصحهم ما غشَّهم، ما كذب عليهم .

﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾

 إسلام الطاعة وإسلام الإخلاص، أي أنه أطاع الله مخلصاً ثمَّ أعطى مما أعطاه الله، هل هناك إنسان ليست له ميِّزة ؟ هل هناك إنسان ليست له حرفة ؟ أو أنه لا يفهم شيئاً ؟ المؤمن الصادق يقدِّم جزءاً من اختصاصه، ومن حرفته، ومن خبرته، مما مكَّنه الله منه لوجه الله عزَّ وجل، فالطبيب يعالج المرضى الفقراء لوجه الله، والمحامِي المؤمن يتولَّى قضايا لأُناس فقراء لوجه الله، والتاجر المؤمن يؤدي زكاة ماله وينصح المسلمين، وما من حرفةٍ تستعصي عن أن تكون لوجه الله، ما من حرفةٍ تستعصي عن أن تعمل من خلالها العمل الصالح .

من فضل الله تعالى علينا أنه لا يغيِّر إن لم نغيِّر:

 قال تعالى:

﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ (112) ﴾

 يا لطيف !!

﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) ﴾

 دقِّق، لا خوفٌ عليهم في المستقبل إذ لا يوجد شيء مقلق، فالمستقبل لصالحك، وخطَّك البياني صاعد:

 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

( سورة التوبة الآية: 51 )

 من فضل الله إن لم تغيِّر لا يغيِّر، فهذه الآية :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد الآية: 11 )

 أي أنك إذا كنت مرتاحاً ـ بالتعبير الدارج ـ لا تغيِّر حتى لا يغيِّر . وإذا كنت غير مرتاحٍ غيِّر كي يغيِّر .
 والله هذه الآية تكفي أيها الأخوة، فإذا كنت مرتاحاً تعيش في بحبوحة، ليس لديك أي مشكلة، ولكنك قلق أن يزول عنك هذا الواقع المريح، لا تغيِّر كي لا يغيِّر، بل ستكون على أحسن، أما إذا كنت تعاني من مشكلة غيِّر حتى يغيِّر .

 

أي عملٍ صالحٍ هو قرضٌ لله عزَّ وجل والذي سيرُدُّ لك هذا القرض هو خالق الأكوان:

 هذا الذي:

﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ (112) ﴾

 له أجره عند ربه، فماذا تفهم منها ؟ إذا قال لك طفل صغير: أجرك عندي، ماذا يعطيك ؟ وما الذي معه حتى يعطيك ؟ أما إذا قال لك ملك: أنا سأكرمك . الملك لا يعطي مئة ليرة ولكنه يعطي أقل شيء بيتاً، يعطي مركبة فخمة جداً، ويعطي أقل شيء منصباً رفيعاً، إذا قال لك الله عزَّ وجل ملك الملوك:

﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ (112) ﴾

 ذكرت اليوم في الخطبة أن الله عزَّ وجل حينما يقول:

 

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

( سورة البقرة الآية: 245 )

 أي عملٍ صالحٍ على الإطلاق ؛ لأي إنسان، ولأي حيوان، ولأي نبات، فلو سقيت نباتاً، ولو أطعمت عصفوراً، أو أطعمت هرَّةً، أو رحمت إنساناً أي إنسان، ولو تكلَّمت كلمةً طيِّبةً، أو ابتسمت في وجه أخيك، أي عملٍ صالحٍ على الإطلاق هو قرضٌ لله عزَّ وجل، والذي سيرُدُّ لك هذا القرض هو خالق الأكوان:

 

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾

( سورة البقرة الآية: 245 )

أجمل ما في المؤمن أنه لا يندم على شيءٍ فاته قط:

 هناك أخوان كرام تعاملوا مع الله بالإحسان إلى خلقه فرأوا من الله عزَّ وجل إكراماً لا يصدَّق، أنت تكرم عبادي والله عزَّ وجل يجزيك على إكرامك هذا أعظم الجزاء .

 

﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ (112) ﴾

 في المستقبل:

﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) ﴾

 على الماضي . أجمل ما في المؤمن أنه لا يندم على شيءٍ فاته قط، وسيدنا الصدِّيق فيما يوصف به أنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط، لأنه يا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وإذا وجد العبد الله عزَّ وجل وجد كل شيء، وإذا فقد الله فقد كل شيء، فإذا وصلت إلى الله يصبح كل شيء سهلاً .

 

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ (113) ﴾

 والكتاب واحد:

﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ (113) ﴾

 بربكم أليس هذا واقع المسلمين ؟ كتاب واحد، نبيٌ واحد، سُنَّةٌ واحدة، هدفٌ واحد، ومنهج واحد، وإله واحد والمسلمون فرق وطوائف، كلٌ يدعي أنه وحده على الحق، وكلٌ يطعن بالآخرين .

 

الاختلاف أنواع:

 شيءٌ ذكرته قبل دروسٍ كثيرة: أن هدف ذكر قصة بني إسرائيل في القرآن لكي نأخذ حذرنا، فكل مرضٍ وقع فيه بنو إسرائيل نحن مرشَّحون أن نقع فيه، وهذا مرض من الأمراض ؛ الفرقة، والمنازعة، والطعن، والتكفير، والاتهام بالشرك:

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ (113) ﴾

 كتابٌ واحد، ونبيٌ واحد، ومنهجٌ واحد والناس متفرِّقون .
 لذلك أيها الأخوة ذكرت هذا مرَّاتٍ كثيرة هناك اختلافٌ أساسه نقص المعلومات، وهذا الاختلاف سهل جداً يعالج بالمعلومات، الاختلاف الناجم عن نقص المعلومات ينتهي إذا توافرت هذه المعلومات . وهناك اختلافٌ أساسه الحَسَد، والبَغي، وتنازع المصالح والمراكز، وهذا الاختلاف أساسه الحَسد .

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ (19)﴾

( سورة آل عمران الآية: 19 )

 الاختلاف الثالث اختلاف محمود، اختلاف التنافُس:

﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ (213) ﴾

( سورة البقرة )

 إذا كانت القضيَّة أن نصل إلى أعلى درجة في الجنة، وأنا اعتقدت أن العمل الصالح وحده، وهذا اعتقد أن طلب العلم وحده، وهذا اعتقد أن تعليم العلم وحده، وهذا اعتقد أن حفظ السُنة وحدها، كلام طيِّب، هذا التنافس محمود، فهناك إذن تنافس طبيعي لا يحمد ولا يذم، وتنافسٌ مذموم وهو تنافس الحسد، والبغي، والعدوان، وتنازع المصالح والمراكز، وتنافس محمود هو التنافس على بلوغ أعلى درجات الجنَّة .

الله عز وجل هو الحكم يوم القيامة وكلمته هي الفاصلة:

 قال تعالى:

﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ (213) ﴾

( سورة البقرة )

 اختلفوا وهم جميعاً ضمن الحق، أي جانبٍ في الدين أقوى، أي جانبٍ أقرب إلى الله عزَّ وجل يلزمه .

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (113) ﴾

 لم يكن عند كفَّار العرب في الجاهليَّة توراة، ولا إنجيل، ولا أنبياء، ولكنهم كانوا يعبدون الأوثان، ومع ذلك قالوا مثل قول هؤلاء، شيء محيِّر، وأحياناً إن أهل كتاب ومعهم كتاب وجاءهم رسول، يتهمون الآخرين كما يتهمون الذين لا يعلمون أنهم ليسوا على شيء:

﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ (113) ﴾

 من الذي سيحكم بينهم ؟ الله عزَّ وجل، ومن الذي كلمته هي الفاصلة ؟ ومن الذي يقول: أنتم على حق وأنتم على باطل وانتهى الأمر ؟ هو الله عزَّ وجل، فلذلك لنا وقفةٌ يوم القيامة، أنت ادّعِ ما شئت، وامدح نفسك بما شئت، وأسبغ على شخصك كل صفات القداسة، كلام بكلام، لكن الله متكفِّلٌ أن يفصل بينك وبين الآخرين يوم القيامة، جعل الله عزَّ وجل يوم القيامة يوم الفصل، ويوم الدينونة، ويوم الحق .

﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) ﴾

 والله عزَّ وجل هو الحكم، وهو يعلم السرَّ وأخفى، يعلم حقيقة العمل، الإنسان أحياناً يأخذ مظهراً استعراضياً، يبدو أمام الناس أنه ولي وهو ليس كذلك، فمن يكشف الحقيقة ؟ الله جلَّ جلاله .

 

أظلم الناس من يمنع الناس عن أن يصلوا إلى الله ويعبدوا ربهم:

 قال تعالى:

﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وَمَنْ أَظْلَمُ (114) ﴾

 هذا اسمه استفهام إنكاري، أي ليس في الأرض إنسانٌ أشدّ ظلماً من هذا الذي يفعل كذا، فهو أشد ظلماً لنفسه وأشد ظلماً للخلق، يظلم نفسه ويظلم الآخرين، من هو ؟

﴿ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا (114) ﴾

 أي أن أظلم الناس من يمنع الناس عن أن يصلوا إلى الله، ويمنع الناس أن يصلُّون، ويمنع الناس أن يعبدوا ربهم، ويمنع الناس أن يستقيموا، قال بعضهم: هذه متعلِّقة ببيت الله الحرام حينما منعوا المسلمين من أداء العمرة، وقال بعضهم: للذي خرَّب بيت المقدس ـ بختنصَّر ـ وبعضهم قال: أي مسجد . وبعضهم قال: أي منعٍ لدعوةٍ إلى الله، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

(( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 أي مكان في الأرض مسجد، فالذي يمنع الناس أن يسجدوا لله عزَّ وجل، وأن يخضعوا لله، ويطبِّقوا أمر الله عزَّ وجل، إما أن تؤخذ بمعناها الواسع أي كل إنسان حال بين الناس وبين ربهم، منعهم أن يصلوا، ومنعهم أن ينطقوا بكلمة الحق، ومنع دعوةً إلى الله عزَّ وجل .

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ (114) ﴾

 المساجد مُفَتَّحة في هذه البلدة الطيِّبة والحمد لله، والدروس عامرة، وهذه نعمة والله الذي لا إله إلا هو لا تعدلها نعمة، بلاد عربيَّة كثيرة لا تستطيع أن تدخل المسجد لأن فيها شدَّة بالغة، انظر إلى المساجد هنا والحمد لله ممتلئة، والدعوات ناجحة والحمد لله، والبيوت عامرة، والأبواب مفتَّحة، وهذه نعمةٌ كبرى يجب أن نحافظ عليها، وأن نحافظ عليها بوعينا، وأن نجعل هذه المساجد لله وحده .

حينما يحول الإنسان بين الناس وبين طاعتهم لله فهو بذلك يحارب الله ورسوله:

 قال تعالى:

 

﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً(18) ﴾

( سورة الجن )

 هذا المكان لله وحده، لا ينبغي لمن في المسجد أن يطرح فيه موضوعاً آخر، موضوعاً متعلِّقاً بالدنيا، فهذا المسجد بيت الله عزَّ وجل، وما دام الإنسان جعله لله وحده لا شيء عليه أبداً، لا أحد يحاسبك إذا كنت تدخل هذا المسجد تبتغي به وجه الله، إذا كانت كل الموضوعات متعلِّقة بالدين فقط .

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ (114) ﴾

 هذا الذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، إذا اعتبرنا أن الأرض كلها مسجد فمعنى هذا أن الذي يمنع أن يُذكر الله، يمنع أن يُقرأ القرآن، يمنع أن يصلي الإنسان، وأن يحجِّب الإنسان امرأته، فهذا الذي يمنع أن تطبَّق أحكام الشريعة، مَنْ يحارب هذا الإنسان ؟ إنه يحارب خالق الأكوان . هل يستطيع جندي غِر أن يحارب أكبر دولة في العالم الآن بمنطق العصر ؟ حينما يحول الإنسان بين الناس وبين طاعتهم لله يحارب من ؟ إنه يحارب الله ورسوله، فمن هو الطرف الآخر ؟ خالق الأكوان .
 بالمناسبة إذا وقف إنسان أمامكم باتجاه الشمس ونفخ نفخةً متوِّهماً أنه سيطفئها ـ الشمس التي يزيد حجمها عن حجم الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرَّة، وحرارتها على السطح ستة آلاف درجة، وطول لسان لهبها مليون كيلو متر، وحرارة مركزها عشرون مليون درجة ـ توجَّه إنسان على الأرض نحو الشمس ونفخ عليها نفخةً ليطفئها، ألا يحتاج إلى مستشفى للأمراض العقليَّة ؟!!

 

الذي يحاول أن يلغي الدين هذا يريد أن يطفئ نور الله بفمه:

 قال تعالى:

 

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ (8)﴾

( سورة الصف)

 آية بليغة جداً، أي أن هذا الذي يحاول أن يلغي الدين، وأن يحارب الدين، ويحارب الله ورسوله، وأن يمنع الناس من دخول مساجد الله عزَّ وجل، ويمنع الصلاة مثلاً، ويمنع أن تقام شعائر الله عزَّ وجل، هذا ماذا يفعل ؟ هذا يريد أن يطفئ نور الله بفمه، وقد أراد آلاف الأشخاص إلغاء الدين فماتوا والدين باقٍ لأنه دين الله، وأنا أقول لكم أيها الأخوة: لا تقلقوا على دين الله أبداً، إنه دين الله، والله عزَّ وجل قادر أن ينصره على يد أي إنسان، والله سبحانه قادر أن ينصر دينه على يد أعدائه وهم لا يشعرون، فما الذي ينبغي أن تقلق له؟ فيما إذا سمح الله لك أن تنصره أو لا، وإذا منحك الله شرف نصره أم لا، اقلق على هذا .

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا (114) ﴾

 سآتيكم بمثل بسيط: قد يكون عندك صانع في المحل طلب أن يصلي فلم تسمح له وقلت له: لا تصل عندنا . وهذه يفعلها معظم الناس، معظم المسلمين، لا يسمح له أن يصلي ـ لا صلاة عندنا لأن لدينا أعمالاً ونحن في موسم ـ فهذا تنطبق عليه الآية . وكذلك الأب الذي يمنع ابنه من حضور درس علم كذلك تنطبق عليه الآية:

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا (114) ﴾

 قالوا: خرابها إما هدمها أو تعطيل الصلاة فيها . الآن في تركيا جامع ضخم من أضخم جوامع تركيا حُوِّلَ إلى متحف، ممنوع الصلاة فيه، هو ليس جامعاً، مُنعت فيه الصلاة، مُنعت أن تقام شعائر الله عزَّ وجل فيه، يأتيه الزوار من كل حدبٍ وصوب، وهذا المسجد كان معبداً من وقت نبوَّة رسول الله عليه الصلاة والسلام، إنه قديم في مدينة اسطنبول، مُنِع أن تُقام الصلاة فيه، فإما أن تُمنع الصلاة فيه وإما أن يُهدم، والبلاد التي تؤمن بلا إله هدمت بيوت الله كلها .

 

قبلة المريض جهة راحته وقبلة الخائف جهة أمنه وقبلة المسافر جهة دابَّته:

 قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) ﴾

 لأنهم حاربوا الله ورسوله، يعاقبهم الله عزَّ وجل بخزيٍ في الدنيا، وعذابٍ عظيمٍ في الآخرة . فمن هو الشقي ؟ الشقي الذي حارب الله ورسوله، ومن أنت حتى تحارب الله ورسوله ؟ بمنطق الأحداث هل من الممكن لإنسان أعزل أن يحارب أقوى جيش في العالَم ؟ الله عزَّ وجل بثانية واحدة يجعله جثَّة هامدة، يقول لك: توقَّف قلبه فجأةً أو خثرة في الدماغ:

﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) ﴾

 سواءٌ اتجه المسلمون إلى بيت الله الحرام فثمَّ وجه الله، أو حينما اتجهوا إلى بيت المقدس فثمَّ وجه الله، وإذا صليت في ليلةٍ غائمةٍ ولم تهتدِ إلى القبلة، فصليت باجتهادك، ثم تبيَّن لك أن هذا الاجتهاد غير صحيح فالصلاة مقبولة، فثم وجه الله، ولو كنت مسافراً فقبلتك جهة دابَّتك، ولو كنت خائفاً فقبلتك جهة أَمْنِكَ، أو مريضاً لا سمح الله فقبلتك جهة راحتك، فقبلة المريض جهة راحته، وقبلة الخائف جهة أمنه، وقبلة المسافر جهة دابَّته، يمكن أن تركب طائرة من الجنوب إلى الشمال، وتصلي صلاة النفل وأنت على المقعد باتجاه الشمال، لأن قبلتك جهة الطائرة، فالدين يسر، قال تعالى:

﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ (115) ﴾

 أي سيان اتجهتم إلى بيت الله الحرام أو إلى بيت المقدس، وما كان النجاشي يتجه إلى بيت الله الحرام حينما كان يصلي، فلما أراد النبي أن يصلي عليه صلاة الغائب، قالوا: " أتصلي على إنسان لا يتجه إلى القبلة ؟ " فجاءت الآية:

﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ (115) ﴾

 الآية لها معانٍ كثيرة، أنت اجتهدت ولم يكن معك بوصلة، لا تعرف أين القبلة، فاجتهدت اجتهاد، ثم تبيَّن لك أن الاجتهاد غلط، فالصلاة مقبولة، فثم وجه الله، هناك إجابات كثيرة من خلال هذه الآية .

 

مُلْكُ المشرق والمغرب لله عزَّ وجل:

 اليهود أعجبهم أن يتجه المسلمون إلى بيت المقدس، فلما أُمروا أن يتوجَّهوا إلى بيت الله الحرام نعوا عليهم ذلك، فجاءت الآية الكريمة :

﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ (115) ﴾

 هذا اختصاص، أي أن مُلْكُ المشرق لله عزَّ وجل، فمن الذي خلق الشرق ؟ لولا أن هناك شمساً تشرق لما كان هناك شرق، فمن الذي خلق الشمس أساساً ؟ كلمة مشرق من أين جاءت ؟ من أرض تدور حول الشمس، فمن خلق الشمس ؟ الله جلَّ جلاله فله المشرق، ومن خلق الغروب ؟ الله جلَّ جلاله فله المغرب . وبعد ذلك هناك مشارق ومغارب، ففي كل ثانية هناك شروق في الأرض، وفي كل ثانية هناك غروب، فإذا ركب الإنسان طائرة وكانت سرعتها ألفاً وستمئة كيلو متر في الساعة يبقى مع الشمس دائماً، لا يبقى هناك غروب لأنه سار بسرعة الأرض حول الشمس والذين يسافرون إلى أمريكا يجدون أن الوقت طويل جداً على الساعات لأنه يسير مع الشمس، أحياناً تخرج من دمشق الساعة الثانية تطير خمسة وعشرين ساعة فتصل قبل المغرب لأميركا لأنك تسير مع الشمس، فمن الذي خلق المشرق ؟ هو الله عزَّ وجل، ومن الذي خلق المغرب ؟ هو الله عزَّ وجل .
 من الذي خلق المشرقين ؟ فإذا كان بيت أحدنا مرتفعاً يلاحظ أن الشمس تشرق في الشتاء من مكان وفي الصيف من مكان آخر، فالنهاية القصوى في الشتاء والنهاية القصوى في الصيف هذان المشرقان، وإذا كان بيته على البحر يلاحظ كذلك أن غروب الشمس في الصيف من مكان وفي الشتاء من مكان آخر، فالمكان الأقصى في الصيف مغرب والمكان الأقصى في الشتاء مغرب، صار هناك مغربان ومشرقان، وكل مكان في الأرض فيه شروق وفيه غروب، فالمشرق جهة الشرق، والمغرب جهة الغرب، فهناك مشرقان الحد الأقصى والأدنى في الشرق، ومغربان الحد الأقصى والأدنى في الغرب، وفي كل يوم مشرق خاص، وفي كل مكان له شروق خاص .
 شروق الشمس في دمشق غير بيروت فهناك الفرق خمس دقائق، وغير تدمر، وغير بغداد، وغير القاهرة، وغير تونس، هذا في الأساس هو فرق الساعة، فالخمس ساعات فرق شروق فمعنى هذا كل يوم له شروق وكل مكان له شروق، والله هو رب المشارق والمغارب .

 

القبلة ليست نقطة ولكنها خط:

 هناك نهاية أي مكان أقصى للشروق، أي مكان أدنى للشروق فهذان مشرقان . وهناك جهة الشرق وجهة الغرب فهذا مشرق ومغرب:

﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) ﴾

 رحمة الله واسعة، وعلمه واسع، وأحياناً يخلق الإنسان مشكلة بلا مبرِّر، يقول لك: الجامع مائل ثلاث درجات فالصلاة فيه باطلة، من قال لك ذلك ؟ لا يقول هذا إلا جاهل، الكعبة ليست نقطة ولكنَّها جهة، الكعبة جهة الجنوب بالنسبة إلى دمشق، أما عين الكعبة لمن كان في بيت الله الحرام، تلاحظون أن هناك خطوطاً زرقاً دائريَّة حول الكعبة، ما دمت في بيت الله الحرام فقبلتك عين الكعبة، فينبغي أن تكون الخطوط دائريَّة، أما في مكة بيت الله الحرام هو القبلة وليست الكعبة، أما أنت في الشام فالقبلة في جهة الجنوب وانتهى الأمر، فالقبلة ليست نقطة ولكنها خط، هذه تلغي كل المشكلات، قد تحدث خصومات في بعض بلاد الغرب وفي أمريكا بالذات لوجود طريقين للكعبة، طريق من هنا ـ من الشرق ـ وطريق من هنا ـ من الغرب ـ وفرق درجات بسيطة، وخصومات، وجدال، وعداوات من أجل:

﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ (115) ﴾

العقل له مهمة قبل النقل أن يتأكَّد من صحة النقل ومهمَّة بعد النقل أن يفهم النقل:

 هناك من يُعَقِّد الأمور والدين يحتاج إلى تبسيط . وقد ذكرت لكم مرَّة أن إنساناً أسلم ودرس على يد شيخ يعلِّمه أحكام الفقه، فأبقاه في أحكام المياه ستة أشهر حتى خرج من جلده وترك الدين، والتقى بعالم آخر فقال له: الماء الذي تشرب منه توضَّأ منه، لخَّص له ستة أشهر بكلمة واحدة، نحن بحاجة إلى تبسيط للدين، وإلى تطبيق، أي ألا تحتقر العقل، العقل أساس، وأن لا ينفرد العقل بالدين، العقل له مهمة قبل النقل ومهمَّة بعد النقل، فقبل النقل أن يتأكَّد من صحة النقل، وبعد النقل أن يفهم النقل .

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ (116)﴾

 سبحانه أن يتخذ ولداً، هو غنيٌ عن الصاحبة والولد، الإنسان يتخذ ولداً ليكون استمراراً له بعد الموت، ولكن الله عزَّ وجل حيٌ باقٍ على الدوام، وينجب الإنسان ولداً ليعينه إذا كبر:

 

﴿ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ (4) ﴾

( سورة مريم )

 وهن العظم أي ترقُّق العظام، وهذا يحتاج إلى مشي للوقاية منه ويحتاج إلى مواد كلسيَّة، فالإنسان في النهاية يترقَّق عظمه ويصبح هشاً، والإنسان يتخذ ولداً، أو ينجب ولداً كي يعينه إذا تقدَّمت به السن، والله عزَّ وجل منزَّه عن أن تكون له صاحبة، والإنسان مفتقر إلى زوجته، وهي مفتقرةٌ إليه، ومفتقر إلى ولد يعينه إذا كبر، ويكون استمراراً له إذا مات ولكن الله عزَّ وجل منزَّه عن كل هذه المعاني:

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ (116)﴾

 هو منزَّه عن هذا، والتسبيح هو التنزيه والتمجيد والخضوع، وأنت متى تسبِّح الله عزَّ وجل ؟ إذا نزَّهته ومجَّدته وخضعت له:

﴿ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)﴾

هناك أقوامٌ كثيرون رأوا معجزاتٍ حسيَّةً فلم يؤمنوا فالذي لا تهزُّه آيات الكون لا يهزُّه خرقُها:

أيها الأخوة:

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ (118) ﴾

 لتكون علامة تثبت صدق رسالته، ولكن ألا يكفي هذا القرآن المعجز ؟ إنهم يطالبون بشيء لا يقبله العقل، نبيٌ كريم معه كتابٌ معجز، ومعه شرحٌ لهذا الكتاب، وهناك معجزات كثيرة جاء بها:

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ (118) ﴾

 هل يحتمل الإنسان أن يكلِّمه الله ؟ قال سيدنا موسى لله عزّ وجل:

﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ﴾

( سورة الأعراف الآية: 143 )

 وقال:

﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (118) ﴾

 الأقوام السابقة رأوا البحر أصبح طريقاً يبساً، ومع ذلك قالوا :

 

﴿ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138) ﴾

( سورة الأعراف )

 هناك من رأى ناقةً خرجت من الجبل، ومن رأى نبياً كريماً وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام أُلقي في النار فلم يحترق، ومن رأى يد سيدنا موسى أصبحت مصباحاً منيراً:

 

﴿ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ(108) ﴾

( سورة الأعراف )

 هناك أقوامٌ كثيرون رأوا معجزاتٍ حسيَّةً فلم يؤمنوا، فالذي لا تهزُّه آيات الكون لا يهزُّه خرقُها .

 

قلوب الشاردين عن الله ومواقفهم وأقوالهم متشابهة:

 قال تعالى:

 

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) ﴾

 أي أن قلوب الشاردين عن الله متشابهة، وأقوالهم متشابهة، ومواقفهم هيَ هي، والكافر هو هوَ، والمنافق هو هوَ في كل زمان ومكان:

﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾

 أي أن الحق لابس رسالته، الحق هو الشيء الثابت والهادف، والحق شيء ثابت إلى أبد الآبدين، وهادف نبيل، فأنت يا محمد أُرسلت بالحق، وهو الشيء المُستقر، الثابت، الهادف، النبيل، المقدَّس .

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً (119) ﴾

 للمؤمنين:

﴿ وَنَذِيراً (119) ﴾

 للكافرين:

﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) ﴾

 أنت مبلِّغ فقط، أما المنحرف فلا تحاسب عنه، هو يحاسب عن نفسه فقط .

 

ليس في الإسلام مجاملات ولا أنصاف حلول فالحق حق والباطل باطل:

 قال تعالى:

 

﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى(120)﴾

 أي ليس في الإسلام مجاملات، ولا مداهنة، ولا أنصاف حلول، هذا ليس وارداً، ولا حلاً وسطاً، ولا تجميل مشكلة، فالحق حق والباطل باطل:

﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى(120)﴾

 هدى الله الذي جاءني هو وحده الهدى:

﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) ﴾

 أحياناً يجتهد الإنسان اجتهاداً خاطئاً أن يجامل الشاردين عن الله عزَّ وجل، فيقول في نفسه: آخذ شيئاً مما عندهم، واستفيد منهم . كلمة دقيقة ومثل بليغ: إذا بلعت السفينة من ماء البحر شيئاً فالبحر سوف يبتلعها كلَّها، فليحافظ المؤمن على استقامته، وعلى طهارته، وعلى صفاء قلبه، وعلى طاعته لله عزَّ وجل، والله هو الفعَّال، لا تقدِّم شيئاً من دينك أبداً إذا كان من الممكن أن تبذل دنياك لدينك فهذا الشيء جيد وهذه مداراة مقبولة ومرغوب بها، أما أن تبذل دينك لدنياك فأنت الخاسر الأكبر .

 

﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018